الطب وصحةعلم الجينات والوراثة

البشرية تتجه نحو كارثة في الخصوبة، ويبدو أننا غير مستعدين لها

لطالما اعتبرت الخصوبة مشكلة نسائية لفترة طويلة، ولكن أعداد الحيوانات المنوية تتناقص في الرجال وساعتهم تدق بدورها. فقد حان وقت استعادة التوازن.

كان والدي خمسيني العمر عندما حملت بي أمي. وبدورها كانت أمي في التاسعة والثلاثين من عمرها، وكان يطلق عليها خَروسٌ مُسنِّة Elderly primigravida. وهو مصطلح يصف المرأة التي تصير حاملًا للمرة الأولى في عمر الخامسة والثلاثين أو بعده. ليس هناك اسم للذكور مقابل لهذا الاسم، ومع ذلك فإن والدي كان سعيدًا بأن يلقب نفسه بـ”والدٌ خروسٌ مسن” Elderly primigravidad.

وبصرف النظر عن الفكاهة، فقد اعتدنا على التفكير في الخصوبة والحمل الصحي على أنه مجال متعلق بالنساء بشكل أساس، واللاتي يحذرهن الناس كثيرا من مخاطر تأخير إنشاء العائلة. ولكن الحال مختلف بالنسبة إلى الرجال.

ولكن الوقت قد يكون حان لمواجهة الواقع. ففي الشهور الأخيرة، شاركت دراسات في بناء صورة لأزمة تلوح في الأفق حول خصوبة الذكور. إذ تتناقص أعداد الحيوانات المنوية، ويبدو أن ساعة الرجال -البعيدين كل البعد عن امتلاك الوقت الكافي ليكونوا آباءً،- تدق أيضًا.

في مجتمع يقرر فيه الأزواج أن ينجبوا في وقت متأخر من الحياة، فإننا نتجه نحو عاصفة كبيرة. يقول آلان بيسي Allan Pacey من جامعة شيفيلد في المملكة المتحدة: “إذا كان التناقص في عدد الحيوانات المنوية حقيقيًا، فإن هذا، إضافة إلى حقيقة أننا نرغب بالإنجاب في وقت متأخر، لهو كارثة كبيرة.”

وليس من المدهش أن نرى أن النساء، وليس الرجال، هن من يُوعظن باستمرار فيما يتعلق بخصوبتهن، خصوصًا عندما نأخذ بالاعتبار أن النساء يولدن ومعهن كل البويضات التي ستستخدمنها طوال حياتهن، والتي تتضاءل وتشيخ مع الزمن، بينما يستمر الرجال بإنتاج الحيوانات المنوية خلال فترة البلوغ (انظر الإطار: الأمر يستلزم اثنين).

قد تفترض أن الرجال ليس لديهم ما يقلقون حياله. ولكن، إذا كانت العناوين المنتشرة أخيرًا موثوق بها، فهناك خطب ما. وقد يكون أكثر الأخبار المثيرة للدهشة ذلك الذي ظهر في يوليو، والذي اكتُشِف بموجبه أن أعداد الحيوانات المنوية قلَّت بما يقارب الـ60% في البلدان الأغنى خلال الأربعين سنة الماضية، وهي تستمر بالانخفاض بما يقارب نسبة 1.6% كل سنة (ولم يُرَ مثل هذا الانخفاض في البلدان الأفقر، علمًا بأن هناك عددًا أقل من الدراسات التي تستمر فترات كافية). فقد جاءت هذه النتيجة من بورقة مراجعة علمية لأكثر من 185 دراسة تتعلق بتركيز الحيوانات المنوية والعدد الكلي للحيوانات المنوية في الرجال بين 1973 و2011. يقول هاغاي ليفين Hagai Levine من الجامعة العبرية، والذي قاد هذا التحليل: “كانت النتائج صادمة فعلا. وفكرت: أعلم شيئًا يحتاج العالم أن يعلمه. هذا خطر واضح وحاضر الوجود وهو خطر نواجهه لتونا.”

1,6% نسبة الانخفاض السنوية في عدد الحيوانات المنوية في الرجال في الغرب – المصدر: Human reproduction update، ليست هذه الدراسةَ الأولى التي تجد أن أعداد الحيوانات المنوية تتناقص، ولكن خلافا كثيرا دار حول الجهود السابقة. أما هذه الدراسة فهي أكبر بكثير، وتعالج مشكلات موجودة في الأعمال السابقة؛ فعلى سبيل المثال، اهتمت الدراسة الحالية بالتأكد أن كل الأوراق المشمولة في المراجعة استخدمت التقنيات نفسها، وكذلك راعت بشكل حاسم ألا تشتمل الدراسات على رجال عندهم مشكلات في الخصوبة.

يعلق إيفين بيسي، وهو “شكّاك شَكِس الطباع” على حد اعترافه، بشأن مسألة تناقص الحيوانات المنوية قائلًا إن هذا البحث استرعى انتباهه. ويقول: “علي أن أعترف بأنني فكرت، ’حسنًا، لا بد وأن يكون هناك خلل ما في هذه الدراسة’. وبشكل أو بآخر، فقد تحولت عن رأيي السابق وإن بتردد نوعا ما.” ومع ذلك، يجادل بيسي في أن الطريقة الوحيدة لإثبات بشكل قاطع أن أعداد الحيوانات المنوية تتناقص ستكون عن طريق رصد عدد كبير من الرجال في الثامنة عشرة من العمر لمدة عشرة سنوات ونعد حيواناتهم المنوية كل سنة، وبذلك نبني صورة عن التغير عبر الزمن. وقد اقترح هو وآخرون هذا النوع من الدراسات، ولكنهم لم يحصلوا على تمويل.

وبحسب ريتشارد شاربي Richard Sharpe الذي درس أمراض الذكور التناسلية في جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، فإن الأمر المهم في الوقت الحالي هو العدد الحالي للحيوانات المنوية. ويقول: “هناك نسبة كبيرة من الرجال صغيري السن ممن ستؤدي أعداد الحيوانات المنوية لديهم إلى ضَعْف خصوبتهم فيما بعد، وهذا هو العامل الأهم في الأمر.”

هناك نسبة كبيرة من الرجال صغيري السن ممن ستؤدي أعداد الحيوانات المنوية لديهم إلى ضعف خصوبتهم فيما بعد وتدعم ذلك دراسات أجريت على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية في البلدان الأوروبية كالدنمارك وفنلندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وألمانيا. يقول اختصاصي طب الذكورة نيلز يورغنسن Niels Jørgensen من مستشفى ريغزهوسبيتاليت في كوبنهاغن: “في جميع الدول، تعاني نسبة كبيرة من الرجال من جودة منيّ متدنية قد تؤثر في خصوبتهم. وبالنسبة إلى نحو 10 إلى 15%، قد تكون الجودة متدنية جدًا بحيث إنهم يحتاجون إلى علاج خصوبة ليصيروا آباء. وهناك نسبة 20 إلى 25 % يمكنهم أن يتوقعوا أن يتنظروا فترات طويلة قبل حصول الحمل، مقارنة بالرجال الذين يمتلكون جودة مثلى من المنيّ.”

وأما سبب ذلك فيبقى غامضا. يقول شاربي: “في الواقع لا نمتلك إجابة جيدة.” وتشير حقيقة انخفاض أعداد الحيوانات المنوية بهذه السرعة خلال هذه الفترة القصيرة إلى أن الأسباب قد تكون نمط الحياة والبيئة؛ إذ إن التغيرات الجينية ستحتاج إلى وقت أطول لتظهر في الجماعات السكانية.

إن أحد التفسيرات المحتملة لمسألة قلة عدد الحيوانات المنوية قد يكون متعلقًا بحقيقة أن القدرة على إنتاج الحيوانات المنوية تُبرمج مسبقًا في الرحم. وتكمن الفكرة في أن الأمور الشبيهة بقلة الحيوانات المنوية قد تبدأ في هذه الفترة من النمو، ويكون ذلك غالبًا بسبب ضعف في إنتاج الهرمونات الجنسية من قبل الخصيتين، وهو ما يعرف بمتلازمة خلل تكون الخصية Testicular dysgenesis syndrome، أو بسبب نقصانٍ في عدد الخلايا الداعمة للحيوانات المنوية Sperm-supporting cells.

ولكننا لا نعلم لماذا تصاب بعض الأجنة بمتلازمة خلل تكون الخصية ولا يصاب بعضها الآخر، وهذا أمر يصعب البحث فيه بشكل خاص؛ لأن هناك ما يقارب العشرين سنة بين أسبابه في الرحم وبين وقت اكتشاف قلة عدد الحيوانات المنوية في البالغين. ويستحيل تمويل الدراسات التي تتحرى هذه الأسباب، وتتبع  الأشخاص في فترات لاحقة من العمر مستحيل، كما يستحيل إجراء الدراسات بأثر رجعي [الاستعادية] Retrospective studies؛ ذلك أن النساء لا يسجلن- ولا يتذكرن- كل جوانب نمط حياتهم ونظامهم الغذائي خلال الحمل.

ويستثنى من ذلك التدخين؛ إذ تتذكر ذلك النساء. ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، كانت نسبة 10.6 % من الحوامل مدخنات عند الإنجاب ما بين عامي 2015 و2016، ووصلت هذه النسبة إلى 25 % في بعض المناطق. وتُظهر بعض الدراسات أن الأبناء المولودين لنساءٍ أبلغن أنهن كن يدخنّ بشراهة خلال فترة الحمل وصل عدد حيوانات منوية إلى مستويات أقل بنسبة 40 % من المستويات الطبيعية في البالغين. يقول شاربي: “هذا يمثل أحد أهم الدلائل في علم الوبائيات، والذي يُظهر كيف أن الأحداث في المرحلة الجنينية قد تؤثر في عدد الحيوانات المنوية في فترة البلوغ.”

ولتحديد العوامل البيئية الأخرى محتملة التأثير في المستقبل، مثل البلاستيك، والمسكنات، والمواد الكيميائية محتملة الخطورة، يستزرع الباحثون خلايا خصية بشرية في حيوانات تجارب. وعلى الرغم من أن التعرض للمواد البلاستيكية لم يظهر آثارًا، إلا أن المسكنات أظهرت نتائج سلبية، وهي نتيجة يقول شاربي إنها يجب أن نتفحصها أكثر؛ لأن غالبة النساء يستخدمن المسكنات خلال فترة الحمل.

صعوبة في  حصول الحمل Hard to conceive

ولكن يورغنسن يقول إن النظر إلى الأسباب واحدًا واحدًا يشكل مشكلة لأن هذا لا يعطينا الصورة الكاملة، ويقول: “الحقيقة أن البشر محاطون بآلاف المواد الكيميائية التي لا يبدو أنها تسبب أي خطر، ولكن عند اجتماعها قد تكون مصدر خطر.”

وبغض النظر عن أسباب متلازمة خلل تكوّن الخصية إلا أن آثارها تستمر مدى الحياة؛ فتصنيع الحيوانات المنوية يُحدَّد بالحدِّ المبرمج مسبقًا في الرحم. بل إنه قد يقل أكثر مع الوقت. وأحد العوامل التي تؤثر في ذلك هو العمر. وأما الفرق الحاسم بين الساعات البيولوجية للنساء وبين الرجال، فهو أن ساعات النساء تتوقف عن العمل مع حدوث الإياس Menopause، أما ساعات الرجال فتستمر حتى الموت، ولكن بسرعة أبطأ.

“بغض النظر عن عمر المرأة، إذا كان شريكها أكبر سنًا فإن معدلات الحمل تقل”

من الصعب دراسة آثار هذه الظاهرة خارج المختبر، ولكن هناك دراسة أجريت على 19 ألف دورة إخصاب في أنابيب أظهرت مدى الأثر الذي يتركه عمر الرجل في احتمال حصول الحمل في الأزواج. وتقول لورا دوج Laura Dodge من مركز بيث إسرائيل ديكونس الطبي Beth Israel Deaconess Medical Center، والتي قادت الدراسة: “بغض النظر عن عمر المرأة، إذا كان شريكها أكبر سنًا، فإننا غالبًا ما كنا نرى انخفاضًا [في معدل الحمل].”

لم تجد دراسة دوج عمرًا محددًا يحدد فترة بدء الانخفاض، ولكن آخرين وجدوا هذا العمر. فعندما درس برونتي ستون Bronte Stone وزملاؤه -في مختبرات تقنيات الإنجاب Reproductive Technology Laboratories في لوس أنجلوس- عينات حيوانات منوية من 5081 رجلًا أعمارهم بين 16 و72 عاما، وجدوا أن جودة الحيوانات المنوية وكميتها تنخفض بعد عمر الخامسة والثلاثين. ويقترح آخرون أن هذا الانخفاض يبدأ في سن الأربعين، وهو العمر الأقصى الذي يسمح فيه بالتبرع بالحيوانات المنوية.

لا يقتصر أثر عمر الرجل على معدلات الحمل، بل إن له تأثيرًا في صحة النسل؛ فقد وجدت الدراسات ارتفاعا في احتمال إصابة المولودين لآباء أعمارهم 45 سنة أو أكثر بالأمراض النفسية ومن ضمنها الذهان Psychosis. كما أن الأبحاث التي تنظر في كل الأشخاص المولودين في السويد بين عامي 1973 و2001 وجدت أن احتمال إصابة الأشخاص المولودين لآباء أعمارهم أكثر من 45 عاما بالتوحد أكثر بثلاثة أضعاف ونصف، كما كانت احتمال إصابتهم بالاضطراب ثنائي القطب أكبر بخمس وعشرين مرة، وكان احتمال الإقدام على الانتحار أو مشكلات إدمان المواد المخدرة  أكبر بمرتين ونصف، وذلك مقارنة بمن ولدوا لآباء أعمارهم 24 سنة.

وتنبع المشكلة من أن الحيوانات المنوية تأتي من مجموعة الخلايا الجذعية نفسها في الخصيتين طول حياة الرجل. ويجب على هذه الخلايا أن تتضاعف مرات ومرات، ومع كل تضاعف يزداد احتمال حدوث طفرات. يقول بيسي: “عندما يصل الرجل إلى الأربعين فمن الأرجح تكون هذه الخلايا قد انقسمت نحو 800 مرة، ونتيجة لكل تلك الانقسامات الخلوية تبدأ الأخطاء بالتّسلل إلى هذه العملية.” وهذا يؤثر في جودة الجينات داخل رأس الحيوان المنوي، بحيث إن الحيوان المنوي عندما يقابل البويضة، يكون أقل قدرة على إخصابها. ويكمل بيسي: “وإن أتم عمله في الإخصاب، يزداد احتمال أكبر وجود مشكلة في الطفل. وهذا يمثل زيادة طفيفة جدًا جدًا في نسبة الاختطار، ولكنك ستلاحظها عندما تنظر إلى الدراسات المجراة على مجموعات كبيرة.”

هل يجب أن يغير ذلك من الطريقة التي نفكر فيها بالخصوبة؟ في الواقع، فإن عمر المرأة هو صاحب التأثير الأكبر في احتمال حدوث حمل سليم، ولكن عمر الأب له أهمية أكبر مما نتصور. تقول دوج: “من خبرتي، يبدو أن الناس لا يزالون يركزون بشكل كامل تقريبًا على عمر المرأة. إن كان هناك زوجان يأخذان عمر المرأة بالاعتبار لتحديد وقت إنجاب الأطفال، فيجب عليهما كذلك على الأرجح أن يقلقا بشأن عمر الرجل إلى حد ما.”

ولكن بالنسبة إلى الأزواج الذين يعانون من مشكلات في الخصوبة، فهناك القليل مما يمكن عمله هنا إذا كان سبب المشكلة من الرجل. يقول بيسي: “لا نمتلك علاجات فاعلة لزيادة خصوبة الرجال. وإن توفرت مثل هذه العلاجات، فإنها ستقلب الموازين رأسًا على عقب.” تشتمل العلاجات الموجهة إلى النساء على الإخصاب في أنبوب اختبار in-vitro fertilization، وهو عبارة عن مجموعة من العلاجات الهرمونية التي تحفز التبويض، وكذلك هناك إجراءات جراحية. أما بالنسبة إلى الرجال، فهناك القليل من الخيارات الفاعلة.

وهذا يشكل الأساس لحقيقة صاعقة، وهي أننا نفهم القليل جدًا حول خصوبة الرجال. وسابقًا في هذا العام، وصفت منظمة الصحة العالمية WHO المعرفة الحالية بخصوبة الرجال بأنها “متدنية جدًا”. ومن وقتها أصدر مجلس الأبحاث الطبية في المملكة المتحدة Medical Research Council دعوةً لتقدم عروض المشاريع التي تحتاج إلى تمويل.

يقول شاربي: “السؤال الكبير هنا والذي كنا نسأله قبل ثلاثين سنة حول كيفية عمل نظام الإنجاب عند الرجال هو سؤال لا نمتلك إجابته بعد. وهذا يمثل جهلًا أساسيًا، كما أنه يعوق من قدرتنا على تفسير البيانات ومعالجة الرجال المصابين بالعقم؛ لأننا نمتلك القليل جدًا جدًا مما يمكننا تقديمه.” أما بالنسبة إلى الأطباء، فقد نصحوا الرجال أن يقوموا بتغييرات عامة في نمط الحياة، ولكن القليل فقط من النصائح مبنيٌ على دلائل علمية.

يقول بيسي إن الرجال قبل أن يكتشفوا أن لديهم مشكلات في الخصوبة، فإنهم لا يريدون أخذ هذه الاحتمال بالاعتبار. ويقول: “أظن الرجال غافلين بشكل كبير عن أمر خصوبتهم وعن الأخطار المحدقة بخصوبتهم.” كما تدعم الدلائل هذا القول؛ ففي السنة الماضية، أُجري مسح دراسي في كندا، كان الأول من نوعه من حيث الحجم، وكان يركز فقط على معرفة الرجال بأمر خصوبة الرجال، ووجد أن الرجال كانوا فقط قادرين على تعرف نصف عوامل الاختطار والمشكلات الصحية المتعلقة بخصوبة الرجال.

وإن إعادة تأطير الحديث المتعلق بالخصوبة ليشمل الرجال سيساعد على حل المشكلة. كما يمكن أن يقدم قدرا من الراحة للرجال الذين يشعرون بضغط اجتماعي لإنجاب الأطفال في عمر معين. وهذه “الساعة الاجتماعية” هي مما يندر للرجال الحديث عنه، وهو ما قد يكون صعبًا جدًا على الأشخاص الذين يعانون لبدء عائلة، أو من يشعرون بأنهم لم يقابلوا الشخص المناسب في الوقت المناسب. فهذا ما يقوله روبن هادلي Robin Hadley، الذي درس مسألة عدم إنجاب الأطفال بشكل غير اختياري في الرجال الأكبر سنًا في جامعة كيل Keele University بالمملكة المتحدة.

ولجميع الرجال، الذين يشبه حالهم حال والدي، ويريدون أن يصبحوا آباء في وقت لاحق في الحياة، فهناك أعداد متزايدة من الأزواج الذين لن يكونوا قادرين على تكوين عائلة، مع أن تكوين عائلةٍ هو ما يتوقون إليه بشدة. وحتى يأتي الوقت الذي تؤخذ فيه خصوبة الرجال بالجدية نفسها التي تؤخذ بها خصوبة النساء، فإن هذا الأمر سيظل يتفاقم. يقول ليفين: “نظن أننا أكثر الأنواع الحية تقدمًا على الأرض، والآن هناك العديد من الأزواج غير القادرين على الحمل طبيعيًا، وهذا أمر غير معقول. آمل بأن نقوم بشيء للتركير أكثر على خصوبة الرجال، ولكن الطريقة الصحيحة ستكون عن طريق النظر إلى خصوبة الأزواج. وهذا أكثر تعقيدًا، ولكن هذه هي الحياة، وأنا متفائل بأننا حالما ندرك وجود المشكلة، سنجد الحلول لها”.

الأمر يتطلب اثنين It takes two

مشكلات الخصوبة ليست مقصورة على النساء

البويضات

تولد النساء مع كل البويضات التي ستكون لديهن، وهي نحو المليون. وتقل نسبتها إلى نحو 300 ألف بحلول الوقت الذي يصلن فيه إلى سن البلوغ.

وبعمر الثلاثين، يتبقى لدى أغلب النساء نحو 35 ألف بويضة، ويزداد معدل التضاؤل عند نحو عمر الثالثة والعشرين.

لا يقتصر تأثير العمر في كمية البويضات، بل وعلى نوعيتها أيضًا. والسبب في ذلك ليس واضحًا، إلا أن أحد الأسباب أن البويضات الأكبر سنًا تواجه مشكلات أكثر خلال عملية الانقسام الخلوي. كما أن احتمال تخصيبها يكون أقل، وحتى لو خُصِّبت، فإن احتمال الانزراع في بطانة الرحم أو أن تتطور تطورًا سليمًا تكن أقل. وبحسب الجمعية الأمريكية للطب التناسلي، فإن السنوات الإنجابية الأفضل للمرأة تكون في عشرينات العمر، ولكن في الدول المتقدمة يكون عمر النساء عند إنجاب الطفل الأول أقرب إلى الثلاثين أو أكثر في بعض الدول. واحتمال تحقق حمل المرأة في عمر الثلاثين يكون فرصة 1 من 5  في كل شهر تحاول فيه الحمل.

الحيوانات المنوية                                                           

تنتج الحيوانات المنوية بشكل مستمر بعد البلوغ، وتنتج بمعدل 1000 في الثانية، ويحتاج كل منها إلى نحو عشرة أسابيع لتنمو.

وبالنسبة إلى زوجين يرغبان في الحمل، فإن عدد الحيوانات المنوية مهم إلى حد ما. فإذا كان عدد الحيوانات المنوية نحو 40 مليونًا لكل ملليلتر في الدفقة أو أكثر، تكون فرص الحمل متساوية تقريبًا. وأي شيء أقل من ذلك يعتبر ضعيف الخصوبة.

أحد العوامل المهمة التي تحدد قدرة الرجل على إنتاج الحيوانات المنوية هو عدد خلايا سيرتولي Sertolli في الخصيتين، وهي خلايا تساعد الحيوانات المنوية على النمو، ولكن كل واحدة منها يمكنها أن تدعم عددًا محددًا من الحيوانات المنوية في الوقت نفسه.

العنوان: أعداد الحيوانات المنوية Sperm Count

العنوان الفرعي: أعداد الحيوانات المنوية الأقل من 40 مليونًا/ملليلتر في الدفقة تعتبر إشارة إلى ضعف الخصوبة

محور السينات: تركيز الحيوانات المنوية (مليون/مل)

محور الصادات: فرصة الحمل (في المئة)

داخل الصورة: مدى ضعف الخصوبة

المدى دون الخصوبة Subfertile range

المصدر:  DOI 10.1038/embro.2012.50

يُحَدَّد عدد خلايا سيرتولي بشكل أساس خلال الأشهر الستة السابقة أو التالية لولادة الذكر. ونتيجة لذلك، فهناك دلائل تشير إلى أن نمط حياة المرأة خلال فترة الحمل (مثلًا: كانت تدخن خلال الحمل) يمكن أن يؤثر في عدد الحيوانات المنوية للابن في مراحل لاحقة. أما أثر المواد الكيميائية والملوثات الأخرى، فيبقى أصعب على الدراسة.

والرجال الذين لديهم أعداد قليلة من الحيوانات المنوية يكونون أكثر عرضة لأن تكون الحيوانات منوية أدنى جودة، وذلك يشمل ضعفا في الحركة والشكل غير الطبيعي. بل إن عمر الرجل يؤثر في جودة الحيوانات المنوية؛ ذلك أن الحيوانات المنوية مشتقة من مجموعة الخلايا نفسها في الخصيتين، وكلما زاد عدد الانقسامات في الخلايا، ارتفعت نسبة حدوث الأخطاء فيها.

نمط حياة يعزز الحيوانات المنوية ؟ Sperm-Boosting Lifestyle?

الجاكوزي، ركوب الدراجة، الهواتف النقالة، الأدوية، الحواسيب المحمولة، والبناطيل الضيقة، والدهون في الطعام … العنواين الرئيسة هذه مليئة بالعادات التي أُخْبِرنا بأنها تؤثر في خصوبة الرجال. ولكن ما هي الحقيقة؟

يقول آلان بيسي Allan Pacey، والذي درس خصوبة الرجال في جامعة شفيلد في المملكة المتحدة إنه في الواقع، “لا توجد قائمة نهائية” ذلك أن البيانات غالبًا ما تكون متناقضة، ويكمل: “الخطر الأكبر الذي وجدناه كان ارتداء البناطيل الضيقة.”

يُظَنُّ أن السبب في ذلك أن الخصيتين تكونان دافئتين، مع أننا غير متأكدين من الآلية المحددة. كما اقترحت دراسات أخرى أن الحمامات الساخنة يمكن أن يكون لها التأثير نفسه، وتضع مراكز الولايات المتحدة للتحكم في الأمراض Centers for Disease Control حمامات الساونا المتكررة والحمامات الساخنة كعامل اختطار محتمل. كما يشير بحث بيسي إلى أن تدخين الحشيش يمكنه التأثير في شكل وحجم الحيوانات المنوية تأثيرًا مؤقتًا.

وغالبًا ما ينصح الرجال بحمية البحر المتوسط الغذائية، وهناك دلائل أن هذا قد يساعد على تعزيز عدد الحيوانات المنوية وجودتها. وقد يكون لذلك علاقة بالغلاف الخارجي للحيوانات المنوية، والذي يؤدي دورًا مهمًا في التعرف على البويضة، والارتباط معها، واختراقها. يقول ريتشارد شاربي من جامعة إدنبرة University of Edinburgh في المملكة المتحدة: “الدهون المشبعة، والتي تعتبر شائعة جدًا في النظام الغذائي الغربي، وليست بهذا الشيوع في النظام الغذائي للبحر المتوسط، قد تعني أنك قد تنتهي بتركيبة مختلفة من الأحماض الأمينية في غلاف الحيوانات المنوية.” وهو ما قد يؤثر في وظيفة الحيوانات المنوية. ومع ذلك، فإن الأبحاث أغلبها في الحيوانات، والدلائل المتعلقة بهذه الأمور في البشر تبقى غير حاسمة.

لقد سبق وأن رُبِط ركوب الدراجات بضرره في الحيوانات المنوية، ولكن دراسة حديثة أُجريت على 5000 راكب للدراجات وجدت أنه لا علاقة بين زمن ركوب الدراجة وبين العقم. كما أن استخدام الهواتف النقالة أو الحواسيب المحمولة المرتبطة بشبكة إنترنت لاسلكية على الحِجْر قد تؤثر في الخصوبة، ولكن النتائج بعيدة عن أن تكون حاسمة. وكما يقول بيسي: “هذه الدراسات يصعب القيام بها، ولن يقوم أحد بتمويلها.”

خلية منوية مشوَّهة
Steve Gschmeissnere/SPL

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق