بيولوجيا

أرض كائنات الزومبي: عالم فسيح خفي من الميكروبات مستتر أميالا تحت أقدامنا

بغض النظر عن مدى العمق الذي نحفره، فقد شقت الحياةُ طريقها دائما نحو الديمومة والبقاء. وبمقدور القصة اللافتة لهذه الميكروبات الخارقة أن تعلّمنا كيفية تطوّر الحياة.

بقلم: غراهام لوتون

ترجمة: محمد قبازرد

«العشرة ملايين سنة الأولى كانت الأسوأ، والعشرة الثانية كانت الأسوأ أيضاً، أما الملايين العشرة الثالثة فلم أستمتع بها بتاتاً، بعدها بدأت بالتدهور نوعا ماً».

مسكينٌ مارفن الأندرويد Marvin the Android المصاب بجنون الشك .. تُرك لينتظر إلى ما لا نهاية في ساحة موقف للسيارات في مطعم ما عند نهاية الكون. ولكن إذا بدت محنة هذه الشخصية التي أبدعها المنتج السينمائي دوغلاس أدامز Douglas Adams بائسة ، فلنتأمّل إذاً قَدَرَ الحياة الحقيقية للكائنات الحية المجهرية الدقيقة التي اكتشفت مطمورة بين طيّات رواسب قاع جنوب المحيط الهادي عام 2010. فقد ظلت مدفونة هناك نحو 100 مليون سنة.

وكانت -بالكاد- لا تزال على قيد الحياة، وكانت عمليات تمثيلها الغذائي Metabolism قد تباطأت بشدّة، كما كانت تستخدم ما توفر لديها من طاقة قليلة كي تبقى متشبّثة فحسب برمق من الحياة. ولكنها بقيت حية، ويقول مكتشفها ستيفن دونت Steven DHondt من جامعة رود آيلاند University of Rhode Island: «إنها تتنفس بكل تأكيد».

قد يبدو وجود ميكروبات عتيقة – شبه ميتة كالزومبي- مدفونة عميقاً تحت سطح الأرض مفاجئاً، غير أن دونت وفريقه كانوا سيتفاجؤون أكثر لو أنهم لم يعثروا عليها. أينما نحفر سطح هذا الكوكب نجد حياة. وبينما بعض الكائنات الحية شبه ميتة كالزومبي؛ فإن أكثرها ليس كذلك. والحياة تحت سطح الأرض غنية ومتجدّدة وغريبة جدّاً، وما تعلّمه لنا له تضمينات مهمة لمفهومنا عن الحياة ذاتها، ليس على الأرض فقط بل الكواكب أيضا.

ولقرون خلت ظنّ البشر أن قشرة الأرض ليست سوى جماد صخري. وفي عام 1926 ظهرت البادرة الأولى المخالفة لهذا الظن حينما استخلص جيولوجيون أمريكيون ماءً من عمق نحو 600 متر من آبار نفط واكتشفوا-بكتيريا تسبح فيها. لو صح ذلك الاكتشاف؛ لكان إنجازاً علميّاً مميزاً. لكن بدلا من، فقد رفض على نطاق واسع واعتبر أنه مجرد تلوّث.

في عام 1977  تغيّرت المواقف إزاء الحياة في باطن الأرض عندما اكتشف علماء على متن غواصة رحلة علمية أمريكية فوّهات مائيةً حراريةًHydrothermal Vents تحت قاع المحيط الهادي. وكانت هذه «المداخن السوداء»Black smokers   موجودة جنباً إلى جنب مع الحياة الميكروبية التي تتغذى بالطاقة الكيميائية تحت قاع المحيط الهادي.

وفي عام 1992 نشر الفيزيائي الفلكي وصاحب الاكتشافات العلمية توماس غولد Thomas Gold  بحثاً بعنوان «البيوسفير الساخن العميق» The deep, hot biosphere. وجادل في وجود مصادر طاقة شبيهة ليست مقتصرة على الفوهات المائية الحرارية فحسب، ووضع فرضية مفادها أن طبقة ما تحت قشرة الأرض تعج بالحياة الميكروبية التي تعيش في الفجوات بين الصخور. وقد يعادل حجم هذا البيوسفير (المحيط الحيوي) Biosphere ذلك  الذي فوق سطح الأرض، وقد تشيع مثل هذه الكائنات الحية في الأجرام السماوية بمنظومتنا الشمسية.

وبعد ربع قرن، تمت برهنة افتراضات غولد-على كوكبنا على الأقل.-إذ أثبتت مشاريع حفر سطح الأرض وقاع البحر وعمليات تنقيب المناجم العميقة ودراسات مسح الفوهات المائية الحرارية وجودَ بيوسفير ساخن وعميق مذهل الحجم والتنوع.

ويقول روبرت هيزن Robert Hazen المدير التنفيذي لمرصد كربون أعماق الأرض Deep Carbon Observatory من مركز كارنيغي للعلوم Carnegie Institution for Science في واشنطن: «هناك مملكة حية متكاملة تحت أقدامنا، وهناك بيوسفير ضخم غير مرئيّ، ليس فقط للطبيعة المجهرية لكائناته، بل لأنه يقع في جوف الصّخور الصّلبة فعليّاً».

وتقول كارا ماغنابوسكو Cara Magnabosco الباحثة في مجال الأحياء العميقة بمركز فلايترون Flatiron Institute في نيويورك: «إنه ضخم». وقد جمعت ماغنابوسكو مؤخرا بيانات من مئات الدراسات حول العالم للتوصل إلى تقدير لحجم البيوسفير العميق. وجاءت استنتاجاتها صادمة: إذ خلصت إلى أن حجمه يعادل ضعفيْ  كلّ المحيطات مجتمعة -أي نحو بليوني كيلومتر مكعب- ويحتوي على نحو 1030 خلية ميكروبية. وهو ما يوازي نحو 70% من إجمالي الحياة الميكروبية على سطح الأرض. وتضيف ماغنابوسكو: «إن بيوسفير طبقة ما تحت القشرة الأرضية هو آلبيوسفير الأكبر على الكوكب ويشمل معظم الحياة الميكروبية».

«حتى مع حفرهم لأكثر من أربعة كيلومترات في عمق القشرة الأرضية،

فلم يصل العلماء بعدُ إلى حجر عقيم»

ومن غير المدهش، نظراً لموقعه الذي يصعب الوصول إليه، يبقى البيوسفير العميق مجهولاً إلى حد كبير. وتقول كارين لويد Karen Lloyd الجيوميكروبيولوجية Geomicrobiologist من جامعة تينيسي University of Tennessee في نوكسفايل: «لم نلتقط سوى صور لجزء من المشهد، ولكن مقارنة بأي بيئة أخرى على كوكب الأرض، فقد أخذنا عينات ضئيلة جدّاً منها نظراً لوجوب بذل الكثير من الجهد لحفر ثقب عميق في الأرض أو بعيداً في قاع المحيط أو البحث عن منجم ما». ولكن، مع تطورات تقنية الحفر وسَلْسَلَة الحمض النووي تكشف لويد وباحثون آخرون شيئاً فشيئاً عن بيوسفير يطلق عليه البعض مجازا اسم «جزر غالاباغوس تحت الأرضية» Subterranean Galapagos.

جميع أشكال الحياة في أعماق الأرض بسيطة، كائنات حية أحادية الخلية، في الغالب من البكتيريا أو العتائق Archaebacteria  إضافة إلى قليل من الكائنات المجهرية الحقيقية النواة Microeukaryotes والفطريات Fungi التي تعيش في شقوق وفجوات الصخور -على الرغم من وجود كائنات عديدة الخلية أيضاً. ومعظم تلك الكائنات لم يتعرّف عليها رسميّاً. يقول توليس أونستوت Tullis Onstott الجيوميكروبيولوجي من جامعة برينستون Princeton University: «نحن نطلق عليه ‘المادة الميكروبية المعتمة‘».

وإلى حد علمنا، فإنّ هذا البيوسفير يمتدّ حول العالم تحت اليابسة والمحيطات على السّواء، كما أنه يبدأ من بضعة أمتار تحت سطح الأرض وحتى الأعماق الغائرة.

.حدود الحياة

حتى مع حفرهم لأعمق من أربعة كيلومترات داخل القشرة الأرضية تحت اليابسة و2.5 كيلومتر داخل القاع البحري، لم يعثر العلماء حتى الآن على صخرة عقيمة -أي بلا بيوسفير. وأعمق عينات الكائنات الحية في مسح ماغنابوسكو كانت قد أُخذت من عمق خمسة كيلومترات تقريباً إلى الأسفل في مواقع حفر في الصين والسويد. ويتفق الجميع على حتمية وجود «نقطة لا حياة» في مكان، بَيْد أن تحديدها يبقى مبهما. وتقول لويد: «عند نقطة مفصليّة ما يتحتّم وجود درجات حرارة وربّما معدّلات ضغط معيّنة أيضا تـحـدّ من ديمومة الحياة نظرا لانحلال المركّبات الكيميائية».

تبدو الحرارة هي العامل الرئيسي الذي يحد من ديمومة الحياة. إذ ترتفع حرارة قشرة الأرض القاريّة بمقدار 25 درجة سيليزية في المتوسط لكل كيلومتر نحو العمق. أما في قشرة الأرض تحت المحيطات فالتدرج هو أقل حدة في انحداره إذ يعادل 15 درجة سيليزية للكيلومتر الواحد.

قد يفوق هذا -وبمعدل سريع- قدرة الكائنات الحية العديدة الخلية على احتمال الحرارة، غير أن الميكروبات مخلوقة من مادة أشدّ تحمّلا. فبإمكان العديد من الكائنات الدقيقة المحبة للبيئات القصوى Extremophiles أن تتحمّل درجات حرارة تربو على مئة درجة سيليزية بكفاءة عالية. وحيث تَحُول معدلات الضغط العالية دون غليان المياه، فإن بمقدور درجات الحرارة أن تتصاعد أكثر. والبكتيريا الحالية صاحبة الرقم القياسي في قدرة التحمّل هي البكتيريا العتيقة ميثانوبايروس كاندليري (الميثانية النارية)  Methanopyrus kandleri التي تعيش عند 110 درجات سيليزية في الفوهات المائية الحرارية بخليج كاليفورنيا، وزرعت في المختبر عند درجة 122 سيليزية. أما الرقم القياسي الخاص باليابسة؛ فهو من نصيب بكتيريا عتيقة أخرى هي جيوجيما باروسي Geogemma barossii التي تنمو وتتكاثر عند 121 درجة سيليزية.

ووفقا لهِزن، فإن من المتصور أن تحيا الكائنات الحية الدقيقة عميقاً في القشرة الأرضية عند معدلات ضغط قصوى ودرجات حرارة أعلى قد تبلغ 150 درجة سيليزية.

وإذا صح هذا، فإنه سيدفع بنقطة الاحتمال النّظرية المفترضة أعمق إلى نحو ستة كيلومترات عمقاً لليابسة وعشرة كيلومترات لقاع المحيط، وربما أكثر أيضاً. ويقول هيزن: «لو أن لديك أماكنَ ذات صخور باردة نسبيّاً، فبإمكانك أن تحفر إلى مستوى أعمق من عشرة كيلومترات مع بقاء درجات الحرارة ضمن هذه الحدود». ووفقاً لماغنابوسكو، فإنّ درجات الحرارة لا تتعاظم لتبلغ هذا السقف في بعض طبقات القشرة الأرضية السّميكة القديمة إلا عند عمق 23 كيلومتراً. وهذا بدوره يوسّع النطاق إذا افترضنا قدرة الميكروبات على تحمل الضغط.

إذاً، بلوغ اليقين القطعي ليس في المتناول مع تقنية الحفر الراهنة. وأعمق ثقب حُفِر حتى الآن هو ثقب كولا سوبرديب Kola Superdeep  في روسيا قرب حدودها المشتركة مع النرويج. وحين دشّن حفره عام 1970 هدف العلماء منه إلى الوصول إلى عمق 15 كيلومترا. ولكنّهم أُجبروا على التوقّف دون بلوغ هدفهم عند مستوى 12,262 متر بعد حفرهم مدة بلغت نحو 20 عاماً بفعل درجات الحرارة الأعلى من المتوقّع.

 الحرارة والضغط تحدّيان  كبيران، غير أنها أبعد من أن يكونا وحدهما فحسب ما قد تواجهه في هذا الميدان لو كنت تعيش عميقاً تحت السطح.

آكلات الصخر

هناك تحدّ آخر وهو الطاقة. ويعتمد نمطا الحياة على سطح الأرض -وهما: البناء الضوئي الداخلي الذاتي التغذية Photosynthesis، والالتهام الخارجي غير ذاتي التغذية Heterotrophy  والمحكوم بآليّة هضم الطعام- على وجود الضوء أو المادة العضوية والأكسجين، على الترتيب. وهناك القليل من هذيْن النّمطيْن تحت سطح الأرض. ولتعويض ندرتهما، يتعين على الكائنات الدقيقة الموجودة عميقاً في باطن الأرض أن تتسلّح بحيل أيضيّة، ويقول هيزن: «هناك بالفعل بعض السيناريوهات البيوكيميائية».

وقد تتوفر في بعض المواطن مادة عضوية كافية معظمها هيدروكربونات أحفورية-  لدعم مستعمرات الميكروبات الهاضة غير ذاتية التغذية التي هي في معظمها ميكروبات لا هوائية  Anaerobic microbes  تستعيض في تنفّسها عن غاز الأكسجين بالنترات Nitrate  والكبريتات v أو أيونات المعادن مولّدة كمّاً هائلاً من نواتج مخلّفات عضوية تقتات بها بقية الميكروبات الأخرى.

غير أن النمط الأكثر شيوعاً من أنماط الحياة العميقة هو النمط الذاتي التغذية Autotrophy الذي يصنع فيه الكائن الحي المجهري غذاءه بنفسه. وتحت الأرض تستخدم الميكروبات العميقة الصخر ذاته كمصدر للطاقة، كما تولّد التفاعلات الكيميائية تحت وطأة درجات الحرارة ومعدلات الضغط الشديدة مركبات غير عضوية غنية بالطاقة تستطيع الميكروبات تحليلها وتكسيرها إلى جزيئات أبسط لإنتاج الطاقة منها. وتعرف هذه الكائنات حرفيّاً بـ«آكلات الصخر الكيميائي» Chemolithotrophs.

وقد يستخدم أيّ مركّب لا عضوي كمصدر للطاقة غالباً، غير أن أكثرها أهمية هي مركّبات الهيدروجين التي تنتج جراء سلسلة تفاعلات بين الصخور والمياه، كما هي الحال في انقسام ذرات الماء الناتج بفعل الإشعاع الأرضي ومن تحطّم الصخور السيليكاتية Silicate بواسطة النشاط التكتوني المشوّه لقشرة الأرض.

تنتج آكلات المركّبات الهيدروجينية فضلاتٍ بإمكان الميكروبات الأخرى استهلاكها وتوليد الطاقة منها أيضا. ولذلك يرتّب النظام الإيكولوجي لما تحت السطح على هيئة سلاسل غذائية معقدة في قاعها الكائنات المُنتِجة Primary Producers وشبكات من الكائنات المُستهلِكة التي تقتات بفضلاتها وفضلات بعضها البعض. وهناك أيضاً المفترسات العليا Apex Predators  المشتملة على ديدان متعددة الخلايا آكلة الميكروبات أحيانا. (انظر: الأعظم.)

ومع ذلك، فإنها بيئة ذات إيقاع حياة بطيئة. وتصفها لويد قائلة: «في بعض الأماكن تستمرّ الحياة على مقدار من الطاقة أقل مما ظننّاه ممكناً، أعتقد أن هذا يغيّر مفهومنا عن كيفية عمل البيولوجيا كي تتناغم مع الإيقاعات الجيولوجية الأرضية وعملياتها، وليس الإيقاع الزمني السريع الذي يبدو أن سطح العالم يسير عليه». وعلى خلاف الأنظمة الإيكولوجية على سطح الأرض، فإنّ هذا النظام العميق بكر لم يُمسّ. ويقول دونت: «يشتمل هذا العالم العميق تحت الأرض على أحد الأنظمة الإيكولوجية النادرة جدّاً التي لم تبدّل ولم يعبث بها الإنسان بشكل كبير».

ونظراً لضرورة الابتكار الأيضية للعيش تحت وطأة ظروف كهذه، فإن  كثيراً من هذه الميكروبات لم يعرفها العلماء سابقا. تقول لويد: «هناك تنوّع واسع جدّاً».

وتنتمي بعض الميكروبات إلى مجموعات غير معروفة في السابق، مصنّفةً وصولاً إلى مستوى الشّعب الحيوانية Phylum: المرتبة التصنيفية المكافئة لاكتشاف الرّخويات والمفصليات، ويقول أونستوت: «نحن متفاجِئون من تفاوت ما نجده».

يقول ميتش سوغن Mitch Sogin من المختبر البيولوجي البحري Marine Biological Laboratory في ماساتشوستس والذي يشغل منصب الرئيس المساعد لمشروع الحياة في الأعماق الغائرة التابع  لمرصد كربون أعماق الأرض: «من المحتمل أيضاً وجود وسط حياة ميكروبي جديد تماماً ينتظرنا لاكتشافه». وما يعرفه البيولوجيون في الوقت الراهن هو ثلاثة نطاقات: حقيقيات النوى، والبكتيريا، والعتائق. وقد أدّى اكتشاف هذه الأخيرة منها -أي العتائق- في عام 1977 إلى مراجعة شاملة كبرى لشجرة الحياة Tree of Life. وقد يؤدي نطاق رابع في حال اكتشافه إلى ثورة مماثلة.

والتنوّع جغرافي أيضاً. وكما هي الحال مع الأنواع الحية Species التي تعيش على الأرض، هناك حفتة من الأنواع الموجودة في كل مكان، غير أن معظمها محلي. إن ماهية الموجودات ومكانها يعتمدان على البيئة ومصادر الطاقة المتاحة.

يكمن التفاوت الأكبر بين البيئات اليابسة والمائية، كما تقول ماغنابوسكو. تميل الرواسب المائية كلها إلى أن تتماثل فيما بينها  -ربّما لكونها مغمورة بالماء-  في حين تعتمد بيئات اليابسة على نوع الصخر. وتضيف ماغنابوسكو: «هناك العديد من أنواع الصخور كالغرانيت والبازلت والحجر الرملي والطيني، وهي تحتضن مستعمرات ميكروبية بالغة الاختلاف، وكل منها يمارس تمثيله الغذائيّ المختلف».

وبعض الأقاليم غنية وخصبة كغابات الأمازون، والبعض الآخر صحارٍ تؤدي قلة من الأنواع الحية، ويقول هيزن: «في بعض الأنظمة الإيكولوجية هناك فقط نوع واحد من الكائنات الحية وهذا مبدأ غريب نوعا ما».

والأغرب من ذلك أن بمقدور هذه الأنظمة الإيكولوجية أن تكون بمعزل عن الحياة التي نعرفها. يضيف هيزن: «يبدو أن بعض هذه الأوساط الميكروبية العميقة عُزلت عن سطح الأرض منذ مدة طويلة جدّاً». وربما كان ذلك الجانب من هذه الحياة العميقة هو الأكثر إدهاشاً: ففي بعض المواقع يكون البيوسفير معزولاً تماماً، يدير شؤونه دون أدنى اتصال بالحياة في الطبقات الأعلى.

«ربما بدأت الحياة  تحت السطح

ثم انتشرت صعوداً نحو الأعلى».

وأحد أكبر تضمينات ذلك يتعلق بفهمنا لأصل الحياة. والاحتمال المثير هنا أن الأنظمة الإيكولوجية تحت السطحية المعزولة هي أنظمة متحدرة مما يسمّيه علماء الأحياء “النشأة الثانية” Second genesis: حادثة نشوء حياة مفصولة عن تلك الأولى التي انبثقت منها الحياة على السطح. لكن، لا يبدو أن الأمر كان كذلك؛ فجميع الميكروبات المُصنَّفة حتى الآن تستخدم الشيفرة الجينية والتفاعلات البيوكيميائية نفسها للحياة فوق السطح، لذا بالاستنباط فهي متحدرة من الأصل المشترك نفسه، وفقاً لهيزن.

غير أن ما لا يمكن استبعاده هو أن الحياة ربما بدأت تحت سطح الأرض ثم انتشرت صعوداً إلى السطح. تقول لويد: «التفاعلات تحت سطح الأرض تولِّد جميع الجزيئات البيوكيميائية المهمة لدعم الحياة، ومع معرفتنا أكثر عن الحياة في الأعماق؛ فإننا نتأملها من منظور تحديد ما إذا كانت هي أصل نشأة الحياة أيضاً».

ولو صحّ هذا الأمر؛ لكانت له تضمينات ضخمة فيما يتعلق بحقل البيولوجيا الفلكية المعني بدراسة الحياة على سطح الكواكب الأخرى. تحوي العديد من الأجرام السّماوية الأخرى في منظومتنا الشمسية وأفلاكها قشرةً تحت سطحها تـماثل نظيرتها الأرضية. فماذا لو دبّت الحياة تحت سطحها لأربعة بلايين سنة وازدهرت وربت هناك كأفضل ما يكون.  ولم لا تدبّ الحياة في كوكب المريخ أو الكواكب الصخرية الأخرى أو حتى في تلك التي تفتقر إلى ضوء الشمس؟

هناك أقاليم في كوكب المريخ وفقاً لأونستوت- تتشابه فيها جدّاً ظروف طبقة ما تحت سطحها مع تلك التي لتحت سطح الأرض ذات الحياة العميقة الوافرة. ويقول أونستوت إنه ليس فقط أصلاً للحياة تحت السطح، «ففي بدايات كوكب المريخ، كانت هناك ظروف سطحية ممكّنة لنشأة حياة. وربما هاجرت هذه الحياة سريعاً نزولاً إلى ما تحت السطح».

وفي المستقبل المنظور يظل هذا مجرد تخمين. وتخطّط بعثة ناسا الاستكشافية المقبلة،Mars 2020 ، لحفر سطح أرض المريخ عميقاً بحثاً عن علامات الحياة، لكنها لن تحفر بالقدر الكافي للوصول إلى بيوسفير ما تحت السطح. وسيتعين علينا الانتظار لبعثة استكشاف أخرى -مزوّدة بطاقم علمي ربما-  للحصول على إجابات، على حدّ قول أونستوت.

لكن يبقى السؤال: لماذا الاكتفاء بالمريخ؟ يضيف أونستوت: «حين تتوفر حرارة كافية لتولّد بيئة سائلة في الأعماق، ربما سيكون بإمكانك العثور على حياة. قد تذهب إلى عطارد، أو إلى مناطق القطب الجنوبي من القمر، أو إلى بلوتو، قد تكون هناك حياة حتى على الكويكب سيرس».

وحتى لو كانت الحياة العميقة مقصورة على الأرض فحسب، فهناك العديد من الاكتشافات الجديدة بانتظارنا. فمرصد كربون أعماق الأرض موجود منذ عقد واحد فقط من الزمن، وقد وصل بالكاد إلى ما تحت سطح القشرة.

يقول هيزن: «أعتقد أنه من الأمان القول إن الاكتشافات التي تحققت حتى الآن مذهلة ومثيرة بشكل لا يصدّق، فقد فتحت أعيننا على نمط حياة جديد».

الأعظم

بيوسفير ما تحت سطح الأرض مذهل بحق، إليك بعض ميكروباته المحطّمة للأرقام القياسية.

الأحرّ

حتى عهد قريب، كانت حاملة الرقم القياسي هي بكتيريا عتيقة أحادية الخلية تسمّى بيرولوبوس فوماري Pyrolobus fumarii المكتشفة على جدار الفوهات المائية الحرارية أو «المداخن السوداء» في عام 1996 على قمة جبل في منتصف المحيط الأطلسي، وهي تنمو بشكل مثالي عند درجة حرارة 106 سيليزية وبمقدورها العيش حتى 113 سيليزية. وقد تفوقت عليها منذ ذلك الحين بكتيريا عتيقةٌ أخرى أيضاً منتجةٌ لغاز الميثان وهي جيوجيما باروساي Geogemma barossii المكتشفة في الفوهات المائية الحرارية على جبل خوان دي فوكا في المحيط الهادي، وبمقدورها النمو والتكاثر عند درجة حرارة تبلغ 121 سيليزية.

الأكبر

في عام 2011 وثّق فريق عثوره على دودة النيماتود الشريطية على عمق 1.3 كيلومتر تحت سطح منجم ذهب في جنوب إفريقيا. وأثبت لاحقا أن ذلك الوسط كان موطنها الطبيعي بالفعل حيث تتغذى بالكائنات الحية الدقيقة هناك. وتعتبر الدودة هاليسيفالوبوس ميفيستو Halicephalobus mephisto التي تبلغ نصف مليمتر طولاً وحش العالم السّفلي، ويقول عنها توليس أونستوت عضو الفريق الذي اكتشفها: «إنها تعيش عند حد درجة الحرارة العلوي بالنسبة إلى الكائنات عديدة الخلايا».

الأقدم

في عام 2010 كانت سفينة الحفر جوديس ريزوليوشون JOIDES Resolution، التابعة لبرنامج اكتشاف المحيطات العالمي International Ocean Discovery، قد حفرت عميقاً وصولاً إلى الرواسب تحت التيارات الدائرية والدوّامات المائية في المحيط الهادي. وأظهرت عيّناتها المأخوذة ميكروبات محشورة بين طيّات تلك الرواسب تعود إلى نحو 100 مليون سنة على أقل تقدير. لا أحدَ متيقّنٌ تماماً من عمر هذه الكائنات تحديداً، غير أن التحاليل تفترض أنها تعود إلى ملايين عديدة من السنين على الأرجح. وعندما تتغذى بكشط مواد عضوية مطمورة معها تزداد ندرة باستمرار، وبالكاد تستطيع القيام بما يزيد على الاحتماء. ويقول مُكتشفها ستيفن دونت من جامعة رود آيلند: «إنها تعيش حياة كفاف بشكل اضطراري يائس».

الأعمق

إن أعمق دلائل الحياة المرصودة حتى الآن تأتي من نحو سبعة كيلومترات تحت سطح الأرض من حفرة كولا سوبرديب Kola Superdeep في روسيا. ولكن هذا المشروع  لم يكن معنيّاً بالبيولوجيا بالذاب، كما أن الاكتشاف يحتمل العديد من التفسيرات. وأعمق الكائنات التي يمكن أن تشخّص هي خليط من البكتيريا والعتائق على عمق حفرة تبلغ خمسة كيلومترات في الصين. وقد اكتشفت الميكروبات أيضاً على عمق 2.5 كيلومتر تحت قاع البحر. وتقول لويد الميكروبيولوجية من جامعة تينيسي في نوكسفيل: «ربما لا يبدو هذا مؤثّراً إلى حدّ كبير فيما يخص المسافة نظراً لأننا اعتدنا على التفكير في المسافات الجانبية. ولكن عندما تحفر عينة عميقة، فإن تلك مهمة مذهلة».

الأكثر حصرية

يقبع على نحو 2.8 كيلومتر تحت سطح منجم ذهب مبوننغ Mponeng Gold Mine   في جنوب إفريقيا واحد من أكثر الأنظمة الإيكولوجية غرابة. فأكثر من 99,9% من الكائنات المستوطنة فيه هي من نوع واحد لا غير، وهو البكتيريا ديسولفروديس أوداكسفياتور Desulforudis audaxviator ، وبذلك فهو النظام الإيكولوجي الوحيد المعروف الذي لديه نوع حي واحد فقط.

نبذه عن الكاتب:

غراهام Graham Lawton: عضو هيئة تحرير وكاتب عمود في مجلة نيوساينتيست، متخصص بالتنوع البيولوجي والبيئة والطب الحيوي. تابعوه على @GrahamLawton

New Scientist

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق