أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الطب وصحةعلم الإنسان

سبيل جديد لعمر مديد

كشف‭ ‬الباحثون‭ ‬النقاب‭ ‬عن‭ ‬آلية‭ ‬قديمة‭ ‬تؤخر‭ ‬الشيخوخة‭. ‬وقد‭ ‬تتمكن‭ ‬العقاقير‭ ‬التي‭ ‬تحفِّز‭ ‬تلك‭ ‬الآلية‭ ‬من‭ ‬تأخير‭ ‬حدوث‭ ‬السرطان‭ ‬وداء‭ ‬السكري‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬الشيخوخة‭ ‬الأخرى‭.‬

بقلم‭: ‬ديفيد‭ ‬ستيب ‭ ‬David Stipp

‭ ‬ديفيد‭ ‬ستيب‭ ‬كاتب‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بوسطن،‭ ‬تركز‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬gerontology‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬وصدر‭ ‬كتابه‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬عقار‭ ‬الشباب‭: ‬علماء‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬ثورة‭ ‬ضد‭ ‬الشيخوخة‭ ‬The Youth Pill‭: ‬Scientists at the Brink of an Anti-Aging Revolution‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2010‭. ‬وهو‭ ‬‮«‬يدوِّن‮»‬‭ ‬حول‭ ‬علم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬www.davidstipp.com

في‭ ‬سطور

في‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬اكتشف‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬عقارا‭ ‬يسمى‭ ‬راباميسين‭ ‬rapamycin‭ ‬قد‭ ‬يطيل‭ – ‬بشكل‭ ‬واضح‭ – ‬العمر‭ ‬في‭ ‬الفئران،‭ ‬وهو‭ ‬يقوم‭ ‬بذلك‭ ‬بالتأثير‭ ‬في‭ ‬نشاط‭ ‬بروتين‭ ‬يسمى‭ ‬mTOR‭.‬

هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬هي‭ ‬الدليل‭ ‬الأكثر‭ ‬إقناعا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬إبطاء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬الثدييات‭ ‬باستخدام‭ ‬العقاقير،‭ ‬وأثارت‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بدراسة‭ ‬دور‭ ‬البروتين‭ ‬mTOR‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الشيخوخة‭.‬

كما‭ ‬سلَّطت‭ ‬النتيجة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬لغز‭: ‬لماذا‭ ‬يؤدي‭ ‬تثبيط‭ ‬النمو‭ ‬والتكاثر‭ ‬الخلويين‭ – ‬أحد‭ ‬آثار‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬البروتين‭ ‬mTOR‭ – ‬إلى‭ ‬إطالة‭ ‬مدى‭ ‬العمر؟

وقد‭ ‬تفضي‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬إلى‭ ‬أدوية‭ ‬تؤجّل‭ ‬أو‭ ‬تخفّف‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالشيخوخة‭ – ‬من‭ ‬مرض‭ ‬آلزايمر‭ ‬إلى‭ ‬السرطان‭ ‬والسكتة‭ ‬القلبية،‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬إطالة‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحياها‭ ‬البشر‭.‬


في‭ ‬صباح‭ ‬رائق‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬1964‭ ‬أبحرت‭ ‬سفينة‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬الكندية‭ ‬“كيب‭ ‬سكوت”‭ ‬من‭ ‬هاليفاكس،‭ ‬نوفاسكوتيا،‭ ‬في‭ ‬بعثة‭ ‬لمدة‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭. ‬وبقيادة‭ ‬الراحل‭ ‬ستانلي‭ ‬سكورين‭ -‬الأستاذ‭ ‬المغامر‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ماغيل‭- ‬توجَّه‭ ‬الفريق‭ ‬المؤلف‭ ‬من‭ ‬38‭ ‬عالما‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفينة‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬إيستر‭ ‬آيلاند‭ ‬Easter Island،‭ ‬وهي‭ ‬جزيرة‭ ‬بركانية‭ ‬تنبثق‭ ‬من‭ ‬وسط‭ ‬المحيط‭ ‬الهادي‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬2200‭ ‬ميل‭ ‬غربي‭ ‬تشيلي‭. ‬وقتها‭ ‬كانت‭ ‬خطط‭ ‬بناء‭ ‬مطار‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الجزيرة‭ ‬النائية‭ ‬تُجرى‭ ‬على‭ ‬قدم‭ ‬وساق،‭ ‬وهي‭ ‬مشهورة‭ ‬بتماثيلها‭ ‬الغامضة‭ ‬ذات‭ ‬الرؤوس‭ ‬الهائلة‭. ‬وقد‭ ‬رغب‭ ‬الفريق‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬السكان‭ ‬والنبات‭ ‬والحيوان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ -‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭- ‬غير‭ ‬متأثرة‭ ‬بالمدنية‭ ‬الحديثة‭.‬

‭ ‬استقبل‭ ‬أهل‭ ‬الجزيرة‭ ‬بحرارة‭ ‬فريق‭ ‬سكورين‭ ‬الذي‭ ‬اصطحب‭ ‬معه‭ ‬مئات‭ ‬العينات‭ ‬من‭ ‬النباتات‭ ‬والحيوانات،‭ ‬وكذلك‭ ‬من‭ ‬دم‭ ‬ولعاب‭ ‬كافة‭ ‬المقيمين‭ ‬الـتسعمئة‭ ‬وتسعة‭ ‬وأربعين‭. ‬لقد‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬أنبوب‭ ‬اختبار‭ ‬يحوي‭ ‬عينة‭ ‬من‭ ‬التربة‭ ‬هو‭ ‬الجائزة‭ ‬الكبرى‭: ‬فقد‭ ‬احتوى‭ ‬على‭ ‬بكتيريا‭ ‬Bacterium‭ ‬تصنع‭ ‬مادة‭ ‬كيميائية‭ ‬دفاعية‭ ‬ذات‭ ‬خاصية‭ ‬مدهشة‭ ‬–‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إطالة‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬مختلفة‭.‬

‭ ‬وحاليا،‭ ‬بيّنت‭ ‬عدة‭ ‬فرق‭ ‬أن‭ ‬المادة‭ ‬الكيميائية‭ ‬المسماة‭ ‬راباميسين‭ ‬Rapamycin‭ ‬تزيد‭ ‬“المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر” Maximum life span‭ ‬الذي‭ ‬تحياه‭ ‬فئران‭ ‬التجارب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الفئران‭ ‬غير‭ ‬المعالجة‭ ‬به‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬تقوم‭ ‬ادعاءات‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬مضادات‭ ‬الشيخوخة‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬البيانات‭ ‬تظهر‭ ‬ازدياد‭ ‬معدل‭ ‬مدى‭ ‬العمر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتحقق‭ ‬بفعل‭ ‬المضادات‭ ‬الحيوية‭ ‬أو‭ ‬عقاقير‭ ‬أخرى‭ ‬تخفض‭ ‬حالات‭ ‬الموت‭ ‬المبكر،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالشيخوخة‭. ‬وبالمقابل،‭ ‬فإن‭ ‬ازدياد‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ (‬الذي‭ ‬يقاس‭ ‬غالبا‭ ‬كمتوسط‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬للعشرة‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬الأطول‭ ‬عمرا‭) ‬هو‭ ‬السمة‭ ‬المميزة‭ ‬لإبطاء‭ ‬الشيخوخة‭. ‬فما‭ ‬من‭ ‬عقار‭ ‬آخر‭ ‬أطال‭ ‬بشكل‭ ‬مقنع‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬أقربائنا‭ ‬من‭ ‬الثدييات،‭ ‬وتَوَصُّل‭ ‬عِلم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العقار‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬انتظار‭ ‬سيكون‭ ‬بمثابة‭ ‬اختراق‭ ‬حاجز‭ ‬الصوت‭. ‬لذا،‭ ‬أحدث‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ ‬تحولا‭ ‬جذريا‭ ‬لدى‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬يدرسون‭ ‬الشيخوخة‭ ‬وكيفية‭ ‬تخفيف‭ ‬آثارها‭. ‬إذ‭ ‬يرغب‭ ‬علماء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬Gerontologists‭ ‬بشدة‭ ‬في‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬تدخّل‭ ‬علاجي‭ ‬بسيط‭ ‬يبطئ‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لمجرد‭ ‬إطالة‭ ‬العمر،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬كبح‭ ‬الشيخوخة‭ ‬سيكون‭ ‬بمثابة‭ ‬حلّ‭ ‬عام‭ ‬لتأجيل‭ ‬أو‭ ‬إبطاء‭ ‬تقدم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القصور‭ ‬الذي‭ ‬نُصاب‭ ‬به‭ ‬عندما‭ ‬نتقدم‭ ‬بالسن،‭ ‬من‭ ‬السادّ‭ (‬اعتام‭ ‬عدسة‭ ‬العين‭) ‬Cataract‭ ‬إلى‭ ‬السرطان‭.‬

‭ ‬ولسنوات‭ ‬عديدة‭ ‬بقيت‭ ‬آمال‭ ‬علماء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬مركبات‭ ‬مضادة‭ ‬للشيخوخة‭ ‬متذبذبة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح‭. ‬فارتفع‭ ‬التفاؤل‭ ‬مع‭ ‬اكتشاف‭ ‬طفرات‭ ‬جينية‭ ‬تطيل‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬في‭ ‬الحيوانات،‭ ‬وكذلك‭ ‬مع‭ ‬المفاهيم‭ ‬الجديدة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬إحداث‭ ‬الأثر‭ ‬نفسه‭ ‬بتقييد‭ ‬الكالوريات‭ (‬السعرات‭ ‬الحرارية‭) ‬Calorie restriction‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭. ‬ولم‭ ‬تقدم‭ ‬الاكتشافات‭ ‬بعد‭ – ‬مع‭ ‬كل‭ ‬تباشيرها‭ – ‬أي‭ ‬عقار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمدَّ‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬القصوى‭ ‬لطول‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬الثدييات‭. ‬مع‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ – ‬الذي‭ ‬يشتمل‭ ‬على‭ ‬نُظم‭ ‬غذائية‭ ‬ملائمة‭ ‬ولكن‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬المجاعة‭ – ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬بذلك‭ ‬وأن‭ ‬يؤخر‭ ‬أيضا‭ ‬السرطان‭ ‬والأمراض‭ ‬العصبية‭ ‬التنكسية‭ ‬وداء‭ ‬السكري‭ ‬والاضطرابات‭ ‬الأخرى‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالعمر‭ ‬في‭ ‬الفئران،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحمية‭ ‬الشديدة‭ ‬ليست‭ ‬اختيارا‭ ‬ملائما‭ ‬لإبطاء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الكائنات‭ ‬الفانية‭.‬

‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬المركب‭ ‬ريسفيراترول‭ ‬Resveratrol‭ – ‬المكون‭ ‬الشهير‭ ‬في‭ ‬النبيذ‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬تأثيرات‭ ‬مماثلة‭ ‬لتقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ – ‬قد‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬اختراق‭ ‬الحاجز‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬تبين‭ ‬أنه‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬التأثيرات‭ ‬التي‭ ‬تقصّر‭ ‬العمر‭ ‬والناتجة‭ ‬من‭ ‬حمية‭ ‬عالية‭ ‬الدهون‭ ‬في‭ ‬القوارض‭. ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المادة،‭ ‬التي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬إنزيمات‭ ‬معروفة‭ ‬بالسيرتوينات‭ ‬Sirtuins،‭ ‬فشلت‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬إطالة‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬لها‭ ‬حمية‭ ‬طبيعية‭. ‬ولكن‭ ‬فجأة‭ ‬أشرقت‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬جوانب‭ ‬الصورة‭ ‬المحبطة‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬أُعلنت‭ ‬نتائج‭ ‬الراباميسين‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬2009‭. ‬إذ‭ ‬أصدرت‭ ‬ثلاثة‭ ‬مختبرات‭ ‬تقريرا‭ ‬مشتركا‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الراباميسين،‭ ‬المعروف‭ ‬حينئذ‭ ‬كمثبط‭ ‬للنمو‭ ‬الخلوي،‭ ‬أطال‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬بنحو‭ ‬12‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬فئران‭ ‬خضعت‭ ‬لثلاث‭ ‬تجارب‭ ‬متوازية‭ ‬ممولة‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬القومي‭ ‬للشيخوخة‭ ‬National Institute on Aging‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ولدهشة‭ ‬علماء‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬أطال‭ ‬العقار‭ ‬معدل‭ ‬البقاء‭ ‬للفئران‭ ‬المسنة‭ ‬بمقدار‭ ‬الثلث‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬متضررة‭ ‬بفعل‭ ‬كبر‭ ‬السن‭ ‬لدرجة‭ ‬تمنعها‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬اجتياز‭ ‬الراباميسين‭ ‬عقبة‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬عند‭ ‬الثدييات‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬عمرها‭ ‬بليون‭ ‬سنة‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تنظم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وقد‭ ‬تقوم‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬أيضا‭. ‬والمحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬لهذه‭ ‬الآلية‭ ‬هو‭ ‬بروتين‭ ‬يسمى‭ ‬TOR‭ (‬اختـصــارا‭ ‬للبروتين‭ ‬هدف‭ ‬الراباميسين‭ ‬Target of Rapamycin‭)‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬الجين‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬كمخطَّط‭ ‬لهذا‭ ‬البروتين‭. ‬حاليا،‭ ‬يخضع‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬لتمحيص‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬والطب‭ ‬التطبيقي،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬العدد‭ ‬المتنامي‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬على‭ ‬الحيوان‭ ‬والإنسان‭ ‬والتي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تثبيط‭ ‬نشاط‭ ‬النسخة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالثدييات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البروتين‭ (‬ويرمز‭ ‬لها‭ ‬بـ‭ ‬mTOR‭) ‬في‭ ‬الخلايا‭ ‬قد‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الأمراض‭ ‬الرئيسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعمر‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬السرطان‭ ‬والآلزايمر‭ ‬وباركنسون‭ ‬وتنكّس‭ ‬عضلة‭ ‬القلب‭ ‬وداء‭ ‬السكري‭ ‬من‭ ‬النمط‭ ‬2‭ ‬وهشاشة‭ ‬العظام‭ ‬والضمور‭ ‬الشبكي‭ (‬التنكّس‭ ‬البقعي‭) ‬Macular degeneration‭. ‬ضمنيا،‭ ‬يدل‭ ‬التنوع‭ ‬المدهش‭ ‬للفوائد‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬أمكن‭ ‬إيجاد‭ ‬أدوية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬البروتين‭ ‬mTOR‭ ‬بأمان‭ ‬ودقة‭ ‬لأمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬إبطاء‭ ‬عملية‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬البشر‭ ‬مثلما‭ ‬يفعل‭ ‬الراباميسين‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ ‬وأنواع‭ ‬أخرى‭ – ‬إنها‭ ‬إمكانية‭ ‬ذات‭ ‬مغزى‭ ‬عميق‭ ‬للطب‭ ‬الوقائي‭. (‬لسوء‭ ‬الحظ،‭ ‬فإن‭ ‬للراباميسين‭ ‬آثارا‭ ‬جانبية‭ ‬تمنع‭ ‬غالبا‭ ‬اختبار‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬إبطاء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬البشر‭.)‬

‭ ‬وهناك‭ ‬توقعات‭ ‬مشابهة‭ ‬لعقاقير‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬جزيئات‭ ‬أخرى،‭ ‬خصوصا‭ ‬السيرتوينات‭. ‬فما‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬المختلف‭ ‬في‭ ‬البروتين‭ ‬mTOR؟‭ ‬إن‭ ‬اكتشاف‭ ‬قيام‭ ‬عقار‭ ‬ما‭ ‬بإطالة‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬بشكل‭ ‬مقنع‭ ‬في‭ ‬حيوان‭ ‬ثديي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الجزيء،‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البروتين‭ ‬mTOR‭ ‬يؤدي‭ ‬دورا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬الثدييات،‭ ‬وأن‭ ‬الباحثين‭ ‬الآن‭ ‬أقرب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬لفهم‭ ‬عملية‭ ‬الشيخوخة‭. ‬ويقول‭ ‬فلوركي‭ -‬المختص‭ ‬بعلم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬بمختبر‭ ‬جاكسون‭ ‬The Jackson Laboratory‭ ‬في‭ ‬بارهاربر،‭ ‬والمؤلف‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬الراباميسين‭ ‬في‭ ‬الفئران‭: ‬‮«‬إنه‭ [‬البروتين‭ ‬TOR‭] ‬بالتأكيد‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬اللعبة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬الآن‭ ‬وسيظل‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬للعقد‭ ‬القادم‭.‬‮»‬

‭ ‬

قصة‭ ‬البروتين‭TOR‭ ‬

بدأ‭ ‬البحث‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬اكتشاف‭ ‬تأثير‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬في‭ ‬الشيخوخة‭ ‬يتشكل‭ ‬عندما‭ ‬سلّمت‭ ‬بعثة‭ ‬سكورني‭ ‬عيناتها‭ ‬من‭ ‬التربة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬حينئذ‭ ‬مختبرات‭ ‬آيرست‭ ‬Ayerst Laboratories‭ ‬في‭ ‬مونتريال‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬باحثو‭ ‬الأدوية‭ ‬يعثرون‭ ‬على‭ ‬مضادات‭ ‬حيوية‭ ‬في‭ ‬حفنات‭ ‬من‭ ‬التربة‭ ‬منذ‭ ‬الأربعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ولذلك‭ ‬قام‭ ‬الباحثون‭ ‬في‭ ‬معامل‭ ‬آيرست‭ ‬بفحص‭ ‬العينات‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬مضادات‭ ‬الميكروباتAntimicrobials‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬1972‭ ‬عزل‭ ‬الباحثون‭ ‬مثبطا‭ ‬للفطر‭ ‬Fungal inhibitor‭ ‬أطلقوا‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬راباميسين،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬جزيرة‭ ‬إيستر‭ ‬معروفة‭ ‬محليا‭ ‬باسم‭ ‬رابا‭ ‬نوي‭ ‬Rapa Nui‭. ‬وفي‭ ‬البدء،‭ ‬أملت‭ ‬مختبرات‭ ‬آيرست‭ ‬باستخدامه‭ ‬لمعالجة‭ ‬عدوى‭ ‬الخميرة Yeast infection‭. ‬ولكن‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يستكشفون‭ ‬خصائصه‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬مزرعة‭ ‬الخلايا‭ ‬وفي‭ ‬الأجهزة‭ ‬المناعية‭ ‬لدى‭ ‬الحيوانات‭ ‬وجدوا‭ ‬أنه‭ ‬يعوق‭ ‬تكاثر‭ ‬الخلايا‭ ‬المناعية،‭ ‬وعوضا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬يشجع‭ ‬نموها‭ ‬فيمنع‭ ‬الرفض‭ ‬المناعي‭ ‬للأعضاء‭ ‬المزروعة‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬حصل‭ ‬الراباميسين‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬إدارة‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬الأمريكية‭ (‬FDA‭) ‬للاستخدام‭ ‬في‭ ‬المرضى‭ ‬الذين‭ ‬خضعوا‭ ‬لزرع‭ ‬كلى‭. ‬وفي‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عَلِمَ‭ ‬الباحثون‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬العقار‭ ‬يثبط‭ ‬نمو‭ ‬الأورام،‭ ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2007‭ ‬صُرِّح‭ ‬باستخدام‭ ‬مشتقين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العقار‭ – ‬تيمسيروليميوس‭ ‬Temsirolimus‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬فايزر‭ ‬Pfizer،‭ ‬وإيفيروليموس‭ ‬Everolimus‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬نوفارتس‭ ‬Novartis‭ – ‬لعلاج‭ ‬أنواع‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬السرطان‭.‬

sa0112Stip04

‭ ‬وقد‭ ‬وجد‭ ‬علماء‭ ‬الحياة‭ ‬أن‭ ‬قابلية‭ ‬الراباميسين‭ ‬لكبح‭ ‬تكاثر‭ ‬الخلايا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الخميرة‭ ‬والبشر‭ ‬خاصيةٌ‭ ‬مثيرة‭ ‬للفضول‭ ‬بشدة،‭ ‬فالمركب‭ ‬يثبط‭ ‬أعمال‭ ‬جين‭ ‬منظم‭ ‬للنمو‭ ‬ومحفوظ‭ ‬عبر‭ ‬بليون‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬الخميرة‭ ‬والبشر‭. (‬تنمو‭ ‬الخلايا‭ ‬ويزيد‭ ‬حجمها‭ ‬عندما‭ ‬تتهيأ‭ ‬للانقسام‭ ‬والتكاثر‭). ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬حدد‭ ‬مايكل‭ ‬إن‭. ‬هال‭ ‬Michael N‭. ‬Hall‭ ‬وزملاؤه‭ -‬من‭ ‬جامعة‭ ‬بازل‭ ‬University of Basel‭ ‬في‭ ‬سويسرا‭- ‬الهدف‭ ‬العتيق‭ ‬باكتشافهم‭ ‬أن‭ ‬الراباميسين‭ ‬يثبط‭ ‬تأثير‭ ‬جينين‭ ‬يحكمان‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬الخميرة،‭ ‬وقاموا‭ ‬بتسميتهما‭ ‬الجين‭ ‬TOR1‭ ‬والجين‭ ‬TOR2‭. ‬وبعد‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬تمكّن‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬من‭ ‬بينهم‭  ‬شريبر‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬هارفارد،‭ ‬وكذلك‭ ‬ديفيد‭ ‬ساباتيني‭ ‬David Sabatini،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬وايتهد‭ ‬للأبحاث‭ ‬البيوكيميائية‭ ‬Whitehead Institute for Biomedical Research‭ ‬في‭ ‬كيمبردج‭ ‬بولاية‭ ‬ماساتشوستسّ‭] ‬كلاًّ‭ ‬على‭ ‬حدة‭ ‬من‭ ‬عزل‭ ‬الجين‭ ‬TOR‭ ‬في‭ ‬الثدييات‭. ‬ومن‭ ‬المعروف‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنواع،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الديدان‭ ‬والحشرات‭ ‬والنباتات،‭ ‬تمتلك‭ ‬جينات‭ ‬TOR‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬نمو‭ ‬الخلية‭.‬

‭ ‬وخلال‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عرف‭ ‬الباحثون‭ ‬الكثير‭ ‬جدا‭ ‬عن‭ ‬أدوار‭ ‬هذا‭ ‬الجين‭ ‬في‭ ‬الخلية‭ ‬وفي‭ ‬الجسم‭ ‬ككل،‭ ‬واتضح‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تأثير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار‭ ‬في‭ ‬الشيخوخة‭. ‬فوجد‭ ‬الباحثون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجين‭ ‬بالذات‭ ‬يُرمِّز‭ ‬Encode‭ ‬إنزيما،‭ ‬أو‭ ‬بروتينا‭ ‬محفِّزا‭ ‬Catalytic protein،‭ ‬الذي‭ ‬يتحد‭ ‬في‭ ‬السيتوبلازم‭ ‬بعدة‭ ‬بروتينات‭ ‬أخرى‭ ‬لتكوين‭ ‬مركب‭ ‬يسمى‭ ‬TORC1،‭ ‬يشرف‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بنمو‭ ‬الخلايا‭. ‬ويؤثر‭ ‬الراباميسين‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬المركب‭ ‬TORC1‭. ‬وهناك‭ ‬مركب‭ ‬ثان‭ ‬مفهوم‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل‭ ‬يسمى‭ ‬TORC2‭ ‬يشتمل‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬الإنزيم TOR‭.‬

وقد‭ ‬أوضحت‭ ‬الفرق‭ ‬البحثية‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬حساس‭ ‬للمغذيات‭. ‬فعندما‭ ‬يفيض‭ ‬الغذاء‭ ‬يزيد‭ ‬نشاط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬مشجعا‭ ‬الخلايا‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬البروتين‭ ‬وعلى‭ ‬الانقسام‭. ‬وعندما‭ ‬يندر‭ ‬وجود‭ ‬الغذاء‭ ‬يقلُّ‭ ‬نشاط‭ ‬هذا‭ ‬البروتين‭ ‬وتحفظ‭ ‬الموارد‭ ‬نتيجة‭ ‬لنقص‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬التصنيع‭ ‬العام‭ ‬للبروتين‭ ‬وانقسام‭ ‬الخلايا‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تنشط‭ ‬عملية‭ ‬تسمى‭ ‬البلعمة‭ ‬الذاتية‭ (‬الالتهام‭ ‬الذاتي‭) ‬Autophagy‭: ‬تقوم‭ ‬الخلايا‭ ‬بتكسير‭ ‬المكونات‭ ‬المعطوبة‭ ‬كالبروتينات‭ ‬التالفة‭ ‬والميتوكوندريا‭ (‬المتقدرات‭) ‬Mitochondria‭ (‬محطات‭ ‬توليد‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬الخلية‭) ‬المعطوبة‭ ‬وظيفيا،‭ ‬مولدة‭ ‬منتجات‭ ‬ثانوية‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭ ‬كوقود‭ ‬أو‭ ‬كمواد‭ ‬بناء‭. ‬والفئران‭ ‬الوليدة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬البلعمة‭ ‬الذاتية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بالرضاعة‭. ‬وعندما‭ ‬يتوفر‭ ‬الغذاء‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ترتد‭ ‬ثانية‭ ‬علاقة‭ ‬التأرجح‭ ‬بين‭ ‬البروتين‭ ‬والبلعمة‭ ‬الذاتية‭ ‬فيزداد‭ ‬نشاط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬وتتباطأ‭ ‬البلعمة‭ ‬الذاتية‭.‬

وقد‭ ‬اكتشف‭ ‬الباحثون‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬مسارات‭ ‬الإشارة Signaling pathways‭ ‬التي‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬والإنسولين‭ ‬تكون‭ ‬مرتبطة‭ ‬معا،‭ ‬ومسارات‭ ‬الإشارة‭ ‬هذه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬الجزيئية‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬الخلية‭. ‬إن‭ ‬الإنسولين‭ ‬هو‭ ‬الهرمون‭ ‬الذي‭ ‬يفرزه‭ ‬البنكرياس‭ ‬بعد‭ ‬الوجبات‭ ‬لينبّه‭ ‬العضلات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الخلايا‭ ‬لامتصاص‭ ‬الغلوكوز‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬لتأمين‭ ‬الطاقة‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الإنسولين،‭ ‬فهو‭ ‬عامل‭ ‬نمو،‭ ‬يساعد‭ ‬مع‭ ‬بروتينات‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬مسار‭ ‬البروتين TOR،‭ ‬وهو‭ ‬سلوك‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تحفيز‭ ‬الخلايا‭ ‬في‭ ‬الجسم‭ ‬ككل‭ ‬لتنمو‭ ‬وتتكاثر‭ ‬استجابة‭ ‬لتناول‭ ‬الطعام‭. ‬وفي‭ ‬سمة‭ ‬أخرى‭ ‬مهمة‭ ‬للصحة،‭ ‬فإن‭ ‬الصلات‭ ‬بين‭ ‬مسارات‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬ومسارات‭ ‬الإنسولين‭ ‬تتضمن‭ ‬دائرة‭ ‬تغذية‭ ‬مرتدة‭ ‬عكسية‭ ‬Negative feedback loop‭: ‬اِستثارة‭ ‬البروتين TOR‭ ‬تجعل‭ ‬الخلايا‭ ‬أقل‭ ‬حساسية‭ ‬لإشارات‭ ‬الإنسولين‭. ‬وإن‭ ‬الإفراط‭ ‬المزمن‭ ‬في‭ ‬الأكل‭ ‬سينشط‭ ‬عندئذ‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭ ‬فيتزايد‭ ‬عدم‭ ‬استجابة‭ ‬الخلايا‭ ‬للإنسولين؛‭ ‬ومقاومة‭ ‬الإنسولين‭ ‬هذه‭ ‬يمكن‭ ‬بدورها‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬الدم‭ ‬وداء‭ ‬السكري‭ ‬ويمكن‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬اضطرابات‭ ‬أخرى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالعمر‭ ‬مثل‭ ‬مشكلات‭ ‬القلب‭.‬

كذلك‭ ‬يستجيب‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬للإجهاد‭ ‬الخليوي‭  ‬Cellular stresses‭ ‬الناتج‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المغذيات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المستويات‭ ‬المنخفضة‭ ‬من‭ ‬الأكسجين‭ ‬والحمض‭ ‬النووي‭ (‬دنا‭) ‬DNA‭ ‬التالف‭. ‬وعلى‭ ‬العموم‭ ‬عندما‭ ‬تستشعر‭ ‬الخلايا‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬بقاءها،‭ ‬يقلّ‭ ‬نشاط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬التباطؤ‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬البروتين‭ ‬وتكاثر‭ ‬الخلية‭ ‬تتحرر‭ ‬الموارد‭ ‬حتى‭ ‬تستطيع‭ ‬الخلايا‭ ‬توجيهها‭ ‬نحو‭ ‬إصلاح‭ ‬الدنا‭ ‬والإجراءات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الأخرى‭. ‬فتشير‭ ‬الدراسات‭ ‬على‭ ‬ذبابة‭ ‬الفاكهة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬تقليص‭ ‬عمليات‭ ‬بناء‭ ‬البروتين‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الإنذار‭ ‬هذه،‭ ‬فإن‭ ‬تصنيع‭ ‬البروتين‭ ‬يتحول‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬انتقائي‭ ‬لبعض‭ ‬المكونات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬المتقدرات،‭ ‬ربما‭ ‬لمساعدة‭ ‬الخلايا‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬أجهزتها‭ ‬المولدة‭ ‬للطاقة‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬“الاستجابة‭ ‬المتعددة‭ ‬الجوانب‭ ‬للإجهاد”‭ ‬تطورت‭ ‬لمساعدة‭ ‬الخلايا‭ ‬على‭ ‬تحمّل‭ ‬الظروف‭ ‬القاسية،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكنها‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬تقوي‭ ‬الخلايا‭ – ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مقصود‭ – ‬ضد‭ ‬نوائب‭ ‬الزمن‭.‬

‭ ‬zoom

كشف‭ ‬حلقة‭ ‬الوصل‭ ‬بالشيخوخة

تعود‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬البروتين TOR‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬الشيخوخة‭ ‬إلى‭ ‬اكتشافات‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخلايا‭ ‬المحرومة‭ ‬من‭ ‬الغذاء‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬بتقليل‭ ‬نشاط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭. ‬وكان‭ ‬علماء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬قد‭ ‬شاهدوا‭ ‬شيئا‭ ‬مشابها‭ ‬من‭ ‬قبل‭: ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1935‭ ‬بيّن‭  ‬ماكي‭ -‬اختصاصي‭ ‬التغذية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كورنيل‭- ‬أن‭ ‬إخضاع‭ ‬جرذان‭ ‬يافعة‭ ‬لحمية‭ ‬غذائية‭ ‬قاسية‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬التجويع‭ – ‬يجعلها‭ ‬تنمو‭ ‬ببطء‭ ‬ويطيل‭ ‬عمرها‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬عادي‭. ‬وقد‭ ‬ثبُت‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬يزيد‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬الخمائر‭ ‬إلى‭ ‬العناكب‭ ‬إلى‭ ‬الكلاب،‭ ‬ويشير‭ ‬دليل‭ ‬مبدئي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬النسانيس‭ ‬أيضا‭. ‬فإنقاص‭ ‬المعدل‭ ‬الطبيعي‭ ‬لتناول‭ ‬الكالوريات‭ ‬بنحو‭ ‬الثلث‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬يزيد‭ ‬عموما‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬بنحو‭ ‬30‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬بتأجيل‭ ‬التدهور‭ ‬المرتبط‭ ‬بالشيخوخة؛‭ ‬ففي‭ ‬الدراسات‭ ‬الطويلة‭ ‬الأمد‭ ‬حول‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬بدت‭ ‬نسانيس‭ ‬الريسوس‭ ‬المسنة‭ ‬بحالة‭ ‬صحية‭ ‬جيدة‭ ‬وأكثر‭ ‬شبابا‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سنها‭.‬

وهذه‭ ‬المقاربة‭ ‬ليست‭ ‬فاعلة‭ ‬دوما‭ ‬–‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تقصِّر‭ ‬عمر‭ ‬بعض‭ ‬سلالات‭ ‬فئران‭ ‬التجارب‭ ‬–‭ ‬ولكن‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬شيخوخة‭ ‬صحية‭ ‬في‭ ‬البشر‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬النسانيس‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬اكتشاف‭ ‬مركبات‭ ‬تستحضر‭ ‬آثار‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬دون‭ ‬الشعور‭ ‬بالجوع‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الأقصى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬يدرسون‭ ‬الشيخوخة‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭ ‬عرف‭ ‬الباحثون‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬عن‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬ليخمنوا‭ ‬أن‭ ‬تثبيط‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬الخلايا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحاكي‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬قاد‭   ‬فيلاي‭ -‬باحث‭ ‬مجريّ‭ ‬زائر‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فريبورغ‭ ‬بسويسرا‭- ‬دراسة‭ ‬عن‭ ‬الدودة‭ ‬الإسطوانية Roundworm‭ ‬قدّمت‭ ‬أول‭ ‬برهان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تثبيط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤخر‭ ‬الشيخوخة‭: ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تثبيط‭ ‬بناء‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬في‭ ‬الديدان‭ ‬جينيا؛‭ ‬ورفع‭ ‬هو‭ ‬وزملاؤه‭ ‬معدل‭ ‬مدى‭ ‬عمر‭ ‬الديدان‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الضعف‭. ‬وبعد‭ ‬عام‭ ‬واحد،‭ ‬بيّنت‭ ‬دراسة‭ ‬أجريت‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬للتقانة،‭ ‬وقادها‭  ‬كاباهي‭ -‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬بوك‭ ‬لأبحاث‭ ‬الشيخوخة‭ ‬The Buck Institute for Research on Aging‭ ‬في‭ ‬نوفاتو‭ ‬بولاية‭ ‬كاليفورنيا‭- ‬أن‭ ‬كبح‭ ‬نشاط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬في‭ ‬ذبابة‭ ‬الفاكهة‭ ‬أطال‭ ‬أيضا‭ ‬معدل‭ ‬مدى‭ ‬عمرها‭ ‬وحماها‭ ‬من‭ ‬عواقب‭ ‬نظم‭ ‬الحمية‭ ‬عالية‭ ‬الدهون،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬أكّد‭ ‬كنيدي‭ -‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬واشنطن‭- ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬مجددا‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬والشيخوخة‭ ‬بإظهار‭ ‬أن‭ ‬تعطيل‭ ‬جينات‭ ‬المسارات‭ ‬المتباينة‭ ‬للبروتين‭ ‬TOR‭ ‬في‭ ‬خلايا‭ ‬الخميرة‭ ‬أطال‭ ‬عمرها‭.‬

‭ ‬وهذه‭ ‬الدراسات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬البروتين TOR،‭ ‬كانت‭ ‬مثيرة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬لأنها‭ ‬تقترح‭ ‬أن‭ ‬تثبيط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬يحاكي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬جينات‭ ‬طافرة‭ ‬معروفة‭ ‬بإطالة‭ ‬العمر‭. ‬وقد‭ ‬اكتشِف‭ ‬أول‭ ‬جين‭ ‬من‭ ‬جينات‭ ‬الشيخوخة‭ ‬Gerontogenes‭ ‬هذه‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬الديدان‭ ‬الأسطوانية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬مضاعفة‭ ‬متوسط‭ ‬عمرها‭ ‬ومداه‭ ‬الأقصى‭ ‬بواسطة‭ ‬طفرات،‭ ‬تبين‭ ‬لاحقا‭ ‬أنها‭ ‬تكبح‭ ‬إشارات‭ ‬الإنسولين‭ ‬الخاص‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭. ‬إن‭ ‬الاكتشاف‭ ‬بأن‭ ‬الشيخوخة‭ – ‬التي‭ ‬اعتُقِد‭ ‬سابقا‭ ‬أنها‭ ‬معقدة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬مستعصية‭ ‬على‭ ‬الفهم،‭ ‬يمكن‭ ‬إبطاؤها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بتعديل‭ ‬جين‭ ‬واحد‭ – ‬قد‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬جعل‭ ‬علم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬موضوعا‭ ‬ساخنا؛‭ ‬واقترح‭ – ‬من‭ ‬بين‭ ‬جملة‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‭ – ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬تأخير‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬البشر‭ ‬بواسطة‭ ‬العقاقير‭. ‬وتعزّزت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬باكتشاف‭ ‬جينات‭ ‬شيخوخة‭ ‬متنوعة‭ ‬في‭ ‬الفئران،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬تكبح‭ ‬إشارات‭ ‬النمو‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬تلك‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬الخلايا‭ ‬بواسطة‭ ‬الإنسولين‭ ‬وهرمون‭ ‬قريب‭ ‬الصلة‭ ‬يسمى‭ ‬عامل‭ ‬النمو‭ ‬1‭ ‬شبيه‭ ‬الإنسولين‭ ‬Insulinlike growth factor 1‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬سجل‭ ‬فأر‭ ‬حامل‭ ‬لهذه‭ ‬الطفرة‭ ‬رقما‭ ‬قياسيا‭ ‬لطول‭ ‬العمر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬نوعه‭: ‬قرابة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬فبشكل‭ ‬عام‭ ‬تعيش‭ ‬فئران‭ ‬التجارب‭ ‬مدة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬شهرا‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬تَعتقد‭ ‬أن‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬وتقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬وجينات‭ ‬الشيخوخة‭ ‬قد‭ ‬ألهمت‭ ‬سباقا‭ ‬محموما‭ ‬لاختبار‭ ‬أثر‭ ‬الراباميسين‭ ‬في‭ ‬إطالة‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬الثدييات‭. ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬شيخوخة‭ ‬الثدييات‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يأخذوا‭ ‬الراباميسين‭ ‬محمل‭ ‬الجد‭ ‬فعليا‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬S‭. ‬أوستاد‭ -‬عالِم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬بارشوب‭ ‬لدراسات‭ ‬طول‭ ‬العمر‭ ‬والشيخوخة‭ ‬بمركز‭ ‬جامعة‭ ‬تكساس‭ ‬للعلوم‭ ‬الصحية‭ ‬بسان‭ ‬انطونيو‭. ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الراباميسين‭ ‬كان‭ ‬معروفا‭ ‬كمُثبِّط‭ ‬للمناعة‭ ‬Immunosuppressant،‭ ‬لذا‭ ‬شاع‭ ‬الافتراض‭ ‬بأن‭ ‬إعطاءه‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭ ‬سيكون‭ ‬ساما‭ ‬للثدييات‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فقد‭ ‬استنتج‭  ‬شارب‭ – ‬زميل‭ ‬من‭ ‬زملاء‭ ‬أوستاد‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬بارشوب‭ ‬لطول‭ ‬العمر‭ ‬ودراسات‭ ‬الشيخوخة‭ ‬Barshop Institute for Longevity and Aging Studies‭ ‬وهو‭ ‬ذو‭ ‬عقلية‭ ‬مستقلة‭- ‬خلاف‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬دراسة‭ ‬أبحاث‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2004‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬كبيرة‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬عمر‭ ‬الفئران‭ ‬التي‭ ‬أعطيت‭ ‬جرعات‭ ‬من‭ ‬الراباميسين‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة‭.‬

‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الأمر،‭ ‬بدت‭ ‬الدراسة‭ ‬الممولة‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬القومي‭ ‬للشيخوخة‭ ‬National Institute on Aging‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬تسير‭ ‬بشكل‭ ‬سيئ،‭ ‬إذ‭ ‬أخّرت‭ ‬مشكلةُ‭ ‬مزج‭ ‬تركيبة‭ ‬العقار‭ ‬في‭ ‬طعام‭ ‬الفئران‭ ‬البدء‭ ‬بتقديم‭ ‬الجرعات‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬عمر‭ ‬قوارض‭ ‬الدراسة‭ ‬20‭ ‬شهرا،‭ (‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬60‭ ‬سنة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البشر‭). ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬يقول‭ ‬أوستاد‭: ‬‮«‬لا‭ ‬أحد،‭ ‬وأعني‭ ‬فعلا‭ ‬لا‭ ‬أحد،‭ ‬توقّع‭ ‬نجاح‭ ‬التجربة‭ ‬حقا‮»‬‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬حتى‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬لا‭ ‬يطيل‭ – ‬بدرجة‭ ‬موثوق‭ ‬بها‭ – ‬مدى‭ ‬عمر‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحيوانات‭ ‬المسنة‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬قامت‭ ‬ثلاثة‭ ‬مختبرات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الشيخوخة‭ ‬مجتمعة‭ ‬بإجراء‭ ‬تلك‭ ‬الدراسة‭ ‬–‭  ‬سترونغ‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬بارشوب،‭ ‬وهاريسون‭ ‬من‭ ‬مختبر‭ ‬جاكسون،‭ ‬وميلر‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ميتشغان،‭ ‬آن‭ ‬آربر‭ – ‬وصنعوا‭ ‬التاريخ‭ ‬بنشرهم‭ ‬تقريرا‭ ‬بأن‭ ‬العقار‭ ‬قد‭ ‬رفع‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع‭ ‬Life expectancy‭ ‬بنسبة‭ ‬مذهلة‭ ‬قدرها‭ ‬28‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬ذكور‭ ‬القوارض‭ ‬المسنة‭ ‬و38‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬الإناث‭ ‬مقارنة‭ ‬بالحيوانات‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬التحكم Control animals‭. ‬وارتفع‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬بنسبة‭ ‬14‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬الإناث‭ ‬و9‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬الذكور‭.‬

‭ ‬وسريعا‭ ‬تبعت‭ ‬تلك‭ ‬النتائج‭ ‬المثيرة‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ ‬نتائج‭ ‬أخرى‭ ‬توضّح‭ ‬أهمية‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬في‭ ‬الشيخوخة‭. ‬فذكر‭ ‬باحثون‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬جامعة‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬لهم‭ ‬بأن‭ ‬تعطيل‭ ‬جين‭ ‬يسمى‭ ‬S6k1،‭ ‬الذي‭ ‬يُسهل‭ ‬تحكم‭ ‬الإنزيم mTOR‭ ‬في‭ ‬تصنيع‭ ‬البروتين‭ ‬–‭ ‬يجعل‭ ‬إناث‭ ‬الفئران‭ ‬مقاومة‭ ‬للأمراض‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسن‭ ‬ويطيل‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬لعمرها‭. (‬ولسبب‭ ‬غامض‭ ‬أظهرت‭ ‬الذكور‭ ‬استفادة‭ ‬ضئيلة‭). ‬كذلك‭ ‬ذكرت‭ ‬تقارير‭ ‬المختبرات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬اختبرت‭ ‬تأثير‭ ‬الراباميسين‭ ‬في‭ ‬الفئران‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬أن‭ ‬البدء‭ ‬بإعطاء‭ ‬جرعات‭ ‬لقوارض‭ ‬بعمر‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬أطال‭ ‬عمرها‭ ‬بنحو‭ ‬المقدار‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬أطاله‭ ‬البدء‭ ‬بإعطاء‭ ‬هذه‭ ‬الجرعات‭ ‬عند‭ ‬عمر‭ ‬20‭ ‬شهرا،‭ ‬مما‭ ‬يقترح‭ ‬بأن‭ ‬الراباميسين‭ ‬يصبح‭ ‬ذا‭ ‬فائدة‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬العمر،‭ ‬ربما‭ ‬لأنها‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ ‬معظم‭ ‬التدهور‭ ‬الذي‭ ‬يقاومه‭ ‬العقار‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬تثبيط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬يطيل‭ ‬أعمار‭ ‬عدة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الأحياء‭ ‬تبرز‭ ‬الآن‭ ‬كمنارة‭ ‬في‭ ‬غموض‭ ‬المعلومات‭ ‬الجزيئية‭ ‬الذي‭ ‬يحيط‭ ‬بالشيخوخة‭.‬‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأهمية‭ ‬لا‭ ‬تعني،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬السبل‭ ‬الأخرى‭ ‬غير‭ ‬مهمة‭ ‬لطول‭ ‬العمر‭. ‬ففي‭ ‬الواقع،‭ ‬يتزايد‭ ‬تصوير‭ ‬علماء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬للمسارات‭ ‬التي‭ ‬يؤثر‭ ‬فيها‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬متعددة‭ ‬الجوانب‭ ‬ومعقدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحرَّض‭ ‬بطرق‭ ‬عديدة‭ ‬لتعزيز‭ ‬شيخوخة‭ ‬صحية‭. ‬وتتضمن‭ ‬مكونات‭ ‬الشبكة‭ ‬الإنزيمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالإنسولين‭ ‬وبروتينات‭ ‬تسمى‭ ‬FoxOs‭ ‬التي‭ ‬تنشِّط‭ ‬استجابة‭ ‬الخلايا‭ ‬للعوامل‭ ‬المجهِدة‭. ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬دليل‭ ‬مهم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السيرتوينات‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬فوائد‭ ‬مثل‭ ‬فوائد‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬في‭ ‬الثدييات؛‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تثبيط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬يبدو‭ ‬وكأن‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬هو‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بوحدة‭ ‬المعالجة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬الشبكة،‭ ‬فيدمج‭ ‬مدخلات‭ ‬مختلفة‭ ‬لضبط‭ ‬معدّل‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬البشر‭ ‬أيضا‭.‬

لغز‭ ‬يُحل

‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬أفضل‭ ‬للكيفية‭ ‬التي‭ ‬يطيل‭ ‬بها‭ ‬تثبيط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬وتقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬الأنواع،‭ ‬وجد‭ ‬الباحثون‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬لغز‭ ‬قديم‭: ‬لماذا‭ ‬تتطور‭ ‬أي‭ ‬آلية‭ ‬لتأخير‭ ‬الشيخوخة؟

حيّر‭ ‬الموضوع‭ ‬علماء‭ ‬الحياة‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬التطور،‭ ‬لأن‭ ‬الانتخاب‭ (‬الانتقاء‭) ‬الطبيعي‭ ‬Natural selection‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬تكاثر‭ ‬ناجح،‭ ‬وليس‭ ‬ليمكِّن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ (‬المتعضيات‭) ‬Organisms‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬لوقت‭ ‬إضافي‭ ‬بلعبة‭ ‬الحياة‭ ‬والبقاء‭ ‬مفعمة‭ ‬بالحياة‭ ‬في‭ ‬أعمار‭ ‬يكون‭ ‬أفراد‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬قد‭ ‬أُبيدوا‭ ‬بفعل‭ ‬الحيوانات‭ ‬المفترسة‭ ‬أو‭ ‬العدوى‭ ‬أوالحوادث‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه‭. ‬وبسبب‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬البقاء‭ ‬للخطر،‭ ‬جهّز‭ ‬التطور‭ – ‬بشكل‭ ‬فعال‭ – ‬المخلوقات‭ ‬لكي‭ ‬تحيا‭ ‬مدة‭ ‬كافية‭ ‬للتكاثر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬البيئة‭ ‬فعلها‭ ‬بها؛‭ ‬ومع‭ ‬تناقص‭ ‬احتمالات‭ ‬استمرار‭ ‬بقائها،‭ ‬فإنها‭ ‬تتدهور‭ ‬كالمنازل‭ ‬المهجورة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬يؤخر‭ ‬التدهور‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬المراحل‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬متباينة‭ ‬جدا،‭ ‬مما‭ ‬يشير‭ ‬ضمنيا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يحفِّز‭ ‬آلية‭ ‬قديمة‭ – ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬محفوظة‭ – ‬شكَّلها‭ ‬الانتقاء‭ ‬الطبيعي‭ ‬لتبطئ‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الظروف‭.‬

ويذهب‭ ‬أحد‭ ‬حلول‭ ‬هذا‭ ‬اللغز‭ ‬الذي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يشار‭ ‬إليه،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬ينبِّه‭ ‬استجابة‭ ‬تطورية‭ ‬للجوع‭ ‬تكبح‭ ‬تقدّم‭ ‬المتعضي‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬القحط‭ ‬ليتمكن‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬وقتا‭ ‬كافيا‭ ‬للتكاثر‭ ‬عندما‭ ‬تتحسن‭ ‬الأحوال‭. ‬أما‭ ‬النقاد‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬أوستاد‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬بارشوب،‭ ‬فيردون‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬النظم‭ ‬الغذائية‭ ‬المنخفضة‭ ‬الكالوريات‭ ‬تجعل‭ ‬الحيوانات‭ ‬في‭ ‬البرية‭ ‬تعيش‭ ‬أطول،‭ ‬فقد‭ ‬لوحظ‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬يطيل‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬حيوانات‭ ‬التجارب‭ ‬المدللة‭. ‬أما‭ ‬حيوانات‭ ‬البرية‭ ‬النحيفة‭ ‬بالفعل‭ ‬والمنهكة‭ ‬بفعل‭ ‬الجوع‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬لديها‭ ‬فرصة‭ ‬ضئيلة‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬كافية‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬الجينات‭ ‬التي‭ ‬تبطئ‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬وللتمكن‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬الجينات،‭ ‬مما‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تطور‭ ‬استجابة‭ ‬الجوع‭.‬

‭ ‬ويعتقد‭ ‬بعض‭ ‬علماء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬بحل‭ ‬آخر‭ ‬للمعضلة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬منطقية‭: ‬إن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬يطيل‭ ‬العمر‭ ‬كتأثير‭ ‬جانبي‭ ‬جانبي‭ ‬لاستجابات‭ ‬تطورت‭ ‬لأغراض‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالشيخوخة‭. ‬فمثلا‭ ‬يقدم‭ ‬أوستاد‭ ‬فرضية‭ ‬تقول‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬القحط‭ ‬تتشعب‭ ‬الحيوانات‭ ‬وتأكل‭ ‬أطعمة‭ ‬غير‭ ‬مألوفة،‭ ‬فتُعرض‭ ‬نفسها‭ ‬لمواد‭ ‬سامة‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬غذائها‭ ‬التقليدي‭. ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬الشاق‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬قد‭ ‬يُطور‭ ‬ميلا‭ ‬إلى‭ ‬تحفيز‭ ‬الدفاعات‭ ‬الداخلية‭ ‬ضد‭ ‬السموم‭ ‬عندما‭ ‬يشتد‭ ‬الجوع،‭ ‬فتنشَّط‭ ‬الاستجابة‭ ‬الخلوية‭ ‬للإجهاد‭ ‬Cellular stress response‭ ‬ولعمليات‭ ‬الإصلاح‭ ‬المصاحبة‭ ‬لها،‭ ‬وبذلك‭ ‬ودونما‭ ‬قصد‭ ‬تتأخر‭ ‬الشيخوخة‭.‬

‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬استغلّ‭  ‬بلاغوسكلوني‭ -‬الباحث‭ ‬في‭ ‬السرطان‭ ‬بمعهد‭ ‬روزويل‭ ‬بارك‭ ‬للسرطان‭ ‬Roswell Park Cancer Institute‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬نيويورك‭- ‬الاكتشافات‭ ‬حول‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬ليقترح‭ ‬نظرية‭ ‬أخرى‭ ‬تشرح‭ ‬التأثير‭ ‬السحري‭ ‬لتقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نتج‭ ‬مصادفة‭. ‬وهذا‭ ‬المواطن‭ ‬الروسي،‭ ‬الذي‭ ‬تنوعت‭ ‬أبحاثه‭ ‬في‭ ‬السرطان‭ ‬وبيولوجيا‭ ‬الخلية،‭ ‬استوحى‭ ‬نظريته‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭: ‬إن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النمو،‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬الجوهر‭ ‬الأساسي‭ ‬للشباب،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تقودنا‭ ‬نحو‭ ‬القبر‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الحياة‭. ‬فيفترض‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬أن‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬يطيل‭ ‬العمر‭ ‬بالتحكم‭ ‬في‭ ‬التأثيرات‭ ‬العكسية‭ ‬للمراحل‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬النمو،‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬المسارات‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭.‬‬

وتقول‭ ‬نظرية‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬إن‭ ‬البروتين‭ ‬TOR،‭ ‬الضروري‭ ‬للنمو‭ ‬والتكاثر،‭ ‬يصبح‭ ‬هو‭ ‬محرك‭ ‬الشيخوخة‭ ‬بعد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬النضج‭. ‬وتحرض‭ ‬إشارات‭ ‬النمو‭ ‬الصادرة‭ ‬عنه‭ ‬تكاثر‭ ‬خلايا‭ ‬العضلات‭ ‬الملساء‭ ‬في‭ ‬جدران‭ ‬الشرايين‭ (‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تصلب‭ ‬الشرايين‭ ‬Atherosclerosis‭)‬،‭ ‬وتراكم‭ ‬الدهون‭ (‬الذي‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تحفيز‭ ‬الالتهابات‭ ‬في‭ ‬الجسم‭ ‬ككل‭)‬،‭ ‬وتطور‭ ‬المقاومة‭ ‬للإنسولين‭ ‬Insulin resistance،‭ ‬وتكاثر‭ ‬الخلايا‭ ‬المسماة‭ ‬بناقضات‭ ‬العظم‭ ‬Osteoclasts‭ ‬التي‭ ‬تنخر‭ ‬العظام،‭ ‬ونمو‭ ‬الأورام‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬ومع‭ ‬تراجع‭ ‬البلعمة‭ ‬الذاتية،‭ ‬يدعم‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬بناء‭ ‬البروتينات‭ ‬القابلة‭ ‬للتكتل‭ ‬Aggregation-prone proteins‭ ‬وعضيات‭ ‬المتقدرات‭ ‬المعطوبة‭ ‬وظيفيا،‭ ‬والتي‭ ‬تنفث‭ ‬جذورا‭ ‬حرة‭ ‬Free radicals‭ ‬تتلف‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬DNA‭ ‬وتضر‭ ‬بعمليات‭ ‬الأيض‭ ‬المنتجة‭ ‬للطاقة‭ ‬في‭ ‬الخلايا‭. ‬كما‭ ‬يسهم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬تراكم‭ ‬البروتينات‭ ‬المقاومة‭ ‬لضمور‭ ‬العصبونات،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬تؤدي‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬داء‭ ‬آلزايمر‭ ‬وفي‭ ‬أشكال‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬تنكّس‭ ‬الأعصاب‭. ‬وبيّن‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العمر‭ ‬تستطيع‭ ‬إشارات‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬قدح‭ ‬هرم‭ ‬الخلية‭ ‬أيضا،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬تشبه‭ ‬ليلة‭ ‬الميت‭ ‬الحي‭ ‬Night of the living dead،‭ ‬حيث‭ ‬تدمّر‭ ‬فيها‭ ‬الخلايا‭ ‬القريبة‭ ‬وتقوض‭ ‬قدرة‭ ‬الأنسجة‭ ‬على‭ ‬التجدد‭.‬

‭ ‬ويجادل‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬لم‭ ‬ينشئ‭ ‬آلية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إبطاء‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تأثيرت‭ ‬إطالة‭ ‬الحياة‭ ‬للراباميسين،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات،‭ ‬أو‭ ‬بفعل‭ ‬الطفرات‭ ‬الجينية‭ ‬التي‭ ‬تثبّط‭ ‬الهرمونات‭ ‬المحفزّة‭ ‬للنمو‭ ‬Progrowth hormones،‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬مصادفات‭ ‬من‭ ‬صدف‭ ‬الطبيعة‭ – ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬فيما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬“النمو‭ ‬الملتوي”‭ ‬Twisted growth‭ ‬للتقدم‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬وتجعله‭ ‬يقوم‭ ‬بعمله‭ ‬ببطء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭. ‬وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬يعمل‭ ‬مسار‭ ‬البروتين TOR‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬كبرنامج‭ ‬للشيخوخة‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تشكّل‭ ‬لدعم‭ ‬عمليات‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬المبكرة‭.‬‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬جديدة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬العناصر‭ ‬الرئيسية‭ ‬الملهمة‭ ‬كانت‭ ‬فرضية‭ ‬رصينة‭ ‬اقترِحت‭ ‬عام‭ ‬1957‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الراحل‭  ‬ويليامز‭ ‬اختصاصي‭ ‬علم‭ ‬الحياة‭ ‬التطوري‭. ‬فقد‭ ‬وضع‭ ‬فرضية‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الشيخوخة‭ ‬تحدث‭ ‬بفعل‭ ‬جينات‭ ‬ذات‭ ‬وجهين‭ ‬تكون‭ ‬مفيدة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحياة‭ ‬ولكن‭ ‬ضارة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬رجّح‭ ‬التطور‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الجينات‭ (‬متعددة‭ ‬المظهر‭ ‬والعدائية‭) ‬لأن‭ – ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬ويليامز‭ – ‬الانتخاب‭ ‬الطبيعي‭: ‬‮«‬يتحيز‭ ‬لصالح‭ ‬الشباب‭ ‬ضد‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬ينشأ‭ ‬فيها‭ ‬صراع‭ ‬مصالح‮»‬‭. ‬وينظر‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬إلى‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬كمثال‭ ‬جوهري‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الجينات‭.‬

وكمثل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النظريات‭ ‬الجديدة،‭ ‬فإن‭ ‬نظرية‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬نظرية‭ ‬خلافية‭. ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬أنها‭ ‬تمنح‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬وزنا‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬ينبغي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتقد‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬وجوها‭ ‬أخرى‭ ‬للبروتين‭ ‬TOR‭ – ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬تحفيز‭ ‬النمو‭ – ‬هي‭ ‬الوجوه‭ ‬الجوهرية؛‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬ينظر‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تثبيط‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬لعملية‭ ‬البلعمة‭ ‬الذاتية‭ – ‬التي‭ ‬تجدد‭ ‬مكونات‭ ‬الخلايا‭ – ‬على‭ ‬أنه‭ ‬التأثير‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الشيخوخة‭. ‬ولكن‭ ‬مازال‭ ‬بعض‭ ‬خبراء‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬النظرية‭ ‬معقولة،‭ ‬ويرجِع‭ ‬هال‭ -‬من‭ ‬بازل‭- ‬الفضل‭ ‬إلى‭ ‬بلاغوسكلوني‭ ‬‮«‬لأنه‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬نقاط‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬الآخرون‮»‬،‭ ‬وأضاف‭: ‬‮«‬وأنا‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأنه‭ ‬محق‭.‬‮»‬

البروتين‭ ‬TOR‭ ‬ومستقبل‭ ‬الطب

إذا‭ ‬كان‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬دافعا‭ ‬رئيسيا‭ ‬للشيخوخة،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬خيارات‭ ‬نزع‭ ‬أنيابه؟‭ ‬قد‭ ‬تمنع‭ ‬الآثار‭ ‬الجانبية‭ ‬للراباميسين‭ ‬ترشيحه‭ ‬كعقار‭ ‬مضاد‭ ‬للشيخوخة‭ ‬في‭ ‬البشر،‭ ‬فبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أمور‭ ‬أخرى،‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬نسبة‭ ‬الكوليسترول‭ ‬في‭ ‬الدم‭ ‬ويسبب‭ ‬فقر‭ ‬الدم‭ ‬ويعوق‭ ‬التئام‭ ‬الجروح‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬عقار‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬الميتفورمين‭ ‬Metformin‭ ‬البديل،‭ ‬مع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاختبارات‭ ‬لتقييم‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭. ‬فالميتفورمين‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬الأدوية‭ ‬الموصوفة‭ ‬لعلاج‭ ‬داء‭ ‬السكري‭ ‬شيوعا‭ ‬–‭ ‬يتناوله‭ ‬الملايين‭ ‬لخفض‭ ‬غلوكوز‭ ‬الدم‭ ‬بأمان‭ ‬ولفترات‭ ‬طويلة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬آلية‭ ‬تأثيره‭ ‬غير‭ ‬مفهومة‭ ‬بشكل‭ ‬جيد،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المعروف‭ ‬أنه‭ ‬يثبط‭ ‬مسار‭ ‬البروتين‭ ‬TOR‭ ‬وينشط‭ ‬إنزيما‭ ‬آخر‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالشيخوخة‭ ‬يسمى‭ ‬الإنزيم‭ ‬AMPK،‭ ‬والذي‭ ‬يحفز‭ ‬كذلك‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬فيعزز‭ ‬بذلك‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الخلايا‭ ‬للإجهاد‭. ‬وقد‭ ‬تبين‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الميتفورمين‭ ‬يحاكي‭ ‬تأثير‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬نشاط‭ ‬الجين‭ ‬في‭ ‬الفئران،‭ ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدلائل‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يطيل‭ ‬المدى‭ ‬الأقصى‭ ‬للعمر‭ ‬في‭ ‬القوارض‭. ‬ومازلنا‭ ‬نبعد‭ ‬سنوات‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بإمكان‭ ‬الميتفورمين‭ ‬أن‭ ‬يحاكي‭ ‬تقييد‭ ‬الكالوريات‭ ‬في‭ ‬البشر،‭ ‬ولكن‭ ‬تجرى‭ ‬حاليا‭ ‬اختبارات‭ ‬صارمة‭ ‬حول‭ ‬قابليته‭ ‬لإطالة‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬الفئران‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬تعزيز‭ ‬إطالة‭ ‬عمر‭ ‬الإنسان‭ ‬بقدر‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬تأثير‭ ‬الراباميسين‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬عمر‭ ‬الفئران‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭ ‬من‭ ‬5‭ ‬إلى‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬عمر‭ ‬الإنسان‭. ‬وسيكون‭ ‬هذا‭ ‬تحسنا‭ ‬هائلا‭. ‬وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ارتفع‭ ‬مدى‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬المتقدمة‭ ‬كثيرا‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وعندما‭ ‬يتصل‭ ‬الأمر‭ ‬بموضوع‭ ‬الشيخوخة‭ ‬نكون‭ ‬مثل‭ ‬الرياضيين‭ ‬الأولمبيين‭ ‬الذين‭ ‬يحاولون‭ ‬باستمرار‭ ‬تحسين‭ ‬أرقامهم‭ ‬القياسية‭ ‬بمكاسب‭ ‬صغيرة‭ ‬–‭ ‬لقد‭ ‬ارتفع‭ ‬معدل‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وارتفع‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أقل‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬2‭ ‬في‭ ‬المئة‭.‬

‭ ‬وبما‭ ‬أننا‭ ‬خفّضنا‭ ‬معدل‭ ‬الوفيات‭ ‬المبكرة‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬حد‭ ‬ممكن‭ ‬تقريبا،‭ ‬فإن‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬معدل‭ ‬الحياة‭ ‬المتوقعة‭ ‬ستتطلب‭ – ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ – ‬صد‭ ‬أمراض‭ ‬الشيخوخة‭. ‬والتزايد‭ ‬المطّرد‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬طب‭ ‬الشيخوخة‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬طلب‭ ‬باهظ‭ ‬الثمن‭. ‬ولكن‭ ‬العقاقير‭ ‬التي‭ ‬تبطىء‭ ‬الشيخوخة‭ ‬قد‭ ‬تتدبر‭ ‬الأمر‭ ‬بنفقات‭ ‬معقولة‭. ‬وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ستعمل‭ ‬كأدوية‭ ‬وقائية‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تؤجل‭ ‬أو‭ ‬تؤخر‭ ‬أمراض‭ ‬المراحل‭ ‬المتقدمة‭ ‬من‭ ‬أعمارنا‭ – ‬مثل‭ ‬فقدان‭ ‬الذاكرة‭ ‬وهشاشة‭ ‬العظام‭ ‬وعتامة‭ ‬عدسة‭ ‬العين‭ ‬والسرطان‭ ‬وفقدان‭ ‬كتلة‭ ‬العضلات‭ ‬وقوتها‭ ‬والصمم‭ ‬وحتى‭ ‬التجاعيد‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬الأدوية‭ ‬التي‭ ‬تخفض‭ ‬الكوليسترول‭ ‬وضغط‭ ‬الدم‭ ‬التي‭ ‬تساعدنا‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الذبحات‭ ‬القلبية‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر‭. ‬وسوف‭ ‬تضمن‭ ‬لنا‭ ‬هذه‭ ‬الأدوية‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬نكون‭ ‬فيها‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬مفعمين‭ ‬بالحياة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نضعف‭ ‬ونموت‭.‬

‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العقاقير‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬سهلا‭. ‬وأحد‭ ‬العوائق‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬طريقة‭ ‬موثوقة‭ ‬لقياس‭ ‬معدل‭ ‬الشيخوخة‭ ‬في‭ ‬البشر،‭ ‬فوجود‭ ‬مقياس‭ ‬جيد‭ ‬سيمكّن‭ ‬الباحثين‭ ‬من‭ ‬اختبار‭ ‬الفعالية‭ ‬دونما‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬تجارب‭ ‬طويلة‭ ‬يتعذر‭ ‬القيام‭ ‬بها‭. ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬إيجاد‭ ‬أدوية‭ ‬آمنة‭ ‬مضادة‭ ‬للشيخوخة‭ ‬يستحق‭ ‬بذل‭ ‬كل‭ ‬جهد،‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬لمجرد‭ ‬تعزيز‭ ‬شيخوخة‭ ‬صحية‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬إطالة‭ ‬العمر‭. ‬فمن‭ ‬كان‭ ‬يظنّ‭ ‬أن‭ ‬قارورة‭ ‬تحوي‭ ‬رملا‭ ‬غُرفت‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭ ‬تقريبا‭ ‬قد‭ ‬يغدو‭ ‬يوما‭ ‬تربة‭ ‬خصبة‭ ‬لأبحاث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬حياة‭ ‬جيدة؟

للمزيد‭:‬

TOR Signaling in Growth and Metabolism. Stephan Wullschleger et al. in Cell, Vol. 124, No. 3, pages 471-484; February 10, 2006. www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/16469695

Growth and Aging: A Common Molecular Mechanism. Mikhail V. Blagosklonny and Michael N. Hall in Aging, Vol. 1, No. 4, pages 357-362; April 20, 2009. www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/20157523

Rapamycin Fed Late in Life Extends Lifespan in Genetically Heterogeneous Mice. David E. Harrison et al. in Nature, Vol. 460, pages 392-395; July 16, 2009.

Aging and TOR: interwoven in the Fabric of Life. Zelton Dave Sharp in Cellular and Molecular Life Sciences, Vol. 68, No. 4, pages 587-597; Febmary 2011. www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/20960025

 

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى