علم الاجتماع

إيثار 2.0 : كيفية استخدام العلم لزيادة تأثير الأعمال الخيرية

يستعين الإيثاريّون الفعالون بالأدلة العلمية والحجج لزيادة أثر إحسانهم. ويحذو جوشوا هوغيغو حذوهم لمعرفة ما إذا كانت طريقتهم ستساعده على فعل الإحسان بشكل أفضل

بقلم: جوشوا هوغيغو Joshua Howgego

ترجمة: روان دشتي

قد يبدو فندق أثينا في مدينة بلاكبول بالمملكة المتحدة كأي بيت ضيافة مطل على الشاطئ، لكن الأمور خلف الستائر الشبكية مختلفة كليا؛ فقد اختير الضيوف – الذين يقيمون عادة لأشهر عديدة- لأن لديهم مهمة مشتركة مهمة جدا بالقدر الذي لا يمكنهم إهدار الوقت الثمين في الطبخ، أو غسل الملابس أو التقيد بوظيفة روتينية. فقد أتوا إلى بلاكبول لإنقاذ العالم.

هذا هو أول فندق في العالم مخصص «للإيثاريين الفعالين» Effective altruists، وهم أشخاص يسلكون نهجا يعتمد على الأدلة العلمية Evidence-based approach لمساعدة الآخرين. في عام 2008 تم شراء الفندق من عوائد الاستثمار في العملات المُشفَّرة   Cryptocurrency  للسماح للمُحسنين المعتمدين على البيانات بتكريس أنفسهم لتحسين وإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح. نعم، اختيرت مدينة بلاكبول لسبب معين. فقد كان الفندق المكون من 17 غرفة صفقة جيدة بقيمة 130,000 جنيه إسترليني، مما أدى إلى تحرير السيولة النقدية للمالك لدعم مختلف المشروعات التي يجري تنفيذها.

لقد شعرت بتأنيب الضمير عندما قرأت عن هذا المكان لأول مرة. فأنا – مثل العديد من البشر- أحب أن أظن أنني إنسان جيد. فأنا أتطوع بضع ليال في الشهر مع جمعية خيرية معنية لمساعدة الأشخاص المديونين. كما أنني أتبرع بالمال لكنيستي وأشتري أحيانا شطيرة للمشردين. لكن معرفتي بأمر الفندق جعلتني أتساءل عما إذا كان بإمكاني فعل الإحسان بطريقة أفضل.

البحث في كيفية تحقيق هذا الأمر تحول إلى تجربة مزعجة جدا. فقد تم تحدي مبادئي بطرق لم أتوقعها قط، وانتهى بي الأمر إلى التفكير في بعض الأسئلة الغريبة، ليس أقلها طريقة التفكير في مستقبل البشرية. لكن شيئا واحدا مؤكدا: عمل الخير هو أكثر تعقيدا مما قد يعتقده المرء.

يمكن تتبع أصول الإيثار الفعال إلى تجربة فكرية وضعها الفيلسوف بيتر سينغر Peter Singer في سبعينات القرن العشرين. تخيل أنك تمشي بجوار بركة ضحلة وترى طفلاً يواجه الغرق. هل يجب عليك القفز في البركة وإنقاذ الرضيع، على الرغم من أن هذا يعني اتساخ ملابسك بالوحل؟ سيجيب معظم الناس بنعم. ولكن إذا فعلنا ذلك في هذا الحال – كما جادل سينغر- فلماذا لا نفعل الشيء نفسه مع الأشخاص الذين يموتون من الملاريا أو من مياه الشرب غير الآمنة أو أي من الظروف الأخرى المتعلقة بالفقر المستمرة في أجزاء من العالم النامي، والتي يمكن الوقاية منها؟

كانت نقطة سينغر واضحة. إذا كنت مولودا في الغرب، فإن هذه المصادفة ستضعك في فئة 5 % الأغنى في العالم وتمنحك الفرصة لإنقاذ الآلاف من الأرواح بما يقارب صفرا من الجهد. كل ما عليك فعله هو التبرع قليلاً من دخلك الشهري. حتى الأموال التي قد تنفقها على القهوة تحدث فرقا.

«حتى الأموال التي تنفقها على القهوة تحدث فرقا»

في عام 2009 أنشأ سينغر منظمة تدعى الحياة التي يمكنك إنقاذها The Life You Can Save  لتشجيع الأشخاص على التبرع للجمعيات الخيرية ذات الأثر الأكبر، و ألهمت حجته عدة منظمات مماثلة. كانت هناك كذلك منظمة إعطاء ما يمكنك منحه Giving What We Can التي تشجع الأفراد على التبرع بـ 10 % من دخلهم الشهري للمنظمات التي ستحقق أكبر قدر من التأثير طوال حياتهم. بعد ذلك جاءت منظمة 80,000 ساعة “Hours 80000 ” التي تقدم المشورة حول كيفية الحصول على أقصى إيثار فعال من الساعات التي يقضيها الشخص العادي في العمل خلال حياته المهنية.  وانتشرت فكرة مفادها أن بإمكاننا استخدام الأدلة والحجج لزيادة تأثير أعمالنا الخيرية. وحاليا، هناك مجتمع عالمي من الإيثار الفعال، ويجتمع كثير منهم في المؤتمرات الدولية لمناقشة الاستراتيجية المناسبة لعمل ذلك.

حدود قصوى

يأخذ الإيثار الفعال العديد من الاتجاهات المختلفة، حيث ينتقل البعض إلى البلدان التي يمكنهم العيش فيها بثمن زهيد، وبهذا يستطيعون تقديم المزيد من المال للأعمال الخيرية. ويختار البعض الآخر نهجا يسمى الكسب للعطاء Earning to give، فيحصلون على وظائف ذات رواتب عالية ليتمكنوا من التبرع بشكل أكبر للمؤسسات الخيرية الفعالة. أما البعض الآخر، فيجرون الأبحاث لفهم أفضل طرق الإيثار. فعلى سبيل المثال، يدرس أحد ضيوف فندق أثينا مشاعر الحيوانات اللافقارية.  وفكرته مبنية على تشجيع الأشخاص على التفكير أكثر في معاناة الحيوانات الأخرى مما يؤدي إلى تغيير طريقة معاملتها.

يأخذ قلة من الناس الإيثار الفعال إلى أقصى الحدود. فقد كتبت الصحفية لاريسا ماكفاركوهار Larissa MacFarquhar في كتابها غرق الغرباء Strangers Drowning حول هذا الموضوع عن رجل شاب تُطلق عليه اسم آرون بيتكين  Aaron Pitkin. اختار بيتكين قضية رفاهية الدجاج كوسيلة مؤكدة لتخفيف قدر كبير من المعاناة. والمشكلة هي أنه انكب على القضية لدرجة أثرت في المقربين منه. وقع بيتكين في حب امرأة تدعى <<جين>> كانت تعمل بالفعل لصالح جمعية خيرية، وانطلقا معا في حياة جديدة حيث قررا الالتزام بفعل الخير كزوجين. ومع ذلك صار بيتكين أكثر تطرفا بشكل تدريجي، وأصر على أن يعتمد كلاهما أسلوب حياة مقتصدا ونظاما غذائيا نباتيا صارما. وفي النهاية، رفض تخصيص أي وقت بعيدا عن قضيته – حتى لغسل الأطباق أو قضاء بعض الوقت مع جين. عندما طلبت إليه زوجته جزءا من الميراث الكبير الذي ورثه لسداد ديون بطاقات الائتمان التي كانت تقض مضجعها قابلها بالرفض. وانفصل الزوجان بعد بضع سنوات، وذهبت جين إلى باريس خالية الوفاض.

لم أكن أعرف ماذا أصف بيتكين. فظاهريا، لم يكن رجلاً لطيفًا قط. لكن جزءا مني لم يستطع إلا الاعتقاد أنه كان على صواب معنويا. بوصفي مسيحيا ملتزما، فأنا أدرك جيدا إصرار اليسوع على أن يحب أتباعه جيرانهم كحبهم أنفسهم. إذا أخذت ذلك على محمل الجد، ألا ينبغي أن أضع احتياجات الفقراء فوق احتياجات عائلتي، الذين يعيشون في ترف نسبي؟ ربما ينبغي لي الحصول على غرفة في فندق أثينا إذا؟

 

« هل يجب أن تنقذ حياة خمسة غرباء أو شخص واحد قريب منك؟»

 

قادتني الفكرة إلى «القديسين الأخلاقيين» Moral saints، وهي مقالة ناقشتها الفيلسوفة سوزان وولف Susan Wolf وقارنتها بفكرة مفادها أن حياتنا يجب أن يهيمن عليها الالتزام بتحسين رفاهية الآخرين. كانت وجهة نظرها أن هذا العمل يقلل أو يُقصي حتى الخصائص غير الأخلاقية مما يجعل الحياة قاحلة بشكل غريب. في النهاية، كتبت وولف أن الحياة لا تستحق أن نحيا فيها إذا كنا جميعا نمارس الإيثار بلا هوادة.

كما أن من غير الواضح أن النهج النفعي الصارم يمثل أفضل طريقة لتكون أخلاقيا. دعونا نتخيل “سيناريوها: عليك الاختيار فيه بين إنقاذ حياة خمسة غرباء أو شخص قريب منك. المبادئ النفعية تقول إنه يجب أن تختار الغرباء لأن إنقاذ الأرواح الخمسة أفضل من إنقاذ روح واحدة. سيخاف الغالبية من هذا المنطق. وهذا عادل بما فيه الكفاية، حسب لاري تيمكين Larry Temkin، الفيلسوف في جامعة روتغرز Rutgers University  بنيو جيرسي، لأن هناك أكثر من طريقة لتقرير ما إذا كان العمل جيداً أخلاقيا، بما في ذلك تأثيره في عائلتنا وأصدقائنا. لدينا التزامات خاصة تجاه بعض الأشخاص كما يقول تيمكين، لن نكون من دونها قادرين على استدامة الثقة والتعاون المتبادل اللذين تعتمد عليهما المجتمعات البشرية.

وهذا أمر يبعث الراحة في. فأنا أحب زوجتي وأطفالي ولا أريد التخلي عنهم. لكن الفكرة القائلة بقبول أنني لست بحاجة إلى تكريس نفسي للغرباء كليًا أمر لا يعني أنني لا أستطيع فعل المزيد لمساعدتهم. في الواقع، الإيثار الفعال كما في التصور الأساسي، كان حول تحقيق أكبر تأثير بجهد قليل. قد يساعدني هذا المبدأ على زيادة أثر الوقت والمال الذي أنفقه بالفعل.

وعندما فكرت في هذا الهدف في السابق، كنت أتجه دائمًا إلى المنظمة غيف ويل (أعط جيدا) GiveWell، وهي مؤسسة غير ربحية تصنف من الجمعيات الخيرية الأكثر فاعلية، من حيث الأرواح المنقذة أو الأفراد الذين تحسنت حالهم مقابل كل دولار مدفوع، وفقا لما تعتبره المؤسسة أفضل البيانات الممكن الحصول عليها، بما في ذلك تجارب علمية ذات عينة عشوائية ومضبوطة  Randomised controlled trials . وتشمل قائمتها الجمعيات الخيرية الأعلى تصنيفًا من جمعيات محاربة للملاريا على سبيل المثال. فوفقا لتحليل المنظمة GiveWell فإن برنامجا يوفر الأدوية المضادة للملاريا للأطفال الصغار يقلل بشكل كبير من حالات المرض ويكلف فقط 6,93 دولار لشخص واحد لمدة أربعة أشهر. وهذا كثير من الخير مقابل القليل جدا من السيولة النقدية.

أنا لست الشخص الوحيد المقتنع بمنطق المنظمة GiveWell  . تقدر المنظمة أنها ساعدت على توجيه 149 مليون دولار إلى خزائن المؤسسات الخيرية التي تمثلها في عام 2017. السؤال هو عما إذا كانت تقدم بالفعل أفضل طريقة لاختيار جهة التبرع.

تشير كارولين فينيس Caroline Fiennes التي تدير شركة غيفينع إيفيدانس (دليل العطاء)  Giving Evidence، وهي شركة استشارية متخصصة بتوجيه العمل الخيري بناء على الدليل، إلى أن المنظمة GiveWell  تعاني بطبيعتها تحيزا تجاه الجمعيات الخيرية التي يمكن قياس نتائجها بسهولة؛ مما يعني أن للجمعيات التي تقدم التدخلات القائمة على الصحة فرصة أكبر في الدخول في قائمة المؤسسة. ومع ذلك، هناك العديد من التدخلات الأخرى التي تسعى إلى الحد من المعاناة أو الفقر التي لا يمكن بسهولة إخضاعها للتدقيق التجريبي. كيف يمكنك قياس تأثير منظمة تهدف إلى القضاء على الأصول الهيكلية لعدم المساواة – من خلال معالجة الفساد مثلا؟ أو تقييم عمل مؤسسة خيرية تنفذ حملات من أجل التدخل البيئي؟

<<كنت أستشيط غضبا من أن المنظمة GiveWell    تنظر فقط في التدخلات التي هي عبارة عن تقديم خدمات مباشرة>>، كما تقول فينيس عضو اللجنة التي تختار الجمعيات الخيرية في مؤسسة الحياة التي يمكنك إنقاذها The Life You Can  Save  . تتابع قائلة: <<هذا النهج يستبعد العديد من الطرق الأخرى>> وفي الوقت نفسه، أثار آخرون احتمالا مفاده أن المنظمة  GiveWell  قد تدفع بنا نحو شكل أكثر مركزية من العطاء، بحيث تحتكر بعض الجمعيات الخيرية المختارة التبرعات.

و قالت المنظمة GiveWell   مؤخرا إنها تهدف إلى بدء التحقيق في نتائج العمل الخيري الذي لا يمكن قياس نتائجه بسهولة.

وفي الوقت نفسه، يصر ويل ماكاسكيل Will MacAskill، الفيلسوف في جامعة أكسفورد University of Oxford ، على أن الإيثار الفعال بشكل عام يوسِّع نطاق عطائه، إذ يقول: <<ربما يكون معظم الجهد المبذول في المجتمع الآن يبذل على أشياء يصعب قياس تأثيرها>>.

ليست المنظمة GiveWell  الوحيدة بالتأكيد في هذا المجال. ففي عام 2015 ساعد دين كارلان Dean Karlan، الآن أستاذ الاقتصاد في جامعة نورث وسترن Northwestern University  بولاية إلينوي، على إنشاء منظمة إيمباكت ماترز (التأثير مهم)  ImpactMatters ، في محاولة لإعطاء مجموعة كبيرة من الجمعيات الخيرية فرصة للحصول على تقييم دقيق لكمية الأعمال الخيرية التي تنفذها. بدلا من الإصرار على البحث الأكثر صرامة، فإن هذه المؤسسة تنظر إلى بيانات الجمعيات الخيرية الخاصة بنتائج برامجها والتحقق لمعرفة ما إذا كان نهجها العام مدعوما بدراسات مستقلة في مكان آخر. هذه الطريقة تسمح للمؤسسة بتقييم جميع أنواع الأعمال الخيرية. يقول مايكل واينشتاين Michael Weinstein رئيس المنظمة ImpactMatters : <<لا ننتقد المنظمة GiveWell  فهم يؤدون عملهم بشكل جيد جدا. لكننا نريد أن نصدر ألف تقييم للتأثير بحلول نهاية عام 2019 في حين أن المنظمة GiveWell  تصدر تقييمين أو ثلاثة في السنة الواحدة>>.

<<التفكير ضمن مفهوم تحقيق التأثير الأقصى قد يقود إلى بعض الاستنتاجات الغريبة>>

من المفترض أن يكون توفير المزيد من الأدلة أمرا جيدًا. لكنني أتساءل عما إذا كان الاعتماد على هذا النوع من التقييمات يجعلنا سلبيين جدا. فلو أخذنا المسألة على نطاق أوسع، ماذا لو كان فصل الإيثار عن العاطفة -كما يوصي العديد من الباحثين في الإيثار الفعال – أمرا غير مجد في نهاية الأمر؟

جادل جميل زكي Jamil Zaki، وهو عالم نفسي في جامعة ستانفورد  Stanford University  بولاية كاليفورنيا، في أن الإيثار الفعال <<مضلل>> لأنه فشل في حساب دور التعاطف في التحفيز والحفاظ على العمل الخيري. ويشير إلى الدليل على أن المشاعر الإيجابية المتولدة لدى الأفراد من التبرع لقضية يؤمنون بها بشدة، أو التطوع في جمعية خيرية، تتيح التفاعل المباشر مع الأشخاص الذين تسعى إلى مساعدتهم، قد تشجع المتطوعين على الاستمرار بالعطاء.

لا يؤمن ماك آسكيل MacAskill  بهذه الحجة. وهو يقول: <<أعتقد أن هناك فقط تقاطعا سطحيا بين التعاطف والإيثار الفعال. فإذا لم تستطع أن تتعاطف مع الأشخاص الذين تعمل معهم فهذا بالتأكيد فشل في التعاطف>>.

ما يقبله هو وغيره من علماء الإيثار الفعال، هو أنه يجب اتخاذ الجمعيات الموصى بها من قبل المؤسسة GiveWell   كخط أساس. في الواقع، يشير ماك آسكيل إلى أن إيجاد طرق جديدة وغير عادية لتعظيم تأثير عملك الخيري هو أمر ذو أهمية متزايدة لهذه الحركة- حتى عندما تكون فرص النجاح أقل من مثالية. تكمن المشكلة في أن التفكير ضمن إطار مثل هذه المعايير قد يؤدي إلى بعض الاستنتاجات الغريبة.

هل جميع الأرواح متساوية؟

لمعرفة السبب في أن الأمور قد تصبح غريبة، تذكر التجربة الفكرية حول الطفل في البركة. فقد علمتنا أنه يجب معاملة شخصين منفصلين في الفضاء على قدم المساواة. فيمكنك تطبيق نهج تفكير مماثل على البعد الزمني. لكن إذا كنت تستطيع إنقاذ حياة شخص واحد الآن أو عشرة أشخاص في 30 سنة، ألا يجب عليك اختيار الأخير؟

يبدو أن الإيثاريين الفعالين يتزايد إيمانهم بذلك. ففي عام 2012، تشاركت المؤسسة GiveWell  مع المؤسسة غودفينتشرز (الشراكات الجيدة)  GoodVenture، المؤسسة التي أسست للتبرع ببعض ثروة داستن موسكوفيتز Dustin Moskovitz الضخمة، أحد مؤسسي فيسبوك Facebook وزوجته كاري تونا Cari Tuna  . وأدى هذا إلى إطلاق مشروع العمل الخيري المفتوح Open Philanthropy Project الذي يركز على طرق غير عادية للعطاء – مع الالتزام بتقديم دعم طويل الأجل للمشروعات مرتفعة المخاطر، بشرط أن يكون العائد المرتقب كبيرا بما فيه الكفاية. خلال الممارسة العملية أدى ذلك إلى تضمن العمل الخيري تمويلَ الأبحاث المعنية بمنع المخاطر التي تهدد وجود البشرية، مثل الأوبئة، وتغير المناخ الكارثي – والأكثر إثارة للجدل – نهاية العالم الناجمة عن الذكاء الاصطناعي الخارج عن السيطرة. في الواقع، في عام 2017، وافقت الجمعية الخيرية المفتوحة على منح 30 مليون دولار على ثلاث سنوات إلى مؤسسة     OpenAI ، ومقرها سان فرانسيسكو، التي مهمتها المعلنة هي «اكتشاف الطريق إلى الذكاء الاصطناعي العام الآمن وتطبيقه>>.

والسبب في ذلك هو اقتناع العديد من ممارسي الإيثار الفعال بأنهم يستطيعون فعل الخير بشكل أفضل وأكبر في المستقبل. فهم يجادلون في أنه من ناحية أعداد الأرواح بشكل مطلق، فإن الكثير على المحك. لذلك فإن أهم واجب أخلاقي هو الوقاية من أي شيء قد يقتل أعدادًا كبيرة من الأشخاص في القرون المقبلة.

«يركز الكثيرون الآن على الحيلولة دون نهاية العالم بفعل الذكاء الاصطناعي»

أستطيع أن أتفهم المنطق في هذه الحجة، تمامًا كما أتفهم تفاني بيتكين الخالي من السعادة لرفاهية الدجاج. لكنني لست مقتنعا بها. أعلم على وجه اليقين أنه يمكنني إنقاذ الأرواح بالتبرع للجمعيات الخيرية، في حين أن هناك خطرا من أن تكافح منظمات مثل OpenAI  تهديدًا ربما لا يحدث أبدًا. فينيس هي من بين أولئك الذين يشاركونني الشكوك في ضرورة جعل الذكاء الاصطناعي أولوية للعمل الخيري، وتقول: «أعتقد أن هذا استنتاج سريالي بالفعل».

أما مؤسسة أوبن فيلانثروبي (الإحسان المفتوح) Open Philanthropy فلا تزال تمنح المشروعات الصحية العالمية أكثر مما تُعطي لدرء المخاطر الوجودية وذلك وفقا لمايكل ليفين  Michael Levine المتحدث الرسمي للمؤسسة، على الرغم من أنه يتوقع أن تتغير الموازين عندما تزدهر أبحاث الذكاء الاصطناعي. يعترف ليفين أيضا أن محاولة حل مشكلات الأجيال المقبلة بالطبع لن تؤدي إلى خير أكبر من التصرف وفقًا لمشكلات الواقع الحالي. << نحن نميل إلى الاتفاق على أن الأجيال المقبلة قد تكون أكثر ازدهارا منا، وفي وضع أفضل لحل مشكلاتهم مما نحن عليه الآن. لكن هذا الافتراض قائم على أن العقود المقبلة ستكون فعلا موجودة لتحقيق ذلك. لهذا السبب نحن مهتمون بمنع حدث يسبب انقراضا عالميا للبشرية>>.

لن أتبرع لتجنب نهاية العالم على يد الذكاء الاصطناعي في أي وقت قريب. ولكن بعد تقييم عاداتي الإيثارية، أشعر أنني مضطر إلى إعادة النظر في قراري بالتبرع فقط للجمعيات الخيرية المدعومة بالأدلة الأكثر دقة.

لقد قررت التبرع بنصف تبرعاتي الشهري لجمعية غيف دايركتلي (أعط مباشرة)  GiveDirectly  التي تحول المال مباشرة إلى الفقراء في الدول النامية (أنظر:  كسب العملة). لا يبدو هذا الفعل صوابا فحسب، ولكن أيضًا مدعوما بالأدلة، بما في ذلك أدلة التجارب المتعددة ذات العينة العشوائية.  في الواقع، تظهر جمعية  GiveDirectly  في قائمة GiveWell  للمؤسسات الخيرية الموصى بها، بينما سيذهب النصف الآخر إلى إينوفيشون فور بوفرتي آكشن( ابتكارات لمحاربة الفقر) Innovations for Poverty Action ، وهي مجموعة تمول الأبحاث المعنية بالتدخلات التي تحقق أكبر قدر من الخير. على الرغم من كل جهودي في السعي إلى التدقيق في الإيثار الفعال، فأعتقد أن اختبار أساليب جديدة هو أمر يستحق المحاولة.

أما الفندق في بلاكبول، فما زلت مفتونًا به، لكن عقدة الذنب زالت مني. يستحق الإيثاريون الفعالون الشكر على محاولة جعلنا نفكر أكثر في الكيفية التي نؤدي بها الأعمال الخيرية، ولا أعتقد أنهم باردون. فهم أشخاص مدفوعون برغبة عارمة لمساعدة الآخرين. لكن بعد أن أدركت الكيفية التي توصلوا بها إلى استنتاجاتهم الأكثر غرابة – ليس أقلها أهمية إنقاذ حياة الأشخاص في المستقبل البعيد- فإنني أشعر براحة تجاه طريقتي لفعل الخير هنا و الآن.

كسب العملة

تقدم العديد من المؤسسات الخيرية خدماتها لمن يعانون الفقر. وقد يكون ذلك على هيئة دواء أو مشورة أو أدوات أو كتب. قد يبدو هذا خيارًا أفضل من تقديم أموال نقدية لأنك على يقين بشكل معقول من النتيجة. فإذا قمت بتطعيم طفل؛ فأنت تعلم أن لديه حماية بيولوجية. لكن إذا كنت تعطي أم الطفل بعض النقود، فأنت لا تعرف ماذا سيحدث بعد ذلك. أو هكذا قد تظن.

في عام 2008 اجتمع أربعة من طلبة الدراسات العليا في جامعة هارفارد Harvard University  ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology لمنح عائلات فقيرة جدا في كينيا ألف دولار على مدى عام تقريبا. اجتذب المشروع بسرعة انتباه وسائل الإعلام، وأسس الطلبة جمعية غيف دايركتلي (أعط مباشرة) GiveDirectly الخيرية. وبحلول عام 2017 كانت الجمعية قد حولت نحو 30 مليون دولار مباشرة إلى الفقراء في عدد من البلدان في شرق إفريقيا – وتتبعت ما يفعله المال هناك.

وتشير النتائج إلى أن العطاء المباشر يؤدي إلى انتشال الناس من الفقر، على الأقل في المدى القصير. فقد أظهرت تجربة ذات عينة عشوائية أجريت في راريدا بكينيا، على سبيل المثال، أن من حصلوا على المال ازداد دخلهم نحو 270 دولارا في المتوسط في العام التالي عن الأشخاص الذين لم يحصلوا عليه.

يبدو أن هذا الارتفاع في الدخل قد يعزى إلى عمل متلقي المعونات استثمارات سليمة، مثل شراء الأراضي أو الموارد. في الواقع، عندما يتعلق الأمر بمكافحة الفقر، فإن تأثير التحويلات النقدية مدعوم ببعض الأدلة الدامغة. فالعشرات من الدراسات عالية الجودة تظهر فعاليتها. لذلك من غير المستغرب إذًا أن تظهر الجمعية GiveDirectly  في قائمة أكثر المؤسسات الخيرية فاعلية في العالم حسب القائمة التي جمعتها المنظمة غير الربحية GiveWell .

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق