العلوم الطبيعيةعلم الأحياء التطوريعلم الإنسانعلم الجينات والوراثة

إعادة كتابة الحياة

توقعات المصير الجيني تزداد دقة

تزداد الدرجات القائمة على الحمض النووي تطوّرًا في التنبؤ بمعلومات عن الذكاء، والمخاطر المتعلقة بالأمراض الشائعة، وأكثر من ذلك.

عندما يشرح طبيب القلب الشاب أميت خيرا Amit Khera كيفية تنبؤه بالمرض، فإنّ يديه تلمسان الهواء، وترتّبان أعمدة خياليّة من الأفراد: هنا ثلاثون ألف شخص أصيبوا بنوبات قلبية، وهناك مئة ألف ضمن مجموعة التحكم السليمة .

لم تتوفّر من قبل قطُّ كمّية بيانات عن جينات الأفراد كما هي الحال اليوم، وتسمح ثروة المعلومات تلك للباحثين بتخمين احتمال إصابة أي شخص بالأمراض الشائعة، مثل داء السكري والتهاب المفاصل وانسداد الشرايين والاكتئاب.

ويقوم الأطباء- بالفعل- باختبار الطفرات النادرة والمميتة في الجينات المنفردة. فكّر في جين سرطان الثدي BRCA، أو في الطفرة ذات الرمز الواحد التي تُسبّب فقر الدم المنجلي. ولكن مثل هذه العلاقات الفردية بين الطفرة والمرض – “الجين لـ X” – لا تظهر في معظم الأمراض الشائعة، فهي بدلا من ذلك لها أسباب معقدة ظلّت معرفتها -حتى وقت قريب- بعيدة المنال.

وفي اليوم الذي زرته فيه، كان خيرا يبني ما يسمى الدرجات متعددة الجينات Polygenic score، وهي “متعددة” لأن حساباته تتضمن آلاف الجينات، وليس مجرد جين واحد فقط. وتتنبأ هذه الدرجات تحديدا باحتمال إصابة الشخص بالرجفان الأذيني Atrial fibrillation أو عدم الانتظام في ضربات القلب. وهو اضطراب شائع، ولكن لا يُشخَّص في الغالب إلا بعد نقل الشخص المصاب بسكتة دماغية إلى غرفة الطوارئ.

التطوّر الخارق: طريقة جديدة لتخمين فرص إصابتك بمرض خطير من خلال حمضك النووي DNA. فهل هناك عيوب لهذه الطريقة؟ بالتأكيد، قد تؤدي هذه التقنية إلى مجتمع يحصل فيه الأفراد على درجات جينية عند الولادة.

أشار خيرا إلى شاشته قائلا: هناك سبعة أرقام، كل رقم يمثّل مانِحا مجهولا لحمضه النووي DNA، جنبا إلى جنب مع علاماتهم. وكان معامل الخطر للقيم الشاذة يبلغ أربعة أضعاف المتوسط.

أما خيرا الذي يعمل في مختبر طبيب القلب وصائد الجينات سيكار كاثيريسان Sekar Kathiresan من معهد برود Broad Institute في كامبريدج بماساتشوستس فيقول إن بإمكان الدرجات الجديدة الآن تحديد مخاطر الإصابة بالأمراض، بمقدار يوازي تلك العيوب الوراثية النادرة التي ظلّت تشغل الأطبّاء.

شرح الصورة: طبيب القلب أميت خيرا، وهو جزء من فريق يتوقع الأمراض من الحمض النووي في معهد برود.

SIMON SIMARD

يقول خيرا: ” إن الطريقة التي ستسير بها الأمور حسبما أرى هي أنّ الفرد سيحصل في سن مبكّرة على بطاقة تقرير تقول: ‘إليك درجاتك لهذه الأمراض العشرة، فنسبة إصابتك بأمراض القلب هي 90%، وبسرطان الثدي هي 50%، وأدنى نسبة لديك هي نسبة إصابتك بمرض السكري، والتي تبلغ 10%’.”

لم تُمنح مثل هذه البطاقات التي تحتوي على تقارير شاملة بعد، ولكن العلم اللازم لإنشائها أصبح موجودا. وبالتنقيب في قواعد البيانات العملاقة، مثل البنك البيولوجي البريطاني UK Biobank الذي يحتوي على بيانات الحمض النووي DNA والسجل الطبي لنحو 500 ألف بريطاني، فإنّ علماء الوراثة يمحّصون حياة المزيد من الأفراد، ويستخرجون الارتباطات بين جينوماتهم وبين أمراضهم وشخصياتهم بل وحتى عاداتهم. وأحدث مطاردة جينات كانت للبحث عن أسباب الأرق، وشملت 1,310,010 فرد.

إنّ كمّية المواد الهائلة هي ما يسمح لعلماء مثل خيرا بمعرفة كيفية ارتباط الأنماط المعقدة من المتغيرات الجينية بالعديد من الأمراض والصفات. وكانت مثل هذه الارتباطات مخفيّة في دراسات سابقة أكثر محدوديّة، أمّا الآن، فالبحث عن إشارات أصغر من أيّ وقتٍ مضى، في بيانات أكبر من أيّ وقتٍ مضى، قد بدأ يؤتي ثماره. أعطِ خيرا أبسط قراءة لجينومك -من النوع الذي يمكن عمله باستخدام شريحة قراءة للحمض النووي DNA بمبلغ 100 دولار، وبحجم تذكرة مسرح- وسيستطيع إضافة نقاط الضعف والقوة لديك مثلما يضيف شخص ما رصيدا في سجل الحسابات.

هذه التنبؤات التي كانت في البداية معرضة للصواب والخطأ قد صار أكثر دقّة. إذ يمكن لأحد الاختبارات التي وُصِفت العام الماضي تخمين طول الشخص حتى أربعة سنتيمترات، بناءً على عشرين ألف رمز مختلف للحمض النووي DNA في الجينوم. ويُتوَقّع وصول سيل من الاختبارات إلى السوق مع تطوّر تقنية التنبؤ. ويختبر أطبّاء في كاليفورنيا تطبيقا على أجهزة الآيفون يتنبأ بخطر إصابتك بمرض الشريان التاجي Coronary artery disease عند تحميلك لبياناتك الوراثية عليه. وهناك اختبار تجريبي أطلقته شركة ميارد جينيتيكس Myriad Genetics في شهر سبتمبر الماضي، ويعمل على تقدير فرص الإصابة بسرطان الثدي لأيّ امرأة من خلفيّة أوروبيّة، وليس فقط القلة التي ورثت نسخا متقطعة من جين BRCA. ويقول شارون بريغز Sharon Briggs، أحد كبار العلماء في شركة هيليكس Helix التي تدير متجرًا على الإنترنت لإجراء اختبارات الحمض النووي DNA إن معظم هذه المنتجات ستستخدم درجات المخاطر خلال ثلاث سنوات.

ويقول بريفز: “وليس ذلك التوصل إلى درجات جديدة، ولكنها تصبح أفضل نظرا لوجود المزيد من البيانات.”

 تأثيرات ضئيلة Tiny Influences

عندما أُطلق أول بحث جيني حديث قبل عقد من الزمن، وذلك بعد الانتهاء من مشروع الجينوم البشري Human Genome Project، كان لدى الباحثين الطبيّين أمل بتفسير عدد قليل من الجينات الجينية الرئيسية للأمراض الشائعة، مثل داء السكري. وقد أعلن فرانسيس كولينز Francis Collins بثقة عام 2006، والذي أصبح الآن رئيس معاهد الصحة الوطنية الأمريكيةUS National Institutes of Health وأحد أبرز اللاعبين في سَلسَلة الجينوم البشري قائلا: “أتوقّع وجود نحو 12 جينا معنيًّا (بداء السكري)، وستُكتشف كل هذه الجينات خلال العامين المقبلين.”

لو صحّ ذلك الأمر لأعطت قائمة قصيرة من الجينات مصمّمي الأدوية أهدافا واضحة وملموسة، مما كان سيُبرّر المشروع المموّل بمئات الملايين من دولارات الضرائب الأمريكيّة بسهولة.

لكن البحث قد أتى بثماره في حالة بعض الأمراض القليلة، مثل الضمور البقعي Macular degeneration. لكن في الغالب عاد علماء الوراثة خاليي الوفاض.  وبحلول عام 2009، بدأ كولينز وآخرون يتحدثون بنغمة كئيبة وسلبية عن “التوريث المفقود” Missing heritability.

أين كانت الجينات المُسبّبة للمرض؟ فقد اتضح أنها كانت في كل مكان. وبحلول عام 2014، صارت الدراسات الجينية في النهاية كبيرة بما يكفي لإثبات ذلك. ومع ارتفاع عدد الأفراد المصابين بداء السكري الذين التحقوا بدراسات البحث الجيني من 661 إلى 12,128 ثم إلى 81،412 مريضا، بدأت تتواتر النتائج. وبدلا من 12 جينا، نعلم الآن أن النوع الثاني من داء السكري يتأثر بما لا يقل عن 400 موقع في حمضنا النووي DNA، وربما أكثر بكثير، كل واحد منها بتأثير ضئيل يصعب اكتشافه.

وهذه خيبة أمل كبيرة بالنسبة إلى العلماء الباحثين عن الأسباب الأساسية للأمراض الشائعة. فإذا كانت أسباب أمراض مثل داء السكري والاكتئاب والانفصام متناثرة حول الجينوم مثل السكر المطحون، فهذا يعني أنّنا أبعد ما نكون عن فهمها أو علاجها. ويقول مارك دالي Mark Daly، عالم وراثة في معهد برود: “لم يرغب أحد في أن يكون هذا هو الجواب، لكنّ هذا هو ما عليه الأمر.”

وفي حين أن الطبيعة المتبعثرة للوراثة تصعّب من عمليّة فهم المرض، إلا أن هذه البيانات نفسها هي ما تجعل التنبؤ سهلا. ويستخدم كيرا وكاثيرسيان 6.6 مليون موقع في جينوم الفرد. وكل موقع عبارة عن حرف واحد من أحرف الحمض نووي  DNA، قد يكون A بالنسبة إليك وG بالنسبة إليّ. ويستطيع خيرا الآن البحث في الدراسات الجينية الكبيرة عن مدى احتمال إصابة شخص بحرف G في مركز معين بنوبة قلبيّة. وقد يرتفع الاحتمال بنسبة 0.1%، وهذه نسبة ضئيلة. وربما يقلّل الحرف G في مركز آخر من الاحتمال بنسبة 0.2%. ولكن إذا جمعت كل التأثيرات الجينيّة الصغيرة معا فإنّ التأثير قد يصبح كبيرا.

فعندما قام فريق كاثيرسيان بتطوير آلية للتنبؤ بأمراض القلب التاجية مثلا، اكتشف أنّ الأفراد الذين تُنُبِئ بأن لديهم مخاطر مرتفعة، وهم  2.5% من مجموع الأفراد، كانت فرصة الإصابة بانسداد الشرايين فيهم أكبر بأربعة أضعاف المعدل المتوسط. وهذا يساوي خطر انسداد الشرايين الناجم عن فرط كوليسترول الدم العائلي، وهي حالة تتميز بارتفاع هائل في مستويات الكولسترول، ويسبّبها جين واحد حَرِج. فإذا كان الأطبّاء قلقين بشأن ذلك -وهم قلقون فعلا- فلماذا لا يلتفتون كذلك إلى الارتفاع في درجات المخاطر الجينومية genomic risk scores؟

ويعلّق كاثيريسان قائلا: “هذا هو ما أقنعني.” كما أن عدد الأفراد الذين تُنبّئ توقعات الجينوم الخاصة بهم عن حالات خطر سيكون أكبر أيضًا، فكوليسترول الدم العائلي يؤثر في واحد فقط من بين كل 250 شخصًا، لكنّ كاثيريسان يعتقد أنّ درجات الجينوم ستحدّد نحو ثمانية أضعاف عدد الأفراد المعرّضين لخطر الإصابة بالأمراض القلبيّة.

ويضيف كاثيريسان أن الأمر الذي ليس متأكدًا منه بعد هو كيفيّة إيصال معلومات المخاطر الجديدة إلى الأفراد. وقد فكّر في إطلاق تطبيق هاتفي أو بيع النموذج الإحصائي لشركة تشخيص. ويعلّق على هذا الأمر قائلا: “يريد الجميع الحصول على درجاتهم، ويتساءلون عن المنتج الخاص بأمراض القلب، وأود إخبارهم بأنّنا نعمل على ذلك.”

ونوعا ما، تعدّ أمراض القلب أفضل سيناريو لاستخدام درجات المخاطر. وذلك لأن باستطاعتك تغيير هذا الخطر الحقيقي الذي يهدد حياتك باتباع نظام غذائي مثلا أو تناول حبة دواء ستاتين المخفض للكوليسترول. والأكثر من ذلك، فأن الاحتمالات تعد بالفعل جزءاً مهما في طب القلب. أما خيرا -الذي يرتدي معطفاً أبيض مرة واحدة في الأسبوع لعلاج المرضى في مستشفى ماساتشوستس العام- فيستخدم مزيجاً من عمر الشخص ووزنه ومستويات الكوليسترول والعادات مثل التدخين لتخمين فرصة حدوث نوبة قلبية في السنوات العشر القادمة. ويمكننا الآن إضافة الدرجات الجينية Genetic scores لتلك النماذج، ممّا يجعلها أكثر دقّة.

شرح الصورة أصبحت الدراسات الجينية أكثر قوة لأنها تضم المزيد من الأفراد.

هنا يبحث روبوت يجري على قضبان بين عينات الحمض النووي DNA المجمدة التي تبرع بها 500,000 متطوع بريطاني كجزء من بنك المملكة المتحدة الحيوي.

بنك المملكة المتحدة الحيوي UK BIOBANK.

مصدر قوة تنبؤات الحمض النووي DNA هو أنها، على عكس معظم عوامل الخطر، قابلة للقياس في أي وقت من الحياة. ويقول خيرا: “إذا أخذت مجموعة من الشباب بسنّ الثامنة عشرة، ولا يعاني أحدهم الكوليسترول أو داء السكري، فإن النتيجة ستكون صفرا في جميع الأعمدة، ولن تستطيع ترتيبهم حسب أكثر الأفراد عرضة للخطر. ولكن باختبار بمبلغ 100 دولار، فإنّ بإمكاننا الحصول على ترتيب يوازي على الأقل جودة الترتيب المأخوذ لشخص ما في الخمسين من عمره، ولكثيرٍ من الأمراض مختلفة.”

معرفة خطرة  Dangerous knowledge

بدأت شركات الأدوية بالانتباه. ففي العام الماضي، أعلن أندرس ديل Anders Dale، وهو باحث في الدماغ في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، عن نيته في تسويق آلة حاسبة لمخاطر مرض آلزايمر. وستخمّن هذه الآلة ما إذا كان الشخص سيصاب بالمرض، وفي أيّ سنّ سيصاب به.

لن تُطلق هذه الخدمة إلا في الصيف القادم، ولكن ديل يقول إن شركات الأدوية قد تواصلت معه على الفور، وهو الآن يساعد ثلاثة منهم (رفض ذكر أسمائهم) على اختبار الحمض النووي DNA للأفراد المشاركين في التجارب السريرية لأدوية آلزايمر. وعلى الرغم من البلايين التي أُنفِقت على تطوير مثل هذه الأدوية، إلا أن الفشل قد طالها جميعا.

المشكلة هي أنه عندما لا يعرف أحد من سيصاب بالمرض، يبقى من الصعب معرفة ما إذا كان الدواء الوقائي ناجعا أم لا. لذا، فإن تمكّنت الشركات من اختبار العقاقير على الأفراد الذين لديهم مخاطر عالية للإصابة بمرض آلزايمر، فسيصبح الأمر أسهل بكثير. ومن المحتمل أن توصف العقاقير المستقبليّة بأنّه “موصى بها لأولئك الذين لديهم درجات متعددة الجينات تبلغ 90 درجة أو أعلى.”

ويعمل ديل مع الشركاء التجاريين على وضع جهاز التنبؤ بمرض آلزايمر خاصته على الإنترنت، وبيعه بمبلغ قليل يبلغ 99 دولارًا لأي شخص يرغب في استخدامه. فهو يمتلك أكثر من عشرة ملايين شخص بيانات الحمض النووي خاصتهم، وذلك لكونهم قد سجّلوا 23andMe أو Ancestry.com للبحث عن أشجار عائلاتهم.

ويقول ديل إنّهم سيتمكنون من تحميل البيانات وتلقّي التقارير بنقرة زر. وسألته لماذا يريد الأفراد أن يعرفوا مسبقا بأنّهم قد يصابون بمرض لا يمكن علاجه حاليا؟ فأجاب: “قد يرغبون في وضع خطط معيّنة.”

ويعتقد أطباء آخرون أن درجات المخاطر ستعطي الأفراد الدفعة التي يحتاجون إليها للتفكير في سلامتهم. ويقول ستيفن تكرSteven Tucker، وهو طبيب ممارس في سنغافورة: “إنني أحب فكرة علامات المخاطر المتعددة الجينات، لأن المستقبل هو الصحة وليس الطب”. وهو يجب أن يستخدم مرضاه أجهزة وأدوات تعقّب، ويمكن دمج درجات المخاطر معها، فيمكن لشخص معرّض لخطر الإصابة بالارتجاف الأذيني مثلا ارتداء ساعة ذكيّة مدمج بها مرقاب للقلب heart monitor. ويضيف تكر: “يريد مرضاي إدارة المستقبل. وإذا استطعنا تعريفه بشكل أكثر دقة، فإن هناك فرصة أفضل للقيام بشيء حياله.”

من المرجح أن تصبح اختبارات الذكاء القائمة على الحمض النووي متاحة في السنوات القادمة. ولكن النقاد يخشون من أنّها قد تؤدّي إلى “بعض السياسات الاجتماعيّة المروّعة للغاية.”

 

ومع ذلك، فإن قيمة المستقبل الجينومي الجديد هي محل خلاف كبير. ويرجع هذا إلى كون الدرجات لا تمثل ضمانات فردية؛ فهي مجرد احتمالات تقريبية مستمدة من أعداد كبيرة من السكان. فمن الأفراد الذين حصلوا على درجات عالية بواسطة مؤشر خيرا للرجفان الأذيني مثلا، فإنّ أقلّية صغيرة – 7% – ستصاب به فعلا بعمر الخامسة والخمسين.

ويعدّ هذا الارتياب مهما للغاية، لأنّه إذا أُعطي الأفراد درجات للمخاطر، فإنّهم سيبنون عليها الكثير من القرارات.

وفي الخريف الماضي، أصبحت شركة Myriad Genetics أول شركة تشخيص كبيرة تقدم اختبارًا للمخاطر متعددة الجينات إلى السوق الأمريكية، ويطلق عليه ريسك سكور RiskScore، وهو يقيس 81 متغيّرا لتقدير فرصة إصابة المرأة بسرطان الثدي. وقد تخضع النساء اللاتي حصلن على درجات عالية في المخاطر لصور أشعة للثدي، في حين قد تتجاهلها أولئك اللاتي حصلن على درجات منخفضة. ما لا يعرفه أحد بعد هو ما إذا كانت ستؤدي تلك القرارات إلى تقليل عدد الوفيات الناجمة عن السرطان. وستتطلب معرفة هذا الأمر حدوث دراسات باهظة طويلة الأمد، وهو ما لم تقم به الشركة، على الرغم من بيعها لهذا الاختبار.

وأحد الأطباء الذين يجدون كل هذا الأمر مدعاة للقلق هو باتريك سوليفان Patrick Sullivan من جامعة نورث كارولينا University of North Carolina في تشابل هيل Chapel Hill، حيث يقود جمعيّة الجينوميات النفسية Psychiatric Genomics Consortium. وتمتلك هذه الجمعية بيانات الحمض النووي لأكثر من 900 ألف شخص مصاب بمرض عقلي مؤكد، بما في ذلك 60 ألف مصاب بانفصام الشخصية. ومن المعروف تأثر هذا المرض الشديد بالجينات، فإذا كان هناك توأم متطابق مثلا، وقد طوّر أحدهما الانفصام، فإن احتمالية إصابة الآخر به هي 50%.

لكن سوليفان يقول إن إخبار الأفراد الذين يتمتعون بصحة جيّدة بمستوى ارتفاع أو انخفاض درجات الحمض النووي لديهم فيما يتعلّق بالانفصام لهو ضرب من التهوّر. ويقول: فكّر فقط في ذلك التوأم، فهما يمتلكان ذات الحمض النووي وذات الدرجات، ومع ذلك فإن احتمالية توقع الإصابة بالانفصام قد تكون خاطئة. ويضيف سوليفان قائلا: إنّ إعطاء مثل هذا التنبؤ المعيب لشخص ما لهو “فكرة سيئة للغاية. ما نريد فعله هو معرفة المصاب به من غير المصاب، ونحن لم نصل إلى هذه المرحلة المتقدمة بعد.”

 

اختبار الذكاء من الحمض النووي A DNA IQ test

إضافة إلى التنبؤ بالمرض، يستطيع علماء الوراثة بناء نماذج للتنبؤ بأي سمة بشرية قابلة للقياس، بما في ذلك السلوكيات. وهل سيعيش هذا الشخص حياة الجريمة والانتكاسيّة؟ هل سيكون ذلك الشخص عُصابيا أو مكتئبا أو أذكى من المتوسّط؟

يقول العلماء إن تقنية الدرجات هذه سرعان ما ستساهم في تسليط ضوء غير مريح على مثل هذه الأسئلة. وفي يناير، قال اثنان من علماء النفس البارزين ؤن اختبارات الذكاء المباشرة للمستهلك direct-to-consumer ستصبح “متاحة بشكل روتيني”، وستتوقع قدرة الأطفال على “التعلم والتفكير وحل المشكلات”، كما يعتقدان أن الآباء سيختبرون أطفالهم، وسيستفيدون من النتائج في عمل مخطّطات مدرسيّة.

بالنسبة إلى البعض، فإنّ استخدام الأبراج الجينية المبهمة لتحديد من يذهب إلى الكلية ومن ينتهي به المطاف في مدرسة التجارة يبدو فكرة سيئة للغاية. ويقول إريك توركهايمر Eric Turkheimer في مدونته Gloomy Prospect، وهو أستاذ علم نفس بارز من جامعة فيرجينيا University of Virginia إن الخطر يكمن في أن هذه الدرجات ستفَسّر “لاتخاذ بعض السياسات الاجتماعيّة المروّعة للغاية”. وسيكون هذا حسب رأيه “أسوأ نوع من التمييز المحدّد بيولوجيا”. وبالنسبة إلى توركهايمر، فإن في الدرجات متعدّدة الجينات “أكثر مما هو ظاهر للعيان”، وهي عادلة بمقدار ما يمكن “لتوقّع ذكائك من قريب لك لم تقابله بعد” أن يكون عادلا.

لكن مثل هذه الآراء لا تُوقف الوتيرة السريعة التي يسير بها التنقيب الجيني. فحتى العام الماضي، لم يكن هناك أي متغيرات جينية مرتبطة ارتباطا مباشرا بنتائج اختبارات الذكاء. ولكن منذ ذلك الحين، ربطت دراسات شملت بيانات الحمض النووي لأكثر من 300 ألف شخص بـ 206 متغيّرات خاصة بالذكاء. وهذا يعني أنه يمكن للدرجات الجينية الآن تشكيل 10% من أداء الشخص في اختبار الذكاء، ويمكن أن تصل النسبة إلى 25% في غضون سنوات بسبب تراكم المزيد من البيانات، لدرجة أن إحدى الشركات الأمريكيّة، وتدعى Genomic Prediction تقول إنها ترغب في عمل اختبارات ذكاء لأجنّة التلقيح الصناعي، كي يتمكّن الآباء من التخلّي عن تلك غير المؤهّلة عقليًا.

هل هو ديستوبيا؟ أو دواء مريب؟ أو تطور خارق في العلاج الوقائي؟ قد يشمل التنبؤ الجينومي كل هذه الأمور الثلاثة. الأمر الواضح هو أنّه مع توفّر البيانات اللازمة لإنشاء تنبؤات متاحة على الإنترنت بصورة مجانيّة، فإن عام 2018 سيكون عام نجاح كبير لتنبؤات الحمض النووي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق