أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

تتبَّع الكون المُرتدّ


تتبَّع الكون المُرتدّ(*)

ربما لم يبدأ كوننا بانفجار أعظم، بل بارتداد أعظم، أي بانبجار (انفجار نحو

 الداخل)، أطلق انفجارًا؛ وقد ساقت ذلك كله تأثيرات كمومية ـ تثاقلية غريبة.

 <M.بوجوالد>

 

 

مفاهيم مفتاحية

تقول نظرية <آينشتاين> في النسبية العامة: إن الكون قد بدأ بحادثة الانفجار الأعظم bigbang، وذلك في اللحظة التي كانت فيها المادة كلها التي نراها اليوم مرَّكَزة في نقطة وحيدة ذات كثافة لامتناهية. ولكن هذه النظرية تُغْفِل بنية الزمكان(1) spacetime الكمومية، وهذا يحدّ من المدى الذي يمكن أن يصله تَرَكُّز المادة تركزا محكما، ومن مدى القوة الذي يمكن أن تبلغه الثقالة. وبغية تقرير ما حصل بالفعل، يحتاج الفيزيائيون إلى نظرية كمومية خاصة بالثقالة.

  وفقا لإحدى النظريات المرشحة لأن تكون نظرية ثقالة كمومية، وهي نظرية الثقالة الكمومية الحَلَقْية(2)، فإن المكان مقسوم إلى ذرات atoms  وله قدرة محدودة على تخزين  المادة والطاقة، وهذا يحول دون وجود تفرّدات(3)  كونية حقيقية.

  إذا كان الأمر كذلك، فربما امتد الزمان إلى ما قبل لحظة الانفجار الأعظم. وربما كان عالَمُ ما قبل الانفجار قد عانى انهيارا كارثيا على ذاته، أوصله إلى نقطة ذات كثافة عظمى ليرتد بعد ذلك متوسعا. وباختصار، ربما قاد انسحاق أعظم إلى نقطة ارتداد أعظم، ثم إلى الانفجار الأعظم.

محررو ساينتفيك أمريكان

 

 الذرات في أيامنا فكرة شائعة شيوعا يصعب معه تذكر مدى الغرابة التي كانت تبدو عليها هذه الذرات عندما تم طرح فكرتها أول مرة. فعندما وضع العلماء أول مرة فرضية الذرات قبل قرون، يئسوا من رصد أي شيء على هذا القدر من الصغر؛ بل إن العديد منهم تساءل عما إذا كان بالإمكان اعتبار مفهوم الذرات علميا. بيد أن الأدلة على وجود الذرات قد تراكمت تدريجيا وبلغت نقطة تحوّل حرجة مع التحليل الذي قدمه <آينشتاين> عام 1905  للحركة البراونيةBrownian motion، أي الحركة العشوائية لذرات الغبار الموجودة في سائل. وحتى في ذلك الوقت، فقد أمضى الفيزيائيون 20 سنة أخرى قبل التوصل إلى نظرية تشرح الذرات ـ وهي نظرية الميكانيك الكمومي(4) ـ و 30 سنة إضافية قضاها الفيزيائي <E.مولر> ليحصل على أول الصور المجهرية للذرات. وفي أيامنا هذه ترتكز جميع الصناعات على الخصائص المميزة للمادة المكونة من الذرات.

 

يتبع فهمُ الفيزيائيين لتركيب المكان والزمان نهجا مماثلا، لكنه متأخر عنه خطوات عدة. وكما يشير سلوك المواد إلى أنها مكونة من ذرات، فإن سلوك المكان والزمان يوحي أيضا أن لهما بنية ذات جسيمات دقيقة ـ «ذرات» atoms زمكانية فسيفسائية، أو بنية أخرى على شكل نسيج. وكما أن ذرات المادة هي أصغر وحدات المركبات الكيميائية غير القابلة للتقسيم؛ فإن ذرات المكان المزعومة هي أيضا أصغر وحدات المسافة غير القابلة للتقسيم. ويُظن، عموما، أن حجمها يبلغ نحو 10-35  متر، وهذا يجعلها أصغر من أن ترى بأقوى أدوات التكبير الراهنة التي لاتزال غير قادرة على سبر المسافات التي يقل طولها عن نحو 10-18متر. ونتيجة لذلك، فإن العديد من العلماء يتساءلون عما إذا كان بالإمكان اعتبار الزمكان الذريّ مفهوما علميا. وباحثون آخرون لا يثنيهم شيء عن طرح طرقٍ ممكنة للكشف عن مثل هذه الذرات تحريا غير مباشر.

 

إن أرصاد الكون هي أكثر الطرق الواعدة في مجال الكشف عن بنية الزمكان. فإذا تخيلنا أننا أرجعنا توسع الكون القهقرى في الزمان، فإن المجرّات التي نراها اليوم ستبدو لنا وقد التقت جميعا في نقطة واحدة لامتناهية في الصغر: هي تفرُّد الانفجار الأعظم(5). وتتنبأ نظريتنا الحالية ـ نظرية النسبية العامة(6) ل <آينشتاين> ـ بأن كثافة الكون وحرارته قد كانتا في هذه النقطة لامتناهيتين. وتطرح هذه النقطة في بعض الأحيان بوصفها بداية الكون، وبداية مولد المادة والمكان والزمان. وفي الحقيقة، فإن هذا تفسير مبالغ فيه؛ لأن القيم اللامتناهية تؤدي إلى إخفاق نظرية النسبية العامة. ولشرح ما حصل بالفعل في لحظة الانفجار الأعظم، على الفيزيائيين أن يتجاوزوا نظرية النسبية. ومن ثم علينا ابتكار نظرية ثقالة كمومية تفسر الزمكان، الذي لا تبصره نظرية النسبية، تفسيرا مقبولا.

 

 

النظرية انفجرت للتو(**)

 

أتت فكرة الانفجار الأعظم من ملاحظة حقيقة بسيطة: المجرات في العالم تتباعد عن بعضها بعضا. ولو أَعَدَّتَ حركتها إلى الوراء في الزمن، لتلاقت هذه المجرات (أو أسلافها) جميعا قبل نحو13.7 بليون سنة. وفي  الحقيقة، فإن هذه المجرات قد انحشرت، بحسب نظرية النسبية العامة ل<آينشتاين>، في نقطة وحيدة لامتناهية الكثافة ـ وهي متفردة الانفجار الأعظم. ولكن كثافةً لانهائية شيء غير واقعي: إذن، تنبؤ النظرية النسبية يدل على أنها نظرية غير مكتملة.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2009/8&7/047.gif

 

وقد أخذت تفاصيل هذه البنية بالظهور في ظل حالات الكون البدائي الكثيف، وربما وصلتنا آثار منها في الترتيب الراهن للمادة والإشعاع. وباختصار، فإذا كانت ذرات الزمكان موجودة فعلا، فإن إيجاد الدليل عليها لن يستغرق قرونا، كما حصل مع ذرات المادة. وبقليل من الحظ، ربما يمكننا قريبا معرفتها.

 

قِطَعٌ من المكان(***)

 

وقد ابتكر الفيزيائيون نظريات عدة مرشحة لأن تكون نظريات في الثقالة الكمومية، تطبِّق كل واحدة منها المبادئ الكمومية على نظرية النسبية العامة بأسلوب مميز. ويركِّز عملي على نظرية الثقالة الكمومية الحَلقية (اختصارا: الثقالة الحَلقية loop gravity)، التي سبق تقديمها في تسعينات القرن العشرين باستخدام نهج ذي طورين. فأولا، أعاد الفيزيائيون النظريون صياغة نظرية النسبية العامة صياغة رياضياتية لتماثل نظرية الكهرمغنطيسية التقليدية؛ «فالحَلقات» the loops التي توصف بها النظرية شبيهة بخطوط الحقلين الكهربائي والمغنطيسي. وثانيا، طبّق هؤلاء الفيزيائيون النظريون المبادئ الكمومية على الحَلقات، سالكين في ذلك إجراءات مبتكرة، بعضها مرتبط برياضيات العُقَد mathematics of knots. وتتنبأ نظرية الثقالة الكمومية الناتجة بوجود ذرات الزمكان [انظر: «ذرات المكان والزمان»، مجلة العلوم ، العددان9/8(2004) ، ص 74].

 

ولا تتنبأ نظريات أخرى، مثل نظرية الأوتار والنظرية المسماة بالتثليثات الدينامية (التحريكية) السببية causal dynamical triangulations، بذرات الزمكان بحد ذاتها، ولكنها تقترح سبلا أخرى تفيد بإمكانية أن تكون المسافات التي هي على قدر كاف من القصر غير قابلة للتقسيم(7). وقد أدت الاختلافات الموجودة بين هذه النظريات إلى بروز جدل. بيد أنها، من وجهة نظري، محاولات غير متعارضة بقدر ما هي متكاملة. فنظرية الأوتار، على سبيل المثال، مفيدة جدا لإيجاد رؤية موحدة لتفاعلات الجسيمات تحت الذرية، بما في ذلك الثقالة عندما تكون ضعيفة. أما عندما يراد فك لغز ما يحصل في التفرُّد singuarity، حيث الثقالة قوية، فإن البنى الذرية للثقالة الحَلقية تكون أكثر نفعا.

 

تكمن قوة نظرية الثقالة الحَلقية في قدرتها على التعبير عن سلامة الزمكان بدقة. وتكمن عظمة رؤية آينشتاين في اعتباره أن الزمكان ليس مجرد مِنَصّة تُعرض عليها دراما الكون. إنه ممثل بحد ذاته. إنه لا يقتصر على حركة الأجسام داخل الكون، بل إنه يتطور أيضا. وينتج من ذلك تفاعل معقد بين المادة والزمكان. فالمكان يمكن أن ينمو وأن ينكمش.

  

وتُمدِّدُ الثقالةُ الحَلقيةُ هذه الرؤيةَ إلى العالم الكمومي. إنها تأخذ فهمنا المعتاد للجسيمات تحت الذرية المكونِّة للمادة وتطبِّقه على ذرات المكان والزمان، مقدمة رؤية موحدة لأكثر مفاهيمنا جذرية. فالنظرية الكمومية للكهرمغنطيسية، على سبيل المثال، تصف خلاءً vacuum مجرَّدًا من الجسيمات تحت الذرية كالفوتونات، وتقول إن كل زيادة في الطاقة تضاف إلى هذا الخلاء تكوّن جسيما تحت ذري جديدا. فالخلاء، في النظرية الكمومية للثقالة، هو غياب الزمكان ـ خلاء على قدر من الشمول يكاد يصعب علينا تصوره. ونظرية الثقالة الحَلقية تصف الكيفية التي تكوّن وفقها كلُّ زيادة في الطاقة مضافة إلى هذا الخلاء ذرةَ زمكانٍ جديدةً.

 

 

[نظرية الثقالة الكمومية الحَلقية]

ذرات المكان(****)

 

تعاني النظرية النسبية مشكلات بسبب افتراضها أن المكان متصل continuum لافواصل  فيه. ونظرية أكثر تعقيدا، كنظرية الثقالة الكمومية الحَلقية، تعتبر أن المكان شبكة مكونة من «ذرات» دقيقة (كرات). وقطر هذه الذرات (خطوط) يسمى طول پلانك(8)Plancklength، وهو المسافة التي تتماثل عندها قوى التأثيرات التثاقلية والكمومية.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/048.gif

 

تشكل ذرات الزمكان شبكة متراصة الحَلقات ودائمة التحول. وعبر المسافات الكبيرة، تؤدي دينامية هذه الذرات إلى ظهور كون النظرية النسبية التقليدية المتطور. وفي ظل الشروط الفيزيائية العادية، لا نلاحظ أبدا وجود ذرات الزمكان هذه؛ فحَلقات الشبكة متقاربة تقاربا وثيقا يجعلها تبدو وكأنها متصلة. ولكن عندما يُعَبَّأ الزمكان بالطاقة، كما كان لحظة الانفجار الأعظم، فإن بنية الزمكان الناعمة تصبح عاملا مؤثرا، وتتباعد عندها تنبؤات نظرية الثقالة الحَلقية عن تنبؤات نظرية النسبية العامة.

 

جُذِب للنَّبذ(*****)

 

إن تطبيق نظرية الثقالة الكمومية الحَلقية مهمة غاية في التعقيد، لذا فقد استخدمتُ مع زملائي نسخا منها مبسطة يمكنها التعبير عن سمات الكون الأساسية تعبيرا دقيقا، مثل حجمه، وتجاهلنا التفاصيل الأقل أهمية. وتعيّن علينا أيضا تَبَنِّي العديد من الأدوات الرياضياتية القياسية المستعملة في الفيزياء وعلم الكون. فالفيزيائيون النظريون، مثلا، يصفون العالم عادة باستعمال المعادلات التفاضلية، التي تحدد معدل تغير المتغيرات الفيزيائية، مثل الكثافة، في كل نقطة من نقاط متصل الزمكان(9). ولكن عندما يكون الزمكان حُبيبيّا، فإننا نستخدم عوضا عن ذلك ما يعرف بمعادلات فرقية differenceequations، التي تقسم المتصل إلى أقسام منفصلة. وتصف هذه المعادلات كيف يصعد كونٌ ما سُلَّمَ الحجوم المسموح له بأن يتخذها أثناء نموه. وعندما شرعتُ في تحليل النتائج الكونية للثقالة الحَلقية عام 1999، توقع معظم الباحثين أن المعادلات الفرقية هذه ستعيد ببساطة استخراج النتائج القديمة بشكل مستتر. ولكن سرعان ما بزغت عنها سمات غير متوقعة.

 

 إن الثقالة هي، نموذجيا، قوة جاذبة. فَكُرَةٌ من المادة a ball of matter تنحو إلى الانهيار تحت ضغط وزنها الذاتي، فإذا كانت كتلتها على قدر كاف من الضخامة، فإن الثقالة تتغلب أيضا على جميع القوى الأخرى، وتضغطُ الكرةَ إلى أن تحيلها إلى متفردة (تَفَرُّد)، كالمتفردة التي تقع في مركز ثقب أسود. ولكن نظرية الثقالة الحَلقية تقترح أن بنية الزمكان الذرية تُغيِّر طبيعة الثقالة في مستويات عالية من كثافة الطاقة، جاعلة منها ثقالة نابذة. لنتخيل المكان إسفنجة والكتلة والطاقة ماءً. بالطبع، لا يمكن للإسفنجة المَسامِيّة أن تختزن الماء إلا ضمن حدود معينة. وعندما تتشبع بالماء تصير غير قادرة على امتصاص المزيد منه، لا بل إنها تشرع في طرد ما يزيد منه على قدرة استيعابها. وكالإسفنجة، فإن المكان الكمومي مسامِيّ ولديه قدر محدود من المكان لتخزين الطاقة. وعندما تصبح مستويات كثافة الطاقة عالية جدا، تشرع القوى النابذة(10) في تأدية دورها. وعلى العكس من ذلك، فإنه يمكن لاستمرار المكان في نظرية النسبية العامة أن يخزن قدرا غير محدود من الطاقة.

 

 وبسبب التبدل الكمومي ـ التثاقلي في ميزان القوى، لا يمكن أبدا أن تبرز أي متفردة ـ حالة من الكثافة اللانهائية. ووفقا لنموذج الثقالة الكمومية الحَلقية، فقد كان للمادة في الكون المبكر كثافة كبيرة جدا لكنها متناهية، فهي كثافة تكافئ كثافة تريليونات الشموس المحشورة في حيز بحجم الپروتون. وفي ظل مثل هذه الظروف الفيزيائية المتطرفة، عملت الثقالة كقوة نابذة أدت إلى توسيع المكان؛ ومع تضاؤل الكثافة، تحولت الثقالة إلى القوة الجاذبة التي نعرفها. وقد حافظت العطالة Inertia  على استمرار التوسع حتى يومنا هذا.

 

 وفي الحقيقة، فإن الثقالة النابذة جعلت المكان يتوسع بمعدل متسارع. ويبدو أن هذه الأرصاد الكونية تتطلب مثل هذه الفترة المبكرة من التسارع المعروف بالانتفاخ الكوني cosmic inflation. ومع تمدد الكون، تتضاءل ببطء القوة الدافعة للانتفاخ. وما أن ينتهي التسارع، حتى تتحول الطاقة الزائدة إلى مادة عادية تشرع في مَلء الكون في عملية تسمى إعادة التسخين reheating. وفي النماذج النظرية الراهنة، فإن الانتفاخ مفصَّل تفصيلا، إلى حد ما، على مقاس هذه النماذج ـ أي إنه مضاف إليها لجعلها تتفق مع الأرصاد ـ لكن في علم الكون الكمومي الحَلقي، هو نتيجة طبيعية لطبيعة الزمكان الذرية. فالتسارع يحصل آليا عندما يكون الكون صغيرا، وعندما لا تزال طبيعته المسامية مهمة إلى حد بعيد.

 

زمان قبل زمان(******)

 

من دون متفردة تحدد بداية الزمان، يمكن إرجاع تاريخ الكون إلى أبعد مما كان يظنه علماء الكون في وقت من الأوقات. وقد توصل فيزيائيون آخرون إلى نتيجة مماثلة(11)، لكن نماذجهم نادرا ما تحلّ مشكلة المتفردة حلا شاملا؛ فمعظم النماذج النظرية، بما في ذلك النماذج التي تستوحي نظرية الأوتار(12)، تتطلب افتراضات تتعلق بما يمكن أن يكون قد حصل في هذا الحيز غير المريح. وعلى العكس من هذه النماذج، فإن نظرية الثقالة الحَلقية قادرة على اقتفاء أثر ما قد حصل في المتفردة. ومع أن السيناريوهات المرتكزة على نظرية الجاذبية الحَلقية مبسطة تبسيطا مقبولا، فإنها تقوم على مبادئ عامة وتتفادى إدخال افتراضات مفصلة على مقاسها.

 

 وباستخدام معادلات فرقية، يصبح بمقدورنا محاولة إعادة بناء الماضي السحيق. ويتمثل أحد السيناريوهات الممكنة في هذا المجال بأن حالة الكثافة البدائية العالية قد ظهرت عندما انهار كون سابق الوجود تحت تأثير القوة الجاذبة الخاصة بالثقالة. وقد تنامت الكثافة كثيرا إلى أن بلغت حدا تحولت عنده الثقالة إلى قوة نابذة، وراح الكون يتوسع من جديد. ويطلق علماء الكون على هذه العملية مصطلح ارتداد bounce.

 

 

[ماذا تفعل ذرات المكان]

تبدو نابذة تماما(*******)

حين تحشر طاقة في حجم فضائي، يتقلص طول موجات الجسيمات تحت الذرية الحاملة لهذه الطاقة، إلى أن يصبح بحجم «ذرات» الزمكان.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/049.gif

وعندئذ لا يبقى فسحة للمكان. فإذا حاولتَ ملء المكان بمزيد من الطاقة، فإن هذا المكان سيلفظ الطاقة الزائدة. وسيبدو الأمر وكأن الثقالة التي تولدها المنطقة المكانية قد انقلبت من قوة جاذبة إلى قوة نابذة.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/050.gif

 

 وقد كان أول نموذج ارتداد تم تحريه تحريا شاملا حالة مثالية، كان الكون فيها متناظرا تناظرا عالي المستوى، واحتوى نوعا واحدا فقط من المادة. ولم يكن للجسيمات تحت الذرية لهذه المادة كتلة، ولا يتفاعل كل منها مع الآخر. ومع أنه كان نموذجا مبسطا، فإن فهمه اقتضى بدايةً، مجموعة من المحاكيات العددية التي لم تنجز إلا في عام 2006 من قبل <A.أشتيكار> و <T.بفلوفسكي> و<P.سينگ>، وجميعهم يعملون في جامعة ولاية پنسلفانيا الأمريكية. وقد اعتبروا أن انتشار الموجات يُمثِّل الكون قبل الانفجار الأعظم وبعده. وقد أظهر النموذج النظري بوضوح أن موجة ما لن تتبع على نحو أعمى المسار التقليدي المفضي إلى هاوية المتفردة، بل ستتوقف وتعود أدراجها مرة أخرى بمجرد أن يبدأ تأثير الثقالة الكمومية النابذ.

 

[ماذا تفعل ذرات المكان]

تبدو نابذة تماما(********)

حين تحشر طاقة في حجم فضائي، يتقلص طول موجات الجسيمات تحت الذرية الحاملة لهذه الطاقة، إلى أن يصبح بحجم «ذرات» الزمكان.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/051.gif

في أحد السيناريوهات، يكون الكون أبديا. إنه ينهار على ذاته، بالغا أقصى كثافة مسموح له بأن يبلغها (عند نقطة الارتداد)،

 ثم يعاود توسعه من جديد.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/052.gif

ثمة حالة بديلة مفادها أن الكون، قبل الارتداد الأعظم، كان في حالة كمومية لا يمكن تصورها تقريبا، لا تشبه المكان، وذلك حين قدح شيء ما زناد الارتداد الأعظم وتكوُّن ذرات الزمكان. أما تحديد إحدى هاتين الحالتين التي كانت موجودة فعلا، فيتعلق بتفصيلات أخرى لايزال الفيزيائيون يدرسونها.

 

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/121.gif
يمكن لعلماء الفلك البحث عن أدلة على وجود ذرات الزمكان، مثلما يفتش العلماء عن نظائر للحركة البراونية العشوائية.

  

وقد أسفرت هذه المحاكيات عن نتيجة مثيرة مفادها أن مبدأ الارتياب(13)uncertainty principle الشهير في علم الميكانيك الكمومي بقي صامتا إلى حدٍ ما خلال الارتداد. فأي موجة من موجات هذه المحاكيات كانت تظل متوضعة في مكانها طوال الارتداد بدلا من أن تتوسع نحو الخارج كما تفعل عادة الموجات الكمومية. وبأخذ هذه النتيجة على عِلاتها، فإنها قد أوحت أن الكون قبل الارتداد كان مماثلا لكوننا على نحو ملحوظ؛ أي إنه كان محكوما بنظرية النسبية العامة وربما كان مملوءا أيضا بالنجوم والمجرات. وإذا كان ذلك الكون على هذا النحو، فلابد أنه سيكون بمقدورنا أن نستوحي من كوننا النتائج الخاصة بماضيه مرورا بالارتداد، وأن نستدل على ما جاء قبله، تماما مثل قدرتنا على رسم مَسَارَيْ كُرَتَيْ بلياردو قبل تصادمهما، انطلاقا من معرفتنا بمساريهما بعد الاصطدام. لذا، فإننا لسنا بحاجة إلى أن نعرف كل تفصيل من تفاصيل الاصطدام بمقياس ذريّ.

 

ولسوء الحظ، فإن تحليلي اللاحق قد بدّد هذا الأمل. فقد تبين أن هذا النموذج النظري ما هو سوى حالة خاصة، مثله في ذلك مثل الموجات الكمومية المستخدمة في المحاكيات العددية. وإجمالا، فإنني وجدتُ أن الموجات قد انتشرت نحو الخارج، وأن الآثار الكمومية كانت على قدر من القوة كاف لوجوب أخذها بالحسبان. وبناء عليه، فإن الارتداد ليس دفعة قصيرة الأمد سببها قوة نابذة، على نحو ما يحصل عند تصادم كرات البلياردو. بل، بدلا من ذلك، ربما مثَّل هذا الارتداد ظهور عالمنا من حالة كمومية تتصف إلى حد بعيد بالغرابة والاستعصاء على الفهم ـ عالم في حالة من الاضطراب المتموج تموجا هائلا. حتى ولو سبق أن كان العالم الموجود من قبلُ مشابها لعالمنا، فإنه مرّ عبر مدة طويلة تأرجحت عبرها كثافة المادة والطاقة تأرجحا قويا وعشوائيا أدى إلى خلط كل شيء في ذلك الكون.

 

لم تكن التأرجحات قبل الانفجار الأعظم وبعده مترابطة ترابطا قويا. فربما كان الكون يتأرجح قبل الانفجار الأعظم بطريقة مختلفة عن تأرجحه بعد هذا الانفجار، ومن ثم لم تستمر هذه التفاصيل بالوجود بعد انقضاء الارتداد. وباختصار، فإن الكون السابق يعاني حالة مأساوية من النسيان. ربما كان موجودا قبل الانفجار الأعظم، ولكن التأثيرات الكمومية التي حصلت خلال الارتداد طمست معظم آثار ما قبل هذا التاريخ.

 

بعض من مخلفات الذاكرة(*********)

 

صورة الانفجار الأعظم هذه أكثر دقة من الرؤية التقليدية للمتفردة. ففي حين تُخْفِقُ نظرية النسبية العامة في المتفردة، فإن نظرية الثقالة الحَلقية قادرة على التعاطي مع الظروف المتطرفة الموجودة في هذه المتفردة. فلم يعد الانفجار الأعظم مجرد بداية فيزيائية، أو متفردة رياضياتية، بل إنه يضع قيودا عملية على معرفتنا عمليا. وبصرف النظر عما وصلنا من ذلك الكون، فإنه غير قادر على تقديم رؤية شاملة لما حدث قبله.

 

ومع أن ذلك قد يكون محبطا، فإنه ربما كان نعمة فيما يخص المفاهيم. ففي المنظومات الفيزيائية، كما هو الحال في الحياة اليومية، تنحو الفوضى إلى التزايد. وهذا المبدأ، الذي يسمى بالقانون الثاني لعلم الديناميك الحراري (الترموديناميك)، حجة ضد مفهوم كون أبدي. فلو أن النظام كان يتناقص طوال زمن لا حدود له، لوجب أن يكون الكون قبل الآن بعيدا عن الانتظام إلى حد بعيد، مع ما يترتب على ذلك من استحالة شبه تامة لوجود البُنَى التي نراها اليوم في المجرات، وفي الأرض أيضا.

 

ووفقا لعلم الديناميك الحراري (الترموديناميك) التقليدي، فإنه لا وجود لسجل للأحداث؛ فكل منظومة تحتفظ على الدوام بذكرى من ماضيها متجسدة في ذراتها [انظر: «الأصول الكسمولوجية لسهم الزمن»،مجلة العلوم، العددان2/1(2009) ،ص4]. ولكن نظرية الثقالة الكمومية الحَلقية بسماحها لعدد ذرات الزمكان بالتبدل، فإنها تسمح للكون بأن يرتب نفسه بحرية أكثر من الحرية التي تقترحها له الفيزياء التقليدية.

 

 لا يعني جميع ذلك أنه ما من أمل لدى الكوسمولوجيين بسبر الحقبة الكمومية ـ التثاقلية. فالموجات التثاقلية والنُترينوهات(14) neutrinos هي على وجه الخصوص أدوات واعدة، لأنها نادرا ما تتفاعل مع المادة، ومن ثم فإنها تخترق الپلازما البدائية من دون خسارة تذكر. وربما يكون بمقدور هذه الرسل أن تجلب لنا رسائل من زمن قريب من لحظة الانفجار الأعظم، لا بل ربما من زمن قبلها.

 

 ودراسة بصمة الموجات التثاقلية على أشعة الخلفية الكونية القصيرة الموجة(15)(16) (CMBR) هي إحدى وسائل التفتيش عن هذه الموجات [انظر: «أصداء من الانفجار الأعظم»،مجلة العلوم، العدد 10(2001) ، ص 34]. فإذا كانت الثقالة الكمومية ـ التثاقلية النابذة هي التي تُحدث الانتفاخ الكوني، فربما تلَمِّح هذه الأرصاد إلى ذلك. ويجب أيضا على الفيزيائيين النظريين أن يحددوا ما إذا كان بمقدور هذا المصدر المستجد للانتفاخ أن يعيد إنتاج قياسات كونية أخرى، خاصة قياس التوزع المبكر لكثافة المادة الذي نراه اليوم في أشعة الخلفية الكونية القصيرة الموجة.

 

 

مرآة، مرآة(**********)

على الرغم من التأثيرات التي خلطت قوام الكون بعضه ببعض خلال الارتداد الأعظم، يمكن للفيزيائيين أن يضعوا بعض التخمينات القائمة على أسس حقيقية حول ما كان موجودا قبل كوننا. بعض هذه التخمينات غريبة حقا. مثلا، تقتضي المعادلات الفرقية، التي تستند إليها نظرية الثقالة الكمومية الحَلقية، أن المنطقة من الزمكان التي تسبق الارتداد كانت صورة مَرْأَوِيّة للمكان الذي في كوننا، أي إن ما كان يمينيا بعد الانفجار كان يساريا قبله، والعكس بالعكس.

ولإدراك هذا التأثير، تَصوّرْ بالونا منفوخا يتضاءل حجمه، لكنه بدلا من أن يتحول إلى قطعة مطاط هزيلة، يحتفظ بطاقته واندفاعه (كمية حركته). والمطاط الذي سبق أن كان في حالة حركة، يميل إلى أن يظل في حالة حركة. والنتيجة، حالما يصل تناقص حجم البالون إلى حد أدنى، فإنه يقلب داخله إلى خارجه ويشرع في التوسع ثانية. وما سبق أن كان خارج البالون، يصبح داخله، والعكس بالعكس. وبالمثل، فعندما تتقاطع ذرات الزمكان في الارتداد الأعظم، يقلب الكون داخله إلى خارجه.

http://oloommagazine.com/images/Articles/2009/8&7/53.gif
إن هذا القلب مثير للاهتمام؛ لأن الجسيمات الأولية ليست مرآتيا متناظرة تماما؛ فبعض العمليات تتغير عندما يتغير توجهها. ولابد من أخذ هذا اللاتناظر بالحسبان بغية فهم ما يحصل للمادة عند الارتداد

< بوجوالد.M>

 

 

ويمكن لعلماء الفلك أن يفتشوا في الوقت ذاته عن نظائر زمكانية للحركة البراونية العشوائية. فعلى سبيل المثال، يمكن للتأرجحات الكمومية الزمكانية أن تؤثر في انتشار الضوء عبر المسافات الطويلة. ووفقا للثقالة الحَلقية، لا يمكن لموجة ضوئية أن تكون مستمرة؛ فلابد لها من أن تتلاءم مع بنية المكان الشبكية الشكل. فكلما كان طول الموجة أقل، كان تشويهها من قبل هذه البنية الشبكية أكبر. وبمعنى آخر، فإن ذرات الزمكان تقاوم تَقَدُّمَ الموجة. وبالنتيجة، ترتحل موجات الضوء المتباينة الأطوال، بسرعات متباينة. ومع أن اختلاف سرعاتها ضئيل، فربما تَزَايَدَ هذا الاختلاف تراكميا عبر رحلة طويلة المدى. وتقدم لنا مصادر قصية، مثل دفقات أشعة گاما، أفضل الآمال برؤية هذا الأثر.

 

وفي حالة ذرات مادية، انقضى أكثر من 25 قرنا بين أول اقتراحات تخمينية لوجودها قُدِّمت من قبل الفلاسفة القدماء وتحليل <آينشتاين> للحركة البراونية، وهذا رسَّخ الذرات بقوة كموضوع للعلم التجريبي. وفيما يتعلق بذرات الزمكان، يجب ألا يطول بها الزمان إلى ذلك الحد قبل أن تصبح بدورها موضوعا لهذا العلم التجريبي.

 

المؤلف

Martin Bojwald     
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2009/8&7/118.gif  باحث رائد في تضمينات نظرية الثقالة الكمومية الحَلقية الخاصة بعلم الكون. وهو عضو الهيئة التدريسية في معهد التثاقل والكون بجامعة ولاية پنسلفانيا. نال الجائزة الأولى لمسابقة مقالة مؤسسة أبحاث الثقالة(17) عام 20033، وجائزة كسينثوپولوس للجمعية الدولية للنسبية العامة والتثاقل(18) عام 2007. وخارج نطاق علم الفيزياء، يجد <بوجوالد> متعة في قراءة الآداب الكلاسيكية والجري مسافات طويلة في جبال الأپالاش وسط پنسلفانيا.

  مراجع للاستزادة 

 

 

Quantum Gravity . Carlo Revelli . Cambridge University Press, 2004.

 

What Happened before the Big Bang ? Martin Bojowald in Nature Physics , Vol 3, No 8 pages 523-525; August 2007.

 

Loop Quantum Cosmology .

Martin Bojowald in Living Reviews in Relativity , Vol 11. No 4 ; July 2. 2008 Available athttp://relativity.livingreviews.org/Articels/lrr-  4-2008

 

(*) FOLLOW THE BOUNCING UNIVERSE

(**) THE THEORY JUST WENT BANG

(***) Pieces of Space

(****) ATOMS OF SPACE

(*****) Attracted to Repulsion

(******) Time Before Time

(*******) LOOKING QUITE REPULSIVE

(********) REPLACING THE BANG

(*********) Some Scraps of Memory

(**********) Mirror, Mirror

 

(1) نحت من زمان ـ مكان.

(2) loop quantum gravity

(3) sigularities

(4) quantum mechanics theory

(5) the big bang singularity

(6) general theory of relativity

(7) انظر:The Great Cosmic Roller-Coaster Ride, by Cliff Burgess – Fernando Quevedo; Scientific American, November 2007 and The Self-Organizing Quantum Universe, by Jan AmbjØvm, Jerzy Jurkiewicz – Renate Loll; Scientific American, July 2008

 (8)  في علم الميكانيك الكمومي هو أقل طول ممكن للمسافة، ويبلغ مقداره 1.62×10 -35 سنتيمترا.

 (9)the spacetime continuum

(10) repulsive forces

 (11) انظر: “The Myth of the Begining Time”, by Gabriele Veneziano;  Scientific American,  May 2004

(12) string theory؛ انظر: «النظرية التي كانت تسمى أوتارا»،مجلة العلوم ، العدد 12 (1998)، ص 34.

(13) مبدأ معمول به في علم الميكانيك الكمومي يقول باستحالة معرفة موضع جسيم تحت ذري وسرعته بدقة في آن واحد، فإذا عرفنا موضعه بدقة عرفنا سرعته معرفة تخمينية غير يقينية، والعكس بالعكس.

 (14) مفردها نُترينو neutrino.

(15) cosmic microwave background radiation

(16) انظر: “Window on the Extreme Universe,” by William B. Atwood – Peter F. Michelson – Steven Ritz;

Scientific American, December 2007.

(17) أقيمت هذه المؤسسة من قبل الأمريكي <R. بابسون> عام 1949. وهي تهتم بشؤون الثقالة، وتخصص جوائز لأفضل الأبحاث والمقالات في هذا المجال.

(18) تأسست الجمعية الدولية للنسبية العامة والتثاقل في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1971. تمنح بضع جوائز دولية للباحثين الشباب في المجالات التي تهتم بها الجمعية، منها جائزة كسينثوپولوس الدولية.    (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى