الطب وصحة

انفجار الحساسية: الحساسيات في تزايد، وهذا هو السبب

قد يبدو أن منع الفول السوداني على متن الطائرات وفي المدارس أمرا هستيريا، ولكن هناك سببا مقنعا لذلك: الحساسيات في ازدياد، وقد لا تدرك أنك مصاب بها.

بقلم: بيني سارشيت Penny Sarchet
ترجمة: د. عبدالرحمن سوالمه

ولكن، ما هي الحساسيات أصلا؟

إذا كان احتقان الأنف والعطاس وسيلان الأنف مما ينغص عليك أشهر الصيف، فقد تظن أن جهازك المناعي قد دخل في حالة من زيادة في النشاط، أو أنه يقوم بعمله بشكل ممتاز. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة مع الأسف.

تحدث الحساسيات بسبب استجابة الجهاز المناعي استجابة خاطئة لجزيئات غير مؤذية من العالم الخارجي. ويمكن لهذه الجزيئات أن تكون جزءا من أي شيء بدءا من جلد القطط وانتهاء ببعض الأطعمة (انظر: أكثر الحساسيات شيوعا). ويسمى كل جزيء قادر على إحداث هذه الاستجابة بمحفز الحساسية allergen. ومع أن محفزات الحساسية لا تشكل خطرا على أجسادنا، إلا أن الأجسام المضادة، وهي بروتينات مناعية تحمي الجسم من الجزيئات الضارة الدخيلة على الجسم، عند بعض الأشخاص تتعرف عليها على أنها مصدر تهديد.

وتشتمل الحساسيات على نوع معين من الأجسام المضادة التي تسمى الغلوبولين المناعي Immunoglobulin E (اختصارا: IgE). ويتعرف كل نوع من الأجسام المضادة IgE على مسبب حساسية مختلف. وعندما يحدث هذا التعرف، تحفز الأجسام المضادة الخلايا المناعية لتفرز الهيستامين ومواد التهابية أخرى، وهو ما يسبب هذه الأعراض المرضية التي تكون في الظروف الطبيعية مفيدة في الدفاع ضد الكائنات الغازية للجسم.

وهذه الآلية الدفاعية مهيأة مسبقا بشكل كبير؛ فالأجسام المضادة من النوع IgE ترتبط بالخلايا المناعية بشكل محكم أكثر بألف مرة من أي نوع من الأجسام المضادة. وهذا يعني أنها مرتبطة لتوِّها بالخلايا المناعية، وأن النظام بأكمله مستعد للاستجابة بمجرد التعرف على محفز الحساسية. ويحدث هذا في غضون ثوان إلى دقائق، بينما تحتاج الأقسام الأخرى من الجهاز المناعي إلى أيام لتستجيب لفيروس الزكام على سبيل المثال. ويقول برايان ساتون Brian Sutton من كينغز كوليدج لندن King’s College London: “إنه لنظام مدهش حقا.”

وأحد التفسيرات حساسية جهازنا المناعي هو أنه تطور ليتعرف ويخرج ما كان يوما ما مصدرا شائعا ويمثل تهديدا شديدا كالكائنات الغازِيَة التي تنقب في جلدنا أو في المسار التنفسي أو في الأمعاء. وبغياب مثل هذه الطفيليات في نمط الحياة الغربي الحديث، يبدو أن نظام الأجسام المضادة IgE بدأ بمهاجمة أهداف خاطئة، مستهدفا التركيبات الكيميائية غير الضارة بدلا من الضارة.

يختلف مستوى نشاط النظام فيما بين الأشخاص. ويقول ساتون: “على حد علمي ليست لديّ حساسية لأي شيء،” ومن ثم يكون الاستنتاج أن مستويات الأجسام المضادة IgE لدي منخفضة. ويقول: “ولكن بعض الأشخاص ستكون لديهم عشرة أضعاف، أو ربما ألف ضعف مستويات الأجسام المضادة IgE التي لديّ.” وتعتمد مستويات الأجسام المضادة IgE بشكل جزئي على الجينات.

ومن الممكن أن الأشخاص المعرضين للحساسيات كانوا أفضل في التعرف على الطفيليات والتخلص منها في الحقب التطورية الماضية.

ولكن، أن تكون معرضا للحساسية بشكل خاص لا يعني أن جهازك المناعي قوي أو نشط بشكل زائد عموما. فإصابتك بالعداوى ستكون مماثلة للآخرين، كما أنه لا يوجد دليل قوي على أن الحساسيات تزيد من احتمال تطوير اضطرابات مناعية ذاتية، وهي الاضطرابات التي يهاجم فيها الجهاز المناعي الجسم.

هل يتزايد انتشار الحساسيات؟ Are allergies becoming more common?

مع وجود بعض المدارس والخطوط الجوية التي تمنع الفول السوداني، قد يبدو كأننا ندخل في عصر من هستيريا الحساسية. ولكنها ليست مجرد عَرَض لحماية أبوية زائدة أو يقظة زائدة، فالحساسيات فعلا في ازدياد.

وُصفت حمى القش، والتي هي حساسية الطلع، أول ما وصفت في عام 1870، ولكن الحساسيات كانت نادرة حتى منتصف القرن العشرين. ولوحظ الارتفاع الأول في الحساسيات في ربو الأطفال، وهي حساسية تسبب فيها محفزات الحساسية أو المهيِّجات تضيقا في المسارات الهوائية، وتتسبب في التهابها. ازداد الربو ما بين 1960 و 1990 ليكون في مستويات وبائية في الدول المتقدمة، ويتبعها زيادة في حمى القش. وبحلول عام 1991 تضاعف عدد الاستشارات لأطباء العائلة بخصوص الربو في المملكة المتحدة أربع مرات في عشرين سنة فقط، وازدادت المواعيد للأطباء بخصوص مشكلات من مثل حساسية الطلع والغبار بأكثر من الضعف.

وتبعت هذه الزيادةَ في الحساسيات التنفسية موجةٌ أخرى من الحساسية؛ فعندما بدأ الربو وحمى القش بالاستقرار في التسعينات وبدايات الألفية الثالثة، ازدادت حساسيات الأطعمة زيادة كبيرة؛ فازدادت بمقدار %50 في الولايات المتحدة في اثنتي عشرة سنة فقط. ويقول سيد حسن أرشد Syed Hasan Arshad من جامعة ساوثهامبتون University of Southampton في المملكة المتحدة: “نعتقد أن الربو والحساسيات الآن تصيب %25 من الناس.”

حقيقة: يمكنك أن تكون حساسا للمنيّ

هناك ما يقرب 20,000 إلى 40,000 من النساء في الولايات المتحدة لديهن حساسية لبلازما المنيّ؛ وهي حساسية للبروتينات الموجودة في السوائل المنوية. وفي بعض النساء يمكن أن يسبب هذا القشعريرة، وأزيزا في النَّفَس، وإسهالا، و“استجابات الحساسية الشديدة التالية للجماع”، مع أن هذا يمكن أن يُمنع باستخدام العازل الذكري.

وقبل عام 1970 كان نحو %10 من الأشخاص يعتقدون أنهم مصابون بحمى القش في الدول الغنية. تشير الدراسات اليوم أنها تصيب %30 من البالغين، و%40 من الأطفال. ونحو %7 من الأطفال في المملكة المتحدة والدول المتقدمة مثلها يعانون حساسياتِ الأطعمة.

ومن المغري الاعتقاد أن هذه الزيادات قد يكون سببها زيادة الوعي عند الناس وأنهم يذهبون لزيارة الطبيب بشأن هذه المشكلات . ولكنّ الدراسات التي تقارن الأجيال المختلفة تبين أن الأمر ليس كذلك. وعلى سبيل المثال، يمكن لحساسيات الفول السوداني أن تكون شديدة جدا لدرجة يصعب على الأطباء أن يكونوا فشلوا في رؤيتها بالماضي.

في الواقع، قد يكون العديد من الأشخاص يعيشون مع حساسيات ما دون إدراك ذلك؛ فقد وجدت دراسة أجريت على مجموعة من المراهقين والبالغين في كوبنهاغن بالدنمارك، أن نصف المصابين بالربو في المجموعة كانوا غير مشخَّصين بالربو ولا يتلقون علاجا. أما التهاب الأنف، وهو مشكلة مشابهة لحمى القش من حيث الأعراض ويمكنه أيضا أن يتحفز من قبل العث؛ فلم يكن مُشخَّصا في ثلث الأشخاص المصابين به فعلا.

بدأت الدولُ سريعة التقدم الآن بإظهار زيادات مماثلة في الحساسيات، بالأخص في الصين. وبين عامي 1990 و 2011، ازدادت معدلات الربو في شانغهاي بين الأطفال بعمر 7-3 سنوات من 2 إلى %10.

ما زلنا لا تعلم ما الذي سبب هذه الزيادة في الحساسيات، ولكن هناك إشارات تساعدنا. والإشارة الأكثر وضوحا هي مقدار الاختلاف في نمط الحياة الغربي في القرن العشرين.

أكثر الحساسيات شيوعا

الطعام

هناك العديد من حساسيات الأطعمة، ولكن التحسس للحليب والبيض هي الأكثر شيوعا عند الأطفال في الولايات المتحدة. كما يمكن للناس أن يكونوا متحسسين للفول السوداني، أو المكسرات، أو الصويا، أو المحار. والبعض حساس للقمح، ولكن لا يوجد هناك شيء اسمه الحساسية للغلوتين. ومرض الاضطرابات الهضمية Coeliac disease (المشهور بحساسية القمح)، وهو اضطراب مناعي ذاتي يحفزه الغلوتين الموجود في حبوب القمح، لا يعتبر نوعا من الحساسية.

الحشرات

تحقن الحشرات اللاسعة كالنحل والزنابير والدبابير سمومها التي سرعان ما يتعافى الأشخاص منها بعد تعرضهم لها، لكنها قد تحفز استجابة تحسسية تهدد الحياة في بعض الأشخاص.

الطلع

تعتبر حمى القش، أو التهاب الأنف التحسسي الموسمي، واحدة من أكثر الحساسيات انتشارا، وتسببها عادة النباتاتُ التي لا تستخدم الحيوانات المُلَقِّحة من أجل التكاثر، والتي ترسل كميات كبيرة من الطلع في الهواء.

الحيوانات الأليفة

تعتبر الحساسيات للحيوانات المكسوة بالفرو شائعة في الناس المصابين بأنواع أخرى من الحساسيات أو الربو، وصحيح أن شعر الحيوانات الأليفة ليس مسببا للحساسية بحد ذاته، إلا أنه قد يحمل بولا أو لعابا أو وَبَغا (وهو أجزاء من الجلد الميت)، وجميعها يمكنها تحفيز استجابات للحساسية. ولا يوجد قطٌّ أو كلب ضعيف التسبب بالحساسية حقا.

الحشرات المنزلية

ينتج عث الغبار المنزليُّ والصراصير فضلات يمكنها تحفيز الربو والحساسية. ويظن أن هذين النوعين من الحشرات المنزلية من أكثر أسباب أعراض الحساسية التي تستمر على مدار السنة.

اللاتكس

نحو %1 من الأشخاص في الولايات المتحدة يعانون استجابة مناعية لبروتين اللاتكس. ويعد العاملون في المجال الصحي والأشخاص الذين حصلوا على رعاية صحية كثير خلال فترة الطفولة أشخاصا معرضين بشكل خاص لهذا النوع من الحساسية.

العفن

هناك العديد من أنواع عفن الفطر، ولكن كمية محدودة منها تسبب استجابات مناعية. وعندما تدخل أبواغ العفن الأنف والرئة يمكنها أن تتسبب بأعراض شبيهة بحمى القش والربو.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق