كتب

العقل المُضطرِب: ما الذي يُخبرنا به العقل عن أنفسنا

مُصاب بمرض في الرأس: إريك كاندل يفحص سبب استعداد أدمغة معينة للإصابة بالأمراض العقلية

The Disordered Mind: What Unusual Brains Tell Us About Ourselves”

بقلم: إريك ر. كاندل
By Eric R. Kandel
الصفحات: 304
منشورات: Farrar, Straus & Giroux

بقلم: آلان جاسانوف Alan Jasanoff
ترجمة: مي منصور بورسلي

الاضطرابات العقلية تعني أمورًا مختلفة لأفراد غير ما تعنيه لآخرينَ في أوقات مختلفة. وكما في حوار فيدروس  Phaedrus، الذي كتبه أفلاطونPlato ، يُمجّد سقراطُ الجنونَ المستوحى من التكهن في المتصوفة والعشّاق والشعراء والأنبياء، فيصف هذه الاضطرابات بأنها هِبات من الآلهة وليست عِللاً. وكان ازدراء الأوروبيين الأوائل للمجانين أكثر شيوعًا وبالكاد ميّزوهم ممن رفضهم المجتمع، فقد سُجِن المجانين جنبًا إلى جنب مع المتسولين والمومسات. وفي حين تمتلك بعض الثقافات العصرية مفاهيم حول الاضطراب العقلي التي تبدو تقريبًا بالغرابة نفسها بالنسبة إلينا، تتحدى متلازماتٌ بأسماء مثل لاتاه Latah وأموك Amok وزار Zar التصنيفات التقليدية للطب النفسي الغربي. وتدعو في كثير من الأحيان إلى استجابات روحانية لا طبية.

وقد تشكّل تصوّر ثقافتنا الخاص لأنواع الأمراض العقلية في البداية من خلال مجموعة من البطاقات من تصنّيف الطبيب النفسي الألماني الرائد إميل كريبلين Emil Kraepelin منذ أكثر من قرن مضى. إذ احتوت كل بطاقة على مُلخّص للتاريخ الطبي للمريض، ومن خلال تجميعها وفقا لأوجه التشابه التي لاحظها بين الحالات، حدد كريبلين لأول مرة بعض الفئات الرئيسية التي يستخدمها الأطباء في الوقت الحاضر لتشخيص الأمراض النفسية. ومنذ ثمانينات القرن العشرين دُوّنت فعليًا خصائص كريبلين للذهان Psychosis والهوس Mania والاكتئاب Depression في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders، وهو كتاب لا يستغني عنه الأطباء الإكلينيكيون لتقييم المرضى. وكان كريبلين من أشد المنتقدين للتحليل النفسي ومؤيدا شغوفا لفهم الظواهر العقلية من منظور بيولوجي صارم، والأساليب التي صارت الآن متفوقة في الطب الحيوي النفسي.

وتتخلل أفكار كريبلين كتاب “العقل المُضطرب: ما الذي يُخبرنا به العقل عن أنفسنا The Disordered Mind: What Unusual Brains Tell Us About Ourselves “، إذ قدّم فيه إيريك كاندل Eric Kandel نظرة عامة جديدة عن التفكير المعاصر حول نقطة التقاء الصحة النفسية بعلم الأعصاب. وهدف كاندل الرئيسي هو استكشاف “كيف يمكن أن تكون عمليات الدماغ، التي تثير عقولنا، مضطربة؛ مما يؤدي إلى أمراض مدمرة تُلازم البشرية،” فيعلن في المُستهل عن نيته في نسج قصة كريبلين من خلال فصول الكتاب. ويضاهي ذات هيكل الكتاب تنظيم دليل التشخيص الكريبليني الجديد، مع سلسلة متوالية من الفصول المخصصة لحالات تشمل الفصام Schizophrenia والاضطراب الثنائي القطب Bipolar Disorder والتوحد Autism. ويمكن استشعار تأثير كريبلين الدائم في الطريقة التي يختزل بها كاندل هذه الحالات العقلية في الأغلب إلى العوامل الميكروسكوبية المُسببة في الجهاز العصبي. ووفقا لكاندل، فإن الأمراض العقلية هي ببساطة اضطرابات دماغية، وكل الاختلافات في السلوك “تنشأ عن الاختلافات الفردية في أدمغتنا.”

وقد حصل كاندل على جائزةَ نوبل لعام 2000 في الطب أو علم وظائف الأعضاء  Nobel Prize in Medicine or Physiology لاكتشافه العمليات الجزيئية التي تكمن وراء التعلم والذاكرة. وإضافة إلى إدارة مختبرات جامعة نيويورك N.Y.U وبعدها في كولومبيا، كما شارك في كتابة نُسخ متتالية من كتاب التدريس الضخم والمستخدم على نطاق واسع مبادئ علم الأعصاب Principles of Neural Science، وهو شهادةٌ على مستوى المعرفة الموسوعية المعروضة في هذا الكتاب. ويدمج سرد كاندل المبني جيدًا بسلاسةٍ المنظور التاريخي والإفادات المباشرة في تفسيرات التجارب الحديثة. ويُطلِعُنا كاندل في فصلٍ عن الخرف Dementia، مثلًا، على دراسات علم الأمراض الدماغية الكلاسيكية لآلوا آلزايمر Alois Alzheimer (وهو زميل مقرب من إميل كريبلين)؛ فيروي قصة المريض الشهير أول حروف اسمه إتش. إم H.M.، الذي تدمرت قدرته على تكوين ذكريات جديدة بعد خضوعه لعملية جراحية في دماغه عام 1953. وبعدها يُرشدنا من خلال بعض أبحاثه الخاصة حول التعلم في اللافقاريات والنماذج الحيوانية لمرض آلزايمر.

يركز كاندل بشكل خاص على أهمية الوراثة. وهنا يوازي المؤلف مرة أخرى كريبلين الذي شدد على مساهمة “التَنَكُّسِيَّة” الوراثية في الاضطرابات العقلية. ويعزو كاندل جزءًا كبيرًا من الفضل في التقدم في علم الوراثة البشري والنماذج الوراثية للمرض في الحيوانات إلى تقديرنا الحديث لدور الدماغ في الأمراض العقلية. وعلى الرغم من أنه يناقش مجموعة متنوعة من مناهج العلوم الأساسية، إلا أنه خصص مكان الصدارة للتحليلات التي تتضمن الجينات والجزيئات المرتبطة بها. ويعكس حماس كاندل للوراثة الأولويات الحالية للعديد من الباحثين النفسيين، وفي الوقت نفسه يقوده أيضًا إلى المبالغة في بعض الأحيان. إذ حُكمه المُندفع حول “أنّ فك شيفرة الجينوم البشري سيبيّن لنا كيف تُدير الجيناتِ عملية تنظيم الدماغ وكيف تؤثر التغيرات في الجينات في الاضطرابات،”، هو أمر سابق لأوانه للغاية.

والحقيقة المُجرّدة التي يتبيّن بعض منها في موضع آخر من الكتاب هي أنّ العلاقات بين الجينات ومعظم الأمراض النفسية مازالت بعيدة تمامًا عن الوضوح. وأنّ ارتباط غالبية الجينات الضالعةِ هو ارتباط ضئيلٌ بالمرض. ومازال يتعين ربط المرض العقلي الأكثر غلاء اقتصادياً في العالم، الاضطراب الاكتئابي الشديد Major Depressive Disorder، بشكل مقنع بأيّ جين. وحتى عندما يبدو أنّ الجين يؤثر في بيولوجيا الخلية الدماغية بطرق محددة – كما هو الحال مع خصائص كاندل  للجين C4 المرتبط بصورة واضحة بالفصام – فإنّ الصلة بين السمات الخلوية والأعراض النفسية عالية المستوى لا تزال غامضة. ومن المعروف أنه من الصعب العثور على نماذج حيوانية مشابهة للمساعدة على تحقيق هذا الارتباط (من الصعب اكتشاف الفئران المصابة بالذهان)، وهو ما يعني استمرار إجراء الأبحاث الشاقة على البشر. وعلى الرغم من أنّ التقنيات الوراثية قد تكون أفضل خيارات العلوم النفسية، إلّا أن إحراز نتائج مجزية في العيادة غير مؤكد.

وبعيدًا عن الفوائد الطبية المحتملة، مع ذلك، يعتقد كاندل أنّ الدراسات البيولوجية للعقل “توفر إمكانية نشوء إنسانية جديدة، تجمع العلوم التي تهتم بالعالم الطبيعي، والعلوم الإنسانية التي تهتم بمعاني التجارب الإنسانية.”  وقد تكون البيولوجيا العصبية في وضع جيد للترويج لهذا النوع من التوليف. وكاندل بنفسه يربط بين العلوم والإنسانيات في فصل عن العلاقة بين المرض العقلي والإبداع الفني. كما أنه يحاول التوفيق بين أسلوب كريبلين البيولوجي البحت مع العلاج النفسي الأكثر توجهاً للناحية الإنسانية، وبذلك يقضي بشكل صحيح على التفرع الثنائي الزائف بين هذين الأسلوبين اللذين يُمارسان عملياً على الدماغ.

لكن الإنسانية الجديدة التي يدعو إليها كاندل بإعجاب شديد، قد تتطلب شيئًا أكثر تطرفًا أيضًا: الخروج عن وجهات النظر التي تُركّز تمامًا على الدماغ لفهم الحياة العقلية. وذلك لأنّ كل التجارب البشرية تعتمد بشكل وطيد على التفاعلات داخلنا وحولنا والتي تؤثر سببيًّا في أدمغتنا وعقولنا في كل لحظة. ومن المُضلّل أن نفترض، مع كاندل، أنّ “كل نشاط ننخرط فيه، وكل شعور وفِكر يمنحنا إحساسًا بالفردية، ينبع من دماغنا.” إذ لا ترى الطبيعةُ الدماغَ كمحرك أولي.

ومن المثير للاهتمام أنّ النتائج الوراثية الأخيرة ذاتها تدعم نظرة أوسع للصحة العقلية. إذ لا توجد حالة نفسية شائعة وراثية تمامًا، وهذا يعني أنّ البيئة تؤدي دورًا دائمًا. وهناك العديد من المؤشرات على أنّ تفاعلات الدماغ مع سائر الجسم، سواء أثناء النمو أم في مرحلة لاحقة من الحياة، قد يكون لها تأثير كبير في الصحة. وفكرة أنّ الاضطرابات العقلية يمكن أن تنشأ عن مصادر خارج الرأس ليست في الواقع شيئا جديدًا – فقد كان المرض النفسي الأكثر تدميرًا في القرن التاسع عشر سببه مرض الزهري الجرثومي Syphilis، وهو مرض ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي الذي يؤثر بشكل ثانوي فقط في الدماغ. وحقيقة أنّ الجينات التي تدل على زيادة خطر التوحد وانفصام الشخصية والاضطراب ثنائي القطب غالبا ما تكون مُشتركة (كما ينوّه كاندل) تُشير إلى أنّ الأمراض العقلية لا تختلف عن بعضها البعض كما كان يُعتقد سابقا، مما يتحدى نتيجة لعبة بطاقات كريبلين وتذكرنا بالتراث الثقافي الذي يؤطّر البحث النفسي.

ويتزايد التشكيك في المعايير الثقافية المحيطة بالصحة العقلية من مؤيدي “التنوع العصبي”. إذ يجادلون، كسقراط، في أنّ الناس الذين يمتلكون أدمغة وعقولاً غير عادية يجب أن يُحتفى بصفاتهم، بدلاً من تطبيبهم ووصمهم بالإفراط. ولا ينفي الإقرار بهذه النظرة بأي حال من الأحوال الحاجة إلى إيجاد علاجات للمشكلات العقلية الموهنة حقاً، أو على أهمية الأبحاث الرائدة التي يغطيها كاندل في كتابه الممتاز. ومع ذلك، فهذه النظرة تُسلط الضوء على الحاجة إلى أخذ أدمغتنا بعين الاعتبار في السياقات الاجتماعية والبيئية والجسدية التي تعمل فيها – السياقات التي تساعد على جعلنا ما نحن عليه، في المرض والصحة على حد سواء.

©2018 The New York Times

Distributed by The New York Times Syndicate

http://<link rel=”canonical” href=” https://www.nytimes.com/2018/09/17/books/review/disordered-mind-eric-kandel.html “>

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق