أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

عوالم عالِم الفيزياء إيفريت المتعددة

 

عوالم عالِم الفيزياء إيفريت المتعددة(*)

بعد أن لاقت الازدراءَ نظريتُه المشهورة الآن حول العوالم المتعددة،
هجر <H.إيفريت> الفيزياء الأكاديمية ليتحول إلى البحث
العسكري السري للغاية وعاش حياة خاصة مأساوية.

<P.بيرن>

 

مفاهيم مفتاحية


قبل خمسين عاما، ابتكر <إيفريت> تفسير العوالم المتعددة للميكانيك الكمومي، والذي تولِّد حسبه التآثراتُ الكمومية فروعا لا حصر لها من الكون universe تحدث  في كل منها أحداث مختلفة.

تبدو هذه النظرية فرضية غريبة لكن <إيفريت> استنتجها في الحقيقة من الرياضيات الأساسية للميكانيك الكمومي. ومع ذلك رفضها معظم الفيزيائيين في ذلك الوقت، وكان على <إيفريت> أن يختصر أطروحته للحصول على الدكتوراه حول هذا الموضوع ليجعلها تبدو أقل إثارة للجدل.

ترك <إيفريت>، المثبط الهمة، الفيزياء وعمل في رياضيات الشؤون العسكرية والصناعية وفي الحوسبة. وعلى الصعيد الشخصي كان منطويا على نفسه من الناحية العاطفية، وكان مدمنا على الخمر.

مات ولم يتجاوز عمره 51 عاما، ولم يعش ليرى التقدير الحديث الذي أبداه  الفيزيائيون لأفكاره.


محررو ساينتفيك أمريكان

 

كان <H.إيفريت III>  رياضياتيا لامعا وفيزيائيا نظريا كموميا يتحدى التقاليد، وصار فيما بعد متعهدا ناجحا لدى وزارة الدفاع له الحق في الوصول إلى أكثر أسرار الدولة حساسية. وقد أدخل إلى الفيزياء تصوّرا جديدا للواقع وأثّر في مجرى تاريخ العالم في الوقت الذي كانت فيه الحرب النووية المدمرة تهدد بوقوع وشيك. أما بالنسبة إلى المولعين بالخيال العلمي، فإنه يبقى بطلا شعبيا، فهو الذي ابتدع نظرية كمومية للعوالم المتعددة. وبالنسبة إلى ولديه فقد كان شخصا مختلفا تماما: كان أبا غير موجود من الناحية العاطفية، «مجرد كتلة أثاث قابعة أمام منضدة في غرفة الطعام، وفي اليد سيجارة.» كان دائم التدخين، مدمنا على الخمر، وقد مات مبكرا.

هكذا انتهت قصته على الأقل في فرع العالم الذي نعيش فيه. ولو صحّت نظرية العوالم المتعددة التي أتى بها <إيفريت> [حين كان طالبا في جامعة پرنستون في منتصف الخمسينات من القرن الماضي] لأخذت حياته منعطفات متعددة أخرى في عدد عصي على الفهم من العوالم المتفرعة.

حلّ تحليل إيفريت الثوري مأزقا نظريا مزمنا وذلك بتفسير كيفية فهم الميكانيك الكمومي. ومع أن فكرة العوالم المتعددة ليست مقبولة عالميا على الإطلاق حتى في يومنا هذا، فإن طرائقه في ابتكار هذه النظرية استشفّت مفهوم إزالة الترابط (فضّ الالتحام)(1)decoherence  ـ وهو تفسير حديث لسبب تحول الغموض الاحتمالي للميكانيك الكمومي إلى عالَم خبراتنا المحسوس.

عملُ <إيفريت> معروف جيدا في حقل الفيزياء والدوائر الفلسفية، لكن القليلين هم الذين يعرفون حكاية الاكتشاف وبقية حياة <إيفريت>. إن البحث الأرشيفي الذي قمت به، وما قام به المؤرخ الروسي<E.شيخوفتسيف> وآخرون، والمقابلة التي أجريتها مع زملاء العالِم الراحل وأصدقائه، وكذلك ابنه موسيقي الروك، كشفا النقاب عن قصة ذكاء لامع انطفأ في وقت مبكر بسبب أهواء شخصية.

أشياء سخيفة(**)

 

بدأت رحلة <إيفريت> العلمية في إحدى الليالي من عام 1954 «بعد جرعة أو اثنتين من  الخمرة،» كما ذكر بعد ذلك بعقدين. كان هو وزميل صفّه في پرنستون <Ch.مِسنِر>  وزائر اسمه <A.بيترسون> (كان وقتها مساعدا ل<بور>) يفكرون «بأشياء سخيفة حول مضامين الميكانيك الكمومي.» وكانت لدى <إيفريت>، أثناء هذه الجلسة، الفكرة الأساسية الكامنة خلف نظرية العوالم المتعددة. وفي الأسابيع اللاحقة بدأ بتطويرها لكي تصبح أطروحة.

كان جوهر الفكرة تفسير ما تمثّله معادلات الميكانيك الكمومي في العالم الواقعي وذلك بجعل رياضيات النظرية نفسها تبين الطريق عوضا عن إضافة فرضيات تفسيرية إلى الرياضيات. بهذا الأسلوب تحدى الطالب الشاب مجموعة قوانين الفيزياء في ذلك الوقت لكي يُعاد النظر في مفهومها الأساسي حول ماهية تشكيل الواقع الفيزيائي.

عالج <إيفريت> بجرأة، أثناء متابعته مسعاه، معضلة القياس الذائعة الصيت في الميكانيك الكمومي والتي كانت مصدر عذاب للفيزيائيين منذ عشرينات القرن الماضي. وباختصار شديد، تنشأ المعضلة من تناقض بين كيفية تآثر جسيمات أولية (مثل الإلكترونات والفوتونات) في المستوى الميكروي (المجهري) الكمومي للواقع من جهة وماذا يحدث حين تقاس الجسيمات في المستوى الماكروي(2) macroscopic الكلاسيكي من جهة أخرى. ففي العالَم الكمومي يمكن أن يوجد جسيم أولي  (أو مجموعة جسيمات أولية) على هيئة تراكب superposition من حالتين ممكنتين  لوجوده، أو أكثر. فيمكن لإلكترون، مثلا، أن يكون في حالة تراكب لمواقع وسرعات وتوجهات مختلفة لسپينه(3). ومع ذلك، ففي أي وقت يقيس فيه العلماء واحدة من هذه الخصائص بدقة يجدون نتيجة محددة ـ وجود عنصر واحد فقط من عناصر التراكب وليس تركيبا منها. وكذلك فنحن لا نرى أبدا أجساما ماكروية في هيئة تراكب. وتُختصر معضلة القياس إلى هذا السؤال: كيف ولماذا يبرز عالَمُ خبرتنا الوحيد من تعددية البدائل المتاحة في العالَم الكمومي المتراكب؟

 

يستخدم الفيزيائيون كيانات رياضياتية تدعى دوالّ موجية wave functionsبغية تمثيل  الحالات الكمومية. ويمكن تخيّل الدالة الموجية وكأنها قائمة تشمل جميع التشكيلات الممكنة لمنظومة كمومية متراكبة، إضافة إلى أعداد تعطي احتمال حدوث كل من هذه التشكيلات، هذا الحدوث الذي يبدو أنه يُختار عشوائيا، وهو ما نكتشفه عندما نقيس المنظومة. وتتعامل الدالة الموجية مع كل عنصر من عناصر التراكب على أنه حقيقي، شأنه شأن البقية، مع أن هذه العناصر ليست كلها بالضرورة متساوية الاحتمال من وجهة نظرنا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/08.gif

 

تبيّن معادلة شرودنگر كيف تتغير الدالة الموجية لمنظومة كمومية مع الزمن، والتطور الذي تتنبأ به سلِس وحتمي (أي خال من العشوائية). لكن هذه الرياضيات الأنيقة تبدو متناقضة مع ما يحدث حين يرصد الإنسان منظومة كمومية، مثل إلكترون، بواسطة أداة علمية (يمكن النظر إليها نفسها على أنها منظومة ميكانيكية كمومية)؛ لأنه عند لحظة القياس تبدو الدالة الموجية التي تصف تراكب البدائل منهارة إلى بديل واحد فقط من هذا التراكب، فينقطع بذلك التطور السلس للدالة الموجية. وتبرز نتيجة وحيدة للقياس نافية جميع الإمكانات الأخرى من الواقع الموصوف كلاسيكيا. أما أي بديل سوف ينتج لحظة القياس فيبدو أنه اختياري، واختياره لا ينتج منطقيا من دالة الإلكترون الموجية قبل القياس المحمَّلة بالمعلومات. ولا تبرز كذلك رياضيات الانهيار من الجريان السلس لمعادلة شرودنگر. وفي الحقيقة، ينبغي إضافة هذا الانهيار كمسلّمة(4)؛ كعملية إضافية يبدو أنها تنتهك المعادلة.

وافق العديد من مؤسسي الميكانيك الكمومي، وبخاصة <بور> و<هايزنبرك> و<فون نويمان>، على تفسير للميكانيك الكمومي ـ يُعرف بتفسير كوپنهاگنCopenhagen interpretation ـ وذلك لمعالجة معضلة القياس. ويسلّم نموذج الواقع هذا بأن  ميكانيك العالَم الكمومي يُختزل إلى ظواهر قابلة للرصد كلاسيكيا، وله معنى بدلالة هذه الظواهر فقط ـ وليس العكس.

تعطي هذه المقاربة ميْزة للراصد الخارجي فتضعه في عالَم كلاسيكي مختلف عن العالَم الكمومي للشيء المرصود. ومع أن أصحاب تفسير كوبنهاگن غير قادرين على شرح طبيعة الحدود بين العالمين الكلاسيكي والكمومي، فإنهم استخدموا الميكانيك الكمومي بنجاح كبير. وقد تعلمت أجيال كاملة من الفيزيائيين أن معادلات الميكانيك الكمومي تصح فقط في جزء واحد من الواقع، هو الميكروي (المجهري)، في حين لا تعود هذه المعادلات ذات صلة في الجزء الآخر، ألا وهو الماكروي (الجهري). وهذا جلّ ما يحتاج إليه الفيزيائيون.

 

 «تفسير كوبنهاگن منقوص بصورة ميؤوس منها… كما أنه شاذ فلسفيا…»
<H.إيفريت>

 

 

[القياس الكمومي] المعضلة(***)


الفهم  الكامل لعلاقة الحالات الكمومية للجسيمات بالعالَم الكلاسيكي الذي نراه حولنا، مسألة لم تُحل في الميكانيك الكمومي.

يمثل الميكانيك الكمومي حالات الجسيمات بكيانات رياضياتية تدعى الدوال الموجية. فمثلا، سيكون للدالة الموجية الممثلة لجسيم في موضع محدد A (كمثل إلكترون في مصيدة نانوية)، ذروة عند A وستكون صفرا في أي موضع آخر.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/015.gif


يمكن للدوال الموجية أن تُجمع إحداها إلى الأخرى لتشكل تراكبا، تماما مثلما تتحد الموجات العادية بعضها مع بعض. تمثل مثل هذه الدوال الموجية جسيمات موجودة في أكثر من حالة بديلة في الوقت نفسه. وتتعلق سعة كل ذروة باحتمال إيجاد ذلك البديل لدى إجراء القياس.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/016.gif


يمكن تصور الدالة الموجية بطريقة أخرى، وهي أنها تشكل قائمة للبدائل وسعة كل منها.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/017.gif


ولكن إذا قام جهاز بقياس جسيم وهو في مثل هذا التراكِب، فسوف يعطي نتيجة محددة إما A أو B، بصورة يبدو أنها عشوائية ولا يعطي تركيبا منهما،ولا يبقى الجسيم في تراكب. كما أننا لا نرى مطلقا أجساما ماكروية (جهرية)، مثل كرات التنس في حالة تراكب.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/018.gif

 

دالة موجية شاملة(****)

في تباين صارخ عالج <إيفريت> معضلة القياس بأن دمج العالمين الميكروي والماكروي، فجعل الراصد جزءا لا يتجزأ من المنظومة التي يرصدها، ووضع بذلك دالة موجية شاملة تجمع الراصدين والأشياء كأجزاء من منظومة كمومية واحدة. ووصف العالم الماكروي بطريقة ميكانيكية كمومية وتصور وجود الأجسام الكبيرة في تراكب كمومي أيضا. وبانفصاله عن <بور> و<هايزنبرك> استغنى عن الحاجة إلى الانقطاع الناتج من انهيار الدالة الموجية.

كانت فكرة <إيفريت> الأساسية الجديدة هي أن يسأل: عما سيحدث لو لم ينقطع التطور المستمر للدالة الموجية بفعل إجراء القياس؟ ماذا لو كانت معادلة شرودنگر تطبَّق، دائما، على كل شيء، ومنها الأشياء والراصدون على حد سواء؟ ماذا لو لم تكن هنالك عناصر من التراكبات قد استبعدت تماما من الواقع؟ كيف كان سيبدو لنا مثل هذا العالم؟
رأى <إيفريت> أن الدالة الموجية لراصد ما سوف تتشعب، ضمن هذه الافتراضات، إلى فرعين عند كل تآثر للراصد مع شيء متراكب. وسوف تحوي الدالة الموجية الشاملة فروعا لكل من البدائل التي تشكل تراكب الجسم. ويكون لكل فرع نسخته الخاصة به من الراصد، وهي النسخة التي رأت واحدا من تلك البدائل على أنه هو النتيجة. ووفقا لخاصة رياضياتية أساسية لمعادلة شرودنگر، بمجرد أنها شُكّلت، لا يؤثر الفرعان أحدها في الآخر. وهكذا فإن كل فرع يتولج في مستقبل مختلف بصورة مستقلة عن الفروع الأخرى.

لننظر في حالة شخص ما يُجري قياسا على جسيم متراكب من حالتين، مثل إلكترون في تراكب من الموقع A والموقع B. في أحد الفرعين يرى الراصد أن الإلكترون في الموضع A. وفي فرع مماثل تقريبا تَرى نسخةٌ من الراصد أن الإلكترون نفسه في الموضع B. وكل نسخة من الراصد ترى نفسها فريدة من نوعها وتَرى التقادير وكأنها تُلفّق واقعا واحدا من قائمة من الإمكانات الفيزيائية، مع أنه، في الواقع كله، يتم حدوث كل بديل على القائمة.

 

 

[القياس الكمومي] جوابان(*****)


يشكل تفسير كوبنهاگن وتفسير العوالم المتعددة ل<إيفريت> جوابين مختلفين اختلافا بيّنا لمعضلة القياس. (توجد عدة فرضيات أخرى أيضا.)


تأويل كوبنهاگن

حسب <N.بور> وآخرين، الأجهزة التي تقوم بالقياسات (والناس) موجودة في دنيا كلاسيكية مفصولة عن العالم الكمومي. وحين يقيس مثل هذا الجهاز الكلاسيكي حالة متراكبة، فإنه يسبب انهيار الدالة الموجية الكمومية بصورة عشوائية فتختزل إلى أحد البدائل وتختفي البدائل الأخرى جميعها. هذا ولم تشرح معادلات الميكانيك الكمومي لماذا ينبغي أن يحدث مثل هذا الانهيار، فأضيف ذلك كمسلّمة منفصلة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/019.gif


تفسير العوالم المتعددة

كان إسهام <إيفريت> الثوري هو تحليل عملية القياس بواسطة الجهاز (والناس) والنظر إليه على أنه مجرد منظومة كمومية أخرى تخضع للمعادلات والمبادئ الكمومية المعتادة. واستنتج من هذا التحليل أن النتيجة النهائية يمكن أن تكون تراكب نتائج القياس البديلة، وأن عناصر التراكب مثل فروع منفصلة لعالَم متشعب. ونحن لا ندرك هذه التراكبات للعالم الماكروي (الجهري) لأن النسخة منا في كل فرع لا يمكن أن تطّلع إلا على ما هو في فرعنا فقط.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/020.gif

 

إن شرح الكيفية التي يمكن بها أن نرى مثل هذا العالم يتطلب وضعَ راصد في الصورة. لكن عملية التشعب تحدث بصرف النظر عن وجود كائن بشري أو عدم وجوده. وبصورة عامة، تسعى الدالة الموجية الكلية لمجموع المنظومات، عند كل تآثر بين المنظومات الفيزيائية، إلى التشعب بهذه الطريقة. ويُعرف الفهم الحالي للكيفية التي تصبح الفروع فيها مستقلة ويتحول كل منها إلى ما يشبه الواقع الكلاسيكي المألوف بنظرية إزالة الترابط (أو فض الالتحام)decoherence theory. وهي جزء مقبول من النظرية الكمومية الحديثة السائدة، حتى مع عدم وجود موافقة من الجميع على أن كلا من الفروع يمثل واقعا موجودا.

لم يكن <إيفريت> أول فيزيائي ينتقد مسلّمة كوپنهاگن حول انهيار الدالة الموجية(5) ويراها غير ملائمة، لكنه هو الذي مهّد أرضية جديدة باستنتاجه نظرية متسقة رياضياتيا لدالة موجية شاملة من معادلات الميكانيك الكمومي نفسه. وقد برز وجود عوالم متعددة نتيجة لنظريته، ولم تكن قاعدة يستند إليها. كتب <إيفريت> في حاشية أطروحته: «وفق النظرية، جميع عناصر التراكب (جميع «الفروع») فعلية وليس منها ما هو أكثر واقعية من البقية.»

 

أثارت المسودة المحتوية على كل هذه الأفكار صراعا قويا خلف الكواليس كُشف النقاب عنه قبل نحو خمس سنوات في البحث الأرشيفي الذي قام به <O.فراير جونيُر>  [وهو مؤرخ علمي في جامعة باهيا الاتحادية في البرازيل]. وفي ربيع عام 1956 أخذ <A.J.ويلر> [المشرف الأكاديمي على <إيفريت> في جامعة پرنستون] مسودة الأطروحة إلى كوبنهاگن كي يقنع أكاديمية العلوم والآداب الملكية الدانمركية بنشرها. وكتب إلى <إيفريت> أنه أجرى حولها «ثلاث مناقشات طويلة وحادة» مع كل من <بور> و<پيترسون>. وقد أطلع <ويلر> عدة فيزيائيين آخرين في معهد بور للفيزياء النظرية، بمن فيهم <W.A.شتِرن> ، على عمل تلميذه.

 

 

الاستدلال على العوالم المتعددة(******)


افترض <إيفريت> أن كل شيء في الوجود هو عبارة عن منظومة كمومية ويخضع لمعادلة شرودينگر. وحلل بدقة ماذا يحدث حين يتآثر الراصدون وأجهزة القياس مع أجسام كمومية متراكبة. وعلى هذا أخذ بعين الاعتبار الرياضيات الخاصة «بدالة موجية شاملة» تتضمن حالة الجهاز والراصد، وكذلك حالة الجسم. وحاصل جداء هذه الحالات الثلاث يعطي الحالة الإجمالية كما هو موضح أدناه:

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/021%20.gif


في الحالة المرسومة أعلاه، الجسيم في الموضع A بصورة مؤكدة 100في المئة قبل  إجراء القياس. في هذه الحالة (التي ليس فيها تراكب محيّر) تصف معادلة شرودينگر كيفية تطور الحالة الإجمالية إلى حالة إجمالية نهائية لا التباس فيها: التآثر بين الجسيم والجهاز يقدح المؤشر A. ثم ينتقل الضوء إلى الراصد الذي يراه ويسجل أن المؤشر Aأومض (الأسفل).

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/022.gif


يحدث تطور مشابه محدَّد تماما إذا كان الجسيم قد بدأ بصورة مؤكدة عند الموضع B. إن العملية المرسومة مثالية جدا، لكن هذا لا يغير الاستنتاجات.
ولكن ماذا يحدث لو كان الجسيم بدلا من ذلك محضّرا على هيئة تراكب قبل إجراء القياس؟ إن التراكب في التصور الرياضياتي هو مجرد عملية جمع:

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/023.gif


تقابل الأرقام المبينة في هذا المثال احتمال 64 في المئة لرؤية النتيجة A ت(0.64 هو مربع 0.8)  واحتمال 36 في المئة لرؤية النتيجة B.

حين يُضمّن المجموع السابق في الحالة الكمومية الإجمالية البدائية للجسم والجهاز والراصد تكون النتيجة حالة إجمالية هي نفسها تراكب بديلين:


(x (0.6 B + 0. 8 A الجهاز x الراصد =
0.8 (A × الجهاز × الراصد ) + B) 0.6 × الجهاز × الراصد)


وبفضل خاصة تتمتع بها معادلة شرودينگر تُعرف باسم «الخَطّية»linearity، حين تتطور هذه الحالة الإجمالية المتراكبة، تتطور كل مركّبة (أي كل جزء على جانبي الإشارة “+”) كما كانت ستتطور لو أنها كانت هي وحدها الموجودة. وعلى هذا تكون الحالة الإجمالية النهائية تراكب الحالتين الفرديتين النهائيتين اللتين يُحصل عليهما حين يبدأ الجسيم من موضع محدد:

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/024.gif


تضمن خاصة الخطية، وخاصة أخرى للحالات تدعى التعامدorthogonality، ألا يؤثر جزءا الدالة الموجية هذان أحدهما في الآخر أبدا مع مرور الزمن. ويشرح تحليل أكثر حداثة يدعى «إزالة الترابط»decoherence هذه النقطة بتفصيل وعمق أكبر. يتابع الفرع A، مع راصد ـ في حالة تأكُّد تام من مشاهدته ومضة الضوء A، تماما كما لو كان هذا الفرع هو الدالة الموجية بكاملها. وكذلك يفعل الفرع B. وتمثل الأشكال التي تصف الكون وهو ينشطر إلى فروع ذات تواريخ مختلفة هذه العملية. والتشعب لا يشكل إضافة بل هو موجود بصورة كاملة في الرياضيات.

تحقق <إيفريت> أن الرياضيات تحل المسألة بصورة متسقة في حالات أكثر تعقيدا، مثل تلك التي تتضمن قياسات متعددة وراصدين متعددين. وتبقى أحجية شبه دائمة ما زالت تُحلل ويُعاد تحليلها باستمرار وتُناقش نقاشا حاميا هي فهم معنى أن الفرع A «يحدث» 64في المئة من الوقت والفرع B يحدث 36 فقط في المئة في هذا النموذج.                  

                                                                                <P.G.كولينز>، محرر رئيسي

 

انشطارات(*******)

 

جاء في رسالة <ويلر> إلى <إيفريت>: «تبقى شكلية الدالة الموجية الجميلة التي أتيتَ بها من دون تغيير بالطبع، لكننا جميعا نشعر أن القضية الحقيقية هي الكلمات التي ينبغي أن تُربط بالكميات الواردة في الشكلية formalism.» فمن ناحية كان <ويلر> منزعجا من استخدام إيفريت تعبير «انشطار» الكائنات البشرية وقذائف المدفع كاستعارة علمية. وكشفت رسالته عن عدم ارتياح جماعة كوبنهاگن حول معنى عمل <إيفريت>. ورفض <شتِرن> نظرية إيفريت بحجة أنها «لاهوتية»، وكان <ويلر> نفسه غير راغب في تحدي <بور>. وفي رسالة مطولة إلى <شتِرن> شرح نظرية <إيفريت> واعتبرها امتدادا، وليس رفضا، للتفسير السائد للميكانيك الكمومي:

 

وأعتقد أنه بإمكاني القول: إن هذا الشاب المرهف جدا القادر والمستقل التفكير قبِل بالتدريج أن المقاربة الحالية لمعضلة القياس صحيحة ومتسقة، على الرغم مما بقي في مسودة الأطروحة من آثار قليلة من موقف ماض شاكّ؛ لذلك، ولتجنب أي سوء فهم ممكن، دعوني أَقُل: إن أطروحة إيفريت لم تُعنَ بالشك بالمقاربة الحالية لمعضلة القياس، وإنما عُنيت بقبولها وتعميمها.

لم يكن <إيفريت> ليتفق قط مع وصف <ويلر> لرأيه حول تفسير كوبنهاگن. فقد كتب، مثلا، بعد ذلك بسنة مجيبا عن انتقاد وجهه له <S.B.دو ويت>  محرر مجلة Reviews of Modern Physics:

 

إن تفسير كوبنهاگن ناقص بشكل يدعو إلى اليأس، وذلك بسبب اعتماده بداهة على الفيزياء الكلاسيكية … كما أنه فاحشة فلسفية، ففيه مفهوم «الواقع» للعالم الماكروي، في حين ينكر الشيء نفسه بالنسبة إلى العالم الميكروي.

وبينما كان <ويلر> في إجازة في أوروبا يناقش قضية <إيفريت>، كان هذا الأخير يتهدده خطر فقدانه تأجيل سَوْقِه إلى الخدمة الإلزامية. ولكي يتجنب الالتحاق بدورة الأغرار قرر قبول وظيفة باحث في البنتاگون. وانتقل إلى منطقة العاصمة واشنطن، ولم يعد بعد ذلك مطلقا إلى الفيزياء النظرية.

لكن في أثناء العام التالي تحدث مع <ويلر> بالهاتف، حيث إنه اختصر مكرها أطروحته إلى ربع حجمها الأصلي. وفي الشهر 4 من عام 1957 قبلت لجنة أطروحة <إيفريت> النسخة  المختصرة ـ من دون «الانشطارات». وبعد ثلاثة أشهر نشرت المجلة Reviews of Modern Physics الشكل الموجز تحت عنوان «صياغة «الحالة النسبية للميكانيك الكمومي». وفي  العدد نفسه من المجلة ظهرت مقالة مرافقة كتبها <ويلر> أثنى فيها على اكتشاف تلميذه.

ما إن ظهرت المقالة في المجلة حتى طواها النسيان مباشرة. وأبعد <ويلر> نفسه بالتدريج عن الارتباط بنظرية إيفريت، لكنه بقي على اتصال معه يشجعه، ولكن من دون جدوى، على القيام بأعمال أخرى في الميكانيك الكمومي. وفي مقابلة أجريت معه عام 2007 علّق <ويلر>، الذي كان قد بلغ الخامسة والتسعين قائلا: إن <إيفريت> كان  محبطا، وربما شاعرا بالمرارة، بسبب عدم الاهتمام بنظريته. وكم كنت أرغب لو أن جلساتي مع <إيفريت> استمرت، فقد كانت الأسئلة التي يثيرها مهمة.

استراتيجيات عسكرية نووية(********)

 

منحت جامعة پرنستون <إيفريت> شهادة الدكتوراه بعد عام تقريبا من بدئه أول مشروع له في البنتاگون: وهو حساب معدلات الوفيات المحتملة بسبب الهطل الإشعاعي radioactive fallout في حرب نووية. وسرعان ما ترأس قسم الرياضيات في مجموعة تقييم أنظمة الأسلحة Weapons Systems EvaluationGroup (اختصارا WSEG) التابعة للبنتاگون وغير المرئية تقريبا إنما لها التأثير الكبير جدا. كان <إيفريت> مستشارا لموظفين كبار في إدارتي <أيزنهاور> و<كينِدي> حول أفضل السبل لاختيار أهداف القنابل الهدروجينية والتنسيق بين قاذفات القنابل النووية والغواصات والصواريخ، من أجل أفضل ضربة هجوم نووي.

وقد ساعد في عام 1960 على كتابة الوثيقة WSEG No. 50، وهي تقرير مثير ما زال سريا حتى الآن. وبحسب <E.G.بَگ>  صديق <إيفريت> وزميله في المجموعة WSEG، وبحسب المؤرخين أيضا، فقد سوَّغت الوثيقة المذكورة الاستراتيجيات العسكرية التي كانت قيد العمل لعقود من الزمن، بما في ذلك مفهوم التدمير المتبادل المضمون(6)، وشجعت عليها. قدمت المجموعة WSEG إلى سياسيي الحرب النووية معلومات مروعة كافية حول  التأثيرات العالمية للهطولات المشعة، حتى إن العديدين منهم اقتنعوا بحسنة الانخراط في تعادل دائم بدلا من توجيه ضربة وقائية أولى ضد الاتحاد السوکييتي السابق والصين والبلدان الشيوعية الأخرى، كما كان يدعو بعض المتشددين.

وفي هذه الفترة أيضا جرى فصل أخير من الصراع حول نظرية إيفريت. فقد منح <بور> في ربيع عام 1959 <إيفريت> مقابلة في كوبنهاگن. والتقيا عدة مرات في فترة ستة  أسابيع، لكن من دون نتيجة تقريبا؛ فـ<بور> لم يتزحزح عن موقفه، و<إيفريت> لم يعد إلى البحث في الفيزياء الكمومية. ومع ذلك، لم تكن النتيجة فشلا كاملا؛ إذ بينما كان <إيفريت> بعد ظهر أحد الأيام يحتسي البيرة في فندق أوستربورت، دوّن، مستخدما أوراق الفندق، تحسينا مهما على عمله الرياضياتي الآخر الدال على ألمعيته والذي اشتهر بسببه: طريقة مضاعف لاكرانج المعممة(7)، والمعروفة أيضا باسم خوارزمية إيفريت Everett algorithm. تبسّط هذه الخوارزمية البحث عن الحلول المثلى لمسائل لوجستية معقدة ـ بدءا من نشر الأسلحة النووية ووصولا إلى الخطط الزمنية للإنتاج الصناعي في مواعيدها، وإلى مسارات الحافلات من أجل إنهاء التفرقة العنصرية في مناطق المدارس.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/06.gif

<ننيلس بور> (في الوسط) يلتقي <إيفريت> (اليمين القريب) في جامعة پرنستون في الشهر 11 من عام 1954، وهو العام الذي تكونت فيه لدى <إيفريت> فكرة العوالم المتعددة. لم يقبل <بور> قط هذه النظرية. طلبة الدراسات العليا الآخرون في الصورة هم (من اليسار إلى اليمين) <W.C.مِسنِر>  و <F.H.تروتر> و <K.D.هاريسون>

 

 

وفي عام 1964 شكّل <إيفريت> و <بَك> وعدد من الزملاء الآخرين من المجموعةWSEG شركة خاصة بشؤون الدفاع: الشركة لامبدا Lambda Corporation. كانت الشركة تصمم، من بين أنشطة أخرى، نماذج رياضياتية للمنظومات المضادة للصواريخ البالستية وتحوسب ألعاب حرب نووية استخدمها العسكريون لعدة سنوات، حسبما أفاد <بَك>. وأصبح <إيفريت> مفتونا بابتكار تطبيقات لمبرهنة بايس Bayes’ theorem، وهي طريقة رياضياتية لربط احتمالات الأحداث المستقبلية بالخبرة السابقة. وفي عام 1971، صمم <إيفريت> نموذجا أوليا لآلة بايس Bayesian machine، وهي برنامج حاسوبي يتعلم من الخبرة ويبسط صنع القرار، وذلك بحساب النتائج المحتملة، وهذا يشبه كثيرا مَلَكَة الإنسان في التفكير السليم. وضمن عقد مع البنتاگون استخدمت الشركة لامبدا طريقة بايس لابتكار تقنيات لتتبع مسارات صواريخ بالستية قادمة.

ترك <إيفريت> الشركة لامبدا في عام 1973 وأسس شركة معالجة بيانات، اسمها DBS، مع زميله في الشركة لامبدا <D.رايزلر> . كانت الشركة DBS تبحث في تطبيقات الأسلحة،  لكنها تخصصت في تحليل التأثيرات الاقتصادية الاجتماعية لبرامج العمل الإيجابي الحكومية في مراعاة الأقليات. ويتذكر <رايزلر> أنهما حين التقيا في المرة الأولى سأله <إيفريت> «بخجل» ما إذا كان قرأ مقالته التي كتبها عام 1957، ويقول: «فكرتُ لحظة ثم أجبت» آه، يا إلهي، أأنت ذلك ال<إيفريت>، المجنون الذي كتب تلك المقالة الجنونية؟ لقد قرأتها حين كنت في المدرسة الثانوية وضحكت بيني وبين نفسي، ورميتها من يدي.» أصبح الاثنان صديقين حميمين لكنهما قررا ألا يعودا إلى الحديث عن العوالم المتعددة مرة أخرى.

وعلى الرغم من جميع هذه النجاحات، كانت حياة <إيفريت> تعيسة من عدة نواح. كان معروفا أنه يشرب الخمر بكثرة، ويقول أصدقاؤه إن هذه المشكلة كانت تزداد سوءا مع الزمن. ويقول <رايزلر>: إن شريكه كان يستمتع باحتساء ثلاث كؤوس من المارتيني عند الغداء، ثم ينام في مكتبه ـ ومع ذلك يستطيع أن يبقى منتجا.

لكن مذهب المتعة(8) hedonism الذي اتبعه لم ينعكس عليه في جعل موقفه من الحياة  مسترخيا هازلا. ويقول <رايزلر> «لم يكن شخصا متعاطفا، لقد جلب معه منطقا باردا فجا لدراسة الأمور، ولم تكن مكتسبات الحقوق المدنية تعني شيئا بالنسبة إليه.»

 

وقد شكّك <Y.K.بارّي> أيضا، وهو زميل سابق ل<إيفريت> في المجموعةWSEG، في أخلاقياته. فقد أقنع <بارّي> في منتصف السبعينات من القرن الماضي أصحاب العمل في الشركة J.P. Morgan التي يعمل فيها أن يوظفوا <إيفريت> لتطوير طريقة بايس للتنبؤ  بحركة سوق الأسهم. وحسب روايات عديدة نجح <إيفريت> ولكنه رفض بعد ذلك تسليم المنتج إلى الشركة. ويتذكر <بارّي> قائلا «لقد استغلّنا، وكان شخصا مبتكرا لامعا مراوغا غير جدير بالثقة، وعلى الأغلب مدمنا على الخمر.»
كان <إيفريت> أنانيا. ولم يكن يعرف طفليه، <إليزابت> و<مارك>، إلا لماما.

 


تواريخ في حياة إيفريت(*********)

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/05.gif


11/11/1930 :

 ولد في واشنطن العاصمة
1943:

 <ألبرت آينشتاين> يجيب عن رسالة أرسلها له المراهق <إيفريت> حول قوة لا تقاوَم تواجه جسمالا يتحرك.
خريف 1953:

 يدخل برنامج الدراسات العليا في الفيزياء في جامعة پرنستون. يدرس الميكانيك الكمومي على يد <E.ويكنر> و <A .J.ويلر> .
6/1956

يعيَّن بوظيفة باحث في مجموعة تقييم نظم الأسلحة WSEG التابعة للبنتاگون.
11/1956:

يتزوج <نانسي كور>.
11/1956:

يعيَّن رئيسا لقسم الرياضيات في المجموعة WSEG.
11/1956:

يحصل على الدكتوراه.
6/1957:

تولد ابنته <إليزابت>.
ربيع 1959:

يستنبط وهو في فندق أوستربورت في كوبنهاگن تحسينا مهما لطريقة إيجاد الحلول المثلى لمسائل لوجستية معقدة.
1959-1960:

يساعد على كتابة مسودة التقرير WSEG No.50حول الاستراتيجيات النووية العسكرية.
1/1961:

 يُطلع وزير الدفاع الجديد <مَكنامارا> شخصيا على تحليل المجموعة WSEG حول خيارات القتال في الحرب النووية.
4/1963:

يولد ابنه <مارك>.
1964:

يؤسس وزملاء له من المجموعة WSEG الشركة لامبدا للمقاولات الدفاعية.
1973:

يترك الشركة لامبدا ويشكل الشركة DBS.
19/7/1982:

 يموت في فراشه بسبب ذبحة صدرية.

 

 

وبينما كان <إيفريت> يتابع مهنته في المقاولات بدأ عالَم الفيزياء ينظر جديا إلى نظريته التي تجاهلها سابقا. فقد تحول <دو ويت> 180 درجة وأصبح النصير المخلص لهذه النظرية. وكتب عام 1967 مقالة قدم فيها معادلة ويلر ـ دو ويت، وهي دالة موجية شاملة يجب أن تحققها نظرية الثقالة الكمومية(9)   وأعزى إلى <إيفريت> أنه هو من  بيّن الحاجة إلى مثل هذه المقاربة. ثم أصدر <دو ويت> وتلميذه <N.كراهام> كتابا في مقالات الفيزياء اسمه: تفسير العوالم المتعددة للميكانيك الكمومي The Many-Worlds Interpretation of QuantumMechanics ظهر فيه الشكل الكامل لأطروحة  إيفريت. وسرعان ما علِق التعبير «عوالم متعددة» وأصبح شعبيا في مجلة الخيال العلمي Analog في عام 1976.

ومع ذلك، لا يوافق الجميع على أن تفسير كوبنهاگن ينبغي أن يستسلم. ويصرّ <D.N.ميرمِن>  [الفيزيائي من جامعة كورنل] على أن تفسير <إيفريت> يعامل الدالة الموجية وكأنها جزء من العالم الواقعي الموضوعي، في حين أنه يرى أنها مجرد أداة رياضياتية، ويقول «الدالة الموجية هي بناء بناه البشر، الهدف منه تمكيننا من فهم مشاهداتنا الماكروية. ووجهة نظري تعاكس تماما تفسير العوالم المتعددة. فالميكانيك الكمومي وسيلة تمكننا من جعل أرصادنا متسقة، والقول: «إننا داخل الميكانيك الكمومي وأن الميكانيك الكمومي يجب أن يطبق على إدراكنا» قول متناقض.

لكن العديد من الفيزيائيين العاملين يقولون: إن نظرية <إيفريت> يجب أن تؤخذ على محمل الجد.

يقول الفيزيائي النظري في جامعة ستانفورد <S.شنكر> : «حين سمعت عن تفسير <إيفريت> في أواخر السبعينات ظننته ضربا من الجنون. أما الآن فقد صار معظم الناس الذين أعرفهم يتعاملون مع نظرية الأوتار والكسمولوجيا الكمومية، يفكرون بطريقة تساير تفسير <إيفريت>. فهذه المواضيع لم تعد أكاديمية بحتة بسبب التطورات الحديثة في الحوسبة الكمومية(10) «  .

 

ويعلّق أحد روّاد إزالة الترابط(11) <H.W.تسورِك>  [وهو زميل في مختبر لوس ألاموس الوطني] قائلا: «كان إنجاز <إيفريت> هو التأكيد على أن النظرية الكمومية ينبغي أن تكون شاملة، وينبغي ألا يكون هناك تقسيم للعالَم إلى شيء يجب أن يكون كلاسيكيا من جهة، ومن جهة أخرى شيء هو كمومي بداهة. لقد أفسح لنا جميعا، المجال لأن نستخدم النظرية الكمومية بالطريقة التي نستخدمها الآن لوصف القياس برمته.»

 

 

 

نتائج خيالية(**********)

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2008/6&7/Untitled-2%20copy.gif


بقيت قصص العوالم المتعددة والتواريخ المتعاقبة لزمن طويل شائعة شيوعا كبيرا. وفيما يأتي ثلاث روايات مختلفة تستند إلى نظرية العوالم المتعددة ل<إيفريت>.

The Coming of the Quantum Cats,
(by Fredrik Pohl (Spectra, 1986
نسخ من أشخاص تروح وتجيء عبر العدد الكبير من التواريخ البديلة التي يأتون منها.

(Quarantine, by Greg Egan (Harper-Collins,1992
التراكبات الكمومية ـ وماذا يحدث عندما تُرصد ـ هي مركزية في الحبكة، وهي مفتاح لمصير البشرية.

(His Dark Materials trilogy, by Philip Pullman(Knopf, 1995-2000
تطوف هذه الفنتازيا عبر عدة عوالم متوازية. في أحدها يذكر فيزيائي <إيفريت> وفرضيته التي أطلقها في عام 1957، وفي عالَم آخر اقترح لاهوتيان تجريبّيان هرطقة متعددة العوالم.

 

ويعكس المختص بنظرية الأوتار <J.مالداسينا> [من معهد الدراسات المتقدمة في پرنستون بولاية نيوجرسي] موقفا عاما سائدا بين زملائه: «حين أفكر بنظرية إيفريت كموميا أجدها أكثر الأشياء المعقولة التي يمكن أن تُصدَّق، أما في الحياة اليومية فلا أصدقها.»

 

وفي عام 1977 قام <دي ويت> و <ويلر> بدعوة <إيفريت> الذي كان يكره التحدث أمام  الناس لكي يقدم محاضرة في جامعة تكساس بأوستن حول تفسيره. كان يرتدي بزّة سوداء مجعّدة وكان يدخن باستمرار أثناء الندوة. حضر الندوة <D.دويتش> [الذي يعمل حاليا في جامعة أكسفورد، وهو أحد مؤسسي مجال الحوسبة الكمومية (التي استُلهمت هي نفسها من نظرية إيفريت)]، ولخص مداخلة <إيفريت> بقوله: «كان <إيفريت> سابقا عصره، إنه يمثل رفض التخلي عن التفسير الموضوعي. لقد لحق ضرر كبير بالتقدم في كل من الفيزياء والفلسفة من جراء التخلي عن الهدف الأساسي لهذين المجالين، ألا وهو تفسير العالَم. لقد غصنا في مستنقع الصوريات بحيث تتعذر العودة عنها، ونُظر إلى الأشياء غير المفسَّرة على أنها تقدُّم، ومُلئ هذا الفراغ بالتأمل اللاعقلاني والدين وجميع أنواع الهراء، و<إيفريت> مهم لأنه عارض ذلك.»

 

حاول <ويلر>، بعد زيارته تكساس، أن يجعل <إيفريت> يوافق على العمل في معهد الفيزياء النظرية في سانتا باربرا بكاليفورنيا. وكان <إيفريت>، كما قيل، مهتما بالأمر، ولكن لم يحدث شيء بهذا الخصوص.

 

 

تواريخ في النظرية(***********)


:1954-1955شتاء

 > يبدأ إيفريت <  كتابة أطروحة الدكتوراه حول الميكانيك الكمومي
1/1954:

 يسلّم <إيفريت> مسودة الأطروحة الكاملة: «نظرية الدالة الموجية الشاملة»
ربيع 1956:

 يأخذ <ويلر> الأطروحة إلى كوبنهاگن لكي يناقشها مع <نيلز بور> وفيزيائيين بارزين آخرين. وكانت استجابتهم سلبية نحوها.
8/1956 – 3/1957:

يعيد <ويلر> و<إيفريت> كتابة الأطروحة فيختصرانها اختصارا شديدا.
4/1957:

تقبل لجنة الأطروحة الشكل المختصر منها: «صياغة الحالة النسبية للميكانيك الكمومي».
5/1957:

 يصرّ <B .S.دي ويت>  (محرر المجلة Reviewsof Modern Physics) في رسالة إلى <ويلر> على أن «العالم الواقعي لا يتشعب».
7/1957:

 تنشر المجلة Reviews of Modern Physicsالأطروحة  المختصرة مع تقييم يتضمن ثناء على النظرية كتبه <ويلر>.
ربيع 1959:

 <إيفريت> يلتقي <بور> في كوبنهاگن، لكن أيا منهما لم يتزحزح عن موقفه من النظرية.
3/1970:

ينشر <D.زيه> مقالة ذات تأثير كبير حول إزالة الترابط، أثنى فيها على عمل <إيفريت>.
9/1970:

ينشر <دي ويت> مقالة مراجعة في المجلةPhysics Today تروج لنظرية <إيفريت>.
1973:

 ينشر <دي ويت> و <N.كراهام> شكلي الأطروحة ومقالات أخرى في كتاب.
12/1976:

تقوم مجلة الخيال العلمي Analog بجعل النظرية شعبية.
7/1985:

يقترح <دويتش> حاسوبا كموميا يمكنه من استغلال التوازي الذي قال به <إيفريت>.
7/2007:

الذكرى الخمسون لمقالة <إيفريت> في المجلةReviews of Modern Physics التي تم إحياؤها في  مؤتمر عقد في جامعة أكسفورد، وعلى غلاف المجلة Nature.

 

الخبرة الكلية(************)

 

توفي <إيفريت> في فراشه في 19/7/1982 ولم يكن قد تجاوز عمره 51 عاما. ويتذكر ابنه  <مارك>، الذي لم يكن سوى فتى يافع، أنه وجد جسد أبيه مفارقا للحياة في ذلك الصباح. أدرك <مارك> الذي أحس ببرودة الجسد أنه ليست لديه أي ذكرى في أنه لمس أباه من قبل، وأخبرني قائلا: «لم أعرف كيف أشعر أمام حقيقة أن أبي مات للتو، لم تكن لي في الواقع أي علاقة معه.»

 

انتقل <مارك> بعد ذلك بقليل إلى لوس أنجلوس وأصبح مؤلف أغان ناجحا والمغني الرئيسي في فرقة موسيقى الروك الشعبي واسمها Eels. والعديد من أغانيه تعبر عن الحزن الذي عاناه؛ لكونه ابن رجل كئيب مدمن على الخمر مجرد من العواطف. لم يعرف <مارك> إلا بعد سنوات من وفاة والده مهنة إيفريت وإنجازاته.

أما <إليزابت> أخت <مارك> فقد قامت في الشهر 6/1982، أي قبل شهر فقط من موت <إيفريت>، بأولى محاولة انتحار من محاولاتها العديدة. اكتشف <مارك> غيابها عن الوعي وهي على أرض الحمام، ونقلها إلى المستشفى في الوقت المناسب. ويذكر أنه حين عاد إلى البيت متأخرا في ذلك اليوم «نظر إليه أبوه من خلف الجريدة وقال «لم أكن أعلم أنها حزينة إلى هذا الحد». وفي عام 1996 قتلت <إليزابت> نفسها عندما تناولت  جرعة كبيرة من حبوب منومة وتركت ملاحظة في محفظتها تقول فيها: إنها ذاهبة للقاء والدها في عالم آخر.

اختتم <إيفريت> أطروحته التي لم تنشر بقوله: «بمجرد أننا سلّمنا بأن أي نظرية فيزيائية ليست في الأساس سوى نموذج لعالم الخبرة، وجب علينا أن نتخلى عن أي أمل في العثور على أي شيء يشبه النظرية الصحيحة… وذلك ببساطة لأن الخبرة الكلية ليست أبدا في متناولنا.»

المؤلف

   Peter Bryne
 صحفي استقصائي وكاتب علمي مقيم في شمال كاليفورنيا. وهو يكتب سيرة <إيفريت> الكاملة. وهو يدين بالشكر إلى <E.شيخوفتسيف> [من كوسترومو في روسيا] الذي كان أول مؤرخ يدرس حياة <إيفريت>، والذي شاطر بكرم مادته البحثية، وإلى المعهد الأمريكي للفيزياء لدعمه المالي، وإلى <E.G.بَك> و<K.فورد> لمساعدتهما، وإلى الفيزيائيين الذين راجعوا الجانب العلمي في هذه المقالة: <S.شنكر> و <L.زيزكند> و <D.دويتش>  و <H.W.تسورِك> و <B.J.هارتل> و <G.دي ويت موريت> و <M.تكمارك> .

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2008/6&7/07.gif

  مراجع للاستزادة 

 

The Many-Worlds Interpretation of Quantum Mechanics. Edited by Bryce S. DeWitta and NEill Graham. princeton University

press, 1973.

 

The Fabric of Reality. David Deutsch. Penguim Books, 1997.

 

Biographical Sketch of Hugh Everett, III. Eugene Shikhovtsev. 2003.

Online at http://space.mit.edu/home/tegmark/everett

 

Science and Ultimate Reality: Quantum Theory, Cosmology, and Complexity. Edited by john D. Barrow, Paul C. W. Davies

and Charles L. Harper, Jr. Cambridge Univeresity press, 2004.

 

Things the Grandchildren should know. Mark Everett. Little, Brown (in press).

 

(*)THE MANY WORLDS OF HUGH EVERETT

(**)Ridiculous Things

(***)THE PROBLEM

(****)Universal Wave Function

(*****)TWO ANSWERS

(******)Inferring the Many Worlds

(*******)Splits

(********)Nuclear Military Strategies

(*********)EVERETTS TIMELINE

(**********)Fictional Spin-offs

(***********)THEORY’S TIMELINE

(***********)Totality of Experiance


(1) Theory of multiple universes

(2) أو العياني أو الجهري.

(3) of its spin

(4) postulate

(5) Copenhagen collapse postulate

(6) Mutually Assured Destruction

(7) The generalized Lagrange multiplier method

(8) مذهب المتعة أو اللذة مذهب أخلاقي يرى أن دوافع النشاط البشري تنحصر في التماس اللذة وتجنب  الألم، فاللذة هي الخير الأسمى.

(9) quantum gravity

(10) quantum computation

(11) decoherence

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى