كتب

أسوأ حادث نووي في التاريخ يحمل دروسا للوقت الحاضر

«منتصف الليل في تشيرنوبيل: القصة المسكوت عنها لأكبر كارثة نووية في العالم».

“Midnight in Chernobyl: The Untold Story of the World’s Greatest Nuclear Disaster”

المؤلف: آدم هيغينبوثام

538 صفحة

منشورات: Simon & Schuster

29.95 دولار أمريكي

«دليل البقاء على قيد الحياة: دليل تشيرنوبيل للمستقبل»

“Manual for Survival: A Chernobyl Guide to the Future”

المؤلف: كيت براون Kate Brown

420 صفحة

منشورات: W.W. Norton & Company

27.95 دولار أمريكي

المراجعة بقلم: روبرت بي. كريس Robert P. Crease

ترجمة: آية علي

تحدث الكوارث الكبيرة عندما يحيد نظامٌ كبير عن التزامن مع بيئته، لدرجة يتسبّب معها أي تغيير ضئيل في نسفه عن بكرة أبيه. وقد حدث هذا الأمر في منصات التنقيب عن النفط والمركبات الفضائية والمناجم. بعد ذلك، تُلقي اللجان باللوم على الأشخاص الذين أجروا هذه التغييرات. لكن الأمرَ المهمَّ هو الكيفية التي صار بسببها النظام غير مستقر مما أدى إلى تعطله، والبيئة التي حدث فيها الأمر، والآثار المترتّبة عليه. وفي هذين الكتابين اللذين يتناولان انفجار المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية في شهر أبريل من عام 1986، يركّز كتاب «منتصف الليل في تشيرنوبيل» على الأمرين الأول والثاني، في حين يركّز «دليل البقاء على قيد الحياة» على الأمر الثالث.

من السهل تصنيع الكهرباء بكمياتٍ صغيرة. ويمكن لهامستر Hamster على عجلة تمرين أن يصنع وميض مصباح إنارة، ويمكن لمولِّد وبعض الغاز تزويد منزل بالطاقة. لكن الكميات الهائلة من الطاقة التي تحتاج إليها المدن الحديثة تتطلب توربينات (عنفات) بخار ضخمة تعمل على مدار الساعة. تتمثل إحدى طرق تسخين الماء لتوليد البخار في حرق الوقود الأحفوري، في حين تتمثل أخرى باستخدام الحرارة الناتجة من الانشطار النووي.

كان السوفييت، الذين بنوا أول محطة للطاقة النووية في عام 1954، يعتبرون أنفسهم أفضل مهندسي المفاعلات في العالم، وأساتذة مشاريع الهندسة العملاقة. وكانت بنيتهم التحتيّة السريعة التوسع بحاجةٍ ماسّة إلى الطاقة الكهربائية، لا سيما في المنطقة الصناعية الغربية للاتحاد السوفييتي البعيدة كل البعد عن رواسب الوقود الأحفوري في سيبيريا. وهكذا، قرّر المخطّطون بناء مفاعلات هائلة. وتضمنت هذه المفاعلات مجموعة من أربعة مفاعلات في تشيرنوبيل، على بعد نحو مئة ميل إلى الشمال من كييف، وكانت تهدف إلى أن تكون «أكبر محطة للطاقة النووية على الأرض». انتهى بناء مفاعلها رقم 1 في عام 1977، ورقم 4 في عام 1983.

كتاب «منتصف الليل في تشيرنوبيل» من تأليف آدم هيغينبوثام هو من الكتب التي ينغمس المرء في قراءتها لدرجة تجعله يفوّت محطة نزوله في المترو. تتراكم تفاصيل الكارثة بتعاضد محتوم، وهي تتضمّن قوابس المشغّلات البالية، وغطاء المفاعل الذي يبلغ وزنه 2000 طن الملقب بـ إيلينا Elena، وهو لبٌّ ضخم لدرجة أنّ فهم سلوكه كان مستحيلا. افتقر السياسيون إلى المعرفة الفنية لاتّخاذ الإجراءات، في حين خاف العلماء الذين يمتلكونها من تقديمها خشية أن يفقدوا وظائفهم أو حياتهم.

يُجسّد هيغينبوثام ببراعة كبيرة الأجواء السوفييتية التي كانت مرهقة للأعصاب، ويقدّم معظم هذا التجسيد من خلال ذكر تفاصيل حية عن المشاركين. كانت الجداول مستحيلة والحصص الإنتاجية متزايدة في الطلب والعمال مهملين والميزانيات غير كافية، إضافة إلى التجاهل الكبير للقوانين، وإغفال التحذيرات التي أنذرت بعدم صحة التصميم. وبينما دفعت حادثة 1979 في جزيرة ثري مايل Three Mile Island المهندسين الأمريكيين إلى إعادة النظر في تصاميم المفاعلات؛ لم يكلّف السوفييت أنفسهم عناء شيء. ففي عام 1957 تعرض أحد المفاعلات السوفييتية لحادث تلوث إشعاعي كما حدث في مفاعل تشيرنوبيل رقم 1 في عام 1982، لكن جرى التعتيم على هذه الحوادث، وغيرها. ووُضِعت خُطّة لإصلاح التصميم، لكن التنفيذ للمفاعل رقم 4 تأجّل حتى أول اختبار للسلامة له في أبريل 1986.

يعمل هيغينبوثام، الذي كتب لمنشورات مثل ذا نيويوركر The New Yorker ومجلة نيويورك تايمز The New York Times Magazine، على تتبُّع اختبار السلامة المؤجّل دقيقةً بدقيقة. فقد تسبّبت خُطوة مُهمَلة في انخفاض قوة المفاعل، وأدّت المحاولات المُنفعلة لتنشيطها إلى زيادة مفاجئة في الطاقة. وأصيب المشغلون الذين كان التدريب الذي خضعوا له ضعيفاً بالهلع. وأدى انفجار للهيدروجين والأكسجين إلى قذف إيلينا في الهواء «كعملة معدنية مقلوبة»، وتدمير المُفاعل. حاول المشغّلون عبثًا إيقاف الانهيار من خلال التخطيط لدفع قوابس المشغلات يدويّاً. غير أن الإشعاع المُنفلت أطلق  عموداً من الضوء المُتَفَسْفِر الأبيض المشوب بزُرقة في الهواء.

ويأتي الانفجار في أقل من مئة صفحة في هذا الكتاب المؤلف من 366 صفحة (إضافة إلى أكثر من مئة صفحة من الملاحظات وقوائم المصطلحات وطاقم الشخصيات وشرح لوحدات الإشعاع). لكن ما يتبع ذلك يشدّ المرء إلى القراءة بالقدر نفسه. وجرافات الإصلاح التي يُتحَكّم فيها عن صارت عالقة بين الأنقاض. والتعرض للإشعاع أدّى إلى جعل الأصوات مرتفعة وحادة. وهمس رجل يحتضر لممرضته بأن تبتعد عنه لأنه كان مشعّاً جدّاً. ومثّل الحذاء المشعّ لعامل أول علامة في السويد على وقوع حادث نووي على بعد ألف ميل. ودخلت الشخصيات البارزة في الاتحاد السوفييتي المنطقة بصحبة أجهزة مقاييس الجرعات الإشعاعية العالية التقنية، والتي لم يعرفوا كيفية تشغيلها. وألقت التحقيقاتُ باللوم في الحادث على ستة ممن أجروا التعديلات، وصوّرتهم على أنهم «مثيرون للشغب» وأدانتهم.

لقد واجهت لجنة الأمم المتحدة العلميّة المعنية بآثار الإشعاع الذري United Nations Scientific Committee on the Effects of Atomic Radiation (اختصارا: اللجنة Unscear)، التي هي بالنسبة إلى الدراسات الإشعاعية منظمةٌ شبيهة بما تقوم به اللجنة الدولية للتغيرات المناخية (اختصارا: اللجنة IPCC) لتقييم آثار المناخ التي يسببها الإنسان، صعوبةً بالغةً في فهم المعلومات المتغيّرة والمُربكة.

أمّا كتاب كيت براون «دليل البقاء» فإنّه يتميز بأسلوب ونبرة مختلفين. ويهدف الكتاب إلى فضح محاولات التقليل من آثار تشيرنوبيل. تقول براون، وهي مؤرخة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، إنّ الكارثة لم تكن حادثاً بقدر ما كانت «علامة تعجب في سلسلة من حالات التعرض للمواد السامة التي أعادت هيكلة المشهد الطبيعي والهيئات والسياسات». وكانت منشورات اللجنة Unscear عبارة عن تستر، والأمراض المرتبطة بالإشعاع بمثابة «فارس مُظلم يجوب البريّة عبر أراضي تشيرنوبيل». لقد ألّفت براون الكتاب كي لا تكون «واحدة من أولئك الرفاق المخدوعين الذين اكتشفوا بعد فوات الأوان أن دليل البقاء على قيد الحياة لم يتضمن إلا حزمة من الأكاذيب».

في عام 2014 تقريبًا، بدأت براون بإجراء مقابلات مع أشخاص في المناطق المتأثرة، وسَعت إلى قياس النشاط الإشعاعي في أشياء مثل الصوف والماشية والمستنقعات. إنّها تروي قصصاً مؤثرة، لكن من الصعب تقييم الذكريات والحكايات، وكذلك القياسات. تُعتبر هذه الأمور مفيدة فقط ضمن الشبكة المعقدة من العوامل التي يأخذها علماء الأوبئة الاشعاعية في الاعتبار -بما في ذلك النوع، والفترة الزمنية للجرعة، والمسارات عبر الجسم، وحساسية Susceptibility الأنسجة الفردية، والإشعاع الطبيعي Background radiation – وكذلك المسائل الصحية مثل الكحول والسمنة والإجهاد.

يوجد النشاط الإشعاعي بكميات مختلفة في كل شيء، من العضلات إلى المباني Masonry. ويشير هيغينبوثام إلى أن الغرانيت في مبنى كابيتول الولايات المتحدة United States Capitol «مشع لدرجة لن ينجح معها المبنى في اختبارات قوانين السلامة الفيدرالية التي تنظّم محطات الطاقة النووية». وتكتب براون أن السماح بجرعةٍ سنوية تبلغ 5 مللّسيفرت Millisievert (وحدة عيارية) في منطقة من مناطق تشيرنوبيل يُعدّ «قسوة» ويعني أنه ينبغي نقل سكانها إلى مكان آخر. ومع ذلك، فإنّ هذا أقل من الإشعاع الطبيعي في العديد من المناطق المأهولة بالسكان. ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في دورية وقائع الجمعية الملكية Proceedings of the Royal Society؛ يبلغ متوسط جرعة الإشعاع السنوية في الولايات المتحدة (بما في ذلك خدمات التشخيص الطبي) 6.2 مللّسيفرت mSv، في حين قدّرت العديد من الدراسات الجرعة السنوية في مدينة دنفر Denver بأكثر من 10 مللّسيفرت، دون زيادة ملحوظة في معدلات السرطان. وتقلل براون من أهمية التقارير التي تتناول الآثار النفسية والاجتماعية للترحيل. لكن قد تكون للمهاجرين واللاجئين وجهة نظر مختلفة.

وإن المرء ليتساءل عن اقتراحات براون من وجود المؤامرات. فهي تكتب بسوداوية أن «القسم الطبي من تقرير الجيش الأمريكي حول الأضرار الجسمانية Physical damage في هيروشيما مفقود من إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية التابعة لحكومة الولايات المتحدة U.S. National Archives». وبالنظر إلى أن الكثير من البيانات متاحة حاليا على الإنترنت، فهل يكون هذا بسبب عدم الكفاءة أو الإهمال؟ هل تكون منشورات اللجنة Unscear الرديئة في بعض الأحيان عمليات تستر، أم أنها تشير إلى صعوبات دمج البيانات المتغيرة التي تحمل درجات متفاوتة من الموثوقية ضمن أفضل النماذج المتاحة؟ تؤيد براون عمل الناشطين المناهضين للأسلحة النووية، مثل إرنست ستيرن غلاس Ernest Sternglass، الذين تعرضت مزاعم العديد منهم بأنّ الإشعاعات تسبب كل شيء، من المعدلات المرتفعة لوفيات الرضع والجريمة إلى الدرجات المنخفضة في اختبار سات SAT، للتشويه وفقدان المصداقية. ويبدو أن لدى براون استعداداً لتصديق المصادر التي تتفق معها في آرائها، في حين تشكّك في تلك التي تُخالفها. ويضفي هذا الأمر على الكتاب نكهة جدليّة. وليس كل من يتّهمون البنية التحتية العلمية مُقدّسين، إذ يجب تقييم ادعاءاتِهم بقدر الاجتهاد نفسه الذي يقيّم به العلماء ادّعاءاتَهم الخاصة.

لا يتناول أيّ من الكتابين الطاقة النووية. ويعتبر مقدار وجود الطاقة النووية في قصة تشيرنوبيل ضئيلاً بقدر وجود صناعة المبيدات في كارثة بوبال Bhopal. لكن المسألة تلوح في الأفق؛ لأن لبديلها الوقود الأحفوري آثاراً كارثية طويلة الأجل. وتشير براون إلى أنّ مؤسسي كييف بنوا المدينة على جُرفٍ لصدّ الغزاة. إنّها صورة مؤلمة. لا يمكن للجروف إيقاف تهديدات الوقت الحالي، ونحن نُحدِثُ هذه التهديدات بأنفسنا لتشغيل التوربينات التي تدعم وجود مُدننا. يتطلب إبقاء هؤلاء الغزاة الجدد على مسافة بعيدة منّا فصل الحقيقة عن الخيال، ويعتمد على مشورة الخبراء. هل سنتجنب الكوارث من خلال التقييم النزيه لفوائد ومخاطر كل مصدر للطاقة، دون إخفاء تكاليفه؟ وهل ستكون لدى السياسيين الشجاعة للتصرف بناءً على تلك التقييمات؟ ليس بعدُ.

https://www.nytimes.com/

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق