رياضياتفلسفةفلسفة العلوم

اختراعنا الأعظم: من أين تأتي الرياضيات وما فائدتها؟

بقلم: أنيل أنانثاسوامي Anil Ananthaswamy
ترجمة: عبدالوهاب أحمد الحجي

تُعيننا الرياضيات على استيعاب التعقيد المذهل للكون، ولكن هل نولَد ولدينا القدرة على الحساب، أم هل اخترعناها؟

بالنسبة إلى عالمة الرياضيات الإيرانية مريم ميرزاخاني – أول امرأة تفوز بجائزة فيلدز- فإن الرياضيات غالبا ما تعطيها إحساس «الضياع في غابة ومحاولة استخدام كل المعرفة التي تجدها لاستحداث بعض الحيل الجديدة.»

«وبقليل من الحظ،» أضافت، «قد تجد طريقاً للهروب.»

ميرزاخاني، التي توفيت في 14 يوليو عن عمر ناهز الأربعين عاماً، توغلت في غابة الرياضيات بشكل أعمق من أغلب الناس. ولكن بغض النظر، فإن أغلبنا قد قضى وقتاً كافياً على حدود الغابة ليخمن شكل تضاريسها.

وعلى نحو متزايد، يبدو أن الإنسان هو الحيوان الوحيد ذو القدرة المعرفية لشق طريقَه نحو الأشجار المتشابكة لهذه الغابة. ولكن من أين تأتي هذه القدرة؟ لماذا طورناها؟ وما فائدتها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب التعمق في إحدى أكثر المناظرات شعبيةً في علم الأعصاب، وإعادة تخيل حقيقة الرياضيات.

إن العالم الطبيعي هو مكان معقد وغير متوقع العواقب. فالبيئات تتغير، والضواري تهاجم، والطعام ينفد. وتعتمد نجاة الكائن الحي على قدرته على تفسير محيطاته، سواءً عبر العد التنازلي نحو غروب الشمس، أم اكتشاف أسرع طريقة للهروب من الخطر، أو تحديد أرجح الأماكن للعثور على الطعام. ويقول كارل فريستون Karl Friston، عالم الأعصاب الحوسبية والفيزيائي في جامعة يونيفرستي كولديج بلندن University College London، إن هذه المهارات تعني ممراسة الرياضيات.

كما يقول فريستون: «في الرياضيات، هناك بساطة واختصار وتماثل، مما يعني، أنك عندما تعاملها كلغة، فهي تفوز من غير منازع على جميع الطرق الأخرى لوصف العالم.» ومن الدلافين إلى العفن الغروي Slime moulds، فإن الكائنات الحية عبر الشجرة التطورية تبدو كأنها تفسر العالم رياضيا، مفككة شيفرة أنماطه ونُظمه حتى تظل على قيد الحياة.

فريستون يجادل في أن أيَّ نظامٍ ذاتي التنظيم متفاعل  مع بيئته – إذن أي شكل من أشكال الحياة – يحتاج إلى نموذج ضمني لتلك البيئة حتى يعمل. وتعود هذه الفكرة إلى السبعينات  مع نظرية “المُنظِّم الجيد” Good regulator، المطورة جزئياً من قبل روس آشبي Ross Ashby؛ وهو رائد مجال السبرانية. ولتزويد السيطرة الفعالة، تقول النظرية، لابد لعقل الإنسان الآلي أن يحوي نموذجاً داخلياً لجسمه الميكانيكي وبيئته. «وهذا التبصريتم تضمينها نظامياً بشكل أكبر الآن في تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي،» كما يقول فريستون. مما يجعل النتيجة اللازمةهي: إن عقل الحيوان، أيضاً، يجب عليه أن يُنمذِج جسمه والعالم الذي يتحرك فيه.

لا حاجة إلى التفكير No thought required

الأمر العجيب هو أن لا أحد من هذه الكائنات المُنَمْذِجة واعٍ لما يفعله. حتى نحن البشر، عندما نركض لالتقاط كرة أو نقود بسرعة خلال الازدحام المروري، نمارس -بلا وعي- بعض الرياضيات المعقدة. فكل واحد من أدمغتنا يستخدم نمذجاته على الدوام لتوقّع ما سيواجه، كما تقول النظرية، وهذه النماذج تُحدَّث بالتحقق من التوقعات مقابل الأحاسيس الفعلية.

وهذه الدالات الرياضياتية تُحْتَسب بلا شك في أجزاء معينة من الدماغ، وفقا لآندي كلارك، فيلسوف معرفي من جامعة ادمبره University of Edinburgh  في المملكة المتحدة. ولكن هذا لا يعني أن هناك وحدات تخصصية في الدماغ تشبه أزرار الآلة الحاسبة التي نستطيع استدعاءها حسب الحاجة: أحدها للضرب والآخر للدالات الجيبية. «لا يمكننا الوصول إلى تلك الوحدات،» كما يقول.

وعلى الرغم من أن هذه النمذجات تحاول ضمان نجاتنا في عالَم معقَّد يتبع قواعد الفيزياء، فإن إصرارها على إبقائنا أحياءً يعني أنها في بعض الأوقات تُخطئ. مثلاً مغالطة المقامر Gambler’s fallacy: الإيمان الخاطئ أنه إذا وقعت كرة الروليت على اللون الأحمر، فإن الرهان على اللون الأسود هو الأفضل. وفي الحقيقة، بالتأكيد، فإن كلتا النتيجتين متساويتا الفرص، ولكن النمذجات التي بنتها عقولنا للعالم، والتي كانت ستخبر أجدادنا متى يتعين الانتقال من منطقة رعي غير مجدية، تعمينا تلك الملاحظة الإحصائية البسيطة.

“قد يكون لدينا إحساس بالرقم كقوة إحساسنا باللون.”

أو -على سبيل المثال- تأثير ويبر-فيشنر Weber-Fechner effect، الذي يحكم ردة فعلنا تجاه المحفزات الخارجية. فهذا التأثير الذي ينطبق على كل حواسنا، يقول إن قدرتنا على التفرقة بين الأحاسيس ذات القوة نفسها تقل كلما زادت قواها معاً. إذن، فيما يمكننا التفرقة بسهولة بين وزن 1 كجم و وزن 2 كجم، مثلاً، تصعب علينا التفرقة بين الأوزان 21 كجم و22 كجم. وينطبق الشيء نفسه على بريق الأضواء، وشدة الأصوات، وحتى عدد الأشياء التي تستطيع رؤيتها.

وعلى الرغم من تشارك هذه الانحرافات بين أدمغة الناس والحيوانات الأخرى، فقد طورنا القدرة على التعرف على بعض هذه العيوب وتجاوزها. أوضح هذه التطويرات هو الأرقام: نظام ترميزي يسمح لنا بالاستنتاج السريع أن الفرق بين 21 و22 هو ذات الفرق بين 1 و 2. فاختراع هذه اللغة الرمزية المعقدة للرياضيات لا يسمح لنا فقط بتجاوز بعض حدود عقلنا اللاواعي، ولكن يسمح لنا أيضاً باكتشاف المبادئ التجريدية بعمق، وبأن ننقلها إلى الآخرين. ولكن كيف طوّرنا الأدوات لنفهم بوعي ما تفعلها أجسامنا غريزياً؟

الحساب الفطري Innate numeracy

تقول إحدى الأفكار قديمة العهد بأننا نولد مع حس واعٍ بالأرقام على نحو وعينا بالألوان. ففي كتابه الصادر في عام 1997 حس الرقم The Number Sense، افترض ستانيسلاس ديهايني Stanislas Dehaene من وحدة INSERM-CEA للتصوير العصبي المعرفي في جيف-سور-يفيت Gif-sur-Yvette بفرنسا، أن التطور أعطى الناس والحيوانات خاصية العددانية Numerosity  نفسها: أي القدرة على التعرف السريع على عدد الأشياء في حزمة معينة. وبكلمات أخرى، ثلاث كرات زجاجية حمراء ستولِّد حسّا بالرقم 3 بالأسلوب نفسه الذي تولِّد به حسّاً باللون الأحمر. واقترح ديهايني أن هذه العددانية كانت دقيقة للأرقام أقل من 4 وأكثر تشويشاً بعدها. ولكنها على الرغم من ذلك شكلت قدرةً متقنة. بالتسلح بمثل هذه الغريزة، بدأت تضاريس طرقنا خلال الغابة الحسابية تتضح سريعاً.

لقد أخذت الأدلة التي تدعم هذه النظرة “التأصلية” بالازدياد. فقد بيّنت إليزابيث سبيلكي Elizabeth Spelke من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT وزملاؤها أن الأطفال ذوي الستة أشهر من العمر يستطيعون التمييز بين حزمة من 8 نقاط وأخرى من 16 نقطة. ومن ثم قدم ديهايني وزملاؤه تقريراً يفيد بإن هنود الموندوروكو في الأمازون البرازيلية، الذين ليست لديهم كلمات تعبر عن أرقام أكبر من 5، يستطيعون تقريباً التمييز بين كميات أكبر بكثير، مما يقترح أن هذه القدرة مستقلة عن الثقافة.

كما بيّنت دراسات أخرى أن الإنسان فطرياً يمثل الأرقام فراغياً على “خط أرقام” خيالي، تتزايد فيه قيم الأرقام من اليسار إلى اليمين. وهناك دليل على الخاصية العددانية حتى في الحيوانات. كل هذا أشار إلى حس ضمني بالأرقام أعانته على التوسع دهورٌ من الثقافة.

وسرعان ما تنامى لدى بعض الباحثين شعورٌ بعدم الارتياح من استنتاجات هذه الدراسات. فهل كان المشاركون في التجارب، مثلاً، يميزون بين حزمة نقاط لا بناءً على عدد النقاط، ولكن على صفات أخرى مثل توزعها الفراغي أو مساحة تغطيتها؟ «هذه إشارات عادةً ما تُربط بالأرقام، لذا من عدم الحكمة ألا نستخدمها،» كما تقول تالي لايبوفيتش Tali Leibovich من جامعة حيفا University of Haifa. وتشرح قائلة: «إذا كنت حيواناً في البرية واحتجت إلى اصطياد شيء ما وأن عليك أن تفعل ذلك بسرعة كبيرة، فلسوف تستخدم كل الإشارات المتوفرة لديك.»

حقاً، بعد اختبارات أكثر، يبدو أن الناس أيضاً يعتمدون على هذه الإشارات غير الرقمية. وبعدها بقليل، ظهرت فرضية مختلفة. فمن الممكن، بدلاً من أن نمتلك حساً ضمنياً بالأرقام؛ قد نولّد حسّا بالكميات – مثل الحجم والكثافة – التي تتناسب مع عدد الأشياء. «ويتطلب الأمر وقتاً وخبرةً لتطوير وفهم هذا التناسب،» كما تقول لايبوفيتش.

ويبدو أن اختبارات الأطفال المعرفية المحسنة تميل إلى مساندة هذا الرأي. فعلى سبيل المثال، الأطفال الأصغر من أربع سنوات من العمر لا يستطيعون فهم أن خمس برتقالات و خمس بطيخات لديها شيء مشترك: وهو الرقم 5. وبالنسبة إليهم، كمية من البطيخ تمثل ببساطة “أشياء” أكثر من العدد نفسه من البرتقال.

وحتى تعليم الأطفال الصغار التعرفَ على ترتيب الأرقام – وكيفية العد على اليد ونحو ذلك – لا يعطيهم استيعاباً فورياً لمعنى هذه الأرقام، كما يقول عالم النفس التطوري دانييل أنصاري Daniel Ansari من جامعة أونتاريو الغربية University of Western Ontario بكندا. ويتطور هذا الاستيعاب بشكل غير نظامي عبر التعرض طويل الأمد للآباء والإخوة. «وهذا يشير إلى التأثير الكبير للممارسات الثقافية على تعلم التمثيل الدقيق للأرقام،» كما يقول.

وقد عانت دراسة الجانب الثقافي من الاستيعاب الرقمي التحيّزَ، وفقا لأنصاري، إذ إنه لم يُمنح الانتباه الكافي لتجميع البيانات من الثقافات غير الصناعية. هذه النتائج، كما يظن، تلقي ظلا واسعا من الشك على الفرضية الفطرية Nativist hypothesis.

خذ، على سبيل المثال، شعب اليوبنو من بابوا في غينيا الجديدة. اكتشف رافاييل نونييز Rafael Núñez من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو University of California at San Diego اكتشف، مثلاً، أنهم لا يستخدمون خط الأرقام العقلي الذي كان يُعتقد بعالميته. إضافةً إلى ذلك، ليست لديهم مفاضلات في لغتهم ليقولوا إن شيئاً ما أكبر أو أصغر من الآخر.

ليس المقصود هنا أن لغة اليوبنو بدائية. بل هي بعيدة عن ذلك. خذ أسماء الإشارة مثلا. ففي الإنجليزية، توجد فقط أربعة منها: هذا this، ذلك that ، هذه these  (للجمع)، وتلك those  (للجمع)، لتحديد قرب أو بعد الأشياء. أما اليوبنو –من ناحية أخرى- لديهم كلمات لتحديد ما إذا كان شيءٌ ما أعلى أو أخفض منهم بالارتفاع (مما يتناسب مع أفقهم الجبلي)، ولديهم كلمات غامضة للتعبير ليس فقط عن قرب أو بعد شيء ما، ولكن أيضا عن مدى المسافة.

اليوبنو ليسوا وحيدين في امتلاكهم لغةً لا تركّز تركيزاً كبيراً على الأرقام. ويشير نونييز إلى دراسة تناولت 189 لغة من لغات سكان أستراليا الأصليين، والتي وجد أن ثلاثة أرباعها لا تحتوي على كلمات للأرقام أكبر من 3 أو 4، بينما لم تزِد 21 لغة منها على الرقم 5. وبالنسبة إلى نونييز، هذا قد يعني أن العددانية الدقيقة هي خاصية ثقافية تظهر حين تتطلبها الأوضاع المحيطة – مثل: الزراعة والتجارة. «فهناك مئات الآلاف من البشر الذين لديهم لغة ما، وأحياناً لغات معقدة وراقية، لكن ليست لديهم خاصية العد الدقيق،» كما يقول.

حتى اللغات التي تمتلك مثل هذه الخاصية، مثل الإنجليزية والفرنسية، تستطيع فقط أن تصل إلى حدٍ معين. ففي السنة الماضية، أعد ديهايني وطالبته ماري أملريك Marie Amalric تقريراً احتوى على نتائج تصوير طبي لأدمغة 15 عالم رياضيات و15 عالماً من تخصصات من غير الرياضيات ولكن على المستوى الأكاديمي نفسه. فوجدوا شبكة من مناطق من الدماغ مضطلعة بالفكر الحسابي تُفعَّل عندما فكر علماء الرياضيات في مسائل من الجبر وعلم الهندسة والطبولوجيا، ولكن ليس عندما كانوا يفكرون في أمور غير متعلقة بالرياضيات. ولم يظهر مثل هذا التباين في العلماء الآخرين. وأهم الملاحظات هي أن “شبكة الرياضيات” هذه لا تتقاطع مع مناطق الدماغ المضطلعة باللغة.

قد يقترح أن علماء الرياضيات متى ما تعلموا لغتهم الرمزية، يبدأون بالتفكير بطرق غير متصلة في اللغة العادية. «يبدو الأمر غريباً، ولكنه مماثل لإمكانية تحميل حدسٍ في عالَم آخر، هو عالَم الرياضيات، وأن تتيح له المجال أن يخاطبك ويرد عليك،» كما يقول فريستون.

إن بعض هذه اللغة الحسابية الراقية تتطور حتماً من حِسِّنا الداخلي للأرقام أو الكميات، مهما كان هذا الحس غير دقيق عند الولادة. ولكنها تعتمد أيضاً على قدرات أخرى كثيرة: اللغة لتوصيل الأفكار، والذاكرة العاملة لتخزين وتحوير المبادئ، وحتى التحكم المعرفي لتجاوز أنواع الانحيازات التي نراها في مغالطة المقامر.

الثورة المضادة Counter-revolution

إن اللحظة الدقيقة التي حولت فيها الثقافةُ غرائزنا إلى قدرة حسابية معروفة هي لحظة غير واضحة. إن أحد أبكر الأدلة على تعامل البشر مع الأرقام تأتي من كهف بوردر في جبال الليبومبو بجنوب إفريقيا. هناك، وجد علماء الآثار عظاما عليها شخطات عدّ عمرُها 44 ألف سنة، بما فيها عظم الربلة من قرد الرباح نحتت فيه 29 من هذه العلامات. ويعتقد الأنثروبولوجيون أن “عصي الإحصاء” هذه كانت تساعد على العد، وتمثل دليلاً لبداية فهم رمزي مرتبط بالتمثيل الواعي للأرقام ومعالجتها.

بعد ذلك وصل العد والقياس إلى مدى جديد في نحو الألفية الرابعة قبل الميلاد، في الحضارة الراقية لبلاد الرافدين في وادي دجلة والفرات، وهي منطقة في دولة العراق الحديثة. وتجادل إلينور روبسون Eleanor Robson من جامعة أكسفورد University of Oxford في أن الرياضيات في بلاد الرافدين كانت اختراعاً ثقافياً نشأ بفعل الحاجة إلى مواكبة مرور الأيام والشهور والسنوات، ولقياس مساحات الأرض وكميات الحبوب، وربما حتى لتسجيل الأوزان. ومع دخول البشر إلى البحار، ودراستهم للسماء، بدأنا بتطوير الرياضيات المطلوبة للملاحة وتتبع الأجرام السماوية. ولكنها دائما كانت، في البداية، نتيجة للحاجة الثقافية (وإذا فكرت في أن الرياضيات التجارية هي من أمور الماضي، فكر ثانياً: بعض أكثر الرياضيات رقياً تُطوّر لتداول الأسهم والصكوك في بورصة نيويورك (وول ستريت).

“البعض يسأل عمّا إذا كانت الرياضيات مخترعة أو مكتشفة. لكن الإجابة ليست حصراً بين هذه أو تلك.”

وبمساعدة الأدوات الأساسية للرياضيات، بنى البشر هرما عملاقا من المعرفة الحسابية. فعلى مدى الخمسة آلاف سنة الماضية أو ما قاربها، توسعت الرياضيات إلى مجالات أكثر تجريداً، وصارت تبدو كأنها غير ذات صلة مباشرةً بالعمليات التي تحكم العالم حولنا. ولكن، كلما تعلمنا أكثرعن طرق العمل المخفية للكون، كلما بدا أن هذا التطور الحسابي يصف بالفعل الأشياء التي نراها. وعندما طور ديفيد هيلبرت David Hilbert جبراً عالي التجريد يعمل بعدد لامتناهٍ من الأبعاد فضلاً عن أبعاد الفضاء الثلاثة، مثلاً، لم يتوقع أحد استخدام هذا الجبر في مجال ميكانيكا الكم؛ حديث الولادة نسبياً. ولكن بعد ذلك بقليل، اكتُشف أن حالة النظام الكمّي (الكمومي) توصف مثالياً باستخدام فضاء هيلبرت – مع حقيقة أن الرياضيات خلف فضاء هيلبرت هي مفتاح تجاربنا لتفسير العالم الكمّي.

إن عمومية هذه الصلات بين الرياضيات والفيزياء قادت الفيزيائي يوجين ويغنير Eugene Wigner إلى أن يعلق على “الفعّالية غير المنطقية للرياضيات” في وصف العالم الطبيعي. وبالنسبة إلى العديد من الفيزيائيين اليوم، فإن نجاح الرياضيات كلغة يشير إلى صدارتها في نظام الكون.

وماكس تيغمارك Max Tegmark من معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا MIT هو أحد هؤلاء الفيزيائيين. فهو يعتقد أن الكون هو بناء رياضي بحيث أنه لا يحتوي إلا على خصائص رياضية – ونحن نكشف الغطاء عن هذا البناء ببطء، نمسح الغبار لنكتشف النظريات والبراهين التي تحكم الواقع. «في الماضي كان من السهل جداً سرد العدد الصغير من الأشياء الطبيعية التي تستطيع وصفها باستخدام الرياضيات. أما الآن فسهل سرد العدد الصغير من الأشياء التي لا تستطيع وصفها باستخدام الرياضيات،» كما يقول تيغمارك. حتى علم الأحياء، الذي قاوم الرياضيات المعقدة لزمن طويل، يستسلم ببطء: شاهد التوغل الرياضي في علم الجينوم أو علم الأعصاب الحوسبية.

ومن هذا المنظور، فإن الرياضيات هي اكتشاف أكثر من كونها اختراعا. ولكن بالنسبة إلى الباحثين مثل نونييز، هذا التمييز مبسط إلى حد كبير. «فعندما يُطرح السؤال: هل الرياضيات مُكتَشفة أم مُختَرعة؟ هناك افتراض أن الإجابة حصرية. إذا اخترعتها، فأنت لم تكتشفها، وهلم جرا. ولكن الإجابة ليست حصراً بين هذه أو تلك. كما يقول.

فكر في كتاب “العناصر”، وهو مجموعة الرسائل التي جمعها عالم الرياضيات الإغريقي إقليدس، والتي بدورها جمعت كل المعرفة الحسابية الإغريقية لذلك الزمن، ونسقت قوانين علم الهندسة. فقد بنى إقليدس عمله على سلسلة من القواعد أو المسلّمات، أشهرها هو أن الخطوط المتوازية لا تتلاقى أبداً. وعبر الزمن، اكتُشِفت الأنماط والنظم والعلاقات التي خرجت من هذه المسلّمات “المُختَرعة” من قبل علماء رياضيات آخرين أثبتت كمبرهنات. بمعنى ما، كانوا “يكتشفون” المنظر الخاص بعلم الهندسة الإقليدية. ولكن ، بعد آلاف السنين، قرر علماء رياضيات آخرون أن يبدأوا بمسلّمات ناقضت تلك التي وضعها إقليدس.

مثلاً، الهندسة الريمانية Riemannian geometry، التي تدين باسمها لعالم الرياضيات الألماني بيرنهارد ريمان Bernhard Riemann، تعتمد بشكل أساسي على فكرة أن الخطوط المتوازية تستطيع بالفعل أن تتلاقى. فنقطة البداية غير التقليدية هذه قادت إلى اكتشاف مورد غني من الرياضيات استخدمه آينشتاين ليصيغ نظريته في النسبية العامة وليصف انحناء الزمكان Space-time .  «إن في العالم جميعُ أنواع الأنماط والنظم وطرق التصرف، وإن أي كائن سينشئ رياضيات ما سيضطر إلى إنشائها فوق نظم تقيّد سلوك الأشياء التي سيجدها،» وفقا لكلارك.

ولكن بصرف النظر عن أي مسلمة بدأنا بها، قد لا تكون الرياضيات ذلك النظام الفكري الكامل الذي نريد الإيمان به. وندين بتلك الملاحظة لنظرية عدم الاكتمال الخاصة بعالم المنطق النمساوي كورت غودل Kurt Gödel. فقد أظهر غودل أن في حدود أي نظام من المسلمات Axioms المبرهنات Theorems، تستطيع أن تضع عبارات statements لا يمكن إثبات صحتها أو خطأها. بتعبير آخر، هناك بعض الأسئلة التي تستطيع الرياضيات طرحها، ولكنها لن تتمكن أبداً من الوصول إلى أدوات الإجابة عنها.

وفي هذه الحالة، قد يكون من المبكر جداً أن نطلق أحكاما جامعةَ تقول إن الرياضيات هي حقيقة كونية مطلقة. فكيف باستطاعتنا الجزم أن زاويتنا الصغيرة في الغابة تمثل ذلك الكل؟ ولكن، لدى الفيزيائيين من مثل تيغمارك أمل. بالنسبة إليه، أكبر عقبة في طريق نظرية حسابية جامعة هي وصف الوعي الذي يشكل بوتقة قدرتنا الحسابية. أنّا للرياضيات أن تفسر أصلها بنفسها؟ «سيكون هذا هو الاختبار النهائي لفرضية أن جميع الأشياء هي رياضيات،» كما يقول تيغمارك.

نشرت المقالة في مجلة نيو ساينتيست، العدد3141، سبتمبر 2017.

أنيل أنانثاسوامي مستشار في نيو ساينتيست.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق