علم النفس

رورشاخ وبقعه الحبرية: الشخص والاختبار والجدل

بقلم: داميون سيرلز
ترجمة: ريم العلي

عندما استخدم الطبيب النفسي هيرمان رورشاخ بقع الحبر ليفتح أبواب عقول مرضاه، فتح الوقت نفسه نوافذ لمشكلات عدة

في نورمبورغ، 1945. لقي هتلر وهيملر وغوبلز حتفهم، لكن كان نحو 24 زعيما آخر من زعماء النازية ينتظرون المحاكمة لجرائم ارتكبوها بحق البشرية. وكان الاعتقال الأشهر هو لمؤسس الغيستابو (الشرطة السرية الألمانية) ومعسكرات الموت والذي يعتبر اليد اليمنى لهتلر: هيرمان غورينغ Hermann Göring.

بينما كانوا ينتظرون قام الاختصاصي النفسي في السجن غوستاف غيلبرت Gustave Gilbert بإجراء الاختبارات النفسية، مصمما على أن يحل لغز “العقل النازي” Nazi mind. تجاوب معظم السجناء، وكأنهم تلاميذ شديدو التباهي ومتحمسون لهزيمة أقرانهم. وكان أداؤهم جيدا في اختبارات الذكاء IQ، لكن لتقييم شخصياتهم كانت هناك تقنية أخرى، تقنية كتب عنها الطبيب النفسي التابع للسجن دوغلاس كيلي Douglas Kelley كتابا. فقد طبَّق كيلي وغيلبرت اختبار رورشارخ Hermann Rorschach على 19 من سجناء نورمبورغ. إذ اخترع هيرمان رورشاخ -هو طبيب نفسي يعمل وحده في مصح سويسري منعزل- نظامَ بقع الحبر في عام 1917، ونشره في عام 1921. فقد كان رورشاخ من أتباع فرويد، حتى وإن لم يكن متشددا أو دوغمائيا قطّ. قال لزميله مرة مازحا: “قريبا في فيينا، سيقومون بتفسير دوران الأرض عن طريق التحليل النفسي.” كما تتلمذ على يد كارل يونغ Carl Jung في زيورخ، حيث قام يونغ بتطوير الاختبار العملي الأول للعقل الباطن: ترابط الكلمات Word association.

كان رورشاخ فنانا طيلة حياته. واشتهر في المدرسة بمهارات الرسم، وعلى ذلك كان يلقب بـ “كليكس” Klex، وتعني بالألمانية بقعة الحبر. كان رورشاخ بصريا، بينما كان فرويد مختصا بالكلمات. وبُني التحليل النفسي Psychoanalysis على علاج التحدث Talking cure، وزلات اللسان Slips of the tongue، وما نقوله أو لا نقوله، ولكن رورشاخ ظَنّ أن التركيز على كيفية الرؤية يكشف أكثر من مجرد التركيز على ما نراه.

واختار رورشاخ بعد المراجعات الدقيقة عشر بقع حبر للاختبار. وتستخدم البقع ذاتها في يومنا هذا، بعد مرور مئة عام. إنها ليست لطخات حبر عشوائية، لكنها تحمل تركيبا معينا وصفات بصرية تتخطى مجرد كونها لغزا غامضا. فعلى سبيل المثال، تعتبر البقعة كتحدٍ من ناحية رؤيتها كصورة واحدة متكاملة، فبينما يستطيع البعض تمييز الصورة بشكل كُليّ، يركز الآخرون على تفاصيل دقيقة. وهل ترى حركة وحياة، أو ترى أشكالا باردة جامدة فقط؟ هناك بقعة واحدة يتفق الجميع تقريبا على أنها تشبه الخفاش أو حشرة العتة، هل توافق على ذلك؟

وأعطى رورشاخ علامات أو درجات مبنية على تكرار ما يطلق عليه استجابات “الشكل العام” و“التفاصيل” و“الحركة” وغيرها. وتستطيع أن تحسب النِّسب بين هذه الدرجات وتقتفي أثر الأنماط. وتُستخرج نتائج الاختبار من هذه الحسابات. وأطلق رورشاخ في الأصل على بقع الحبر تجربة الإدراك Perception experiment، وليس اختبارا، إذ إنها ببساطة تستكشف كيف يعالج الأفراد المعلومات البصرية. وأدرك لاحقا أن أنواعا مختلفة من الناس ترى البقع بطرق مختلفة.

شخصية نازية

في القعود اللاحقة لموته المبكر في عام 1922، في عمر السابعة والثلاثين بسبب التهاب الزائدة الدودية، ضعف صيت اختبار رورشاخ في سويسرا وألمانيا. لكن الأطباء الممارسين في الولايات المتحدة دفعوه إلى الشهرة. ولذلك وفي عام 1945 وجد كل من الأمريكيّين كيلي وغيلبرت فرصة ذهبية لتجربته على النازيين البارزين.

في النهاية، لم يعتبر اختبار رورشاخ ناحجا في نورمبورغ لأنه لم يحدد “الشخصية النازية”. وعلى الرغم من أنه نجح في العثور على عوامل مشتركة مثل قلة الاستبطان Introspection، إلا أن النازيين أظهروا مدى الاختلافات نفسها من الذهان Psychotic إلى الفرد المتكيف، كما هي الحال في أي مجموعة أخرى من الأفراد. وكانت هذه النتيجة غير مقبولة من قبل الاختصاصيين النفسيين وعامة الجمهور – طبعا الوحوش وحدها قادرة على القيام بما قام به النازيون – لذا نُبِذت النتائج لعقود عدة. وفي هذه الأثناء، وفي منتصف قرن ذروة تحليل فرويد النفسي، أصبح اختبار رورشاخ الاختبار الأساس كما لو كان أشعة سينية للعقل الباطن. واستخدم بأسوأ صورة يمكن تخيلها، ولم يكن المتوقع منه أن يكشف عن المرض النفسي فقط أو عن الشخصية ولكن كان المتوقع أن يقرأ الأفكار كذلك. إذا كانت الإجابات على بقع الحبر متعلقة بالموت وكثيرة ومتكررة (ويطلق على هذه البطاقة بطاقة الانتحار) فستغدو مرشحا مثاليا للمعالجة بالتخليج الكهربائي Electroshock therapy.

ولو كان رورشاخ على قيد الحياة آنذاك، لأصابه الهلع من استخدام نتائج اختبار بقع الحبر لتطبيق علاجات متطرفة كهذه. فقبل فترة وجيزة من وفاته أرسل رسالة إلى أحد زملائه يعرب فيها عن حماسه لاستخدام الاختبار لقياس الإمكانيات الأكاديمية: “عندما أتخيل شابا يافعا ربما حلم بالذهاب إلى الجامعة منذ صغره، وقد يُمنع من ذلك بسبب فشله في هذه التجربة، فمن الطبيعي أن أشعر بالاختناق.”

توقع رورشاخ الكثير من الاعتراضات على اختباره، وخاصة النزاع المحتمل بين النتائج العددية وآراء الطبيب غير الموضوعية تجاه مرضاه. هذه “المعضلة تظهر للأسف عادة في الاختبار،” كما أعرب رورشاخ. لكنه أخذ ناحية الموضوعية العلمية: “توضح جميع أعمالي أن وضع الأمور في إطار نظام عام Systematisation أفضل من التفاسير العشوائية.” لكن العديد من أطباء النفس فضّلوا تفسيراتهم الخاصة، ولذلك استولى التجسيد الفرويدي على اختبار رورشاخ على انتباه العالم، إذ تسلل إلى فئة الأفلام نوار Film noir [أفلام الجريمة والدراما] وإلى الإعلانات والثقافة الجماهيرية. وفي النهاية، واجهت هذه النسخة عدة انتقادات مبررة. وفي أواخر ستينات القرن الماضي لم يعد الاختبار -ومعه فرويد- محبّذا. فلم تتعافَ شهرته في المملكة المتحدة وغيرها. ولكن في الولايات المتحدة أُعيد اختراع الاختبار في سبعينات القرن الماضي مع التركيز المتجدد على النتائج العددية. منذ البداية كان الاختبار أن يكون علما، وليس فنا. كان من أولويات رورشاخ أن تُسجَّل النقاط بشكل موضوعي. وعلى الرغم من أنه في البداية سجَّل الإجابات بقيمة “+” أو “-” كونها أوصافا جيدة أو سيئة للبطاقة، إلا أنه جمع بيانات هائلة بأسرع وقت ممكن ثم توجّه إلى تقييم الإجابات كشائعة أو غير شائعة، بغض النظر عن رأيه غير الموضوعي.تلال البيانات التي جُمِعت وحُلِّلت منذ اختراع الاختبار سمحت بتأسيس الأنماط الإحصائية. وبعدما ابتكر عالم النفس جون إكسنر John Exner “النظام الشامل” Comprehensive System للتسجيل أو التصحيح في عام 1974، أظهر الاختبار نتائج أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، مع جميع أنواع العتبات العددية قابلة للقياس. وهذه النتائج يمكن أن تُحَوّل إلى تشخيصات أو تقييمات أخرى تضاف إلى كتب الطب النفسي في الولايات المتحدة: الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders. وقد ظل موضوع ما إذا كانت مثل هذا الخرائط موثوقا بها موضوعا مثيرا للجدل لعقد من الزمن، وهو موضوع لكم كبير من الأبحاث. هل يكون اختبار رورشاخ وحتى بأشكاله الحديثة مجرد عذر للطبيب النفسي لكي يستنتج ما يحلو له؟ بالنسبة إلى تحليل تلوي Meta-analysis ضخم نُشر في عام 2013 في مجلة النشرة النفسية Psychological Bulletin فإن الجواب هو بالنفي. فوفقا لهذه الدراسة، يتفق حتى أشد نقاد الاختبار على أن قدرته على تحديد اضطرابات الأفكار الذهانية والتمييز ما بينها هي قدرة مدعومة علميا. أما نظام درجات إكسنر الذي وُجد أنه لا يرقى إلى المعايير العلمية للصحة والمصداقية، فقد أهمل من النظام، مما ترك الباقي على أساس ثابت وموثوق به. استخدمت بقع الحبر بشتى الطرق خلال المئة سنة التي انقضت منذ أن نشرها رورشاخ، لذا يبدو من الصعب تحديدها كما يصعب تحديد الطبيعة البشرية بحد ذاتها. وكما هي الحال مع أي أداة قياس هناك مجال لإساءة الاستخدام. فشل غيلبرت في الانتباه إلى ما أخبرته بقع الحبر في نورمبورغ، واستمر بالاعتقاد بوجود “الشخصية النازية”: في عام 1963 بنشر مقالة بعنوان مثير “The mentality of SS murderous robots” (عقلية الروبوتات القاتلة التابعة لوحدات إس إس). لكن لم يجد كيلي – الأكثر خبرة برورشاخ- ما هو خارج عن المألوف، ببساطة عدم تميّز الشر. ليس هناك اختبار يستطيع تحليل الطريقة المعقدة التي يرى الأفراد من خلالها العالم، وهذا التعقيد سيوّلد الخلاف والجدل لا محالة.

ولا يسعنا إلا أن نتساءل عن رأي رورشاخ لو كان موجودا اليوم.

داميون سيرلز Damion Searls كاتب ومترجم مقيم في مدينة نيويورك. كتابه الجديد هو “بقع الحبر”: هيرمان رورشاخ، واختباره الأيقوني، وقوة رؤية The Inkblots: Hermann Rorschach, his iconic test, and the power of seeing (منشورات: سيمون وشوستر).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق