وباء الكورونا

مصممو اللقاحات يبدؤون بتقديم أولى الجرعات ضد كوفيد-19

اثنان من اللقاحات المرشحة تبدأ تجاربهما، بينما يُستَعجلُ في تطوير عشرات من اللقاحات الأخرى

بقلم: جون كوهين

ترجمة:   د. عبد الرحمن سوالمة

كان فيروس كورونا هو ما أعجز المستشفيات في مسقط رأس جينيفر هالر Jennifer Haller بسياتل، في منتصف شهر مارس؛ ولكن ليس لأنها أصيبت به. هالر هي مديرة عمليات في شركة تكنولوجيا بمدينة سياتل، وتعتبر الشخص الأول، من خارج الصين، الذي يحصل على لقاح تجريبي ضد الفيروس المسبب للجائحة، ومنذ ذلك الحين، وهي تستقبل الكثير من الامتنان. وتقول هالر: “هناك الكثير من الإيجابية، والمحبة، والأدعية التي تنهلّ علي من غرباء حول العالم. نشعر جميعًا بالعجز الشديد، أليس كذلك؟ وهذا هو أحد الأشياء القليلة التي يمكن للناس أن يتمسكوا بها ويقولوا ‘حسنًا، هناك لقاح على الطريق’. ولنغض النظر عن أنه سيحتاج إلى ثمانية عشر شهرًا على الأقل، إلا أنه يمثل منارة في خضم الأخبار المحبطة المنتشرة حول العالم”.

اللقاح الذي تطوعت هالر لفحصه صممته شركة موديرنا Moderna biotech company، وهي شركة تكنولوجيا بيولوجية جيدة التمويل، والتي لم تجلب بعد منتجًا للأسواق (Science, 3 February 2017, p. 446). وتعتبر شركتا موديرنا وكان سينو للمنتجات البيولوجية CanSino Biologics هما أول شركتين تطلقان تجارب إكلينيكية للقاحات ضد مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) ليروا إن كانت اللقاحات آمنة ويمكنها تحفيز جهاز المناعة. (كما بدأت تجربة لقاح شركة كان سينو في 16 مارس، بحسب باحثين من معهد التكنولوجيا البيولوجية Institute of Biotechnology التابعة للقوات المسلحة الصينية، التي شاركت في التجربة). وفي الوقت الذي وصلت فيه المجلة ساينس إلى مرحلة النشر  ، وصل تعداد اللقاحات الأخرى التي قد تتبعها إلى 52 لقاحًا، حسب سجل منظمة الصحة العالمية World Health Organization  (اختصارًا: المنظمة WHO) (انظر الجدول).

“هذه استجابة جيدة من المجتمع الطبي البيولوجي للجائحة، هذا أمر يبعث على السرور وينطوي على المشكلات في الوقت ذاته؛ فكيف ستغربل كل ذلك؟”، كما يقول لورانس كوري Lawrence Corey، اختصاصي فيروسات من مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان Fred Hutchinson Cancer Research Center، الذي أجرى العديد من تجارب اللقاحات ولكنه لم يشارك في جهود كوفيد-19.

وبشكل عام، تندرج مجموعات اللقاحات هذه إلى ثماني “منصات” مختلفة، من ضمنها الخيارات القديمة الموثوق  بها ، مثل الفيروسات المعطلة أو الفيروسات الكاملة المضعفة، والبروتينات المهندسة جينيًا، وتقنية الحمض الريبوزي المرسال Messenger RNA (اختصارًا: الحمض mRNA) التي تشكل العمود الفقري للقاح شركة موديرنا، كما تصنعها شركات أخرى كباحثي شركات التكنولوجيا البيولوجية، والجانب الأكاديمي، والقوات المسلحة، وقليل من شركات الأدوية الكبيرة. وبتاريخ 30 مارس، أعلنت شركة جونسون آند جونسون Johnson & Johnson (اختصارًا: الشركة J&J)  ما تقول إنه قد يكون مشروع لقاح كوفيد-19 ذا البليون دولار، والتي ستكون قرابة نصفها قادمة من هيئة البحث والتطوير الطبي البيولوجي المتقدم Biomedical Advance Research and Development Authority في الولايات المتحدة، إن استوفت الخطوات المطلوبة.

والعديد من مصنعي لقاحات  الفيروسات، مثل فيروس HIV (الإيدز) وفيروس التهاب الكبد سي Hepatitis C، فشلت جهودهم. أما العدو المستجد، فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة 2 (اختصارًا: المتلازمة سارس-كوف-2 )(SARS-CoV-2) ؛ فلا يبدو أنه هدف منيع بشكل خاص؛ فهو فيروس بطيء التغير، وهو ما يعني أنه ليس جيدًا في تجنب الجهاز المناعي، كما أن اللقاحات الموجهة ضد الفيروسات المرتبطة به، التي تسبب السارس (اختصارًا: المتلازمة سارس SARS) ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (اختصارًا: المتلازمة ميرس MERS) أثبتت نجاحها في النماذج الحيوانية. يرأس كوري شبكة تجارب لقاحات فيروس الإيدز HIV Vaccine Trials Network، التي شهدت اللقاحات المرشحة تفشل واحدًا تلو الآخر، ولكنه متفائل بخصوص لقاح سارس-كوف-2، ويقول: “لا أظن أنه سيكون بتلك الصعوبة”.

وأحد المخاوف يتمثل بإن كان الأشخاص سيطورون مناعة قوية ضد المتلازمة سارس-كوف-2، وهذا أمر مهم لأن اللقاحات تحاول أن تحاكي العدوى الطبيعية. بالنسبة إلى العداوى التي تسببها فيروسات كورونا البشرية الأربعة الأخرى، والتي تسبب في العادة زكامًا بسيطًا، لا تحفز مناعة طويلة الأمد. ولكن مرة أخرى، وجد الباحثون استجابات مناعية طويلة الأمد ضد الفيروسات المسببة للمتلازمة سارس والمتلازمة وميرس، ومن الناحية الجينية، يعتبر هذان الفيروسان أقرب بكثير إلى الفيروس سارس-كوف-2. وبخلاف الفيروسات المسببة للزكام، والتي تبقى في الأنف والحلق، فإن فيروس كورونا المستجد يستهدف السبيل التنفسي السفلي، حيث يمكن للاستجابة المناعية هناك أن تكون أقوى، كما يقول مارك سليفكا Mark Slifka، اختصاصي المناعة الذي يدرس اللقاحات في مركز أوريغون الوطني لأبحاث  الرئيسيات Oregon National Primate Research Center. ويضيف قائلًا: “عندما تصاب بعدوى في الرئتين، فإنك تحصل على مستويات عالية من الأجسام المضادة والخلايا المناعية الأخرى من مجرى دمك إلى تلك المنطقة”.

وحتى عندما يبذل الجهاز المناعي قصارى جهده، فإن أنتوني فاوتش Anthony Fauci، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية National Institute of Allergy and Infectious Diseases (اختصارًا: المعهد NIAID)، يتوقع أن اللقاح “سوف يستغرق سنة، أو سنة ونصف  على الأقل”. يمكن للأعراض الجانبية، أو مشكلات تحديد الجرعات، أو مشكلات التصنيع، أن تسبب تأخيرات. وهناك من يطالب بطرق مختصرة لأسباب أخلاقية من أجل تسريع التجارب الإكلينيكية (السريرية)، وذلك عن طريق إعطاء الناس لقاحات مُرشحة ومن ثم محاولة إصابتهم بالعدوى عن قصد (انظر: أصب المتطوعين بالعدوى لتسريع لقاح فيروس كورونا؟).

كما يمكن للقاحات المرشحة، أن تصير متاحة للعاملين في القطاع الصحي وغيرهم ممن يكون احتمال لإصابتهم بالمرض حتى قبل انتهاءالتجارب النهائية للفعالية. يقترح ستانلي بيرلمان Stanley Perlman، باحث متمرس في فيروسات كورونا من جامعة أيوا University of Iowa، أن استخدام لقاح يعطي حماية وديمومة محدودتين فقط يمكنه أن يكون جيدًا بشكل كاف، في البداية. ويقول: “في مثل هذا الوضح في الجائحة، وطالما عندنا ما يساعدنا على التغلب على المرض وتجنب الكثير من حالات الوفاة، فإن ذلك قد يكون كافيًا”.

شوكة أفضل

في 13 يناير، بعد ثلاثة أيام من إعلان الباحثين الصينيين عن التسلسل الكامل للحمض الريبوزي RNA لفيروس سارس-كوف-2، أرسل اختصاصي المناعة في المعهد NIAID، بارني غراهام Barney Graham إلى شركة موديرنا نسخة محسنة من الجين الذي سيكون العمود الفقري للقاحها. وبعدها بثلاثة وستين يومًا، حقنت الجرعة الأولى من اللقاح في هالر ومتطوعين آخرين يشاركون في تجربة صغيرة في معهد كايزر بيرمانينتي واشنطن للأبحاث الصحية Kaiser Permanente Washington Health Research Institute. في 2016، أنهى غراهام تصنيع لقاح لفيروس زيكا Zika والذي انتقل من المختبر إلى أول متطوع، واستغرق ذلك 190 يومًا، وهو زمن سريع كالبرق في معايير ذلك الوقت. ويقول: “تغلبنا على ذلك الزمن بما يقارب 130 يومًا”.

استفادت هذه الجهود من الدروس التي تعلمها غراهام من جهوده الماضية في اللقاحات، ومن ضمنها عمله على الفيروس المخلوي التنفسي Respiratory syncytial virus (اختصارًا: الفيروس RSV). وقد اتسم البحث عن لقاح للفيروس RSV بماض متقلب؛ ففي عام 1966، ربطت تجربة لأحد اللقاحات المرشحة بوفاة طفلين. وحددت الدراسات اللاحقة المشكلة على أنها أجسام مضادة يحفزها اللقاح ارتبطت على البروتين السطحي للفيروس ولكنها لم تُحَيّد قدرته على إصابة الخلايا، وهذا المركب من الجسم المضاد-الفيروس يقود أحيانًا إلى استجابات مناعية خارج السيطرة.

بدراسة غراهام لتراكب البروتينات السطحية للفيروس RSV، اكتشف أنها كانت تمتلك توجهات مختلفة قبل وبعد اندماجها مع الخلية. وتبين أن حالة ما قبل الاندماج فقط هي ما كان يحفز إنتاج نسب عالية من الأجسام المضادة المحيِّدة، ومن ثم في 2013، صمم شكلًا ثابتًا من الجزيء في تلك الهيئة. يقول غراهام: “كان من الواضح جدًا في ذلك الوقت أنك إذا لم تكن تعرف الشكل؛ فإنك لا تعرف حقًا ما تفعل”.

وأثبتت تجربته هذه فائدتها في 2015، عندما حج أحد أعضاء مختبر غراهام إلى مكة، في المملكة العربية السعودية، وعاد مريضًا. خاف حينها فريق غراهام من أن يكون قد أصيب بمتلازمة ميرس MERS، والذي يعتبر وباء متوطنا (Endemic) في جِمال المملكة العربية السعودية، وينتقل بشكل متكرر إلى البشر هناك، وفحص فريق غراهام وجود الفيروس، وبدلًا من ذلك حصلوا على فيروس كورونا عادي مسبب للزكام. كان من السهل نسبيًا تحديد تركيب بروتينه الشوكي، والذي أتاح للفريق أن يصنع أشكالًا ثابتة لفيروسي سارس SARS وميرس MERS، وفي يناير، صنعوا أشكالًا ثابتة لفيروس سارس-كوف-2. وهذا ما شكل الأساس للقاح كوفيد-19 الذي تنتجه شركة موديرنا، والذي يحتوي على الحمض النووي المرسال mRNA يوجه خلايا الشخص لإنتاج هذا البروتين الشوكي المُحسَّن.

لم يصل أي من لقاحات الحمض النووي المرسال mRNA إلى المرحلة الثالثة من التجارب الإكلينيكية، ناهيك عن الحصول على موافقة على الاستخدام. ولكن إنتاج كميات كبيرة من الجرعات قد يكون أسهل بالنسبة إلى لقاحات الحمض النووي المرسال mRNA مقارنة باللقاحات التقليدية، هذا ما تقوله ماريولا فوتين-مليتشيك Mariola Fotin-Mleczek من الشركة الألمانية كيور فاك CureVac، والتي تعمل أيضًا على لقاح الحمض النووي المرسال mRNA لفيروس كورونا المستجد. أظهر لقاح داء الكَلَب Rabies التجريبي الذي صممته الشركة كيور فاك استجابة مناعية قوية بميكروغرام واحد من  لقاح الحمض النووي المرسال mRNA، وهو ما يشير إلى أن غرامًا واحدًا يمكنه تلقيح مليون شخص. تقول فوتين-ميلتشيك: “بشكل مثالي، ما عليك فعله هو إنتاج ربما مئات الغرامات. وهذا سيكون كافيًا”.

تعتمد العديد من الشركات على التقنيات المثبتة من قبل. فشركة سينوفاك للتكنولوجيا البيولوجية Sinovac Biotach تصنع لقاح سارس-كوف-2 عن طريق تعطيل جسيمات فيروسية كاملة باستخدام فورمالديهايد Formaldehyde وإضافة معزز مناعي اسمه الشبّ Alum. استخدمت سينوفاك الاستراتيجية نفسها للقاح سارس الذي طورته وفحصته في المرحلة الأولى في تجربة إكلينيكية  قبل 16 سنة، وذلك حسبما يقول مينغ واينينغ Meng Weining، نائب رئيس الشركة سينوفاك. “ما فعلناه مباشرة كان إعادة تشغيل الأسلوب الذي نعرفه مسبقًا”.

يقول فلوريان كرامرFlorian Cramer، وهو اختصاصي فيروسات في كلية طب إيكاهن Icahn School of Medicine من جامعة ماونت سيناي Maount Sinai، إن لقاحات الفيروسات المعطلة تمتلك أفضلية ، فهي تقنية مجربة من قبل ويمكن توسيعها لتشمل العديد من الدول. ويقول: “هذه المصانع موجودة، ويمكن استخدامها”.

تختبر شركة كان سينو الآن أسلوبًا آخر. ويستخدم لقاحها نسخة غير متكاثرة من الفيروس الغداني-5 Adenovirus-5 (اختصارًا: الفيروس Ad5)، والذي يسبب كذلك الزكام، وتستخدمه كـ”ناقل” Vector لحمل الجين الخاص بالبروتين الشوكي لفيروس كورونا. يتخوف باحثون آخرون في مجال اللقاحات من حقيقة أن العديد من الناس يمتلكون بالفعل مناعة ضد الفيروس Ad5، ومن ثم قد يحفز استجابة مناعية ضد الناقل، مانعًا إياه من نقل جين البروتين الشوكي  إلى خلايا البشرية. أو أنه قد يسبب الضرر، وهو ما بدا أنه حدث في تجربة للقاح ضد فيروس الإيدز HIV مبني على Ad-5 والذي صنعته شركة ميرك Merck. ولكن التعاون الصيني نفسه أنتج لقاح إيبولا Ebola، والذي وافق عليه المنظمون الصينيون في 2017، وادعت شركة في بيان صحافي أن لقاحها المرشح أنتج “استجابة مناعية قوية في النماذج الحيوانية” وكان يتسم “بأمان جيد”.

تتضمن منصات لقاحات كوفيد-19 الأخرى نسخة مُضعَفة بالمختبر من فيروس سارس-كوف-2، ولقاح فيروس الحصبة Measels، قابل للتكاثر لكنه غير مؤذ ويعمل كناقل لجين البروتين الشوكي، ووحدات بروتين فرعية للفيروس مهندسة وراثيًا، وحلقة من الحمض النووي DNA معروفة بالبلازميد Plasmid  والتي تحمل جينًا من الفيروس، وبروتينات سارس-كوف-2 التي تتجمع تلقائيًا إلى “جسيمات شبيهة بالفيروس”. كما تستخدم J&J فيروسًا غدانيًا آخر، Ad26، كناقل، وهو لا يصيب البشر في العادة. يمكن لهذه الأساليب أن تحفز أجزاء مختلفة من الجهاز المناعي، و”يتحدى” الباحثون الحيوانات المطعمة بتعريضها إلى فيروس سارس-كوف-2 لرؤية أي الاستجابات المناعية ترتبط ارتباطًا أفضل بالحماية.

ويفترض العديد من الباحثين أن الحماية ستأتي بشكل كبير من الأجسام المضادة المحيدة للفيروس، والتي تعمل بشكل أساسي على منع الفيروسات من دخول الخلايا. ومع ذلك، فإن جوزيف كيم Joseph Kim، المدير التنفيذي لشركة إينوفيو للصناعات الدوائية Inovio Pharmaceuticals، التي تعمل على لقاح الحمض النووي DNA لكوفيد-19، يقول إن استجابة الخلايا التائية T cells -والتي تتخلص من الخلايا المصابة بالفيروس، تبين أنها ترتبط بشكل أفضل من المناعة في الدراسات التي أجريت على النسانيس في لقاح ميرس MERS للشركة نفسها، والذي هو الآن في المرحلة الثانية من التجارب. “أظن أن التوازن ما بين الأجسام المضادة واستجابة الخلايا التائية على الأرجح هو الأسلوب الصحيح”.

يشجع كيم وغيره التنوع في الاستراتيجيات، ويقول: “في هذه المرحلة المبكرة، أظن أنه من المنطقي محاولة كل شيء ممكن”. وكما يقول ستيفان بانسيل Stephan Bancel، المدير التنفيذي لدى شركة موديرنا: “لا يعلم أحد أي اللقاحات سيعمل”.

منتجات نهائية

كان تحالف ابتكارات التأهب للوباء Coalition for Epidemic Preparedness Innovations (اختصارًا: التحالف CEPI) أحد المحفزين للعديد من الجهود، وهو تحالف غير ربحي أنشئ بهدف التنسيق ما بين البحث والتطوير للقاحات الموجهة ضد الأمراض المعدية التي تظهر. وحتى الآن، استثمر  التحالف CEPI ما يقرب من 30 مليون دولار في تطوير اللقاحات في شركة موديرنا، إينوفيو، وست مجموعات أخرى. يقول ريتشارد هاتشيت Richard Hatchet، المدير التنفيذي للتحالف CEPI: “دخلنا في مرحلة انتقائية لاختيار اللقاحات التي نظن أن لها الاحتمال الأكبر إلى الوصول إلى معاييرنا، والتي نظن أنها يجب أن تكون معايير العالم، من السرعة، والحجم الإنتاج، وإمكانية الوصول”.

ولكنه يشجع اللقاحات المرشحة الأخرى كذلك. “لا نريد أن نكون في وضع نمتلك فيه لقاحًا ناجحًا [واحدًا] ومن ثم تحصل حادثة التلوث [خلال مرحلة التصنيع] وفجأة نجد أنفسنا دون أي قدرة على توفير لقاح”.

يستثمر التحالف CEPI في المنشآت الصناعية في الوقت نفسه الذي تضع فيه نقودها في تخطي التجارب الإكلينيكية. ويقول هاتشيت: “عن طريق أداء الأمور بالتوازي بدلًا من أدائها بشكل متسلسل، فإننا نأمل بأن نختصر الوقت الكلي”. وبعد مراجعة بيانات المرحلة الأولى وبيانات الدراسات على الحيوانات، يخطط التحالف CEPI إلى الانتقال بستة من المنتجات الثمانية إلى دراسات أكبر لتصل إلى ثلاثة منها تكون مؤهلة لتدخل تجارب الفعالية واسعة النطاق والتي ربما يسجل فيها 5000 مشارك. ولكن التحالف CEPI خصص أقل من 300 مليون دولار  لتطوير لقاح. ويتوقع هاتشيت أن يكون المبلغ المطلوب نحو بليوني دولار.

جادل سيث بيركلي، رئيس غافي، اتحاد اللقاحات Gavi, the Vaccine Alliance في مقالة افتتاحية في مجلة ساينس Science الأسبوع الماضي في أن العالم يحتاج إلى أن يتعاون أكثر من أجل تبسيط البحث عن لقاح لكوفيد-19؛ إذ كتب: “إذا كان من المقدر أن تنجح الجهود العالمية المنسقة لتطوير اللقاحات باستخدام بنهج ‘العلم الكبير’ Big science approach، فهذه هي الفرصة لذلك”، كما أكد أنه من الواجب وجود مستويات غير مسبوقة من مشاركة البيانات، وتنسيق التجارب الإكلينيكية، والتمويل. ويقول أيضًا: “لا يمكنك أن تدفع بمئة لقاح إلى الأمام”.

وتقول كل من شركة موديرنا وشركة J&J إنه إذا سار كل شيء على ما يرام، فإنهما سيطلقان تجارب الفعالية بمشاركة نحو 5000 شخص في نهاية الخريف، وتقرران تقريبًا بحلول يناير 2021 ما إذا كان اللقاح فعالًا. يقول مينغ إنه بالاعتماد على الموافقة من الوكالات التنظيمية الصينية، فإن شركة سينوفاك ستكون قادرة على نقل لقاحها عبر اختبارات صغيرة في المرحلة الإكلينيكية الأولى والثانية بحلول يوليو. ولكن، بسبب نجاح الصين في ضبط الجائحة عندها، قد تضطر الشركة إلى إيجاد دول أخرى فيها نسبة انتقال عالية لفيروس سارس-كوف-2 من أجل تخطي مراحل تجارب الفعالية بسرعة.

لم تتعرض هالر لأي أعراض جانبية من لقاح الحمض النووي المرسال mRNA الذي حقن في ذراعها، ولكنها تدرك أن دراسة في المرحلة الإكلينيكية الأولى لن تحدد ما إذا كان اللقاح فعالًا. تقول هالر: “بالنسبة إلى احتمال نجاح اللقاح الذي حقنت به؟ فأنا حقًا لا أعلم. ليس هذا إلا واحدا من عدد كبير جدًا من اللقاحات، وما هي إلا فرصةٌ سنحت لي لأكون أول  من يجربها”.

أفضل الجرعات

سجلت منظمة الصحة العالمية عشرات اللقاحات المرشحة، بناء على تنوع في التكنولوجيا المستخدمة. واثنان منها بدأتا  بمرحلة تجارب الأمان على البشر (*)

المنصة المرشحات
وحدة بروتين فرعية 18
RNA 8*
DNA 3
ناقل غير متكاثر 8*
ناقل متكاثر 5
فيروس مُعطَّل 2
فيروس مُضعَف 2
جُسيم شبيه بالفيروس 1

أصب المتطوعين بالعدوى لتسريع لقاح فيروس كورونا؟

بقدر ما يتوق عالمنا إلى لقاح يوفر الحماية من فيروس كورونا المستجد الذي يصيب الدول واحدة تلو الأخرى، قد يكون إثبات أمان اللقاح أمرًا بطيئًا جدًا. تبدأ التجارب الإكلينيكية بأعداد صغيرة من الأفراد وتنظر في البداية إلى الأعراض الجانبية والاستجابات المناعية، ومن ثم تكبر وتصير دراسة كبيرة تفحص فاعلية اللقاح، وهي عملية قد تأخذ سنة على الأقل بالنسبة إلى الفيروس المستجد. ولكن، في الوقت الذي يتضح فيه حجم الجائحة، هناك مقترح مُثير للجدل ومعقد من الناحية الأخلاقية بدأ يحصل على مؤيدين، ويتمثل باختصار العديد من الشهور من الوقت الزمني المطلوب: وهو أن يعطى الأفراد اللقاح التجريبي، ومن ثم محاولة إصابتهم بالعدوى عن عمد.

يقول ستانلي بلوتكين Stanley Plotkin من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania، ومخترع اللقاح الحالي للحصبة الألمانية Rubella، إن تجربة من نوع “دراسات التحدي” يمكنها أن وتوفر دليلًا واضحًا على أهمية اللقاح بسرعة كبيرة. يقول بلوتكين: “نحن نتحدث عن شهرين إلى ثلاثة”. وقد شارك بلوتكين في تأليف وثيقة تفسيرية قدمت للنشر تصف الكيفية التي يمكن بها إجراء ذلك من الناحية الأخلاقية. “عندما يواجه الناس مشكلة مرعبة كهذه سيفضلون الإجراءات غير الاعتيادية. وعلينا دائمًا أن نعيد التفكير في انحيازاتنا”. كما أن هناك مقترحًا مشابهًا من ثلاثة علماء آخرين نُشر الأسبوع الحالي في الدورية العلمية Journal of Infectious Diseases.

تجرى دراسات التحدي البشرية منذ 1796، عندما أصاب إدوارد جينير Edward Jenner طفلًا بفيروس الجدري Smallpox بعد تمنيعه بفيروس جدري البقر Cowpox. وبعضها لا يزال يُجرى الآن لحمى الضنك Dengue، والكوليرا، وأمراض أخرى. واليوم، تصمم مثل هذه التجارب بعناية وتخضع لمراجعات أخلاقية مكثفة. ومع ذلك، فإن الباحثين الذين يجرونها يجادلون ضد ممارسة التحدي على البشر.

يذكر ماثيو ميمولي Mathew Memoli، اختصاصي المناعة من المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية National Institute of Allergy and Infectious Diseases، والذي يساهم في خوض مراحل دراسات التحدي البشرية للإنفلونزا، أن الفيروس جديد جدًا بحيث إنه من غير الواضح كم نسبة الأشخاص الذين يطورون مرضًا شديدًا، أو يعانون مضاعفات طويلة الأمد. “عندما تعطي شخصًا ما الفيروس عن قصد، فأنت حقًا تريد أن تفهم المرض، ومن ثم فأنت تعلم أن ما تريد فعله هو خطر معتدل الدرجة”.

كما يشكك في سرعة التحدي البشري الجيد للكائن الممرض المستجد. يجب على فيروس التحدي في البداية أن يُنمى تحت معايير خالية من التلوث، وعالية الجودة، وعلى الباحثين أن يحددوا مقدار الجرعة المناسبة لفيروس التحدي، وذلك باستخدام نموذج نسناس على سبيل المثال، وعليهم تأكيد هذه الجرعة في أشخاص غير ملقحين.

ويشكك مايرون ليفين Myron Levine، وهو باحث في اللقاحات من كلية طب جامعة ماريلاند University of Maryland Schoold of Medicine، والذي أجرى تجارب تحدي لعقود، في أن التجارب الإكلينيكية التقليدية للقاحات المرشحة ستكون بطيئة كما يعتقد البعض. ويقول: “أظن أن علينا أن نتحرك بسرعة كبيرة جدًا”. وبسبب وجود نسب عالية من العدوى في العديد من الأماكن، فإن التجارب التقليدية ستثبت قيمة اللقاح في الفترة  الزمنية نفسها الذي يستغرقه التحدي البشري. “لا أتخيل أن هذا سيكون أخلاقيًا، وأنه حقًا سيسرع ما علينا إجراؤه “.

يقول بلوتكين وغيره من مؤيدي دراسات التحدي بفيروس كورونا إن المخاطر قد تُقَلَّل  عن طريق إدخال البالغين اليافعين، الذين يبدو أنهم نادرًا ما يتعرضون أعراض خطيرة. ولتقليل المخاطر أكثر، يجب على دراسة التحدي أن تستخدم سلالة من فيروس كورونا من شخص عانى أعراضا بسيطة، أو فيروسًا طبيعيًا أُضعِفَ في المختبر، أو محاكاة لفيروس كورونا يُصنَع عن طريق إضافة الجينات، من مثل الأجزاء الموجودة على بروتيناته السطحية الشوكية، إلى فيروس مختلف غير مؤذ.غير ملقحين.

ويوافق ليفين وميمولي على أن المخاطر ستصير مقبولة أكثر إن كان هناك دواء فعال للفيروس. كما تقول سيما شاه Seema Shah، اختصاصية الأخلاقيات البيولوجية من جامعة نورث ويسترن Northwestern University والتي كانت لها أيضًا شكوك قوية، إن المقاييس الأخلاقية قد تنقلب لصالح إجراء التجربة إذا كان المتطوعون أشخاصًا “تدربوا على تحمل هذه المخاطر”، من مثل العاملين في القطاع الصحي.

كما ترغب شاه في رؤية لجنة من أجل وضع أخلاقيات التعامل في دراسات التحدي، خصوصًا خلال الفاشيات Outbreaks، وأن تقرر بعد دراسة متأنية أي الدراسات مبررة. وتقول: “الجمهور لا يألف هذا النوع من التجارب. وتبدو هذه التجارب وكأنها مخالفة للمنطق ومعارضة للفكرة المعيارية التي يجب على الباحثين والأطباء التقيد بها”.

وتضيف شاه أنه نظرًا للحالة الملحة الحالية، فإن مجتمع اللقاحات سيتخذ القرار الحكيم في حل جميع التفاصيل الصعبة بسرعة. وتقول: “كلنا نتصارع مع هذه العواطف المعقدة الآن. إذا كنا سنقول إننا سنستثني الطريقة المعيارية التي تؤدي بها الأشياء، فإن علينا حقّا أن نؤديها بالطريقة السليمة”. ــ جون كوهين

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى