كتب

الادعاء لا ينهي مرافعته

يتذكّر بريت بهارارا منصبه الحافل كمحامٍ أمريكي في دليل للعدالة الجنائيّة، والحياة

«تحقيق العدالة: أفكار مدعٍ عام حول الجريمة والعقاب وسيادة القانون».

“Doing Justice: A Prosecutor’s Thoughts on Crime, Punishment and the Rule of Law”

المؤلف: بريت بهارارا Preet Bharara

345 صفحة

 منشورات: Alfred A. Knopf

27.95 دولار أمريكي

المراجعة بقلم: جنيفر سينيور Jennifer Senior

ترجمة: آية علي

هل أنا المرأة الوحيدة في أمريكا التي تعتبر بريت بهارارا زوجها الإذاعي؟

لا أظن ذلك. يُعتبر بودكاست [النشرة الصوتية] «ابقوا متيقّظين مع بريت» Stay Tuned With Preet مرهماً معالجاً وداعيا للانغماس الذاتي وشريان حياة: إنّه يتدفق بسلاسة، ليس بفضل الحيوية التي يتسم بها ذكاء بهارارا فحسب (والمفيد على نحو غير معهود؛ نظرا، لأنه كان ذات يوم مدّعي الولايات المتحدة للمنطقة الجنوبية من نيويورك، والكثير من الأسئلة المُلحّة هذه الأيام هي أسئلة قانونية)، وليس فقط لقدرته على إجراء مقابلة جيدة (مع أنّ هذا العامل موجود أيضاً؛ مما يدفع المرء إلى التساؤل عمّا إذا كانت السنوات التي قضاها في استجواب الشهود وتلخيص القضايا جعلته يفهم إيقاعات القصّة الجيّدة)، لكن لدفئه وروح الدعابة لديه وعقلانيّته كذلك. وربّما يضع دونالد جيه ترامب المتفجّرات تحت أرضيّة أكثر مؤسساتنا المحبوبة، وربما تكون الديموقراطيات هنا وهناك قد نُسِفت عن بكرة أبيها، لكن برنامج بريت لا يزال موجوداً، ينشر بهدوء رسائل من كوكب العقلانية، ويذكّرنا كل أسبوع أنّ البشر الإنسانييّن ذوي العقول الرفيعة والقيم القديمة الطراز (النزاهة! الصفات الحميدة! الحقيقة! العدالة! المصلحة العامة!) لا يزالون يشغلون جزءاً كبيراً من الحياة العامّة.

أضف إلى ذلك أنّ أطفاله يعتقدون أنّه شخص محترم، حتى وإن لم يكن متوافقاً مع النزعات الاجتماعية المعاصرة. مُدعو الولايات المتحدة العامون: إنهم مثلنا تمامًا.

ونظرا لمدى انشغاله أثناء فترة عمله -عمل مكتبه على مقاضاة الجميع، من مفجّر التايمز سكوير إلى اثنين من كبار المُشرِّعين في مدينة ألباني- ونظرا لنُدرة السِّمات المتنوّعة التي يتمتع بها، من جاذبيةٍ وضميرٍ حيّ وفكر، يبدو بهارارا المرشح المثالي لكتابة مذكراتٍ شخصية رائعة. ولكنّ «تحقيق العدالة: أفكار مدعٍ عام حول الجريمة والعقاب وسيادة القانون» Doing Justice: A Prosecutor’s Thoughts on Crime, Punishment, and the Rule of Law ليس مذكرات شخصية تماماً، ولو كان ذكريات غير معقدة لاستمتعتُ به أكثر.

ما هو إذاً؟ في مقدّمته، يشرح بهارارا رغبته منذ سنوات في كتابة دليل للمدّعين العامين الشباب، «ليس مستمدّاً من النصوص القانونية والأطروحات، لكن من المُعضلات الإنسانية الواقعية التي من شأنها أن تحيّرهم وتربكهم كل يوم». لذا، فـ«رسائل لمحامٍ شاب»، كما سنطلق عليه، مبنيّ على منهجٍ دراسي مُعاشٍ. لكن بينما كان بهارارا يطوّر مواضيعه، كما يقول، أدرك أنّ هذا الكتاب «قد يكون في الحقيقة دليلا للعدالة بشكل عام، فلا يقتصر على الممارسين فحسب، بل للأشخاص الحقيقيين الذين يعانون ويسعون جاهدين في منازلهم ومكاتبهم إلى أن يكونوا منصفين وعادلين».

وهذا أمر جيد من الناحية النظرية، لكنّه لن ينجح في بعض الأحيان إلا عند التطبيق العملي. ففي بعض الصفحات يبدو أن بهارارا كان يخاطب المدّعين العامين المُحتملين («إذاً، فقد شارف تحقيقك على الانتهاء») وجمهورًا أوسع في صفحاتٍ أخرى («ويصدُق هذا بالطبع في كل مكان في العمل والحياة، هذا الاهتمام بالواجب والتفاصيل والمهمة»)، ويبدو أنّه لا يستقرّ على أسلوب عام في الكتابة حتى النصف الثاني من الكتاب.

وما يثير الحيرة والامتعاض أكثر هو أنّه عندما كان بهارارا يصبّ سيرته الذاتية في قالب كتابٍ للمشورة والنصائح، انتهى به المطاف بالحديث بلغة من الأقوال المأثورة والعبارات الأدبية الشائعة. ومن بين كل شخصيات المستشارين الموجودة في الأدب، لماذا بحق السماء يستعين ببولونيوس Polonius؟

ومع ذلك، ها هو ذا يكتب عن أهمية إنشاء مكتبٍ ذي ثقافة أخلاقية: «تتعلّق القيم بالغابة [الصورة العامة] أكثر مما تتعلق بالأشجار [التفاصيل]». وعن أهمية العمل الجاد يقول: «يميل الأشخاص الطموحون إلى رؤية كل مسعى على أنّه مباراة كرة سيحققون فيها هدفاً مثاليّاً بركلة واحدة. ولكنّ الأمر لا يسير بهذه الطريقة». وللوصول إلى النجاح، يكمل حديثه قائلاً: «عليك فعل الأمر ركلةً ركلةً».

وتساءلت –نوعا ما- عما إذا كان «تحقيق العدالة» سيصبح أفضل ككتابٍ مسموع يقرؤه بهارارا شخصيّاً. وأظنّ أنّه قرأ الكثير مما كتب بصوتٍ عال، سواء أكان ذلك من أجل الخطابات أم المرافعات الختامية أم في بودكاسته. فما كان سيبدو عميقاً عند وقعه على أذنك سيكون سطحيّاً على الورق. فكّر فقط في الفرق بين الاستماع إلى حديث برنامج تيد TED وبين قراءته.

هل يمتلئ كامل هذا الكتاب بهراءات بولونيوس؟ كلا، فمعظم الفصول تكون مبهجة أو مستفزة نوعاً ما، هذا إذا ما نقحت ذهنيّاً العبارات الشبيهة بعبارات كعكات الحظ (التي، لحسن الحظ، يقلّ عددها في النصف الثاني من الكتاب). ويقسّم بهارارا كتابه «تحقيق العدالة» إلى أربعة أقسام: التحقيق والاتهام والحكم والعقاب، وبهذا يتّبع إيقاعات قضيّة جنائية، ويعود كل فصل تقريباً – إمّا مباشرة أو عبر طريق مُلتف- إلى ادّعائه الأساسي، والذي استطاع تلخيصه على نحو بليغ في الصفحة 58 بقوله: «في النهاية من يُحقق العدالة هم الناس لا القانون». (وهذا موضوع عام لبودكاسته كذلك: تعتمد الديمقراطية على الجهات الفاعلة ذات النوايا الحسنة كي تعمل بصورة صحيحة.)

يدور جوهر كتابه عموماً حول القابلية العادية للخطأ، وكيف أنّ أولئك المسؤولين عن إقامة العدل بشرٌ عاديّون، وأنّهم معرضون للخطأ كباقي البشر. إنّه مفعم بقصص واقعيّة ومنبّهة تشير إلى الخطأ -وفي الحالات البارزة والأكثر جمالاً- عن البراعة والتصميم والتوبة.

يضم الكتاب فصلاً يتناول صعوبة التغلب على الانحياز التأكيدي Confirmation bias، ويناقشُ فصلٌ آخر مفارقة الشاهد المتعاون Paradox of the cooperating witness، وهو الشاهد الذي يمتلك معلومات كثيرة لكنّه شخصيةً منحطة –«تكون الركيزة الأساسية في قضيتك هي أيضاً كعب أخيل [نقطة ضعفك]». هنالك أيضاً فصول عن عبثية التعذيب، وصعوبة تحديد الأحكام العادلة، وأهمية التخلّي عن قضيّة ما، حتى وإن كانت هناك تكلفة غارقة Sunken cost [لا يمكن استردادها].

ويعدّ الفصل المتعلق بخواص القضاة ومواطن ضعفهم الخفيّة كاشِفاً ومدهشاً على نحوٍ خاص. (من القيود التي لم أفكر فيها قطُّ: لا يحق للقضاة مشاهدة زملائهم من القضاة أثناء عملهم. «لقد توقفت تجربتهم في الملاحظة والرصد إلى حد كبير مع لحظة تأديتهم لليمين».) وفي الواقع، فقد يكون قسم الأحكام برمّته، المتعلق بمرحلة قاعة المحكمة في العملية القضائية، هو أكثر أجزاء الكتاب سحرا وجاذبية، وذلك للأسباب ذاتها التي تجعل بهارارا يجد المحاكمات قديمة الطراز جذابة جدا: أنّها مُهيأة تماماً للتصوير السينمائي. (انتبه لقضية بائعة هوى المُعنَّفة التي تسعى إلى الحصول على أموالها المسروقة. ولم يسبق أن ترتبت على زلة في الرقم التسلسلي على العملة الأمريكية عواقبُ وخيمةٌ لهذه الدرجة منذ أن لعب جون غوتفروند John Gutfreund جولة بقيمة مليون دولار في لعبة البوكر الكذاب Liar’s Poker).

وبهارارا الذي تمتّع بمكانة بارزة وحظي باهتمام كبير ومميز (على الأغلب) من الصحافة أثناء فترة شغله لمنصبه من عام 2009 إلى عام 2017، لا يكشف عن الكثير عن علاقته بالصحافة في هذا الكتاب، ولا يصفّي الكثير من الحسابات. صحيح أنّه يوجّه كلاماً لاذعاً لصحيفة ذ وول ستريت جورنال The Wall Street Journal بسبب تسليطها الضوء على حقيقة أنّه لاحق راج راجاراتنام Raj Rajaratnam قضائيّاً، وهو زميل مهاجر من المنطقة نفسها من العالم، فكتب قائلاً: «يا إلهي، هنالك مدّعىً عليه من جنوب آسيا! ومدّعٍ عامٍ من جنوب آسيا! أتعلم أين يحدث هذا كل يوم؟ في الهند». لكنّه لا يذكر أي شيء تقريبا عن ستيفن كوهين Steven A. Cohen من صندوق التحوط ساك كابيتول SAC Capital، الذي لم يستطع مكتب بهارارا مُطلقًا إثبات شهيّته المسعورة للمعلومات الداخلية، كما كانت كلماته عن ترامب، الرجل الذي فصله من منصبه، قليلة.

ولم لا يبوح بشيء بهذا الخصوص؟ بالنظر إلى تأكيد بهارارا على القيم التقليدية -الواجب والحصافة واللياقة- وتطبيقاتها في مجال القانون، يبدو من الغريب عدم تقديمه لبضع كلمات بشأن ما حدث للولايات المتحدة في 8 نوفمبر 2016، عندما جرى انتخاب صاحب أسوأ النوايا التي يمكن تخيلها على الإطلاق رئيسا للدولة. هل أُصيبت البلاد بنوبةٍ قلبية؟ أم أنّها تخضع فقط لاختبار إجهاد القلب؟

تمنّيت لو أنّه قدّم جواباً. ومع ذلك يقدّم بهارارا فكرةً مُستلهَمة وغريبة قليلا لإنقاذ الخطاب العام في 2019: يجب أن نتعلّم من المحاكمات الجنائية الأمريكية، إذ يلتزم فيها الطرفان بالنظر في مكامن الخلل في مرافعاتهم، وفهم عقليّة الجانب الآخر. ويجب أن تكون التأكيدات مبنيّة على أدلّة، وأن يكون البحث دقيقاً، واللياقة أمر جوهري. ويكتب عن هذا قائلاً: «لا يمكن أن تنعت خصمك بأنه “شخص منخفض الذكاء”، ولا يمكنك القول إنّ الملاحقة القضائية أمر ذو جوهر سياسي، ولا يمكنك الإدلاء بتصريحات متحيّزة».

أوّل ما يتعين علينا فعله: دعونا نُنعش كل المحامين. وكعادته، يقدّم بهارارا حُجّة قويّة.

http://<link rel=”canonical” href=” https://www.nytimes.com/2019/03/25/books/review/preet-bharara-doing-justice.html “>

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق