أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
رياضيات

رياضيات الحدود الضبابية

رياضيات الحدود الضبابية(*)

ما هي حدود مجموعة؟ يعود تاريخ أول التعاريف الدقيقة لهذا

المفهوم إلى مئة عام، لكن الرياضياتيين(1) يواصلون البحث

عن تعاريف جديدة تراعي الطابع الضبابي لبعض الأشياء.

<S.دوگوسون>

 

إننا نستغرب من وجود حدود ضبابية(2) في جميع الميادين. ولكن ثمة أسباب رياضياتية تجعلنا نعتقد، عندما يتعلق الأمر بالحدود، بأن الضبابية ليست استثناءً، بل هي القاعدة، وأن الوضوح والجلاء ـ خلافا لما نتصوّره ـ يعتبر استثناءً. وعندما يكون هذا التأكيد مستندا إلى الرياضيات، وهي العلم مضرب المثل في الدقة، فلا شك أن الأمر سيبدو محيّرا. وينبغي ألاّ ننسى بأن هذه الدقة هي التي تسمح بتناول المواضيع ذات الطابع التقريبي بتدقيق تام. ولعل خير دليل على ذلك نظرية الاحتمالات والتحليل (دراسة الدوال، مع حصر الأخطاء ومفاهيم التقارب وإيجاد النهاية)، وكذا نظرية المجموعات الضبابية، التي أدخلها عام 1965، <لطفي زاده> [المعلوماتي والرياضياتي الأمريكي، الأذري(3)الأصل].

 

حسب تعريف <لطفي زاده>، تتميّز مجموعة جزئية ضبابية F من مجموعة Eبدالّة، تسمى دالة الانتماء(4). وهذه الدالة ترفِق بكل عنصر x من المجموعة Eعددًا بين 0 و 1 يعبّر عن درجة انتماء x إلى المجموعة الجزئية F. بيانيًا، يمكننا تمثيل المجموعة الجزئية F بأن نرفق بكل درجة انتماء مستوى لوْن رمادي بين اللونين : الأسود ويرفق بالدرجة 0 (x لا ينتمي إلى F)، والأبيض ويرفق بالدرجة 1 (x ينتمي إلى F) (انظر الشكل 3).

 

لقد تبيّن أن نظرية المجموعات الضبابية ذات شأن في عديد التطبيقات. ويبدو أن وجود تعاريف دقيقة لحدود الأجزاء الضبابية («الجزء» هنا مرادف ل«المجموعة الجزئية») يفيد، بوجه خاص، في مجال التحليل الآلي للصور. والملاحظ أن صياغة مثل تلك التعاريف كانت موضوع أبحاث رياضياتية كثيرة خلال الثلاثين سنة الماضية. ولتقديم لمحة عن طبيعة تلك الأبحاث، سنبدأ باستعراض بعض المفاهيم الطبولوجية التي تطورت في مطلع القرن العشرين، على وجه الخصوص من قبل المجري <F.ريس> والفرنسي<M.فريشيه> والألماني <F.هوسدورف> والپولندي<K.كوراتوکسكي>. ففي الطبولوجيا تُعرّف بشكل عام حدود جزء من فضاء معيّن، وينبغي أن نعمّم هذا التعريف ليشمل حالة المجموعات الضبابية.

 

يعود تاريخ أول التعاريف العامة في الطبولوجيا إلى الشهر 1/1906، عندما ألقى <ريس> محاضرة في الأكاديمية المجرية للعلوم اختار فيها، كمفاهيم طبولوجية أولية، «النقاط المنعزلة»(5) و«نقاط التراكم»(6) لجزء F من فضاء E. وكان مفهوم نقاط التراكم قد أدخل لأول مرة من قبل <G.كانتور> في أواخر القرن التاسع عشر ليستخدمه في أبحاثه حول تحليل الدوال. وحدسيا، يمكن أن نعرّف نقاط تراكم F بأنها النقاط التي تنتمي أو لا تنتمي إلى F، شريطة أن يكون جوارها المباشر محتويًا على عدد غير منته من نقاط F. وعلى العكس من ذلك فنقاط F المنعزلة لا تقبل في جوارها المباشر أية نقطة أخرى من F.

 

في مملكة الطبولوجيا(**)

 

من أجل توضيح هذه المفاهيم، ندخل في اعتبارنا الفضاء E الذي تمثّل نقاطه الأعداد الحقيقية (E  هي إذًا مجموعة نقاط المستقيم العددي) والمجموعة الجزئيةF المؤلفة من العدد 3، والأعداد المحصورة بين 0 و 1 باستثناء 1 (انظر الشكل 2). إن العدد 3 في هذا المثال نقطة منعزلة من F، في حين يمثّل العدد 0 نقطة تراكم لF، إذ إن هناك عددا غير منته من النقاط المجاورة ل0 وتنتمي إلى F.  والواقع إن جميع النقاط المحصورة بين 0 و 1، بما في ذلك الحدّان، هي نقاط تراكم لF.

 

بالطبع، لم يعتمد <ريس> في صياغة تعاريفه على مفاهيم حدسية، مثل مفهوم «الجوار المباشر»(7)، بل قدّم ما يميّز تلك المفاهيم باستعراض قائمة من المسلّمات(8). وبعد ذلك يقول <ريس> عن نقطة من F إنها محيطية(9) لF، أو إنها على «حافة»(10) F إن كانت أيضا نقطة تراكم لمتممة(11) F (متممة جزء F لفضاءE هي مجموعة نقاط E التي لا تنتمي إلى F). ففي المثال السابق نلاحظ أن النقطتين 0 و 3 محيطيتان لF، لأنهما تنتميان إلى F، غير أن الجوار المباشر لكل منهما يحتوي على عدد غير منته من النقاط التي لا تنتمي إلى F.

 

ثم يعرّف <ريس> حدود F بأنها تتألف من نقاطها المحيطية (الحافة الداخلية)، ومن تلك التي تنتمي إلى الحافة الأخرى، أي النقاط المحيطية لمتممةF (الحافة الخارجية) (انظر الشكل 5a). في المثال السابق من الواضح أن متممةF تقبل نقطة محيطية وحيدة، هي 1، ولذا فحدود F تتألف من النقاط الثلاث: 0، 1، 3.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/5-6/09.gif
الشكل 1. يمكن لحدود مجموعة أن تكون معقدة إلا أنها جليّة وذلك كما يوضح هذا الشكل الفركتلي (الكسوري)؛ فالمناطق الملونة فيه محددة بدقة من الناحية الرياضياتية (إنها مرتبطة بحل المعادلة z5=1، وفق طريقة عددية تدعى طريقة نيوتن. ولهذه المعادلة خمسة حلول عُقدية، وكل لون يوافق النقاط الابتدائية z، التي تتقارب ـ حسب خوارزمية نيوتن ـ نحو حل بذاته). وتسمح المفاهيم المتداولة في الطبولوجيا بتحليل تلك الحدود (غير أن مسائل الترابط (الاتصالية) connexity التي تطرحها تتعلق أيضا بنظريات أخرى). ولكي نراعي أنواعا أخرى من الحدود، لا سيما حدود المجموعات الضبابية، لا بد من تعميم تلك المفاهيم (صورة مستخرجة من تحاكٍ عددي أنجزه <F-J.كولونا> .

 

وكان <فريشيه> قد وضع عام 1906، بشكل مستقل عن <ريس>، تعاريف مكافئة للسابقة، وذلك في مؤطر أضيق لفضاءات بالغة الأهمية زُوِّدت بمفهوم المسافة بين النقاط (سماها <هوسدورف> الفضاءات المترية(12). واقترح <هوسدورف>، في عام 1914، نظرية مسلمّاتية axiomatic أقل شمولية من نظرية <ريس> (وكان يجهل أعمال هذا الأخير)، لكن صياغتها كانت قريبة جدا من النظرية الطبولوجية الحديثة التي تعدّ أشمل منها. تُعرّف هذه النظرية الحديثة فضاء طبولوجيا E بأنه مجموعة مزودة ب«طبولوجيا»، أي بمجموعة أجزاء منE، تسمى مجموعات مفتوحة (مفتوحات)(13)، وتحقق المسلمات الثلاث التالية: الفضاء E بأكمله مجموعة مفتوحة؛ وتقاطع مجموعتين مفتوحتين مجموعة مفتوحة؛ واتحاد أية جماعة من المفتوحات مفتوح.

 

وحدسيًا، نلاحظ أن المجموعة المفتوحة جزء من E لا تلتقي بحدودها. وهكذا نرى، في مثال المستقيم العددي، أن المجالات المؤلفة من الأعداد المحصورة تماما بين عددين (مثل المجال]0,1[)، هي مفتوحات. كما أن اتحادات ذلك النوع من المجالات المفتوحة مجموعات مفتوحة أيضا. ومن جهة أخرى نُعرِّف المجموعات المغلقة (المغلقات)(14) في كل فضاء طبولوجي بأنها متممات المجموعات المفتوحة. حدسيا، نلاحظ أن المغلقات تمثّل أجزاء E التي تشمل حدودها.

 

ومن ثمّ تتوالى في هذا النظام جميع المفاهيم الطبولوجية الأخرى. فنعرّف داخلية (داخل) المجموعة الجزئية F بأنها أكبر مجموعة مفتوحة تحتوي عليهاF. أما ملاصقة (15) adherence (أو غُلاقة closure (F فهي أصغر مجموعة مغلقة تحتوي على F. ونُعرِّف خارجية (خارج) المجموعة F بأنها متمّمة ملاصقة F(وهذا يعني داخلية متمّمتها). وبعد ذلك نعرّف حدود F  بأنها مجموعة النقاط المنتمية إلى ملاصقة F ولا تنتمي إلى داخليتها. وهذا يكافئ القول بأن حدود F هي تقاطع ملاصقتها مع ملاصقة متممتها. سنستخدم هذا التعريف لاحقا (انظر الشكلين 2 و 5).

 

ومن بين المفاهيم الطبولوجية الأساسية الأخرى، نذكر الترابط (الاتصالية)connectivity، وهو خاصية تتمتع بها مجموعة عندما تكون متلاحمة غير مجزأة. فإذا عدنا إلى مثال المستقيم العددي نلاحظ أن الجزء F ليس مترابطا لأنه يتألف من «قطعتين»: النقطة المنعزلة 3، ثم المجال ]0,1]. نشير أخيرا إلى مفهوم الاستمرار (الاتصال) continuity البالغ الأهمية، الذي يميّز التحويلات التي لا  «تمزِّق» الفضاءات التي تُجرى فيها.

 

والملاحظ في الطبولوجيا العامة ـ وهي اختصاص يعدّ أساسا للعديد من المجالات في الرياضيات البحتة والتطبيقية ـ أن مفهوم الحدود يرتبط ارتباطا وثيقا بالمفاهيم الأساسية الأخرى. وعلى سبيل المثال، ثمة مبرهنة أساسية وبديهية من الناحية الحدسية، تنص على أن كل مجموعة مترابطة إذا ما التقت بجزء F وبمتممته، فلا بد أن تلتقي أيضا بحدود F. لكن هناك نتائج أخرى أكثر عمقا وأقل بداهة. منها، نتيجة تعبّر عن مبرهنة (أو صيغة) <ستوكس> تؤدي فيها الحدود دورًا رئيسيا في العديد من المعادلات المنبثقة عن الفيزياء والعلوم الهندسية.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/5-6/117.gif
الشكل .2 بعض المفاهيم الطبولوجية الأساسية موضحة من خلال مثال المستقيم العددي (الرسم العلوي)، ومثال آخر في المستوى (الرسم السفلي). تشير الدائرة الفارغة إلى إقصاء النقطة التي تحيط بها. أما النقاط المتقطعة فتعني إقصاء نقاط ذلك المنحنى. إن المجموعة F في مثال المستقيم العددي (بالأزرق) هي مجموعة الأعداد x بحيث x=3 أو 0 ≤ x <1 ونقول عن نقطة إنها ملاصقة (ملتحمة) لF إذا كان كل جوار للx يشمل، على الأقل، نقطة من F: ذلك حال النقطتين x=1 و x=3 في هذا المثال. نعرّف ملاصقة F بأنها اتحاد F ذاتها ومجموعة نقاطها الملاصقة. أما حدود F فهي تقاطع ملاصقة F مع ملاصقة متممتها.

 

ثمة دور مفتاح لمفهوم الحدود(***)

 

إن مبرهنة <ستوكس> تُدخل الحدود بصورة متميّزة، عبر الحافات الموجَّهة (انظر المؤطر في الصفحة 30). إنها تعبّر عن شكل من أشكال مبدأ المحافظة العام الذي ينص على أن حصيلة التحويلات التي تجرى في ساحة domain ما يمكن أن تُقْرَأ في ما يجري على حدودها (حافتها). ولعل أبسط حالة لصيغة <ستوكس> هي تلك التي يلّم بها طلبة السنة النهائية من التعليم الثانوي: التكامل على مجال [a,b] للمشتق f’ لدالة f يساوي الفرق(f (b) – f (a لقيمتي f عند  حديْ المجال، أي على حدود المجال.

 

لنعد قليلا إلى موضوع الطبولوجيا العامة. لقد صارت وجهة نظر <هوسدورف> حول الطبولوجيا، المبنية على المفهوم الأولي للمجموعات المفتوحة، وجهة نظر كلاسيكية. لكنها ليست وجهة النظر الوحيدة. ففي عام1920، اقترح >كوراتوکسكي< مقاربة أخرى اعتبر فيها مفهوم الملاصقة مفهوما أوليا. وحدسيا، فإن الملاصقة هي مجموعة النقاط التي «تقترب إلى حد الالتصاق» من F (انظر الشكل 2). ويَعتبر <كوراتوکسكي> أية عملية تُلْحِق بكل جزء F جزءا آخر F* «ملاصقة» عندما تتمتع تلك العملية بالشروط الأربعة التالية: ملاصقة الجزء الخالي هي مجموعة خالية؛ وكل جزء F محتوٍ في ملاصقته F*؛ وملاصقة اتحاد جزأين F1 و F2 تساوي اتحاد ملاصقتيهما F1* وF2*؛ وملاصقةُ ملاصقةِ جزء F تساوي F* (ملاصقة F).

 

وقد تبيّن أن تعريف <كوراتوکسكي> يكافئ التعريف الحالي للفضاءات الطبولوجية، حيث نمرّ من تعريف <كوراتوکسكي> إلى التعريف الحالي بإطلاق تسمية «مغلق» على كل جزء يساوي ملاصقته، ثم «مفتوح» على كل متممة لمغلق. وعلى كل حال هناك بعض المزايا في وجهة نظر <كوراتوکسكي>، لا سيما في تعريف استمرار الدَّوال. فهذا التعريف أبسط تعبيرًا باستخدام الملاصقات بدل المجموعات المفتوحة. ومن جهة أخرى نلاحظ أن نظام <كوراتوکسكي> أكثر قابلية للتعميمات المفيدة : يكفي أن نخفّف الشروط التي تُثقل تعريف الملاصقة.

 

ففي عام 1970 أطلق <M.بريسّو> وباحثون فرنسيون آخرون من مجموعة <Z. بلمندت>، عبارة «الملاصقات شبه الطبولوجية»(16) على العمليات التي تجرى على أجزاء مجموعة تتمتع (على الأقل) بالمسلَّمتيْن الأولييْن ل<كوراتوکسكي>. فالمفهوم المعمم للملاصقة بهذه الكيفية بسيط جدا لأنه يشير إلى أية عملية تُرْفق بكل جزء (غير خال من مجموعة) جزءًا أوسع منه. وينطبق هذا المفهوم، بوجه خاص، على البيانات (البيان graph هو مجموعة نقاط ـ الرؤوس ـ مرتبطة أو غير مرتبطة فيما بينها عبر أحرف)؛ فالعملية التي تضيف إلى كل مجموعة رؤوسِ بيانٍ تلك الرؤوسَ المرتبطةَ بها، هي ملاصقة شبه طبولوجية. وهذا المفهوم للملاصقة ـ الأقل تقييدا من مفهوم <كوراتوکسكي> للملاصقة ـ يسمح ببناء «شبه طبولوجيا»، حدودها «شبه طبولوجية»، معرّفة بطريقة مماثلة لتلك الواردة في الطبولوجيا، يعني ذلك أنه يعرّف الحدود (شبه الطبولوجية) لجزء Fعلى أنها تقاطع الملاصقة (شبه الطبولوجية) لـ F  مع الملاصقة (شبه الطبولوجية) لمتممة F.

 

التخلي عن التناظر(****)

 

لقد رأينا أنه يمكن تعريف البنى الطبولوجية باتخاذ مفهوم المجموعات المفتوحة أو مفهوم الملاصقة كمفهوم أولي. والواقع أنه يمكن أيضا الانطلاق من مفهوم الحدود باعتباره مفهوما أوليا يحقق المسلّمات الخمس التالية : حدود المجموعة الخالية خالية؛ كل جزأين متتامين لهما الحدود نفسها (تناظر الحدود)؛ حدود أي جزأين A و B محتواة في اتحاد A و B، مُضافًا إليه حدود هذا الاتحاد؛ حدود اتحاد A و B محتواة في اتحاد حدودهما؛ حدودُ حدود هي  محتواة في هذه الحدود الأخيرة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/5-6/07.gif
الشكل 3. إن درجة انتماء نقطة إلى مجموعة جزئية ضبابية يمكن تمثيلها بمستويات من اللون الرمادي تراوح بين الأسود (عدم الانتماء الكلي) والأبيض (الانتماء الكلي). فانطلاقا من مجموعة جزئية ضبابية F (الشكل a) يمكننا تمثيل: متممة F (الشكل b)؛ والملاصقة (الالتحام) الضبابية لF (الشكل c)؛ وملاصقة متممة F (الشكل d)؛ وتقاطع ملاصقة F مع ملاصقة متممة F، أي الحدود الضبابية لF بمفهوم الرياضياتيين الصينيين Pu و Liu (الشكل e)؛ واتحاد F وحدودها (الشكل f). نلاحظ أن الصور c، d، e، f تعتمد على البنى (شبه) الطبولوجية المختارة التي تحدد الملاصقات والحدود.

 

نلاحظ في هذا النظام أن الانتقال من الطبولوجيا إلى شبه الطبولوجيا يتمثّل في حذف المسلّمات الثلاث الأخيرة. ومع ذلك فهذه البنية لا تعتبر أعمّ البنى حيث نصادف حالات تكون فيها خاصية التناظر (تطابق حدود جزء F مع حدود متممته) غير محققة. وهكذا يتبيّن في لعبة گُو (Go(2 أن الحدود ليست متناظرة: نجد جزأين متتامين ليس لهما الحدود نفسها (انظر الشكل 4). ولكي يُوضَّح حال مثل تلك الحدود غير المتناظرة، كان لا بد من اللجوء، ليس إلى بنية شبه طبولوجية وحيدة، بل إلى زوج من مثل تلك البنى.

ففي واقع الأمر، أُثبت مؤخرا أن التزود بمثل هذا الزوج يكافئ تزويد كل جزء من الفضاء المعتبر بحدود من هذا القبيل. ولكن كيف تُعرَّف في هذه الحالة حدود جزء F؟ إنها تُعرَّف ذلك بشكل يماثل الحالة الكلاسيكية (تقاطع ملاصقة F مع ملاصقة متممة F) : إذا رمزنا بـ a1 لعملية الملاصَقة المرفقة بشبه الطبولوجيا الأولى وبـ a2 لتلك المرفقة بشبه الطبولوجيا الثانية، فإن حدود F تساوي  تقاطع (a1(F مع (a2 (E\F، حيث يرمز E\F لمتممة F في E. من الواضح أن هذه الحدود تخالفية asymmetric: إنها تختلف عن حدود متممة F، المساوية بالتعريف لتقاطع (a1 (E\F مع (a2(F.

وقد وصَفْتُ هذه الحدود بالجدلية(17)، لأنها ترتكز على «منطقين» للفضاء، يتحكم أحدهما في داخل أجزاء الفضاء المعتبر (بالنسبة إلى a1)، في حين يتحكم الآخر في خارجها (بالنسبة إلى a2). ويمكن أن نبرهن على أن البنى الجدلية تنتظم في تراتبيات(18) تماثل تلك التي ترتبط بأنواع أخرى من البنى (الطبولوجية وشبه الطبولوجية، إلخ.) وهو ما يسمح بدمجها. وأحد أبسط هذه التراتبيات يتكوّن من المجموعات الجزئية الضبابية(19) لمجموعة مفروضة. وهكذا نرى أن البنى الجدلية تؤدي بشكل طبيعي إلى أن ندخل في اعتبارنا حدودا ضبابية.

 

وهناك ملاحظة بسيطة جدا تصف الانتقال من الوضعيات الجليّة إلى الوضعيات الضبابية. فباعتبار أن F مجموعة جزئية من E، تخضع كل نقطة منE إلى خيارين اثنين (الانتماء إلى F أو عدمه) نرمز إليهما بالرقمين 1 و 0. أما الحدود فتُظهِر قائمة أوسع من الاحتمالات : الانتماء إلى داخلية F، أو إلى حافتها الداخلية، أو إلى حافتها الخارجية، أو إلى خارجية F (انظر الشكل 5). وليس هناك سوى خطوة واحدة تفصل جملة الاحتمالات السابقة عن السلسلة المستمرة لقيم الانتماء التي اعتبرها <لطفي زاده>.

 

 

الحدود، الحافات، النهايات: الضبابية في المصطلح (*****)

 

 يمكن أن تُفْهَم المصطلحات الرياضياتية «حافة»، «حدود» و«نهاية» بعدة معانٍ، بعضها يتطابق جزئيا. ونستطيع القول بأن الحافة ـ خلافا للحدود ـ غالبا ما تكون «موجهة نحو الداخل». وهكذا فإن المصطلح الألماني الذي استخدمه <ريس> و<هوسدورف> للإشارة إلى الجزء الداخلي للحدود غالبا ما يترجم ب«حافة»، وهو أيضا المصطلح المستعمل (في الفرنسية) من قبل <كوراتوکسكي>. إلا أن هذا الاستعمال لكلمة «حافة» ظل هامشيا.

 وما يميّز الاستعمال الرياضياتي لهذين المصطلحين هو نوع الكائنات الذي يطبق عليهما. فمفهوم «الحدود» يطبق، بوجه خاص، على الأجزاء الكيفية لفضاء ذي طبيعة طبولوجية. أما مفهوم «الحافة» فهو يتعلق، قبل كل شيء، بالمنطويات manifold، أي بفضاءات لها بعض الانتظام (كأن تكون لها أبعاد: المنحنيات منطويات وحيدة البعد، والسطوح منطويات ثنائية البعد، الخ…) ويرجع تعريفها في آخر المطاف إلى الطبولوجيا الخاصة بالمستقيم العددي الحقيقي.

 والملاحظ أن حدود الجزء المملوء لفضاء طبولوجي E، أيE مأخوذا برمته، هي حدود تكون دائما خالية (لأن ليس للفضاء E خارجية). وخلافًا لذلك يمكن أن تكون للمنطوي حافة. وهكذا فإن المنطوي المؤلف من سطح كروي ليس له حافة (في هذا «الكوْن» ليس لانتقال متحرك صغير نهاية). لكننا عندما ننزع جزءا من ذلك السطح، فإننا نحصل على منطوٍ ذي حافة (فحافة القطعة المنزوعة تحدّ انتقال المتحرك على ذلك السطح.) بيد أنه يمكن تمديد أي منطو طبولوجي خارج حافته ليصبح منطويا أوسع تتطابق فيه حدود المنطوي البدئي مع الحافة المعتبرة.

 وهناك فرق آخر يتمثل في كون حافة المنطوي غالبا ما تكون موجهَّةoriented: يوجد عموما اتجاهان ممكنان (إذا كانت الحافة منحنيا فهذا يوافق اتجاهيْ الانتقال على طول المنحنى). واختيار اتجاه على أية حافة يزودها بطبيعة جبرية (حيث ُترفق بها إحدى الإشارتين “+” أو “-“)، في حين أن مفهوم الاتجاه يفقد معناه عندما يتعلق الأمر بحدود طبولوجية عامة.

 والجدير بالملاحظة أنه لا فرق بين المصطلحين «حافة» و«حدود» في دراسة المعادلات التفاضلية الجزئية التي اقتصرت في بداية الأمر على المنطويات الجزئية للفضاء الإقليدي المألوف الذي يستجيب اتجاهه دائما للاصطلاحات نفسها. ولذا نتحدث في هذا السياق عن حافة ساحة، أو عن حدودها، دون تمييز. كما نتحدث بالمعنى نفسه عن «نهايات» تلك الساحة. تلك هي الحال في العبارة «الشروط الحدية»(20)boundaryconditions التي تشير إلى القيود الموضوعة  على حافة أو حدود الساحة المعتبرة. وينبغي التمييز [في اللغة الفرنسية] عند استعمال مصطلح «النهاية» بين معناه في عبارة «نهاية مجال أو ساحة» ومعناه المتعلق بسلوك متتاليات الأعداد أو الدوال (مثل نهاية متتالية عددية).

 وأخيرا، لا بد من مراعاة التاريخ واللغة في الملاحظات السابقة. ففي نهاية القرن التاسع عشر استخدم <H.بوانكريه> مصطلح «حدود» للإشارة إلى «حافات» المنطويات. واليوم نجد المصطلح الإنكليزيboundary نفسه يدل، حسب  السياق، على الحدود الطبولوجية أو على حافة منطوٍ. وهكذا نرى أن معنى الكلمات يكون في بعض الأحيان ضبابيا حتى في الرياضيات…

 

طبولوجيات ضبابية للحدود الضبابية(******)

 

كان <لطفي زاده> قد قدم، عام 1965، في مقالته المؤسسة لمفهوم الضبابية، المجموعات الضبابية بطريقة حدسية كمجموعات لها حدود ضبابية. لكن المفهوم الأخير لم يكن معرّفا؛ إذ كان هدف <لطفي زاده> في ذلك الوقت لا يتجاوز تعريف العمليات الأساسية على المجموعات الضبابية، كاتحاد وتقاطع مجموعتين، أو الانتقال إلى المتممة. وعلى سبيل المثال، فإننا نحصل على اتحاد مجموعتين ضبابيتين F1 و F2 بربط كل نقطة x من E بأكبر درجتيْ الانتماء إلىF1 و F2، أي أنه إذا انتمى x إلى F1 بدرجة d1 وانتمى إلى F2 بدرجة d2 فإن درجة انتماء x إلى اتحاد F1 و F2 تساوي أكبر العددين d1 و d2. كما نعرّف تقاطع F1 وF2 بربط النقطة x بأصغر العددين d1 و d2. أما متممة جزء ضبابي فنحصل عليها بتعويض كل درجة انتماء d بالعدد 1-d. فإذا مثّلنا درجات الانتماء بمستويات مختلفة من اللون الرمادي فإن العملية الأخيرة تعني قلب تسلسل اللون الرمادي (انظر الشكل 3).

 

 وفي عام 1968، نقل الأمريكي<L.C.شانگ> التعريف الكلاسيكي لمفهوم الطبولوجيا بالمجموعات المفتوحة إلى الأجزاء الضبابية لمجموعة ما. وهكذا دشن الطبولوجيا الضبابية التي أصبحت منذ ذلك الوقت فرعا مستقلا من فروع الرياضيات قائما بذاته. وكما هو الشأن بالنسبة إلى الطبولوجيا الكلاسيكية، فبوجه خاص يمكن التعبير عن كل بنية طبولوجية ضبابية من خلال وجود عملية ملاصَقة ضبابية على المجموعات الجزئية الضبابية للفضاء المفروض. وفي عام 1981، وسّع الفرنسي<R.بادار> مفهوم الفضاءات شبه الطبولوجية الضبابية بوضع تعريف مماثل للتعريف الذي اقترحه <بريسّو> وزملاؤه في الحالة الجليّة(21).

 

لقد كان بإمكان <شانگ> مباشرة كتابة تعريف للحدود الضبابية مستمدٍ من التعريف الكلاسيكي (بأخذ تقاطع الملاصقة وملاصقة متممة الجزء المفروض). لكن كان علينا الانتظار حتى عام 1980 ليقوم عالِما الرياضيات الصينيان Pu وLiuبوضع هذا التعريف. لماذا هذا التأخر؟ لأن الانتقال إلى الحالة الضبابية يجعلنا نفقد بعض خواص الحدود المعرَّفة بتلك الطريقة. فهي تُسقِط مثلا الخاصية المهمة ـ القائمة في الحالة الجليَّة ـ والقائلة بأن اتحاد جزء وحدوده يتطابق مع ملاصقته.

 

حَيْرَة الاختيار(*******)

 

وبالمقابل، تظل هذه الخاصية قائمة عند تبني التعريف الدقيق الأول للحدود الضبابية الذي أتى به الأمريكي<R.وارِّن> والذي لا يفوق في تعقيده كثيرا تعقيد التعريف الكلاسيكي. غير أنه لا يسمح بالحفاظ على جميع خواص الحدود الكلاسيكية، ومن ثمّ كان على <وارِّن> التخلي عن التناظر؛ فالجزء الضبابي ومتممته لا يشتركان بشكل عام في الحدود نفسها بمفهوم <وارِّن>.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/5-6/119.gif http://oloommagazine.com/images/Articles/2007/5-6/118.gif
الشكل 4. تعرض لعبة گُو Go مثالا بسيطا للحدود غير المتناظرة. إن النقاط المبينة في لوحة اللعب هي تقاطعات الخطوط الأفقية مع الخطوط الشاقولية (هناك 36 نقطة على اللوحة الوهمية للعبة المبينة في الشكل a). إن متممة المجموعة F المؤلفة من النقاط المعلمة بدائرة هي المجموعة G المؤلفة من النقاط التي تحمل العلامة x (الشكل b). ومع ذلك نلاحظ أن حدود F، وهي مجموعة النقاط المغطاة بدوائر سوداء (الشكل c)، لا تتطابق مع حدود G، وهي مجموعة النقاط المغطاة بدوائر بيضاء (الشكل d). الشكل 5. إن حدود مجموعة جزئية ضبابية F (لونت F بالأزرق ومتممتها G بالأحمر) تُعرّف عموما بأنها تقاطع ملاصقة (التحام) وملاصقة متممة F (ملاصقة F هي اتحاد F وحافتها الخارجية). إذا كان مفهوم الملاصقة المطبق على مجموعة جزئية يختلف عن المفهوم المطبق على متممته، فإننا نحصل على حدود تخالفية (لاتناظرية): حدود F (الشكل a) ليست مطابقة لحدود G (الشكل d).

 

وخلال الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين طُرحت تعاريف أخرى للحدود الضبابية طورت تعريف <وارِّن> واستكشفت سبلا أخرى مدخلة بنى أكثر تعقيدا. وبخصوص هذه التعاريف، استطعتُ إثبات أن تلك التي يتم التعبير عنها في سياق الطبولوجيا الضبابية يمكن ردها إلى حدود جدلية ضبابية خاصة. وكما هو الشأن في الحالة الجليّة فإن الحدود الجدلية الضبابية تتطلب اللجوء إلى أزواج أشباه الطبولوجيات الضبابية. غير أنه توجد سبل عديدة تسمح بتحديد حدود للمناطق التي نريد دراستها. والصعوبة الأولى التي تواجهنا هي بلا شك، حيرة الاختيار الأنسب. فمن الممكن مثلا أن نحدّد حدودا جليّة لجميع المناطق، حتى الضبابية منها، لكن يمكن أيضا اعتبار حدود ضبابية لجميع المناطق، بما فيها المناطق الجليّة.

 

لم نعتبر في هذه المقالة سوى حدود منطقة واحدة، دون التعرض لحالة مرتبطة بها، وهي الحدود بين منطقتيْن أو أكثر. والجدير بالذكر أن دراسة هذا النوع من العلاقات الطبولوجية في الحالة الضبابية، قد تطورت بشكل متسارع منذ نحو عشر سنوات. وكان الدافع أحيانا رياضياتيًا محضًا، إلا أن الأبحاث في هذا المضمار لم تًغفِل الجانب التطبيقي، لا سيما في موضوع التحليل الآلي(22) للصور وتعرُّف الأشكال ـ وهي قضايا ذات أهمية خاصة في التصوير الطبي ومنظومات المعلومات الجغرافية. فمن الأهمية بمكان تدقيق حدود أورام مكتشفة عبر بيانات راديوية، حيث إن الصور الطبية لهذه الأورام تُظهِر دائما درجات من الضبابية. هذه حجة إضافية تدلّل على أن الرياضيات، وإن كانت جدّ مجردة، غالبا ما تكون ذات فائدة مزدوجة: نظرية وعملية.

 

المؤلف

 Stéphane Dugowson

 أستاذ الرياضيات في المعهد العالي للميكانيك بباريس (ضاحية سنت-أوون).

 

 مراجع للاستزادة 

 

Stéphane DUGOWSON est professeur de mathématiques à l’Institut supérieur de mécanique de Paris, situé à Saint-Quen.

 

S. DUGOWSON, Les frontiéres dialectiques, in Mathématiques & Sciences Humanies, à paraître.

 

S. DUGOWSO, Les catégories et le passage des frontières, conférence donnéa à lEcole normale supérieure, octobre 2005, accessible sur www.diffusion.ens.fr/index.php?res=conf&idconf=894.

 

D. DUBOIS et H. PRADE, Traiter le flou et l’incertain, in Dossier Pour la Science n’49, Les chemins de la logique, octobre-décembre 2005.

 

C. AULL et R. LOWEN (éditeurs), Handbook of the history of general topalogy, Kluwer, 1997.

 

Z. BELMANDT, Manuel de prétopologie et ses applications, Hermès, 1993

 

(*) LES MATH?MATIQUES DES FRONTIRES FLOUES

(**)  Au royaume de la topologie

(***) Un rôle clef pour les frontières

(****)Abandonner la symétrie

(*****) Frontières, bords, limits: du flou dans la terminologie

 (******) Topologies floues pour frontières floues

(********) Lembarras du choix 

 

(1) الباحثون في الرياضيات، وقد استُخدِمت هذه الصيغة لتمييز هؤلاء من الممارسين للرياضة البدنية (الرياضيين).

(2) flou

(3) نسبة إلى أذربيجان.

(4) fonction dappartenance

(5) points isolés

(6) points d’accumulation

(7) voisinage immédiat

(8) axiomes

(9) périphérique أو متاخمة.

(10) au bord

(11) complémentaire

(12)espaces métriques

(13) ensembles ouverts

(14)ensembles fermés

(15) أو التحام.

(16) adhérences prétopologiques

(17) لعبة گُو لعبة شعبية منتشرة في الشرق الأقصى تتم بين لاعبيْن، يطلب إلى كل منهما تحريك بيادق على لوحة بحيث تحدّ تلك البيادق أكبر نطاق ممكن على اللوحة.

(18) dialectique

(19) hiérarchies

(20) conditions aux limites

(21) les sous-ensembles floxrs

(22) le cas net

(23) l’analyse automatique

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى