كتب

النشأة في محيطٍ من جرائمِ القتل «صيفٌ أمريكيّ: الحبُّ والموت في شيكاغو»

“An American Summer: Love and Death in Chicago”

بقلم: أليكس كوتلويتز Alex Kotlowitz

287 صفحة
نان أ. تاليس / دوبليداي Nan A. Talese/Doubleday
27.95 دولار أمريكي

ترجمة: آية علي

في 22 يوليو 2012 قُتل دارين إيسترلينغ Darren Easterling في بارك فورست Park Forest، وهي ضاحية في جنوب شيكاغو معظم قاطنيها من أصول إفريقية. وبعد يومين نشرت صحيفة محلية مقالة قصيرة أبرزت تاريخه الإجرامي بعنوان «رجل مدان بحيازة المخدرات والأسلحة أُطلق عليه الرصاص حتى الموت في بارك فورست.» لم تُلقِ القصّة اللوم بشكل مباشر على إيسترلينغ لتعرّضه للقتل، ولكن المعنى الضمني كان واضحا: كان هذا رجلاً عاش ومات بين قتلة عديمي الرحمة. فقد نال ما كان يتوقّعه، إن لم يكن ما يستحقّه.

ولكن والدة إيسترلينغ، ليزا Lisa، تحكي قصّةً مختلفة. ففي المرحلة الثانوية كان ابنها الرياضيّ لاعبَ كرةِ قدم وعاشقا للأفلام الوثائقيّة. كان يكتب بطاقات أعياد ميلاد ورسائل لطيفة، وكان لديه طفلان، وكان أبا مُحبّا. كانت ليزا مدركة تمامًا لجانبه المظلم، وقد طردته من منزلها قبل سنوات بسبب تعاطيه المخدرات. كان قد قضى بعض الوقت في السجن بسبب حمله لبندقية. لطالما اعترى ليزا القلق من أن ابنها متجه نحو كارثة، ولكنها رأت كذلك قدرته على تغيير الأمور. ودفعت وفاة دارين في صفقة مخدرات خرجت عن السيطرة بليزا نحو دوامة من الشعور بالذنب والخزي والحزن. عندما خضع قاتل دارين للمحاكمة، أرادت ليزا مسامحته وحثت المحكمة على التساهل معه، لكنّ هذا أيضاً كان مؤلماً جدًّا بالنسبة إليها.

وتعد القصص كقصة دارين وليزا، التي رويت في مراسلات استمرت ثلاثة أشهر، عصب «صيف أمريكي»، وهو كتاب يروي فيه الصحافي أليكس كوتلويتز الوحشية الطائشة في الأحياء الفقيرة والمنعزلة من شيكاغو. ومع أن السرد يدور حول أحداث صيفٍ واحد، فإن كوتلويتز قضى أربع سنوات منغمسًا في العوالم الكالحة، حيث ينتشر القتل. وتغطّي تقاريره تلك الفترة وما وراءها.

ومثّل كتابه الذي يعتبر الآن كلاسيكيًّا، والذي نشر عام 1991 بعنوان «لا أطفال هنا» عن صبيّين نشأا في مشروعٍ إسكانيّ بشيكاغو، يغضّ «صيف أمريكي» الطرف عن التحليل، ويسبر بدلاً من ذلك أغوار الأضرار البشرية الناجمة عن التعرض للعنف. كانت النتائج التي توصل إليها على قدر كبير من الأهمية. ومن ذلك، فالأسطورة المدمّرة بشأن من يعيشون في أخطر أحياء شيكاغو، وهي أنّهم صاروا أقسى، وغير مبالين بالفظائع التي تُتخِم الحياة اليومية. ويعترف كوتلويتز بتصديقه لذلك، على الأقل مؤقتاً، عام 1998 عندما بدا فاروا Pharoah، وهو شخصية رئيسية في كتاب «ما من أطفالٍ هنا» غير متأثّرٍ بمقتل سائق الأجرة الذي كان يركب معه، مع أنّه شهد جريمة القتل عن قرب. وعندما سأله كوتلويتز عن حاله، أجاب: “بخير، لماذا؟”

ساهم ذلك المقال في تحفيز كوتلويتز على التحقيق في الكيفية التي «يحمل» بها الناس اللعن، سواء كانوا جناةً أو ضحايا أو شهودًا أو تربطهم فقط علاقة بأولئك المنخرطين فيه. أجرى كوتلويتز مقابلات مع نحو 200 شخص، وتشمل هذه المجموعة الواسعة من الشخصيات أخصائيين اجتماعيين وضباط شرطة ومسؤولين سياسيين ومراسلا مُتخصّصاً وقتلة مُدانين، إضافة إلى العشرات من الأشخاص العاديين، من أطفال وبالغين، من الذين مزّقت الأسلحة والرصاص حياتهم.

يذكر الصحافي في «صيف أمريكي» أنّ فاروا أصيب بصدمة شديدة جراء إطلاق النار الذي شهده، لدرجة أنّه لا يستطيع نسيان تفاصيله حتى بعد مرور عقدين من الزمن. وأثناء تناول الغداء في أحد المطاعم، يبدأ تنفس فاروا بالتقطع، وتتسع عيناه من الخوف وهو يخبر كوتلويتز بما حدث. «أشعر وكأنّني هناك»، يقول وهو جالسٌ القرفصاء كما لو كان يحاول الاحتماء. وبعيداً عن اعتياده على مشاهد الدماء المسفوكة، يختبر فاروا، وغيره ممن يعيشون في أخطر الاحياء الأمريكية، العالمَ كقدامى المحاربين. «إن العنف في عظامه» على حد تعبير كوتلويتز.

والأمر أعمق بالنسبة إلى توماس الذي نشأ في إنغلوود Englewood، وهو حي قاس وقليل السكان يقع في الجهة الجنوبية من شيكاغو. فقد كان توماس سيئ الحظ بما فيه الكفاية ليعيش في المركز 70 70th) Place)، وهو شارع محفوف بالمخاطر لدرجة أن البعض يطلق عليه «حيّ الموت». وبلغ سوء حظّه أيضاً أنّه التحق بمدرسة هاربر الثانوية  Harper High School، فعندما كان في سنته الأولى، أصيب 21 شخصاً من الطلاب وحديثي التخرج بجروح جراء إطلاق نار، إضافة إلى مقتل سبعة آخرين. وعندما كان في العاشرة من عمره، قُتِلت صديقته وجارته ناغت Nugget البالغة من العمر 11 عاماً في حفلة عيد ميلادها، ورأى توماس «بقايا دماغها تتدفق من جمجمتها على ضفائرها.» وقبل ذلك بأشهر كان شقيق توماس الأكبر، ليون Leon، قد تعرض لإطلاق نار أثناء لعبه على الرصيف. ولم يستطع ليون تحريك ساقيه (ولن يستطيع ذلك أبدًا)، لذا جلس توماس معه وحثّه على التماسك حتى وصول سيارة الإسعاف.

وكان ذلك في المرحلة الابتدائية. وبعد ذلك، شهد توماس صبيًّا تعرض لطلقٍ ناريّ في وجهه، وصديقا مصابا في ساقه، ورجلين قُتلا في سيارة. وانضمّ إلى عصابة أو «طاقم» يسمى “0-7” للحماية، وكان انضمام أبناء الحي لها أمراً إلزاميًّا، لكنّه خشي أنّ ذلك لن يساعد. وفي يونيو 2012، كان توماس وصديقته المقربة شاكيكي Shakiki يتسكعان في الشرفة الأمامية لمنزل قريب من منزله، عندما رأى صبيًّا مغطّى الرأس من طاقم منافس يركض نحوه، وفي يده مسدس. وفي غضون لحظات كانت شاكيكي ملقاة على الشرائح الخشبية للشرفة، مُمسكةً ببطنها المُحترق. وبعد ثماني ساعات كانت ميتة.

كانت آثار هذا الحادث فظيعة ومؤلمة جداً. علمنا أن شاكيكي توقّعت إطلاق النار. وكما هو الحال في «لا أطفال هنا»، حيث يصرّح لافاييت Lafayette شقيق فاروا قائلا: «إذا كبرت، أريد أن أكون سائق حافلة»، روي كوتلويتز هنا أن شاكيكي طلبت إلى أنيتا Anita، وهي أحد العاملين الاجتماعيين في مدرستها، قائلة: «هلّا كتبتِ ملاحظة ووضعتِها في صندوقي إذا متّ؟» طاردت هذه الذكرى أنيتا بقدر ما طاردها مقتل شاكيكي تقريباً، إذ بدأت تعاني الكوابيس وتستيقظ منهمرةً في البكاء. كما أصاب الشلل نصف وجهها، وبدأت تعاني مشكلات في الرؤية. وسرعان ما بدأت تسعى إلى الحصول على المشورة.

أما توماس فكان أسوأ حالاً، حيث عانى في سبيل التركيز وتأخر بالنجاح في المدرسة. كما بدأ بلعب النرد وتدخين الحشيش والتهديد بإيذاء الناس. وفي بعض الأيام كان يرفض الخروج من المنزل. ولم تقتصر المشكلة على أنه فقد صديقاً آخر حميمياً، بل إنّ المدعي أراد أن يجعله الشاهد الرئيسي، وكان توماس يعلم أن الشهادة ستجعل منه هدفاً مرّة أخرى.

وتقبض الشرطة على شخص فقط من بين كل عشرة من مطلقي النار في شيكاغو. ويؤكد كوتلويتز أن «قانون الشوارع بعدم الوشاية» هو السبب. وفي روايته يحدّد أن الخوف من العقاب، لا مسألة الوضع الاجتماعي أو الشرف، هو ما يُبقي الناس صامتين. ويعلق كوتلويتز قائلاً: «يجري الخوف في هذه المجتمعات مثل تيارٍ جارفٍ ثابت.» فقد أوصت المرأة التي تتمثل مهمتها في دعم ضحايا الجريمة وتشجيعهم على الإدلاء بشهادتهم ابنها بعدم الشهادة، وذلك بعد تعرّضه لإطلاق نار من مُهاجمٍ مجهول. وعندما يسأل اختصاصي اجتماعي في مدرسة هاربر الثانوية طالباً عن صيفه، وكيف كان، فهو يجيب: «كان آمنا».

ويذكر كوتلويتز بوضوح أن هذا النوع من الخوف والعنف متركّز في الأحياء التي يقطنها السود واللاتينيّون في شيكاغو. ويعتبر هذا النمط أمراً مفروغاً منه على نطاق واسع لدرجة أن إحدى الصحف المحلّية طبعت عنواناً يقول «جريمة قتل في عنوان جيّد» بعد وقوع جريمة قتل في جادة طوني ميشيغان. ولكن كوتلويتز لا يمحّص السبب وراء كون معظم مجتمعات السود واللاتينيين، حتى التي في شيكاغو، تعدّ أكثر أمانا من تلك التي ظهرت في «صيف أمريكي»، ولا يبحث في الأسباب التي تجعل أماكن مثل إنغلوود قاتلة.

في السنوات الأخيرة أحرز علماء الاجتماع تقدمًا كبيرًا في تحديد الظروف على مستوى الأحياء التي تجعل جرائم العنف أكثر احتمالاً، من المنازل المهجورة والأراضي الفارغة إلى المنظمات المجتمعية الضعيفة وانعدام الثقة الهائل بالشرطة. وكما كتب عالم الاجتماع أندرو ف. باباخريستوس Andrew V. Papachristos، فإن الفجوة بين أدنى وأعلى الأحياء في معدلات جرائم القتل في شيكاغو توسعت بشكل كبير منذ عام 2006، وذلك بسبب عوامل في البيئة الاجتماعية المحليّة. ولكن كوتلويتز يصف التساؤل حول ما يجعل الجريمة في المناطق الحضرية ترتفع وتنخفض بأنّه تساؤل لا يمكن الإجابة عنه بشكل أساسي. ويعلّق قائلاً: «كاذبٌ من يخبرك بأنّه يعلم.»

هذا موقف غريب، خاصة بالنظر إلى التوجه المنتشر (الذي لا يكاد يرد له ذكر في «صيف أمريكي») الذي يعتبره علماء الإجرام أهم حقيقة حول العنف في المناطق الحضرية في العقود الأخيرة، وهو: شهدت معظم المدن الأمريكية عنفاً أقل بكثير مما توقّعه أي شخص، ويشعر الخبراء الوطنيون بثقة أكبر من أي وقت مضى بشأن ما ينجح. ففي العام الماضي مثلاً، سجلت مدينة نيويورك أدنى معدل للقتل منذ نحو 70 عامًا، وانخفضت معدلات القتل في لوس أنجلوس ودالاس وواشنطن العاصمة منذ عام 1990 بأكثر من 70%.

لكن شيكاغو، ومجموعة من المدن ما بعد الصناعية شديدة الانعزال، بما في ذلك سانت لويس وبالتيمور وديترويت وممفيس، فشلت في تحقيق مثل هذه الأرقام المثيرة للإعجاب. ومع ذلك، فقد انخفض معدل جرائم القتل في شيكاغو عام 2013 إلى نحو نصف ما كان عليه عام 1990، وفي عام 2018 كان ثلث معدل 2013. وتعود سمعة شيكاغو التي لا يعلى عليها من حيث الفوضى الأخلاقية – «مواطنون يقتلون مواطنين، وأطفالٌ يقتلون أطفالاً، وشرطةٌ تقتل الشبّان السود»- بشكل أساسي إلى حجم سكانها. وقد ساعد الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف شيكاغو بأنّها «منطقة حرب» وهدّد بإرسال الحرس الوطني إليها، وسبايك لي Spike Lee الذي أطلق على فيلمه الصادر عام 2015 اسم «شي-راك» (دمج بين شيكاغو والعراق)، على جعل شيكاغو رمزًا وطنيًا للعنف القاتل. وعزّز كوتلويتز أيضاً من هذا الرأي، على الرغم من نواياه الحسنة.

وبالطبع، فحقيقة أنّ معظم المدن الأمريكية وكذلك معظم أحياء شيكاغو صارت أكثر أمانا ممّا كانت عليه قبل 20 عاماً لا تجعل العنف الذي يوثّقه كوتلويتز أقل تدميريّةً أو أهميّة. «صيف أمريكي» هو اتهامٌ قويّ لمدينة ودولة فشلت في حماية أضعف سُكّانها، أو في تسجيل عُمق آلامهم.

ويعتبر الكتاب أيضاً حالة دراسة للقيود التي يفرضها النهج السردي المحض لمشكلات عدم المساواة والمعاناة الاجتماعية. يهدف كوتلويتز إلى سرد قصصٍ لا تنسى عن الحياة الآخرة لجرائم القتل، وكيفية اختراق عقول وأجساد ومجتمعات أولئك الذين تلامسهم، وقد نجح في ذلك. فأنت مشمئز وغاضب ومُطاردٌ وحزين. ولكن عندما تضع الكتاب جانباً، تكون مشلولاً. وتسمع الرئيس يدعو إلى التدخل العسكري، ورئيس البلدية يدعو إلى وجود مدارس أفضل، والقس يدعو إلى الكنيسة. لا تملك إجابات او تفسيرات، ولا تملك أدنى فكرة عمّا يجب عليك فعله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق