كتب

روابطُ مفقودة

تجوب ماريا بوبوفا أرجاء ما يزيد عن 400 عام لتنسج قصص البراعة البشرية

“الكشف”

“Figuring”

بقلم: ماريا بوبوفا Maria Popova

578 صفحة.

بانتثيون بوكس Pantheon Books

30 دولارا أمريكيا.

ترجمة: آية علي

في كتاب ماريا بوبوفا الجديد الغريب والجميل “الكشف”، نتعرّف على النابغة ماريا ميتشل Maria Mitchell. في عام 1831، حينما كان عمرها 12 عاما، كانت تُمعن النظر عبر تلسكوب لعدّ ثواني الكسوف بصوتٍ مرتفع. وليلة بعد أخرى، كما تقول بوبوفا، كانت الفتاة الصغيرة “توجّه أداتها الثابتة نحو صفحة الليل، وتمشّط السماوات بشغفٍ مُنظّم وهادئ، بحثا عن كائن سماويّ جديد خلف ستار الأجسام المألوفة”.

وبعد ذلك بنحو 16 عامًا، أصبحت ميتشل أول شخص يرى مذنبًا جديدًا يمرّ عبر نظامنا الشمسي، وواصلت مسيرتها لتكون أول عالمة فلك محترفة بين نساء أمريكا، وأول امرأة تنضمّ إلى الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم American Academy of Arts and Sciences. وإلى جانب كونها الأولى في أمور أخرى، أصبحت شخصية تتمتع بقوة هائلة وتواضع حقيقي.

ساهمت ميتشل أيضا بالشعر في ناديها الأدبي المحلّي:

تستطيعين تعلّم الكثير من السير في منتصف الليل

عندما تمشينها، كلها، بمفردك.

إذا أتى معك رجل، يصبح الأمر كلاما في كلام في كلام.

لا يكون لديك أعين ولا عقل يخصّونك.

ومع أنّ ميتشل عاشت طويلا، فإنّها لم تمزج حياتها بحياة أحد معيّن[1]. لكن على الرغم من المآسي التي تتخللها، تُعدّ قراءة قصة حياتها ممتعة. تستخدم بوبوفا رسائل عالمة الفلك ومقالاتها وكتاباتها الأخرى لبعث الحياة في قوّة وجودها ودافعها نحو المعرفة في شكل نثرٍ غنائيّ. ومع ذلك، تعدّ ميتشل شخصية واحدة فقط من أصل عددٍ من الشخصيات الاستثنائية الموجودة في هذا الكتاب الطموح والصعب الذي يتحدّى التصنيفات بعض الشيء.

بدءًا بيوهانس كيبلر Johannes Kepler في عام 1617 وانتهاء براشيل كارسون Rachel Carson في ستينات القرن العشرين، تستكشف بوبوفا حياة مجموعةٍ من الأشخاص الاستثنائيين وأفكارهم. كذلك كانت ماري سومرفيل Mary Somerville، وهي عالمة فلكية اسكتلندية من مواليد عام 1780، عالمة رياضيات وكاتبة علوم وأم لأربعة أبناء والمرأة الوحيدة التي تتمتع بعضوية الجمعية الفلكية الملكية Royal Astronomical Society البريطانية. هربت المذهلة كارولين هيرشل Caroline Herschel، التي توفيت عام 1848، من العبودية المنزلية في ألمانيا بمساعدة شقيقها العالِم ويليام هيرشل في إنجلترا. بطولها البالغ 129 سم وبعين تالفة نتيجة مرض التيفوئيد الذي أصابها في طفولتها، حضّرت هيرشل الطعام لويليام وغّذت نيران مدفأته وأحضرت له الأدوات. عملت أيضا على دق السماد ونخله لإنشاء القالب اللازم لمرآة تلسكوب، وحسبت مواقع 2,510 سديما، واكتشفت ثمانية مذنّبات. يضمّ الكتاب أيضا شعراء، من الشهيرات إليزابيث باريت براوننغ Elizabeth Barrett Browning وإيميلي ديكنسون Emily Dickinson إلى كتّاب أقل شهرة، مثل المرعبة قليلاً مارغريت فولر Margaret Fuller، وهي أول امرأة تعمل محررة في إحدى الصحف الكبرى بنيويورك.

متجوّلةً عبر أربعة قرون، تتبّع بوبوفا درجات الانفصال بين شخصياتها، والطرق التي سلكتها لدخول حياة بعضها البعض والخروج منها. لقد تراسلت هذه الشخصيات مع بعضها البعض، وحظيت بأصدقاء مشتركين فيما بينها، وسعت نحو الحقائق الكبرى نفسها، وكتبت الشعر عن أعمال بعضها البعض.  تملّكت هذه الشخصيات كذلك الرغبة، وشعرت بالشوق والحنين، ووقعت في الحب ونهضت منه. وبينما كانت احداهن تولد، كانت أخرى تحتضر. وفي الوقت الذي تصبح فيه امرأة أول عضوة في نادً فكري مرموق مُقتصر على الذكور، تلحقها أخرى بعد قرن أو نحوه لتصبح الثانية.

وعلى الرغم من أنّ الهيكل العام لكتاب “الكشف” يسير بالترتيب الزمني، فإنّه ليس خطِّيًا البتة. يسير الكتاب بشكل عام عبر سلسلة من الروابط المفاجئة والتحولات المذهلة، وأحيانا عبر اندفاعٍ ترابطيّ مذهل. عندما تلتحم الروابط، يصبح الأمر عملا أدبيّا مبنيّا بعناية. تغادر ميتشل إلى أوروبا بعد وفاة راسل، فتزور سومرفيل هناك. توجد الكثير من الأمور المشتركة بين المرأتين، بما في ذلك -بطبيعة الحال- إرث كارولين هيرشل التي توفيت قبل عشرة أعوام. تقتبس بوبوفا رسالة إعجاب مُبهجة بعثت بها الكاتبة الأنغلو إيرلندية الشهيرة ماريا إيدغورث Maria Edgeworth إلى سومرفيل. صادف أن إيدغورث هي ماريا (تنطق: Ma-RYE-uh) التي سُمّيت ماريا ميتشل تيمُّنًا بها.

تلفتُ بوبوفا الانتباه بانتظام إلى شِعر العصر، وكثيرا ما يكون التزامن بين الموضوع والرمز آسرا. هنا في قصّة ميتشل قصيدة لرالف والدو إمرسون Ralph Waldo Emerson، حيث كتبها قبل أشهر من اكتشاف ميتشل: “أعبر نحو البعيد بحرّية مذنّب، أعبر مع المذنّب نحو الفضاء”. بل إنّ إمرسون ذهب في وقت لاحق إلى جزيرة نانتوكيت للنظر عبر تلسكوب ميتشل، وكذلك فعل كل من (هيرمان) ملفيل Melville وثورو Thoreau وفريدريك دوغلاس Frederick Douglass. يتسلل كل واحد منهم دخولا إلى الكتاب وخروجا منه. أحيانا تكون الروابط متينة، فعلى سبيل المثال، كان رفيقا ميتشل في السفر إلى أوروبا هما صوفيا بيبودي Sophia Peabody وزوجها ناثانيل هوثورن Nathaniel Hawthorne.

إنّ تقاطع الحيوات والأفكار ومشاعر الحب مُربك في بعض الأحيان، لكنّه يظل حقيقيا في الحياة بكل فوضاها وأحداثها. توجد روابط أخرى تتخذ منحى بعيدا عن القصة المطروحة، لكنّها تخلق شعورا بالانغماس في العالم الذي طافه هؤلاء الأشخاص الرائعون. أعطت سومرفيل دروسا خصوصية لآدا لوفليس Ada Lovelace، وهي طفلة اللورد بايرون Lord Byron الذي تخلى عنها وكاتبة أول برنامج حاسوبي في العالم. وفي الواقع، كانت سومرفيل هي التي قدّمت لوفليس للمرة الأولى إلى عالم الرياضيات تشارلز باباج Charles Babbage، وهو اجتماع نتج عنه وجود أول حاسوب في العالم.

لكن هذه المنعطفات تكون أحيانا مشتِّتة للانتباه. نقلت بوبوفا عن كارولين هيرشل، التي أصبحت بحلول ذلك الوقت عجوزا ترثي فناءَها الشخصي، قولها: “يا لها من فكرةٍ مُروّعة وصادمة فكرة الزوال هذه الزوال!”. لا يهمّ كم أنت ذكي، تشير بوبوفا، فالوفاة هي النهاية المُرعبة والمبتذلة التي تنتظرنا جميعًا. عند ذلك تنتقل إلى ذِكر حكاية مُوسّعة حول عالم الفيزياء العبقري ريتشارد فاينمان Richard Feynman وزوجته الشابة التي توفيت في عام 1945. فقد تاق فاينمان، هو الآخر، بشكل غير عقلاني إلى شيءٍ من الحياة الأخرى. لكنّ قصة فاينمان لا تُعمّق رثاء هيرشل ولا تأملات بوبوفا بأي شكل من الأشكال، وهي قصة يبدو أنّها لم تفعل سوى الزعزعة من مركز ثقل الكتاب.

يضمّ كتاب “الكشف” بين جنباته كتابات جميلة، وهي مُستلهمة من حبّ بوبوفا الواضح للكلمات، لكنّها تتسبب أحيانا في جعل مقاصدها غامضة. من ذلك إشارتها إلى أنّ راشيل كارسون كانت تعلم في أعماقها أنّها تحتضر: “لا بدّ من أنّها كانت تعلم، بالوعي الخلوي لجسدٍ هشّ خلف بوابة العقل الواعي التي أغلقها الإنكار، أّنها لن تعود أبدا”.

أسّست بوبوفا مدونتها الثقافية الشهيرة Brain Pickings منذ أكثر من عقدٍ من الزمن. وتوضّح بوبوفا أن هذا الموقع يتغذّى على “الملاحظات الهامشية المطوّلة المأخوذة نتيجة البحث عن المعنى عبر الأدب والعلوم والفن والفلسفة ومختلف مجسّات الفكر والشعور الإنساني”. ينطبق هذا الوصف أيضا على معظم كتاب “الكشف”، ففي كلا الشكلين، نرى افتتان بوبوفا بترافدات التاريخ وأحداثه غير المتوقّعة، وهي تشير بانتظام إلى تجاورات غريبة تثير شعورًا بالدهشة. لكن تأليف كتاب يحتمل عددا معينا فقط من الملاحظات الهامشية، فوضع الكثير منها يتسبب في تفكك التوجه العام، أو يجعله على الأقل أقرب إلى مدونة -استطرادية أو تتابعيّة- منه إلى قصّة.

تشمل الملاحظات الهامشية في “الكشف” الأدوار الثانوية الصغيرة والمُربكة. من ذلك ذكر موريس سنداك Maurice Sendak ضمن قصة عن مارغريت فولر، واستحضار حكمة أودري لورد Audre Lorde لشرح شيء يتعلق بميتشل وملفيل، ونقل اقتباس عن أورسولا ك. لي غوين Ursula K. Le Guin لتوضيح قصة أخرى حول فولر.

يقول اقتباس لي غوين: “الكلماتُ أحداث. إنّها تفعل أشياء، وتغيّر أشياء. إنّها تحوّل كلّا من المتحدث والمُستمع”. هذه وجهة نظر حقيقية وممتعة، لكنّ “الكشف” لم يكن بحاجة إلى نسخة لي غوين منه (ولا نسخة سنداك أو فاينمان أو لورد)، فكلمات بوبوفا بمفردها تفي بالغرض.

[1]  أي لم تتزوج. (المترجمة).

https://www.nytimes.com/

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق