أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

خَلَل في الدارات العصبية


خَلَل في الدارات العصبية(*)

العلوم العصبية الحديثة تكشف عن اضطرابات شبكات اتصال

الدماغ التي تنشأ عنها اضطرابات نفسية، وتدفع الأطباء

النفسيين إلى إعادة التفكير في أسباب هذه الأمرا (1).

.R.Th> إنسِلْ<

مفاهيم مفتاحية

  لأن الأمراض العقلية(1)، كالاكتئاب مثلا، لا تترافق بظهور أضرار مرئية في الدماغ، فقد شاع الاعتقاد لأمد طويل أنها تنشأ عن أسباب نفسية محضة.

  تُبين طرائق التصوير العصبي أن نشاطا غير عادي على إحدى الدارات الدماغية المشاركة في معالجة الوظائف الذهنية، قد يسبب الكثير من الاضطرابات العقلية، مظهرا للمرة الأولى الخلل المادي المؤدي إلى الأعراض العقلية.

  إن فهم بيولوجيا الاضطرابات العقلية سوف يُوضّح لنا الأرضية التي يقوم عليها الاضطراب الوظيفي في الدارة العصبية، ومن ثم يساعدنا على تطوير طرائق تشخيصية موضوعية وتقديم طرق علاجية هادفة.

محررو ساينتفيك أمريكان

ما  نعرفه تاريخيا، هو أن الأطباء من جميع الاختصاصات تقريبا كانوا يحاولون دائما استقصاء الأسباب الكامنة خلف الداء الذي يُصيب مرضاهم قبل أن يقوموا بوضع خطة علاجية من شأنها إزالة المشكلة من جذورها. إلاّ أن الحال لم تكن كذلك في الماضي عندما كان الأمر يتعلق بالأمراض العقلية أو السلوكية نظرا لعدم توفر الوسائل القادرة على اكتشاف أسباب عضوية لها. وهكذا، فقد ظلّ الأطباء لأمد طويل يعتقدون أنّ هذه الأمراض لم تكن سوى أمراض «عقلية» mental، ويَصِفون للمصابين بها علاجا سيكولوجيا(2). أما اليوم، فإن وسائل البحث العلمي المتوفرة، القائمة على أسس البيولوجيا الحديثة والعلوم العصبية وعلم الجينوميات genomics، قد أخذت شيئا فشيئا تدحر النظريات السيكولوجية الصرفة والتي سادت وحدها نحو قرن من الزمن، وتستعيض عنها بأساليب علاجية جديدة للأمراض العقلية.

 

هناك عدد كبير من الأمراض التي كانت تُدرج تحت عنوان الأمراض «العقلية»، قد تم اليوم الإجماع على أن لها سببا بيولوجيا: فالتوحد autism، على سبيل المثال، ينشأ على خلفية خلل يُصيب الوصلات ما بين النورونات (العصبونات) neurons قد يكون سببه طفرات جينية، ومرض الفصامschizophrenia يُنظر إليه اليوم كمرض من أمراض الدماغ التطورية ويُعالج انطلاقا من هذه الرؤية. إلاّ أن الجمهور وعددا من الأطباء الممارسين – مازالوا يجدون صعوبة في قبول أن هناك أمراضا عقلية أخرى، كالاكتئاب depression أو الوسواس القهري (OCD) (3) أو اضطراب الكرْب التالي للصدمة (للشدّة النفسية) (PTSD)(4)، يُمكن أن تكون هـي أيضـــــا مــــن اضطــرابــات الدماغ الفيزيولوجية.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_04.jpg

 

لقد ظل فهمنا لمثل هذه الاضطرابات العقلية حتى الآن يعاني الالتباس والتخلف مقارنة بالمجالات الطبية الأخرى. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن الأمراض العقلية لا تترافق بأضرار ماثلة للعيان في بنية الدماغ – أي ليس لها سبب عضوي صريح – وذلك على خلاف الأمراض العصبية الكلاسيكية؛ كمرض پاركنسون والسكتة الدماغية ومُخلّفاتها، حيث يفصح الضرر المادي عن نفسه بجلاء. بيد أن تقانات التصوير المعاصرة المخصصة لرسم خرائط وظيفية للدماغ الحي، صارت قادرة على رصد الخلل الذي يطرأ على النشاط الوظيفي في المحطات المختلفة للدماغ أو في شبكات اتصالاتها، وذلك حتى في الحالات التي لا تترافق بضياع مرئي لخلايا الدماغ.

 

لقد قامت تقانة التصوير العصبي بكشف غطاء «الصندوق الأسود» الخاص بالدماغ، بحيث أصبحنا قادرين لأوّل مرة على دراسة الاضطرابات العقلية انطلاقا من الفرضية القائلة إنها تنشأ على أرضية اضطرابات تُصيب شبكات اتصال محطات الدماغ المتباعدة، أو تنشأ في بعض الحالات على خلفية خلل في تنسيق العمل بين محطات دماغية تعمل عادة على نحو متزامن بعضها مع بعض. ويُمكن تشبيه محطات الدماغ، التي تعمل معا لإنجاز عمليات ذهنية طبيعية، بمجموعة من الدارات الكهربائية التي إذا اختلّت وظيفتها يمكن أن تُحرّض عددا من الاضطرابات العقلية، كما تشير نتائج البحث العلمي الأخيرة.

 

 

[دارة الاكتئاب]

نـاظـمـة المـزاج(**)

   يُعاني مرضى الاكتئاب ضعفا في الهمّة، وتدنيا في المزاج، وكبْحا في ردود الأفعال وبطئا في عمل الذاكرة، وكأنّ مستويات نشاط الدماغ الطبيعية جميعها قد أصابها وهن عام، فانخفضت. إلاّ أن بعض أعراض الاكتئاب الشائعة، مثل القلق واضطرابات النوم، تشير، على النقيض من ذلك، إلى وجود فرط نشاط في مناطق معيّنة من الدماغ. وتشير دراسات الدماغ التصويرية والتي ركزت على المناطق الأكثر عرضة للعطب في الاكتئاب إلى أن مصدر هذا العطب يقع في منطقة صغيرة جدا من الدماغ تُدعى المنطقة «25» area 25، وهي المنطقة التي تشكل مركز الاتصال الرئيسي للدارة العصبية ذات العلاقة بالاكتئاب. وللمنطقة 25 ارتباطات مباشرة ببنى دماغية أخرى؛ كاللوزة (الأميگدالا)Amygdala  مثلا، المسؤولة عن إدارة الشعور بالخوف والقلق، والوطاء (الهيپوتالاموس) hypothalamus  الذي يُشارك في نَظم الاستجابات للإجهاد النفسي. وهذه البنى الدماغية تقوم بدورها بتبادل الإشعارات العصبية مع الهيپوكامپوس hippocampus، وهو المركز الرئيسي المسؤول عن معالجة شؤون الذاكرة؛ ومع منطقة الجزيرة (إِنزولا) insola، وهي المكان الذي تتم فيه معالجة المُدركات الحسية والانفعالات. والجدير بالذكر هنا هو أن نُقصان حجم المنطقة 25 (ملونة بالأحمر في الصورة الصغيرة الملحقة) يُعتبر دلالة على ازدياد درجة خطر الإصابة بالاكتئاب عند الأشخاص الذين يحملون جينا لانموذجيا معروفا بتثبيطه لدورة حياة مادة «السيروتونين» serotonin.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_06.jpg

 

ومع أن تفاصيل ما يُطلق عليه اليوم مصطلح «الرسم البياني» circuitdiagram أو «الخارطة» map الخاصّة بكل اضطراب من تلك الاضطرابات لاتزال قيد التطوير، فإن هذه الرؤية الجديدة أخذت تزعزع أركان الطب النفسي، وتُحدث تحولات عميقة في داخله، وتفتح أبوابه أمام مزيد من التشخيص التجريبي للأمراض العقلية، وتزودنا بطريقة تفكير مُعَمّقة في أسباب هذه الأمراض من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة أمام المساعي الرامية إلى تطوير أساليب علاجية أكثر فعالية.

 

عجْز في رفع معدل السرعة؟(***)

 

لعلنا نجد في الاكتئاب خير مثال على التقدم السريع والذي تم إحرازه مؤخرا في فهمنا لبيولوجيا الأمراض العقلية. فالاضطراب الاكتئابي الكبيرmajor depressive disorder؛ وهو المصطلح الرسمي المستخدم في تشخيص الاكتئاب، يُصيب 16 في المئة من العدد الإجمالي لسكان الولايات المتحدة، ويسلبهم في أحيان كثيرة قدرتهم على العمل، ويدفعهم إلى الإدمان والانتحار. وهو عموما، واحد من الأمراض الأكثر شيوعا في بلدان العالم المتقدم، وهو السبب الرئيسي في فقدان القدرة على العمل لأسباب طبية لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 44  سنة. ولا تقتصر أعراض الاكتئاب على الإحساس العميق بالقنوط والعجز واليأس، بل تشمل أيضا جملة من الأعراض الجسدية كنقص الشهية واضطرابات النوم والإمساك والوهن الجسدي، إضافة إلى الهَيَجان في بعض الحالات. وكما هو معروف، فإن الاكتئاب يسبب اضطرابا في وظيفة الجهاز المناعي، وخللا في عدد من المنظومات الهرمونية، وازديادا في احتمال خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية. إلاّ أن تأثير الاكتئاب الواسع في وظائف الجسم لا يغير من حقيقة أنه يمثل في جوهره اضطرابا من اضطرابات الدماغ، فهناك كثير من الدلائل التي تشير بوضوح إلى الدور المحوري الذي تؤديـــــه المنطقة 25 area 25  في نشوء الاكتئاب، وهي منطقة صغيرة جدا تقع في القشرة ماقبل الجبهية (PFC) (5)، وتشتغل كمركز اتصال رئيسي للدارة العصبية ذات العلاقة بالاكتئاب.

 

 

[دارة الوسواس القهري OCD]

مُحـرّض دائـم(****)

    يُفيد المصابون بمرض الوسواس القهري بأن أفكارهم القهرية، ودوافعهم القوية للقيام بأفعال تكرارية، تشبه العرّات tics التي لا يمكن التحكم فيها. وبالفعل، هناك علاقة (بين الحالتين) نظرا لأن الحركات اللاإرادية المعروفة عند مرضى «هانتنگتون» (6) تنشأ في العُقَد القاعدية، وهي مُركّب بنيوي يشارك في انبعاث initiating الأفعال الحركية الأساسية وتنسيقها. والنواة المُذَنَّبة caudate nucleus التي هي جزء من العقد القاعدية، تشكل جزءا من الدارة الدماغية المرتبطة بالوسواس القهري. هذه الدارة تضم إلى جانب النواة المذنبة القشرة الجبهية الحجاجية the orbitofrontal cortex؛ المسؤولة الأولى عن صنع القرارات وإصدار الأحكام الأخلاقية، والمهاد thalamus الذي تقع على عاتقه مهمة إدارة نقل المعلومات الحسية – الحواسية وربط بعضها ببعض. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك دلائل واضحة على وجود فرط نشاط وظيفي في أجزاء من القشرة الجبهية والعقد القاعدية لدى مرضى الوسواس القهري (الصورة الصغيرة الملحقة في اليمين)، وعلى أن التزامن في بث النبضات الكهربائية في هذه المناطق يكون على درجة أعلى منه لدى الأشخاص الأسوياء (الصورة الصغيرة الملحقة في اليسار).

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_07.jpg

 

تعود تسمية «المنطقة 25» إلى طبيب الأمراض العصبية الألماني <K.برودمان> الذي قام سنة 1909 بتصنيف مناطق القشرة الدماغية حسب الأرقام العشرية في مؤلَّفه الكلاسيكي «أطلس الدماغ البشري». وتجدر الإشارة إلى أن هذه المنطقة – التي يصعُب الوصول إليها لوقوعها في مكان عميق مجاور للخط المتوسط في مقدمة الدماغ – لم تحظ خلال السنوات المئة الماضية إلاّ بقليل من الاهتمام. أما بعد اكتشاف أهمية الدور الذي تؤديه في مرض الاكتئاب في العقد الأخير، فقد بدأ علماء الجهاز العصبي السريريون يتنافسون بحماس شديد على حق مُلكيتها الدائمة. فعلى سبيل المثال، قامت <H.ميبيرگ> وزملاؤها [من جامعة إيموري]، باكتشاف فرط في نشاط المنطقة25 عند مرضى الاكتئاب، وبإثبات أن هذا النشاط المرضي يختفي على نحو متزامن مع تحسن أعراض المرض تحت تأثير المعالجة؛ دوائية كانت أو سيكولوجية. وهناك بالطبع دلائل أخرى على أهمية الدور الذي تؤديه المنطقة25 في مرض الاكتئاب.

 

 

[دارة الاضطراب (PTSD)]

مُـؤبِّـدة الـرعـب(*****)

   إن أهم ما يُميز الاضطراب PTSD هو ردود فعل الخوف التي تُحرضها لمحات عابرة تستحضر تجربة الرض النفسي بصورها النابضة بالحياة، فيعانيها المصاب حتى بعد مرور مدة طويلة على وقوع الحدث. ويُعتقد أن اضطرابا وظيفيا في إحدى البنى الدماغية المعروفة باسم «القشرة ما قبل الجبهية البطنية الوُسطى»(vmPFC) (6) يُؤهب للإصابة بالمرض المذكور، لأن مهمة هذا الجزء من القشرة الدماغية هي ضبط وتعديل وظيفة اللوزة الناظمة للإحساس بالخوف والقلق. وما يحصل عند التعافي من تجرية الرض النفسي؛ وهذا ما يُعرف بالإخماد extinction، هو عادة الاستعاضة عن رد فعل الخوف برد فعل طبيعي من خلال عملية تَعَلّم يُشارك فيها كل من الهيپوكامپوس والقشرة ماقبل الجبهية الظهرية الوحشية the dorsolateral prefrontalcortex. وتبعا للاعتقاد السائد اليوم، فإن القشرvmPFتعمل كوسيط أساسي بين القشرة ماقبل الجبهية العلوية الوحشية واللوزة، وتجعلنا قادرين على تعلم عملية الإخماد وتهدئة اللوزة.

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_08_a.jpg http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_08_b.jpg

 

وكما يمكن أن يتوقع المرء، فإن المنطقة 25 غنية بنواقل مادة السيروتونين، وهي جزيئات تقوم بضبط كمية الناقل العصبي «السيروتونين» the serotoninالتي تحتاج إليها النورونات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاعتقاد السائد حاليا هو أن الفعالية الدوائية لمعظم مضادات الاكتئاب تأتي من التأثير في هذه النواقل بطريقة تُعزّز عملية نقل الإشعارات العصبية المرتبطة بالسيروتونين. ومن بين الدراسات الأخرى عن الاكتئاب دراسة أجراها <L.پيزاواس> و<A.ماير- لندنبرگ> وزملاؤهما [من المعهد الوطني للصحة العقلية] على أكثر من 100 شخص خالٍ من الاكتئاب، حيث استخدم الباحثون طريقة مسح الدماغالتصويري  وأجروا مقارنة بين عينتين من أفراد تلك المجموعة؛ عينة أصحاب الجين الناقل للسيروتونين القصير وعينة أصحاب الجين الطويل. وما وجدوه كان فرقا وحيدا بين أدمغة أولئك الأفراد، ولكنه فرق ثابت؛ فالمنطقة 25  لدى أصحاب الجين القصير – وهو الجين الذي لا يُحرّض صناعة الپروتينات الناقلة بكمية كافية، ويُعتقد أن صاحبه مُعرّض للإصابة بالاكتئاب أكثر من غيره – كانت صغيرة الحجم لقلة مخزونها من النسيج الدماغي، واتصالاتها الوظيفية بباقي مناطق الدماغ تحت القشرية subcortical brain regions؛ كاللوزة مثلا، كانت منقطعة.

 

بناءً على نتائج الدراسة المذكورة ودراسات أخرى مشابهة، فقد أصبح علماء الجهاز العصبي ينظرون إلى الاكتئاب كأحد اضطرابات الدارات العصبية والذي ينشأ على أرضية خلل وظيفي في المنطقة 25 وما يترتب عليه من أعطال في شبكة اتصالاتها الواسعة، بما فيها الوِطاء hypothalamus وجذع الدماغ واللوزة ومنطقة الجزيرة والهيپوكامپوس وأجزاء من القشرة الجبهية. وهذا ما يُفسّر لنا كيفية ظهور معظم أعراض الاكتئاب؛ فالوطاء وجذع الدماغ يتحكمان في تغيّر أحوال الشهية والنوم والطاقة الجسدية؛ واللوزة ومنطقة الجزيرة مسؤولتان عن ضبط المزاج والإحساس بالخوف؛ والهيپوكامپوس يُسيّر شؤون الذاكرة والانتباه، أما أجزاء القشرة الجبهية المذكورة سابقا فتدير العمليات المتعلقة بالبصيرة insight والاعتزاز بالنفس self-esteem.

 

والدماغ هو في نهاية المطاف عضو متخصص بمعالجة المعلومات لا يكل عن القيام بتجميع المدركات الحسية والحواسية الواردة إليه وربط بعضها ببعض، ثم تنسيق الاستجابات لها. ومن أجل توسيع دائرة التشبيه الخاصة بمنظومة الدارات العصبية، يمكن القول حسب الاعتقاد السائد حاليا، إنّ المنطقة 25 تعمل كناظم لشبكة عصبية واسعة مسؤولة عن استشعار وتعديل درجات النشاط في مراكز الدماغ المسؤولة عن إدارة الإحساس بالخوف وتسيير شؤون الذاكرة ومعالجة عملية الاعتزاز بالنفس. ولذلك، فإن الخلل الوظيفي في المنطقة 25 يمكن أن يؤدي إلى فشلها في تنسيق مستويات النشاط بين تلك المراكز، الأمر الذي يسبب انحرافا في معالجة المعلومات يقود بدوره إلى تشوهات في تقييم العالم الداخلي والخارجي. فإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن إعادة المنطقة 25 إلى حالتها الطبيعية في بث النبضات الكهربائية ستكون كافية لتعديل النشاط المتدني في المراكز المذكورة، ومن ثَمّ تراجع أعراض الاكتئاب. وبالفعل، فقد أثبتت < ميبيرگ>أن تحريض الجزء المحاذي للمنطقة 25 كهربائيا يُقلل من نشاطها، ويُفضي إلى تعافي المصابين  بالاكتئاب الذين لم يستجيبوا للمعالجة القياسية.

 

يُمكن أن يكون هدف المعالجة مشابها لعملية إعادة إقلاع الحاسوب بعد تجمده وتوقفه عن العمل.

 

إذا كانت المنطقة 25 تدفع الدماغ إلى تجميد نشاطه في حلقة من حلقات عمله التي أصابها الخلل، وذلك على نحو مشابه لما يحصل في الحاسوب، فإن الحل، أو بالأحرى هدف المعالجة، يُمكن أن يكون عندئذٍ مشابها لعملية إعادة إقلاع الحاسوب بعد تجمده وتوقفه عن العمل. ويمكن تطبيق المبدأ ذاته على بعض الاضطرابات العقلية الأخرى، وخاصة اضطراب الوسواس القهري والذي يبدو حتى للمراقب العادي كما لو أن المصاب به مُحتبس في حلقة من الأفكار المضطربة والتصرفات المنحرفة.

 

 

 [التصوير]

نوافذ مُحسّنة إلى الدماغ(******)

 

    ستتمكن تقنيات التصوير العصبية الجديدة من توسيع مدارك الباحثين وشحذها فيما يتعلق بالاضطرابات الوظيفية المسؤولة عن خلل الدارات، وذلك عن طريق تزويدهم بصور تفصيلية لبنية الدماغ ووظيفته. وتبيّن صور هيپوكامپوس الجرذ أن التصبّغ الحساس الڤلطية Voltage-sensitive dye يُصدر إشعاعا أحمر اللون عندما يكون إطلاق الومضات النورونية الكهربائية أكثر كثافة (اللوحة في الجهة اليمنى). فأر معدل وراثيا تتألق نوروناته بألوان متعددة مشكلة صورة قوس قزح لبنى آخذة بالتطور في دماغ الفأر (الصورة السفلية الوسطى). يستخدم التصوير بالطيف المنتشر Diffusion spectrum imaging بيانات المرنان المغنطيسي MRI لإبراز الألياف العصبية الرابطة لمناطق مختلفة من الدماغ البشري، ويساعدنا على دراسة الدارات التي أصابها الخلل (الصورة السفلية اليسرى).

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_10_a.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_10_b.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_10_c.jpg
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_10_d.jpg http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_10_e.jpg

 

تكرار لا هوادة فيه(*******)

 

كان اضطراب الوسواس القهري في العهود السابقة يُعدّ نمطا من أنماط العصاب الأولي prototypic neurosis الذي ينشأ على أرضية صراع نفسي ويستجيب للمعالجة بالتحليل النفسي على نحو مثالي. يعاني مرضى الوسواس القهري أفكارا اقتحامية متكررة (وساوس) قد تترافق بنزعات مُلِحّة ومُرهِقة تجبر المريض على القيام بأفعال طقسية نمطية متكررة (أعراض قهرية). فبعض المرضى مثلا يتملكهم إحساس بالتلوث يدفعهم إلى الاغتسال بطريقة متكررة لدرجة أن جلدهم يُصاب بالتآكل. وهناك آخرون لا يفارقهم الإحساس بأنهم تقاعسوا عن القيام ببعض مَهماتهم؛ كإطفاء موقد الطعام أو إغلاق صنبور المياه أو إقفال باب المنزل، فيعودوا إلى تفقدها مرارا وتكرارا قبل أن يغادروا المنزل. ومع أن الأشخاص المصابين بهذه الحالة يدركون عادة أن أفكارهم تلك لا معنى لها، فإنهم غير قادرين على التحكم في أعراض الاضطراب؛ سواء كانت وسواسية أو قهرية، لا بل حتى إن بعض الحالات الشديدة تودي بصاحبها إلى العجز التام.

 

لم تُظهر الدراسات على وظائف الدارات العصبية أن بعض المداخلات العلاجية فعّالة وحسب، بل استطاعت أيضا اكتشاف آلية عمل هذه المداخلات من خلال تغييرها المُحتمل للنشاط الدماغي.

 

وكثيرا ما يَصف المصابون بمرض الوسواس القهري أعراضهم بأنها «عرّات عقلية» mental tics، كما لو كانت حركات جسدية لا تخضع للتحكّم الإرادي. وبالفعل، فإن بعض مرضى الوسواس القهري يعاني إلى جانب الأفكار الوسواسية عرّات حقيقية. ويعتقد معظم علماء الجهاز العصبي أن المنظومة المُسيّرة للوظيفة الحركية تتضمن سلسلة من الدارات التي ترتبط القشرة الدماغية عبرها بمناطق أخرى من الدماغ، كالعقد القاعدية the basal ganglia، وهي مراكز مسؤولة عن انبعاث وتنسيق جوانب متعددة من الوظيفة الحركية. إلى ذلك، فإن الحركات اللاإرادية والتي نشاهدها في العرّات الحركية، على نحو أوضح بكثير عند مرضى هانتنگتون وتعبّر في الحقيقة عن نشاط مضطرب في هذه الدارة، وتنشأ عادة في العُقَد القاعدية. وقد كشفت لنا دراسات التصوير العصبي والتي أجريت على مرضى الوسواس القهري عن وجود نشاط غير عادي في دارة مجاورة تضم القشرة الجبهية الحجاجية the orbitofrontal cortexوالتي تشارك في صنع مهام مركبة كاتخاذ القرارات مثلا، والنواة المُذَنَّبةcaudate nucleus التابعة للعقد القاعدية، والمهاد the thalamus الذي تقع على عاتقه مهمة إدارة نقل المعلومات الحسية – الحواسية وربط بعضها ببعض.

 

 

[التشخيص والمعالجة]

تجـسـيـر الهـوّة(********)

   يعود التباين في إمكانات المعالجة الطبية بين الأمراض العقلية، كالاكتئاب وغيره، وبين أمراض القلب على سبيل المثال، إلى الاختلاف في مستويات المعرفة المُتاحة عن الأسس البيولوجية للمرض. إن تعميق فهمنا لأسباب وطبيعة الاضطرابات التي تطرأ على وظائف الدارات العصبية من شأنه أن يساعدنا على وضع تشخيص مبكّر من خلال استخدام وسائل تصوير الدماغ وإجراء فحوص الدم المختبرية الممكنة المتعلقة بالواسمات markers الجينية والپروتينية المُنبِئَة بالمشكلة المرَضِيّة. ويمكن القيام بعدئذٍ بتصميم مداخلات علاجية تستهدف السبب الكامن وراء المرض بصورة مباشرة وسريعة.

 

http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_11.jpg

معاجة الاكتئاب في الماضي والحاضر والمستقبل

  1960 2010 هدف عام2020     
منبئات احتمال الخطر غير معروفة ضعيفة (قصة عائلية وقصة رضوض نفسية) قوية (جينات، پروتينات، وسائل تصويرية)
التشخيص عبر استجواب المريض عبر استجواب المريض عبر التصوير والواسمات البيولوجية والاستجواب
المدحلات العلاجية مَأْسسة الرعاية الطبية(7)،
معالجة بالشحنات الكهربائية،
وغيبوبة الإنسولين insulincoma
مضادات الاكتئاب,

معالجة معرفية

إجراءات وقائية: معالجة معرفية أو لقاح
مداخلات علاجية مصممة حسب احتياجات الأشخاص: أدوية مُحسّنة، معالجة معرفية، تحريض دماغي
النتائج احتمال خطر النكس عالٍ,

معدل وفيات عالٍ

استجابة50 في  المئة من المرضى بعد 12 أسبوعا, احتمال خطر النكس عالٍ,
معدل وفيات عالٍ
استجابة خلال 24 ساعة,
احتمال خطر النكس متدنٍ,
معدل وفيات متدنٍ

 

والدلائل على وجود فرط في نشاط هذه الدارة عند مرضى الوسواس القهري لا تستمد مصادرها من دراسات التصوير العصبي فحسب، بل أيضا من إفادات المرضى التي تشير إلى تراجع جليّ في الأعراض بتأثير المعالجة، دوائية كانت أو سلوكية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التحسن المذكور في الأعراض كان دائما يترافق مع انخفاض في درجة نشاط القشرة الجبهية الحجاجية. إضافة إلى ما سبق، فإن الأعراض المُعنِّدة لدى المرضى الذين لم يستجيبوا للمعالجة الدوائية أو المعالجة السلوكية تتراجع – هي أيضا – بعد تجميد الاتصال فعليا بين القشرة الجبهية الحجاجية والنواة المُذَنَّبة، سواء عن طريق قطع الألياف العصبية الرابطة للمنطقتين المذكورتين جراحيا أو تثبيطها كهربائيا. والفعالية الواضحة لمثل هذه التداخلات التي تُحدث تبدلات مادية في شبكة الاتصالات داخل إحدى دارات الدماغ، تقدم لنا دليلا ساطعا على صحة المبدأ القائل إن أعراض الاضطرابات العقلية يمكن أن تنشأ على أرضية خلل وظيفي في دارة عصبية معينة.

 

أما السؤال عن السبب الحقيقي لأصل الاضطراب الوظيفي الذي يحصل في الدارة العصبية المتعلقة بمرض الوسواس القهري، فهو سؤال منفصل، ويمكن أن تكون الإجابات عنه مركبة ومعقدة. ففي بعض الحالات يمكن أن يتعلّق الأمر باستعداد مُسبق. وتماما كما هي الحال في الاستعداد العائلي لارتفاع الكولسترول أو ارتفاع سكر الدم، فإن الاختلافات الجينية بين الأفراد يمكن أن تؤثر في الكيفية التي يتطور بها الدماغ، والطريقة التي يعمل بها. وكما هو معروف من الاضطرابات الصحية المعقدة الأخرى، فإن الاستعداد الجيني وحده لا يُولّد المرض – فالبيئة والخبرات تتفاعل عادة مع الاختلافات الجينية وقد يسبب ذلك المرض عند بعض الناس ولا يسببه عند بعضهم. وهذا الإقرار بأن بيولوجيا دماغ الفرد قد تتفاعل مع الخبرات فتتسبب بخلل دارات عصبية أو بتحريض مثل هذا الخلل، هو مهم بوجه خاص من أجل فهم عواقب الرضّ النفسي .trauma

 

خوف لا يُتعلم(*********)

 

يعد الاضطراب PTSD من أكثر الأمراض شيوعا بين الجنود العائدين من الحرب. سابقا كان الاضطراب PTSD يسمى «عصاب الكفاح» أو «وهن المعارك»، أما اليوم فيُصنف بين اضطرابات القلق، وهو اضطراب يتميز بأعراض متعددة أهمها: أفكار تسلطية منهكة؛ كاستدعاء مشاهد تنبض بالحياة من أحداث الماضي المسببة للمرض، وكوابيس مع اضطرابات نوم مصحوبة بدرجة عالية من اليقظة. ولا يقتصر الاضطراب PTSD على المحاربين القدماء وحدهم، بل  يشمل أيضا ضحايا الاغتصاب والإرهاب وحوادث المرور.

 

لا يبدو للوهلة الأولى أن للاضطراب PTSD علاقة بخلل منظومة الدارات الدماغية، لاسيما أن اسمه لا يدل على ذلك، بل يُوحي أن المرض خارجي المنشأ (رض نفسي). ولا يعني ظهور أعراض كاضطرابات النوم وارتفاع درجة اليقظة بُعَيْدَ تجربة الرض النفسي ثم تلاشيها مع مرور الوقت – كما هي الحال عادة عند معظم الأشخاص – أن الأمر يتعلق بالاضطراب PTSD. فالاضطراب PTSD لا يظهر بعد وقوع الرض النفسي مباشرة، بل بعد مرور أسابيع أو أشهر عدة. وهو لا يُصيب جميع ضحايا الرضوض النفسية، بل نحو 20 في المئة منهم، حيث يعاني هؤلاء الكرب الحاد الذي يتجلى بنوبات متكررة من ردود أفعال الهلع الشديد المصحوب بذكريات أو لمحات عابرة مرتبطة بحادثة الرض الأصلية.

 

تُسمى عملية التقليل من حِدّة الخوف بلغة المعالجة السيكولوجية الإخمادextinction، وهو تأهيل المريض نفسيا من خلال تعريضه المتكرر، وغير المُهدد لسلامته، لذكريات أو إشارات تتعلق بالحدث الراض، إلى أن يصبح قادرا على الفصل بين العلامات المحرضة لذكريات الماضي الخاص بالحدث وبين خوفه الارتكاسي – الأوتوماتيكي الذي تحرضه هذه الذكريات، والاستعاضة عن ارتكاس الخوف بارتكاس طبيعي. ويمكن القول في هذا السياق، إن الاضطرابPTSD يُعّبر عن عدم نجاح عملية الإخماد، وإن تراجع المرض، علاجيا أو تلقائيا، يتطلب أسلوبا جديدا من التعلم. وتشير الدراسات الأخيرة التي أُجريت على الإنسان والحيوان بدلائل واضحة إلى أن اضطرابا في وظيفة إحدى الدارات العصبية يمكن أن يكون السبب في إعاقة عملية الإخماد وترك الشخص معرضا للإصابة بالاضطراب PTSD.

 

تتكون محطات الدماغ الرئيسية المتخصصة بنقل الإشعارات العصبية المرتبطة بالخوف من اللوزة ومجرة الخلايا المجاورة لها المعروفة باسم «النواة العميقة للسطر النهائي» the bed nucleus of the stria terminalis، والتي يفترض أنها مسؤولة عن التعاطي مع شتى أعراض الخوف: زيادة عدد دقات القلب والتعرق الشديد والجمود الحركي وردود أفعال إجفالية شديدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجموعة من نورونات اللوزة ترسل قسما من محاويرها الطويلة والرفيعة إلى جذع الدماغ لترتبط هناك بالمراكز المسؤولة عن نَظْم الوظائف المستقلة(8)، وتُرسل قسما آخر إلى الدماغ الأمامي المؤثر في انبعاث الحوافز وصنع القرارات وإدراك الخصائص المميزة للمحرضات. وإذا كانت اللوزة هي محرك الخوف، فلا بد إذن من وجود مرجعيات في الدماغ يردّ إليها إيقاف نشاط هذا المحرك حالما تزول الحالات الداعية إلى الخوف وينعدم مبرر وجوده.

 

قام <G.كيرك> وزملاؤه [من جامعة پورتوريكو] بإجراء دراسة على الجرذان أثبتوا فيها أن المنطقة ما تحت اللمبية infralimbic region؛ وهي منطقة صغيرة تقع في القشرة PFC، هي المسؤول الرئيسي عن ظاهرة إخماد الخوف، بدليل أن الجرذان التي تعلمت أن تخاف من منبه خاص، تصبح قادرة على التخلص من خوفها بعد أن يتم تدريبها على استخدام آلية الإخماد. كما تمكن فريق <كيرك> أيضا من الكشف عن ازدياد في نشاط المنطقة ما تحت اللمبية أثناء استخدام آلية الإخماد، وعن أن هذه الزيادة في النشاط هي المسؤولة عن لجم اللوزة. وتشير بعض الدراسات التجريبية الأخرى إلى أن التنبيـــه الميـكـروي لخلايــا المنطــقـــة ما تحت اللمبية يولّد كما يبدو سلوكا إخماديا، حتى لدى الحيوانات التي لم يسبق لها أن تلقت تدريبا على استخدام آلية الإخماد كوسيلة مضادة للخوف. إضافة إلى ذلك، فإن تخدير نورونات هذه المنطقة الصغيرة من القشرةPFC يُفضي إلى إعاقة السلوك الإخمادي لدى الحيوانات التي تلقت تدريبا  بهذا الشأن، الأمر الذي يدل بوضوح على حيوية هذه المنطقة الدماغية وفعاليتها في عملية التغلب على الخوف.

 

تشير الدراسات التصويرية العصبية عند المصابين بالاضطراب PTSD، إلى وجود فرط في نشاط القشرة ماقبل الجبهية البطنية الوسطى (vmPFC)(8)، وهي ما يقابل المنطقة ماتحت اللمبية عند الجرذان. وقد خلُصت خمس دراسات أجريت على مرضى الاضطراب PTSD إلى أن نشاط المنطقة vmPFC من القشرة الدماغية يتراجع لديهم إذا تم تعريضهم للمحات مرتبطة بحدث الرض النفسي. كما أن هذه المنطقة من القشرة الدماغية لدى هؤلاء المرضى كانت أصغر حجما منها لدى الأشخاص الذين عانوا تجارب رض نفسي مشابهة، ولكنهم لم يُصابوا بالاضطراب PTSD. وهذا بالفعـــل ما أفــــاد بــه مؤخرا <M.ميلاد> وزملاؤه [من المستشفى العمومي في ماساتشوستس] في دراسته التي أجراها على متطوعين أصحاء، حيث وجد أن سماكة القشرة vmPFC تتناسب طردا مع القدرة على إخماد ذاكرة الخوف. إلى ذلك، فقد أثبتت <E.فيلپس> وزملاؤها [من جامعة نيويورك] أن عملية تعلم استخدام آلية الإخماد عند الإنسان تشبه نظيرتها عند الجرذان، وتترافق بزيادة في نشاط القشرة vmPFC ونقص في نشاط اللوزة.

 

لقد بدأت طرائق التصوير العصبية بالكشف عن الأساس البيولوجي لفوائد المعالجة المعرفية – السلوكية، وهي طريقة من طرائق المعالجة السيكولوجية (الكلامية) والتي تركز على استجابات أو ردود أفعال المريض على الظروف الصعبة، وتسعى إلى تعديل هذه الاستجابات. وتشير هذه الطرائق البحثية إلى أهمية الهيپوكامپوس في تقييم سياق المُدركات، وإلى دور القشرة ماقبل الجبهية الظهرية الوحشية في تعلم كيفية تحمل الخوف أو التغلب عليه. ولما لم تكن هناك صلة وصل مباشرة تربط القشرة ماقبل الجبهية الظهرية الوحشية باللوزة، فإن الاعتقاد السائد حاليا هو أن القشرة vmPFC تقوم بوصل إحداهما بالأخرى، الأمر الذي يُفسّر كيف أن المعالجة المعرفية قادرة على مساعدة المريض على اتباع أسلوب جديد في التعاطي مع الأشياء، وجعله يتعافى من مرضه.

 

تحولات جوهرية(**********)

 

يُشير ما عرضتُه من أمثلة، استقيتها من دراسات متعددة أُجريت على أشخاص مصابين بالاكتئاب أو الوسواس القهري أو الاضطراب PTSD، إلى وجود علاقة صريحة بين نشاط مناطق دماغية معينة مترابطة فيما بينها، وبين اضطرابات السلوك والمشاعر المُميِزة لتلك الأمراض. وقد تبيّن لنا أن القشرة ماقبل الجبهية تؤدي دورا مهما في جميع الحالات التي ذكرناها، وهو أمر لا يُثير الاستغراب بتاتا. ولمّا كانت هذه المنطقة عند الثدييات الأخرى قليلة التطور، فإن دراستها عند حيوانات المختبر صعبة ومعقدة. غير أن هذا الأمر يؤكّد أن للقشرة PFC أهمية مركزية لما يُميز الجنس البشري من باقي الكائنات الحية، وأفضل ما يتبناه علماء اليوم من وجهات النظر، هو أن هذا الجزء من القشرة الدماغية يُعد بمنزلة حاكم عام للدماغ، كما أنه المكان الذي تتم فيه معالجة معظم ما نصبو إليه من أهداف وما ينبعث فينا من حوافز من أجل أن نكون قادرين على اتخاذ القرارات والتخطيط للمستقبل.

 

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الدور الذي تؤديه القشرة PFC، من حيث أجزائها وارتباطاتها المشاركة في الأمراض التي أشرنا إليها سابقا، يُمكن أن يختلف من مرض إلى آخر. وإضافة إلى الأمثلة التي استشهدنا بها، فقد تم الكشف أيضا عن وجود نشاط مرَضيّ في القشرة ماقبل الجبهية الظهرية الوحشية عند مرضى الفصام، وتأخُّر في نمو القشرة PFC بكاملها عند مرضى نقص الانتباه المترافق بفرط النشاط الحركي attention-deficit hyperactivitydisorder ما بين عمر 7 و 12 سنة.

 

ومع أن وجود هذا الترابط صار أمرا مؤكدا، فما زلنا بحاجة إلى مزيد من الأبحاث التي من شأنها أن تزودنا بأسس أكثر متانة ودقة تمكننا من تعرف أي جانب من جوانب النشاط الدماغي يؤدي دورا حاسما في نشوء هذه الأمراض وغيرها من الأمراض النفسية. كما أننا بحاجة إلى مزيد من المعلومات عن الجينات التي قد تعمل على زيادة احتمال الإصابة بهذا المرض أو ذاك، فهذا سيساعدنا أيضا على الكشف عن الآليات الفيزيولوجية المشاركة في نشوء المرض.

 

إن تعرف هوية اضطرابات دارات الدماغ الوظيفية التي تنشأ عنها الأمراض العقلية قد يكون له تداعيات بالغة الأهمية على مستوى التشخيص والمعالجة. فالأمراض العقلية ما زالت تُصنّف تبعا لأعراضها التي يمكن أن تتشابه فيؤدي ذلك إلى تداخلات بينها أحيانا، وهي أيضا ما زالت مُغَيّبة تماما عن صلتها بالدلائل البيولوجية المعروفة، وذلك على الرغم من أن إعادة تصنيفها حسب وظائف الدماغ المختلفة قد تفتح آفاقا واسعة أمام تطوير نظام جديد للتشخيص مبني على مبدأ الواسمات البيولوجية biomarkers؛ مثل نماذج النشاط الدماغي أو التغيّرات الكيميائية أو التبدّلات البنيوية المرتبطة بالحالة المرَضيّة. وكما تُستخدم الفحوص المُتمّمة في باقي الاختصاصات الطبية – كمعايرة الكولسترول أو تحديد مستويات المستضد الخاص بالپروستاتهprostate-specific antigen levels في الدم، أو إجراء القياسات الفيزيولوجية، كقياس النشاط الكهربائي، أو استخدام المسح التصويري – فإن فحص الواسمات البيولوجية المختلفة المتعلقة بالاضطرابات العقلية يمكن أن يساعد على تشخيص هذه الأمراض بطريقة أكثر دقة، وربما في وقت مبكّر.

 

ما زالت النوبة الذهانية episode of psychosis في مرض الفصام تُعدّ أحد معاييره التشخيصية المفتاحية، تماما كما كان يتم تعريف مرض القلب في السابق من خلال نوبة الخنّاق الصدري والتي يعانيها المُصاب. ولكن الأعراض السلوكية والمعرفية المعروفة في اضطرابات الدماغ قد لا تظهر إلاّ بعد انقضاء زمن طويل على بدء الخلل الوظيفي في الدارة العصبية، لا بل حتى إنها لا تظهر إلاّ بعد أن تكون آليات المعاوَضة قد استنفدت قدراتها. وما نعرفه اليوم جيدا، هو أن أعراض مرض پاركنسون لا تظهر إلاّ بعد خراب 80 في المئة من الخلايا المُنتجة للدوپامين في المادة السوداء، وأن الأعراض الحركية في مرض هانتنگتون لا تأخذ في الظهور إلاّ بعد زوال 50 في المئة من نورونات العُقَد  القاعدية.

 

تُحدد طبيعة المرض اختيار طريقة العلاج المناسبة. فالدراسات التي أُجريت على الدارات العصبية لمعرفة آلية عملها لم تنجح في إثبات فعاليّة بعض المداخلات العلاجية كالمعالجة المعرفية السلوكية وحسب، بل استطاعت أيضا أن تتعرف الآلية التي يُمكن أن تُؤثّر بها هذه المداخلات في النشاط الدماغي وتُحدث تغييرات فيه، الأمر الذي يمدنا بأساليب جديدة من التأمل الفكري قد تساعدنا على تحسين ما هو مُتاح حاليا من تقنيات علاجيّة. ولا شك في أن مضادات الاكتئاب والأدوية المضادة للذهان الحالية أيضا تمتلك فعّالية علاجية، ولكنها ليست أفضل بكثير من فعالية الأدوية المعروفة منذ 40 سنة. إنّ مزيدا من فهم الاضطرابات الوظيفية والتي تصيب الدماغ وتسبب ظهور مرض الاكتئاب سوف يجعلنا قادرين على تطوير طرق علاجية أكثر فعّاليّة وربما شافية لهذا المرض.

 

ولعلّ أهم ما يُمكن أن يترتب مباشرة على مقاربة الأمراض العقلية من حيث إنها تشكل اضطرابات في منظومة دارات الدماغ، هو التغير الذي سوف يطرأ على نظرة المجتمع لتلك الأمراض. فعلى مرّ الأجيال، كان المريض العقلي يُوصم دائما بأنه إمّا مسكون بالأرواح الشريرة أو خطير أو ضعيف الإرادة أو أنه ضحية فساد والديه، على الرغم من افتقار هذه الوصمات بالطبع إلى أي دليل علمي. إن استخدام المنهج العلمي في التعاطي مع الاضطرابات العقلية سوف يقدم دعما كبيرا للمصابين بها في نضالهم للحصول على استحقاقاتهم من الاعتراف الاجتماعي الكامل والرعاية الجيدة.

 

من منظور علمي، يصعُب علينا أن نعثر على سابقة في الطب لما يحصل من تطور في مجال الطب النفسي psychiatry منذ أمد قصير. لقد أخذ الأساس الفكري لهذا الحقل الطبي في التحول جذريا من مجاله الحالي – القائم على مبدأ النظرة الذاتية للظاهرة «العقلية» – إلى مجال آخر هو العلوم العصبية. وبالفعل، فما يحدث اليوم من تطور علمي في نظرتنا وفهمنا للأمراض العقلية سوف يقود في أغلب الظن إلى ثورة حقيقية في الوقاية والعلاج، وسوف يعود بفوائد حقيقية كثيرة وطويلة الأمد على ملايين الأشخاص من جميع أنحاء العالم.

المؤلف

طبيب نفسي وباحث في العلوم العصبية الحديثة، وهو مدير المعهد الوطني للصحة العقلية؛ الهيئة الفيدرالية الداعمة للدراسات والأبحاث الخاصة بالأمراض العقلية. كشفت أبحاث< إنسل> الأولى عن دور مادة السيروتونين في اضطراب الوسواس القهري. أما أبحاثه على الحيوان التي ركزت على الأساس البيولوجي لظاهرة الرباط الاجتماعي، فقد كشفت عن أهمية مستقبلات الأوكسيتوسين oxytocin، وغيره من المواد الأخرى في الدماغ، في نشوء الروابط الاجتماعية. وكعادته في جميع أعماله، يحاول < إنسل>في استعراضه لنتائج ما استجدّ من أبحاث حول منظومة الدارات الدماغية المتعلقة بأمراض المزاج، مدّ جسور بين البيولوجيا وعلم النفس بالتركيز على العلاقات المتبادلة بين النشاط النوروني (العصبوني) والسلوك. Thomas R. Insel
http://oloommagazine.com/Images/Articles/2010/9-10/2010_9_10_12.jpg

  مراجع للاستزادة

 

Targeting Abnormal Neural Circuits in Mood and Anxiety Disorders: From the Laboratory to the Clinic. Kerry J. Ressler and Helen S. Mayberg in Nature Neurosci- ence, Vol. 10, No. 9. Pages 1116-1124; September 2007.

 

Neural Circuitry Underlying the Regulation of Conditioned Fear and Its Relation to Extinction.

Mauricio R; Delgado et al. in Neuron, Vol.59, No.5, pages829-838; September 11, 2008.

 

Disruptive Insights in Psychiatry: Transforming a Clinical Discipline.

Thomas R. Insel in Journal of Clinical Investigation, Vol. 119, No. 4, pages 700-705; April 1,2009.

(*)FAULTY CIRCUITS

(**)GOVERNOR OF MOOD

(***)Stuck in Overdrive?

(****)A CONSTANT PROD
(*****)PERPETUATOR OF FEAR

(******)BETTER WINDOWS INTO THE BRAIN

(*******)Relentless Repetition

(********)BRIDGING THE GAP

(*********)Unlearning Fear

(**********)Fundamental Shifts

(1) قد يكون مصطلح «المرض النفسي» مقابلا لنظيره الإنكليزي mental illness هو مفهوميا أكثر دقة في بعض الحالات من تعبير «المرض العقلي» وذلك نظرا لوجود أمراض نفسية تنشأ أيضا عن خلل في الدارات العصبية، ولكنها تُصيب المشاعر والانفعالات بوجه رئيسي،من دون أن تترافق بخلل في المنظومة العقلية.
(2) «المعالجة السيكولوجية» psychotherapy هي المعالجة الكلامية (غير الدوائية) التي يتلقاها المريض على يد المختص بها. (التحرير)
(3) obsessive-compulsive disorder.

(4) post-traumatic stress disorder

(5) prefrontal cortex

(6) Huntington’s disease

(7)  Institutionalization

(8)مِثلُ عدد دقات القلب والنبض وضغط الدم والتعرق وغيرها من الوظائف التي ينَظمها قسم من الجهاز العصبي يُسمّى «الجهاز العصبي المستقل» autonomic nervous system وله مراكز كثيرة في جذع الدماغ. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى