الطب وصحةوباء الكورونا

ما أسرع وقت سيتوفر فيه لقاح فيروس كورونا؟ السباق ضد كوفيد-19

الأمل هو أن يكون لدينا لقاح مضاد للفيروسات التاجية في غضون 12-18 شهرًا؛ ولكن لتحقيق ذلك، فقد نضطر إلى الاعتماد على تقنيات غير مجربة لها مخاطرها

بقلم: كاري أرنولد

ترجمة:   د. عبد الرحمن سوالمة

في صباح 31 من ديسمبر2019  كانت كيت برودريك Kate Broderick تشغل نفسها في مطبخها، وكانت تتصفح العناوين بينما كانت تنتظر شايها حتى يجهز. لفتت نظرها القصة التالية: تفشى مرض غامض لحالات التهاب الرئة الشديد في ووهان بالصين. وبمرور ليلة واحدة بدا وكأن عدد الحالات انفجر ازديادًا، وتقول: “علمت بأننا لا نستطيع الانتظار”.

وكاختصاصية بعلم الجينات الجزيئية في شركة إنوفيو فارماسوتيكالس Inovio Pharmaceuticals للمستحضرات الدوائية بكاليفورنيا، كانت برودريك مستعدة لما هو آت. عندما نشر المسؤولون الصينيون التسلسلَ الجينيَّ لفيروس كورونا المستجد Novel coronavirus المسمى فيروس سارس-كوف-2 SARS-CoV-2)) الذي يسبب المرض، وذلك بعد أسبوعين من إبلاغ منظمة الصحة العالمية World Health Organization (اختصارًا: المنظمة WHO) عن أول الحالات؛ انطلقت برودريك في عملها. وفي غضون ثلاث   ساعات، كان لدى فريقها نموذج أولي للقاح جاهز للفحص الأولي. صحيح أن ذلك كان انقلابًا غير متوقع للأحداث، ولكنها كانت لحظة توقعتها برودريك وآخرون غيرها منذ زمن طويل.

ويقول سيث بيركلي Seth Berkley، رئيس “غافي” Gavi، وهي مجموعة عالمية تروج لاستخدام اللقاحات حول العالم، إن تطوير اللقاحات في العادة يأخذ عقدًا أو أكثر ما بين التطوير وفحص السلامة والتصنيع. وبازدياد عدد الحالات المؤكَّدة عالميًا من المرض المستجد، كوفيد-19، وتعديها 180 ألف حالة في وقت الكتابة، فإن الوقت ذو أهمية حاسمة.

ولتسريع العملية يرجع العلماء الآن إلى أصناف غير مختَبرة من قبل، ويعيدون التفكير في كل جزئية تتعلق بكيفية تصميمها وتقييمها وتصنيعها. وإذا نجحت هذه الطريقة؛ فستكون المرة الأولى التي نكتشف فيها مرضًا جديدًا ونطور لقاحًا ضده بينما لا تزال الفاشية Outbreak الأولية مستمرة.

ولكن السرعة قد تصحبها بعض السلبيات. ويقول غاري كوبينغرGary Kobinger، وهو اختصاصي فيروسات من جامعة لافالLaval University في كندا: “بإمكاننا الحصول على لقاح خلال ثلاثة أسابيع، ولكننا لا نضمن سلامته ولا فاعليته”.

وما نأمله هو الحصول على مليون جرعة على الأقل من لقاح فيروس كورونا وإتاحتها للجمهور خلال 12 إلى 18 شهرًا، كما تقول ميلاني سافيل Melanie Saville، رئيسة أبحاث وتطوير اللقاحات في التحالف من أجل ابتكارات التأهب للوباء Coalition for Epidemic Preparedness Innovations (اختصارًا: التحالف CEPI)، والذي أنشئ عام 2017 بتمويل من مؤسسة بيل ومليندا غيتس Bill & Melinda Gates Foundation، وصندوق ويلكم Wellcome Trust وعدة حكومات. حتى الآن، كانت أسرع مرة نصنع فيها لقاحات بكميات كبيرة كاستجابة لفاشية كان مع فيروس إيبولا Ebola، واستغرق ذلك خمس سنوات، كما يقول بيركلي. ويقول كوبينغر إن 18 شهرًا لاستخدام لقاح ما على نطاق واسع أمر “متفائل على نحو ساذج”. ليس أمرًا مستحيلًا، ولكنه قد يتضمن مخالفة القواعد المعروفة.

تعمل كل اللقاحات عن طريق خداع الجسم وجعله يصدق أنه تعرض لكائن ممرض Pathogen. ويقود هذا الجهازَ المناعي ليستجيب بالأجسام المضادة والخلايا التائية T-cell من أجل تحييد أو قتل الغازي. بعدها تبقى بعضها في الدم، جاهزة للعمل عندما يتعرض المرء للعدوى الفعلية. وبكلمات أخرى، يكون جهازك المناعي مهيأً مسبقًا.

وكلما اقترب اللقاح من محاكاة المرض، كانت الحماية التي يوفرها أكبر. وعندنا الآن أربع استراتيجيات للقيام بهذه الخدعة. الأولى هي اللقاحات الحية المُضْعفة Live-attenuated vaccines، وتستخدم فيروسات أو بكتيريا حقيقية، بحيث تكون أجريت عليها بعض التغييرات من أجل تحفيز استجابة مناعية من دون الإصابة بالمرض الفعلي. والثانية هي اللقاحات المُعطَّلة Inactivated vaccines، وهي تمامًا كما يشير الاسم؛ فهي تصنع عن طريق إنماء بكميات كبيرة من الكائن الممرض في حاويات، بحيث يُعَطَّلُ بعدها، أو يقتل، باستخدام الحرارة أو المواد الكيميائية. وكلتا هاتين الطريقتين مستخدمة في لقاحات الإنفلونزا على سبيل المثال.

والنوع الثالث هو لقاح السم المُعطَّل Toxoid vaccine، والتي تستخدم ضد البكتيريا التي تسبب المرض بشكل غير مباشر، عن طريق إفرازها للسم Toxin، كما هي الحال مع بكتيريا التيتانوس Tetanus، والدفثيريا Diphtheria، والتسمم السجقي Botulism. فهي تحتوي على جزء من السم، والتي تجهز جسمك للاستجابة للسم الحقيقي. والنوع الأخير هو لقاح الوحدات الفرعية Subunit vaccine والتي تحتوي فقط على أجزاء صغيرة من الكائن الممرض، والتي تحفز جهاز المناعة، وقد تكون سكريات متعددة Polysaccharides (سكريات)، أو بروتينات، أو خليطًا منهما، وهو ما يسمى المقترن Conjugate. وتصنع هذه الوحدات الفرعية عن طريق إنتاج السكريات والبروتينات المطلوبة في حاويات كبيرة باستخدام البكتيريا أو الخميرة، وبعدها تُزال الشوائب بشكل دقيق.

وكانت هذه الأنواع الأربعة الأساسية موجودة لعقود، ولها سجل أمان عال، ولكنها قد تستغرق 15 سنة لتنتقل من مرحلة النموذج الأولي إلى الاستخدام العام، كما يقول بيركلي. ويضيف، إن هناك عاملين وراء طول زمن التطوير: تاريخيًا، كان العلماء يستغرقون سنوات في دراسة الكيفية التي يتفاعل بها الكائن الممرض مع الجسم والجهاز المناعي قبل تطوير لقاح، وكان أقل من ربع اللقاحات المرشحة التي تبدأ التجارب الإكلينيكية يصل إلى المراحل النهائية ويرخص للاستخدام.

 بداية جديدة

من حيث المبدأ، فإن طبيعة هذه الطرق التي تعتمد على أساليب مجربة ومختبرة يجب أن تعطيها أفضلية في سباق تطوير لقاح ضد فيروس كورونا المستجد، كما تقول ماريا بوتازي Maria Bottazzi من كلية بايلور للطب Baylor College of Medicine في تكساس. ومع أن هذه الأنواع من اللقاحات تستغرق في العادة سنين من أجل أن تطور، إلا أن سجل الأمان الذي تحققه قد يعني أن التجارب التي ستجرى على البشر ستكون أقل من حيث العدد والمدة.

وقد صار تخطي الخطوات الأولى أسهل من قبل؛ فالطرق الجديدة في تطوير اللقاحات تسمح لنا بتقصير الخطوة الأولى في العملية تقصيرًا كبيرًا. وبالنسبة إلى فيروس كورونا المستجد، فإن باحثين أمثال آن دي غروت Anne De Groot، وهي مؤسّسة مشاركة في شركة التكنولوجيا الحيوية إيبي فاكس EpiVax في جزيرة رود Rohd Island، استخدموا النمذجة الحاسوبية التي يمكنها القفز مباشرة من التسلسل الجيني إلى لقاح محتمل عن طريق التركيز على تلك الأجزاء من الفيروس التي قد تكون أهدافًا جيدة للقاح. وبمجرد أن انتهت سلسلة الحمض النووي لسارس-كوف-2، صار الباحثون في مختلف المختبرات حول العالم قادرين على البدء بفهم الجزئية التي تجعل الفيروس يعمل وكيفية محاربته، كما يقول فلوريان كرامر Florian Krammer، وهو اختصاصي بالأمراض المعدية واللقاحات في كلية طب ماونت سيناي Mount Sinai School of Medicine في نيويورك. وكما حصل في شركة إنوفيو، كان كثيرون لديهم تصاميم لنماذج أولية جاهزة خلال ساعات. وهذه التطورات كانت متوقعة من زمن بعيد. وتقول دي غروت: ” استغرقنا الأمر 21 سنة من العمل لنكون قادرين على تطوير لقاح في ثلاث ساعات”.

ماثيو ماك كي Matthew McKay من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجياHong Kong University of Science and Technology هو أحد المستفيدين من مثل هذه القفزات. نظر هو وفريقه إلى التشابهات الجينية بين الفيروس المستجد، وفيروس آخر، وهو فيروس كورونا أقدم يتشارك مع الفيروس الحالي فيما يصل إلى 90 % من الحمض النووي DNA الخاص به: سارس-كوف SARS-CoV، والذي تسبب في فاشية سارس SARS في 2003. وأظهر عملهم على سارس أن أقوى استجابة للجهاز المناعي البشري كانت ضد الأشواك البروتينية Protein spikes التي تشكل التاج Corona، والتي تحيط بالفيروس وكذلك البروتينات التي تحيط بنواته. كما وجد فريق ماك كي أن واحدًا من كل خمسة من الأجزاء الفيروسية التي يمكن للجهاز المناعي التعرف عليها، والتي تعرف بالحاتمات Epitopes، كانت متشابهة في فيروس كورونا المستجد وفيروس سارس القديم، وقد نشر فريقه هذا العمل في فبراير 2020. يقول ماك كي: “يعني ذلك أنه يبدو كأنها أهداف مهمة للقاح”. كما نشر مختبر مستقل نتائج مشابهة في بداية شهر مارس 2020.

 “استغرق الأمر منا 21 سنة حتى نصير قادرين على تطوير لقاح خلال ثلاث ساعات”

هذا الاندفاع الأولي أنتج على الأقل 35 لقاحًا مرشحًا، ستة منها أنتجها التحالف CEPI. وكان التحالف CEPI قد تأسس على أثر أوبئة سابقة، مثل إيبولا، وميرس MERS، والسارس، من أجل مساعدتنا على الاستجابة استجابة أفضل، وأسرع، عن طريق جعل أنظمة الاستجابة السريعة في حالة جهوزية دائمة.

استخدمت أنواع من اللقاحات الموجودة من قبل والتي أثبتت نجاحها في العديد من هذه اللقاحات، ولكن الأمل الآن بتسريع خط العمل الزمني الاعتيادي من خلال زيادة فعالية كل خطوة في العملية، وأهم هذه الخطوات هي تطوير النموذج الأولي. وعلى سبيل المثال، يدعم التحالف CEPI تعاونًا بين شركة إيبي فاكس وجامعة جورجيا University of Georgia لاستخدام نتائج النمذجة الحاسوبية التي أجرتها الشركة في الهندسة الجينية لقطعة من الفيروس لإنشاء لقاح الوحدة الفرعية؛ كاللقاح المستخدم عالميًا ضد التهاب الكبد من النوع ب Hepatits B. كما أن فريق بوتازي في كلية بايلور للطب يطورون لقاحًا مشابهًا.

شركة المستحضرات الدوائية جانسن Janssen، والتي تمتلكها شركة جونسون آند جونسون Johnson & Johnson، بدأت العمل على لقاح محتمل باستخدام فيروس غُدَّاني Adenovirus مهندس وراثيًا. وهي الاستراتيجية نفسها التي اتبعتها الشركة بالنسبة إلى إيبولا.

وهناك مبادرة أخرى يمولها التحالف CEPI تستخدم تكنولوجيا طورها باحثون من جامعة كوينزلاند University of Queensland في أستراليا لزيادة ثبات الوحدة الفرعية البروتينية لفيروس كورونا والتي ستستخدم في اللقاحات، ومن ثم تحسين قدرتها على تحفيز استجابة مناعية. واللقاح يُستخدم في تجارب على الحيوانات، كما يقول سافيل.

ولكن أنواع اللقاحات المختبرة والمجربة ليست الوحيدة في هذا المضمار الآن. فعلى سبيل المثال، تهدف إنوفيو إلى استخدام أحماض أمينية مثل الحمض الريبوزي RNA أو الحمض النووي DNA في لقاحها. ومع أن أيًّا من DNA أو الرنا المرسال RNA (ويشار إليه بالرمز mRNA، ووظيفته مساعدة الجسم على ترجمة الجينات إلى بروتينات) لا يستطيعان تحفيز استجابة مناعية بشكل مباشر، إلا أن هذه اللقاحات تجعل الخلايا تصنع بروتينات تحفز بدورها الاستجابة المناعية.

يقول جو باين Joe Payne، رئيس شركة آركتورس ثيرابيوتيكس Arcturus Therpaeutics، وهي إحدى الشركات التي تستخدم هذه الطريقة: “بدلًا من إنتاج بروتينات الفيروس في المصنع، نحقن الحمض النووي الريبوزي RNA ونجعل الخلايا هي المصنع”.

بمجرد دخول الحمض النووي DNA أو mRNA إلى الخلايا، تبدأ آليات صناعة البروتين في هذا الشخص بأداء عملها. يجب على لقاحات الحمض DNA أن تحويل الخلايا إلى الحمض mRNA في البداية، أما mRNA فيسمح لنا بتخطي هذه المرحلة. وعلى حسب الشيفرة الجينية Genetic code المستخدمة، يمكن للبروتين الفيروسي الذي يصنعه الجسم أن يُفرز من الخلايا العضلية أو الجلدية، أو أن يظهر على أغشية الخلايا، أو أن ينغرس في الأغشية نفسها. وهذه الاستراتيجيات تخدع جهاز المناعة لتجعله يظن أن الجسم تعرض لكائن ممرض، وهو ما يقود إلى تصنيع خلايا تائية وأجسام مضادة، أو على الأقل هذا ما يحدث نظريًا. وحتى الآن، لا توجد لقاحات من هذا النوع جرت المصادقة عليها.

إحدى الصعوبات التي تواجهها هذه اللقاحات هي إدخال الحمض النووي DNA أو الحمض الريبوزي RNA إلى الخلايا؛ حيث إن الدم مليء بالإنزيمات التي يمكنها تقطيع هذه المواد إلى قطع صغيرة خلال ثوان. وقد طورت كل الشركات التي تنتهج هذا النهج تقنيتها الخاصة للتملص من هذه المشكلة. وما تفعله آركتورس، وشركة تكنولوجيا حيوية أخرى في ماساشوستس هي شركة موديرنا Moderna، هو تغليف المادة الوراثية في اللقاح بطبقة حامية، أما شركة إنوفيو فتعطي شحنة كهربائية صغيرة في مكان الحقن لتشجيع الخلايا المجاورة على ابتلاع الحمض النووي DNA كله. وقالت الشركات الثلاثة كلها إنها ستكون قادرة على زيادة التصنيع بشكل سريع. هذا وقد طلبت شركة موديرنا لتوها إلى أشخاص في سياتل التطوع للمرحلة المبكرة من تجاربها الإكلينيكية لفحص الأمان. وقد بدأت هذه التجربة، والتي ستشمل 45 متطوعًا سليمًا، في 16 من مارس. ويقول كوبينغر: “هذه سرعة جنونية ورائعة، تتخطى ما رأينه مع إيبولا”.

تبقى درجة أمان وفاعليته هذه الأنواع الجديدة من اللقاحات مجهولة، وهناك مخاوف أن اللقاحات المبنية على الحمض النووي DNA قد تؤثر في جيناتنا أو قد تطلق استجابة مناعية مؤذية بشكل أو بآخر. وبحلول 17 مارس 2020 لم تنشر أي من الشركات أي بيانات مفصلة عن الاستجابة المناعية التي تحصل في النماذج الحيوانية أو أيًّا من الآثار السلبية المُحتَملة.

كما أن شركة موديرنا ستجرب لقاحها المبني على الحمض الريبوزي RNA، الذي يشار له بالرمز mRNA-1273، مباشرة إلى البشر قبل إكمال فحص السمية المعياري في الحيوانات. وتعتمد الشركة في ذلك على فحوص الأمان التي تمت مسبقًا للقاحات mRNA السابقة لها، والتي هي الآن قيد التطوير.

ولكن، تصحب أي لقاح جديد مخاوف حول ما يسمى “التعزيز المناعي” Immune enhancement، والذي قد ينجم عندما يُسهّل لقاح سابق أو عدوى سابقة، بطريق الخطأ، دخول الفيروس للخلايا وتصنيع نسخ من نفسه. وهذا يعني أنه بدلًا من حمايتك، فإن اللقاح قد يجعلك أكثر عرضة لعدوى أشد. فقد شوهدت حالات من التعزيز المناعي الضار في التجارب المبكرة على الحيوانات للقاح سارس وفي التجارب البشرية للقاح فيروس تنفسي هو الفيروس  RSV.

وهذا النوع من المخاوف -وحقيقة أن عددًا قليلًا جدًا من اللقاحات يصل إلى مرحلة الفحص الإكلينيكي لاستخدامه في البشر- هي ما يجعل التجارب الإكلينيكية أمرًا مهمًا جدًا، كما يقول جوهان فان هوف Johan Van Hoof، رئيس قسم الأمراض المعدية واللقاحات في جانسن. وهناك أفضلية للتقنيات القديمة في تصنيع اللقاح، فهي قد تخطت مرحلة الفحص مسبقًا. ويقول فان هوف: “هناك نوع من الراحة في حقيقة أنك قادر على استخدام هذه اللقاحات الأقدم في حالات الطوارئ وأن هناك قاعدة بيانات راسخة حول أمانها”.

وسيكون من الصعب دومًا الحفاظ على التوازن بين السرعة والأمان؛ إذا استغرق اللقاح وقتًا طويلًا جدًا للتطوير، فإن الفاشية الأولية قد تكون انتهت، وهو ما يولّد مشكلات أخرى. وعلى سبيل المثال، عندما كانت التجارب الإكلينيكية (السريرية) للقاح إيبولا تحت الاختبار خلال الفاشية الكبيرة التي بدأت في غرب إفريقيا عام 2014، كان انتقال المرض قد قل بشكل كبير لدرجة أن الباحثين لم يستطيعوا علاج عدد كافٍ من الأشخاص للحصول على البيانات الكافية التي يحتاجون إليها للمصادقة النظامية. ولم يكن للأمر أن يتحقق إلا بعد أن حصلت فاشية أكبر وتجارب أكبر، وقتها صار هناك دليل كاف لإثبات أمان وفاعلية اللقاح، كما يقول كوبينغر، والذي عمل على ذلك اللقاح، المسمى Ervebo. وصادقت في النهاية وكالة الأدوية الأوروبية European Medicines Agency على اللقاح في نوفمبر 2019.

 طي النسيان

ولم تنجح أي من لقاحات إيبولا حتى الآن. وبالنسبة إلى البقية، فيقول غريغ بولند Greg Poland من مايو كلينيك Mayo Clinic في مينيسوتا Minnesota، إنها خزنت في المجمدات، غير قادرة على الحصول على التمويل بسرعة كافية حتى لبدء الفحص. ولم يصل أي من لقاحات سارس أبعد من المرحلة الأولى في تجارب الأمان قبل انتهاء المرض وجفاف مصادر التمويل.

وتوفر التمويل أمر مهمٌّ لتطوير اللقاحات، ويقول بولند: “يحتاج العلماء إلى أن يطمئنوا لوجود التمويل. لا يمكن اعتبار العلم على أنه صنبور يمكنك فتحها وقفلها”.

خلال فاشية إيبولا في غرب إفريقيا نشأ إدراك قوي أن شركات الأدوية لا يمكن الاعتماد عليها للتعهد بتمويل أبحاث اللقاح غالية الثمن، خصوصًا لأمراض يكون احتمال استرجاع ما أنفق عليها ضئيلا، وقد كان ذلك أحد أسباب التي دفعت بالحكومات والشركات غير الحكومية إلى أن تبحث عن بديل. تقول برودريك: “كان إنشاء التحالف CEPI تغييرًا جذريًا. قبل ذلك كان كل شيء عبارة عن ردة فعل للأحداث”.

ليست القوة الوحيدة التي يمتاز بها التحالف CEPI هي تمويل الأبحاث، ولكن أيضًا الربط بين شركات التكنولوجيا الحيوية الصغيرة والمبدعة مع القدرات العظيمة لشركات الأدوية الموجودة.  مول التحالف جهودًا لتطوير لقاحات ضد حمى لاسا Lassa fever، وفيروسي زيكا Zika ونيباه Nipah، وحتى التحضير “للمرض س” Disease x، وهو الاسم الذي أطلقته المنظمة WHO على أي عدوى مجهولة قد تبرز في المستقبل، وهو بالضبط الوضع الذي حدث مع فيروس كورونا المستجد. كما يعمل العلماء الذين يمولهم التحالف CEPI على لقاحات ضد ميرس، وهو فيروس كورونا اكتُشف عام 2013 ويرتبط ارتباطًا كبيرًا بفيروس سارس، وكلهما يسببان التهاب الرئة.

عندما نُشرت البلاغات الأولى عن التهاب رئوي حاد يسببه فيروس كورونا المستجد ينتشر شيئًا فشيئًا خارجا من الصين، كان التحالف CEPI جاهزًا للعمل. ولكنه، كغيره، يحتاج إلى مصدر تمويل ثابت. وتقدر سافيل أن 350 مليون دولار هي المبلغ المطلوب للشهور القليلة القادمة فقط لاستيفاء الخطة الزمنية المعجلة لصنع لقاح ضد مرض كوفيد-19 خلال 12 إلى 18 شهرًا.

وبالنظر إلى طبيعة الجائحة الحالية التي تتمثل بطبيعتها التي تستنفد كل شيء، فإن هناك سببًا جيدًا للاعتقاد أن التحالف CEPI سيحصل على النقود التي يحتاج إليها. وبعدها، سيقتصر الأمر على رؤية أي خيارات اللقاحات سيتخطى الخطوات الكثيرة المطلوبة للمصادقة النظامية. وعندما يصل أحدها إلى هذه المرحلة، سيصير التحدي الأخير هو إطلاق عمليات تصنيع واسعة النطاق لإنتاج ملايين الجرعات وتستوفي المعايير الطبية الكثيرة في الوقت نفسه.

وتقول دي غروت إن كل هذه الخطوات تكون صعبة في حد ذاتها حتى عندما لا تكون هناك جائحة Pandemic، ولا يمكن لأي كان توقع الكيفية التي تؤثر بها الجائحة في سلاسل التوريد والأيادي العاملة الضرورية لتطوير اللقاح. كما أنه، بحلول الوقت الذي يصير فيه اللقاح جاهزًا للتجارب الإكلينيكة، من المحتمل ألا تكون هناك كمية كافية من الفيروس تنتقل بين الأفراد لإعطاء أجوبة قوية حول فاعليته.

إذًا، ما مقدار واقعية الخط الزمني المتمثل في 12 إلى 18 شهرًا؟ تقول سافيل: “يبقى الأمر حتى الآن مجرد طموح”. وهو خط زمني مبني على أن يسير كل شيء سيرًا جيدًا ويتقدم أسرع مما كان يحصل في السابق، خلال كل مرحلة في العملية. وبكلمات أخرى، هذا احتمال ضئيل.

تدرك الفرق التي تصنع اللقاحات المرشحة أن كل دقيقة لها قيمتها. وتقول برودريك إن العدد المتزايد من الحالات والوفيات يتردد في رأسها منذ اللحظة التي تستيقظ فيها.

لا تشك هي ولا غيرها في أنه سيكون هناك لقاح ضد كوفيد-19. ولكن كل ما هنالك أنه من المبكر التنبؤ بأي مرشح سيكون جاهزًا أولًا، ولا ما هي المشكلات التي قد يصادفونها خلال الطريق. ويقول بولند إنها قد تكون طريقًا مليئة بالعثرات، “نحن نصنع الطائرة بينما نطير بها”.

صناعة اللقاح، خطوة خطوة

إن تطوير لقاح في خضم الجائحة هو سباق مع الزمن. وكل خطة من المذكورة أدناه تستغرق في العادة شهورًا إلى سنوات. وقد حقق لقاح إيبولا أرقامًا قياسية في جهوزيته خلال خمس سنوات. والأمل الآن هو تطوير لقاح جديد في وقت غير مسبوق خلال 12 إلى 18 شهرًا.

طور نموذجًا أوليًا

وهذا في العادة يحتاج إلى سنوات على حسب التقنية المستخدمة. أما خلال الفاشية الحالية لفيروس كورونا، فقد كان لدى الشركات نماذج أولية خلال ساعات، وذلك بفضل التقنيات التي يمكنها التعرف على الأجزاء الفيروسية التي يمكن استخدامها في اللقاح.

تجارب على الحيوانات

وهدفها الأساسي إثبات أمان اللقاح وفحص الاستجابة المناعية التي تنشأ من اللقاح. وفي بعض الحالات، ويمكن لهذه المرحلة أن تُتخطى كلها، ولكن قد تكون هناك نتائج سلبية على الأمان.

المرحلة الأولى من التجارب البشرية

وهذه هي الاختبارات الأولى على البشر، وفي العادة تُطبق على 20 إلى 80 شخصًا، وتستخدم لإثبات الأمان وللتأكد أن أي أعراض جانبية ليست شديدة الخطورة.

المرحلة الثانية من التجارب البشرية

وتحتاج هذه مجموعات إلى أكبر من البشر لفحص الكفاءة. ويمكن لبعض اللقاحات أن تتجاوز من هذه المرحلة إلى المصادقة النظامية عندما تكون هناك حاجة ملحة.

المرحلة الثالثة من التجارب البشرية

وفي هذه المرحلة يجرب لقاح جديد على مئات إلى آلاف الأشخاص، لتقييم الفاعلية والأمان تقييمًا واضحًا.

المصادقة النظامية

بعد فحص الأدلة من التجارب الإكلينيكية، تقرر الهيئات النظامية ما إذا كان اللقاح سيُرخّص لاستخدام الجمهور. وقد يأتي ذلك مشروطاً بمتطلب أن يُتبَع ذلك بجمع إضافي لبيانات حول الأمان.

التصنيع بكميات كبيرة

وفي هذه المرحلة تُزدادُ وتيرة تصنيع اللقاح تحت ضبط صارم للجودة ومعايير الاتساق.

الإتاحة للجمهور

عندما يصير اللقاح متاحًا، يجب على الحكومات وسلطات الصحة العامة أن تُقررا أي المجموعات ستحصل عليه أولًا.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق