فلسفة العلومفيزياء نظرية

قدرتك على اتخاذ القرار: وكالة خارقة لا تستطيع الفيزياء شرحها

في كونٍ يتبع القواعد دون تفكير، تُمثل الوكالة البشرية شذوذاً. فهل تستطيع الفيزياء فهم قدرتنا على تغيير العالم بإرادتنا؟

بقلم:     ريتشارد ويب

ترجمة: همام بيطار

في الآونة الأخيرة كنت أفكر في اقتناء جرو، وكما تعلم، فقد دفعني إلى ذلك الرغبة في الحصول على بعض من الرفقة، شيءٌ ما ليحفزني خلال تلك الأيام الكئيبة عندما تكون المعنويات منخفضة والجسد متعبا.

بل إنني ذهبت إلى دارٍ لإيواء الكلاب الضالة؛ لأنّ ذلك بدا الشيء المناسب فعله. وهناك شاهدت كلبة محببة بعينين جميلتين ولعوبتين. ذكرتني بكلبنا المهجن Mutt “ويسكي” Whiskey عندما كنت طفلاً. وفي نهاية المطاف تراجعت. فهل لدي الوقت الكافي لأحيطها بالحب والاهتمام اللذين تستحقهما؟

الرغبات العابرة والذكريات والآمال والأحكام والأخلاق والوازع، كل هذه الأشياء تجتمع معاً لتؤثر في القرارات. وبالكاد نفهم الكيفية التي نتخذ بها القرارات. أما بالنسبة لعالم الفيزياء الأساسية فذلك يُمثل لغزاً كاملاً؛ لأن قدرتنا على اتخاذ القرارات Decision-Making Ability هي تلك القوة الخارقة، والغامضة جزئياً التي تؤثر في العالَم المادي، وتغير من تطوره وفقاً لإرادتنا-ظاهرياً، ولم تستطع كل القوانين الفيزيائية التي استنتجناها تفسيرها حتى الآن.

يقول كارلو روفيلي Carlo Rovelli من جامعة أكس-مارسيليا Aix-Marseille University في فرنسا: ” نحن نتصرف ونقرر ونبادر بالأفعال”، ويتابع قائلاً: “كيف يُمكننا دمج تلك الوكالة Agency داخل الصورة العامة للطبيعة”.

تعهد روفيلي وآخرون باكتشاف الأمر، وقادتهم رحلتهم نحو أعماق العقل البشري وعلاقته بالواقع المادي لتُظهر بذلك اتصالات عميقة ومفاجئة مع ألغاز الإنتروبية Entropy وجريان الزمن Flowing Time والواقع Reality والوعي Consciousness، ومع طبيعة القانون الفيزيائي نفسه أيضاً. إذا فهمنا أساس أفعالنا اليومية؛ فسنكون حينها على طريق التوصل إلى فهم أعمق وأكثر شموليةً لكلٍ من الكوزموس Cosmos ومكاننا فيه.

في أبسط أشكالها، من السهل نسبياً تعريف الوكالة، إذ تقول الفيلسوفة إليانور نوكس Eleanor Knox من كلية كينغز كوليدج لندن King’s College London: “إنها مجرد الفكرة القائلة بأنّ لدى أنظمة محددة في العالم حالات متعمدة Intentional states، ورغبات لإحداث تغيرات في الأشياء”، وتضيف: “بكل وضوح نحن أنظمة”.

 “تهدف الفيزياء إلى وصف الأشياء بقوانين راسخة لديها قدرة تنبؤية”  

تبدأ الحجج بالبحث عن الأشياء الأخرى التي لديها ذلك أيضا، ويقول شون كارول Sean Carroll عالم الفيزياء من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا California Institute of Technology: “ليس للمجالات الكمية Quantum Fields أي وكالة، وكذلك الذرات Atoms. لكن ماذا عن البكتيريا؟”، ويتابع: “لا أعرف، ولكن للإنسان وكالة بشكلٍ مؤكد. هناك في مكانٍ ما على طول هذه الاستمرارية Continuum تسللت الوكالة إلى المشهد”.

تأمل الفلاسفة واللاهوتيون ذلك، وعلاقةَ الوكالة بمفاهيم شائكة أخرى مثل الوعي، والإرادة الحرة Free Will على مدار آلاف السنين (انظر: الحياة، الوكالة وكل شيء)، لكن لم تتخذ الوكالة تلك الأبعاد الغامضة والخاصة إلا عندما بدأ البشر بممارسة الفيزياء.

تهدف الفيزياء إلى وصف تفاعلات العناصر وتطور عناصر الواقع معتمدةً في ذلك على قوانين الرياضيات الراسخة ذات القدرة على التنبؤ. وهذه المهمة أبعد ما تكون عن الاكتمال، لكنها ناجحة بشكلٍ مذهل حتى الآن. فانطلاقا من قوانين إسحق نيوتن Isaac Newton في الحركة والجاذبية، ومروراً بنسبية ألبرت آينشتاين Albert Einstein، ووصولا إلى ذلك الصرح الغامض لنظرية الكم Quantum Theory لدينا الآن القوانين اللازمة لتفسير كل شيء بدءاً بالكيفية التي تسقط بها التفاحة، ومروراً بتكشف العمليات الكيميائية والبيولوجية، وانتهاءً بأصل الكون Universe ومصيره.

خذ على سبيل المثال الانفصال المفاجئ لتفاحة عن الشجرة. ذلك ناتجٌ من سلسلة معقدة من العمليات البيولوجية، إضافةً إلى الرياح والطقس، ويُمكن تفسير كل تلك الأمور باللجوء إلى قوانين الفيزياء. فإذا كانت لدينا القدرة الحسابية الكافية، تستطيع حينها نظرياً تتبع السلسلة السببية Chain of Causation رجوعاً عبر تاريخ الأرض والكون ووصولاً إلى اللحظة التي تشكلت فيها ذرات الكربون الموجودة داخل التفاحة، للمرة الأولى داخل سوبرنوفا (مستعر أعظم) Supernova -وحتى أبعد من ذلك حتى نبلغ الانفجار الكبير Big Bang وبداية الزمن.

الأمر هو أن تفاحة ما كانت ستسقط دائماً، وليس بوسعها اختيار أن تقفز أو ألاّ تسقط. الوكالة مختلفة، فمن وجهة نظرنا على الأقل، آلية صنع القرار متاحة، ولا وجود لأي شيء من الحتمية التي تتميز بها قوانين الفيزياء، كما أنّ السلسلة السببية وراء أفعالنا معقدة جداً وتمر عبر الكثير من التأثيرات النفسية الناتجة من الطبيعة والثقافة والتربية.

لا تحاول قوانين الفيزياء الحالية شرح ذلك. وتقول جنان إسماعيل Jenann Ismael الفيلسوفة من جامعة كولومبيا Columbia University في نيويورك: “نحن ننظر إلى أنفسنا على أننا من خارج الترتيب السببي Causal Order وبطريقة ما نتدخل فيه لجعل الأمور تحدث”. هذا الوضع الانفصالي مازال مستمرا على الرغم من وجود تطورٍ إضافي، حتى داخل العالم الغريب لنظرية الكم، التي تعتبر نظريتنا الأساسية الأكثر تقدماً عن الواقع المادي Material Reality (انظر: لا يوجد ‘أنا’ في الانهيار).

الوضعية المشابهة للمتحكم التي نمنحها لأنفسنا مثيرة للارتياب لدى العديد من الفيزيائيين. يقول مات ليفر Matt Leifer من جامعة شابمانChapman University في كاليفورنيا: “إذا ما ادعيت أنّ شيئاً ما لا يمكن تلخيصه باستخدام قوانين الفيزياء، فذلك يعني أنني في الأساس أدعي وجود شيء خارق للطبيعة، وهذا خارج قوانين الطبيعة”.

“لا تتضمن آلية اتخاذ القرار لدينا أيًّا من الحتمية التي تميز قوانين الفيزياء”

كان ذلك الحل المفضل عند الفلاسفة الطبيعيين على مر الأعوام، بأشكال مختلفة من ثنائية الجسد-الروح Mind-body dualism: فكرة انفصال العوالم العقلية والمادية عن بعضها بعضاً، والقوانين التي تنطبق على أحدها لا تنطبق على الآخر، لكنّ ذلك الموقف بالكاد يبدو صامداً في العلم الحديث. تقول نوكس: “أن تكون ثنائيا بالكامل هو أمرٌ صعب جداً لأنه يشبه ضخي للكثير من السيروتونين Serotonin في دماغك، ومن ثمّ ستتغير حالاتك النفسية”، وتضيف: ” السؤال الآن هو كيف يمكن تحقيق إذا كنت تعتقد بوجود شيئين منفصلين تماماً”.

يقول كارول: “إذا كان هناك دليل على ضرورة ابتكار عالم مختلف للأشياء العضوية أو الأفراد أو أياً يكن، فليكن ذلك”، ويتابع قائلاً: “لكنني مصنوعٌ من الذرات، وقوانين الفيزياء تزعم تفسيرها للذرات، كما أنها أكثر الفرضيات قبولاً بين تلك التي تحاول شرح الأمر لي”.

المعضلة Conundrum المركزية هي نوعية قوانين الفيزياء التي تستطيع توحيد منظورين مختلفين جداً ومتنازعين، ويعلق كارول: “نشاهد قدرات تصنع الاختيارات، وتمارس تأثيراً سببيا فيما يحصل في العالَم، ومن ثمّ يدخل العلم إلى المشهد ويقول ‘أنت في الواقع حفنة من الجسيمات أو الذرات، وتخضع تماماً لمعادلات تفاضلية Differential Equations. ما نرغب في معرفته هو الكيفية التي يمكن بها لهذين الأمرين أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه”.

الحياة، الوكالة، وكل شيء الوكالة مرتبطة ببضعة مفاهيم أساسية أخرى يكافح الفلاسفة والفيزيائيون وآخرون لفهمها. يبدأ ذلك مع… الحياة Life. في تسعينات القرن الماضي عرَّفت لجنة استشارية في الوكالة ناسا NASA الحياة على أنها “نظام كيميائي ذاتي الاكتفاء، وقادر على التطور الدارويني Darwinian Evolution”. ويعارض آخرون هذا التعريف. فالمميزات الأساسية للحياة تتضمن الولادة، والموت، والاستقلاب Metabolising، والنمو، والتكاثر. كما أن لدى بعض أشكال الحياة مميزات أكثر تعقيداً بما في ذلك… الذكاء Intelligence. هو بصورة عامة القدرة على تعلم الأشياء وحل المسائل. تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة Artificial Machine-Learning Systems إنجاز ذلك أيضاً، وبهذا ربما لا تكون الحياة شرطاً مسبقاً للذكاء. لكن الذكاء الاصطناعي لا يزال بعيداً جداً عن “الذكاء العام” General intelligence في البشر وبعض الحيوانات، وهو ذلك النوع من الذكاء الذي يسمح بتطبيق المعرفة المكتسبة من مجالٍ ما في مكانٍ آخر. وهذا قد يكون محدوداً بـ… الوعي Consciousness. مسألة فائقة التعقيد دائماً. يبدأ الوعي بملاحظة أن بعض الموجودات تُدرك وجودها. تُجادل بعض الكائنات الواعية في شرح هذه الحالة بتعبيرات مادية بحتة سيجعل منها “مسألة صعبة” ، ولا يُمكن الشعور ببعض جوانبها إلا داخلياً، مثل التجارب الفردية للإحساس بالألوان أو الألم أو الحب. وصعوبة تعريف الوعي تقود بعض الفيزيائيين إلى التفضيل… الوكالة Agency . هذه، على الأقل، يُمكن التعبير عنها خارجياً على أنها مجموعة الأفعال التي تغير العالم الخارجي. والوكالة الإنسانية عمديةٌ، وناتجة من عمليات صنع قرار داخلية، وتقودنا بدورها إلى أسئلة شائكة عن… الإرادة الحرة Free Will. غالباً ما تُرى على أنها نقيض الحتمية Determinism (كل شيء محددٌ سلفاً). الإرادة الحرة في أقوى أشكالها، التي تعني الحرية المطلقة في الفعل بشكلٍ مستقلٍ عن أي تأثير سببي، هي غير موجودةٍ بلا أدنى شك. ونمط الإرادة الحرة الذي نختبره -الوكالة على الاستقلال عن أي سبب مادي حالي- لا يتنافى بالضرورة مع القوانين الحتمية للفيزياء الكلاسيكية أو القوانين الاحتمالية اللاحتمية Indeterminate probabilistic laws لميكانيكا الكم. السؤال هو: كيف تتلاءم الوكالة مع تلك القوانين، أو هل عليها ذلك فعلا!

“وكالتنا زمنية التوجه، فنحن نستطيع تغيير المستقبل، ولكن ليس الماضي”

بالنسبة إلى كارول وكثيرين غيره، لا تكمن الإجابة في الباطن Mysticism وإنما في الظاهرEmergence. تنص هذه الفكرة على أن السلوكيات والخصائص العصية على الفهم عند النظر إلى المكونات المنفردة لنظامٍ معقد تظهر إلى حيز الوجود واضحةً عند النظر إلى الأشياء ككل. هناك الكثير من السوابق، فعلى سبيل المثال لا تعني درجة حرارة غاز أو كثافته الكثير عند مستويات الجزيئات منفردةً. لكن انظر إلى جزيئات الغاز ككل، وستصير حينها كميات يمكن قياسها وتشرح التغير الفيزيائي، كأن تفسر سريان الحرارة بفعل الاختلافات في درجة الحرارة، أو آلية دفع الغاز لمكبس عند ضغطه.

ولب المسألة هو أنّ أدمغة البشر معقدة جداً، إذ يحتوي دماغ مكتمل النمو على مئة بليون عصبون (خلية عصبية) Neurons متصلة ببعضها بعضاً، ولانزال بعيدين جداً عن فهم الكيفية التي تنتج بها حالات الإحساس بعالمنا الواعي، ناهيك عن تفاعل تلك الحالات مع البيئة المحيطة. يقول كارول: “قولك إن باستطاعتك شرح درجة حرارة وكثافة غاز ما مفترضاً أنه مكون من جزيئات تتصادم مع بعضها بعضاً هو شيء”، ويتابع: “أما ادعاؤك القدرة على شرح العقل والخيارات والوعي على أنها حالات تنتج من ذرات وجزيئات تتصادم مع بعضها؛ فهو ادعاء مبالغ فيه كثيرا”.

وكما أننا لسنا بحاجة إلى معرفة تفاصيل الحركة لكل جزيء منفرداً، أو درجة حرارته، يُمكن فهم الوكالة على أنها قيمة وسطية تأخذ بالاعتبار كل التفاصيل الداخلية وتقودنا إلى كميات كبيرة تؤلف مخرجاتٍ قابلة للقياس. يقول روفيلي: “أريد نوعاً ما إيجاد الحد الأدنى من الأدوات الفكرية اللازمة لفهم الكيفية التي يعمل فيها شيء ما نصفه على أنه وكالة، ومع ذلك يبقى متوافقاً مع الفيزياء “.

مسألة وقت A matter of time

لدينا على الأقل دليل كبير يُشير إلى المكان الذي يتعين علينا البحث فيه: إنها طريقة تغيير الوكالة للمستقبل، لكن ليس الماضي. يقول روفيلي: “نفكر في الوكالة على أنها زمنية التوجه. فنحن نفعل شيئاً ما، ومن ثمّ يحصل شيء آخر”. لا تعمل معظم قوانين الفيزياء بهذه الطريقة، فالمعادلات الأساسية في الفيزياء الكمية والكلاسيكية لا تميز بين الاتجاهين، فهي تعمل باتجاه الأمام، كعملها نحو الخلف تماما.

الطريق الوحيد المتاح في الفيزياء هو الظهور المحتوم للفوضى، أو الإنتروبية Entropy. والقانون الثاني للديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics يجسد هذا المفهوم، فهو القانون التجريبي الذي يُخبرنا بأن المثلجات ستذوب، وليس باستطاعة الحليب العودة إلى وضعه قبل أن ينسكب، كما أنه من الأسهل فقدان أحد الجوربين على جمع زوجِ منها. يقول روفيلي: “إنّها إحدى الخطوات التي يجب توضيحها لفهم المسألة”، ويتابع: “من أين جاء كلٌ من الإنتروبية والقانون الثاني للديناميكا الحرارية؟”.

يحاول روفيلي وكارول وآخرون استكشاف ذلك عبر تحديد العلاقات الممكنة بين الوكالة وتدفقات كوزموسية أوسع. يعترف كارول أنه لا يزال أمامنا وضع أرضية أصلب، ويتساءل: “كيف يمكنك ترجمة مفاهيم مثل ‘اتخاذ قرار’ أو ‘الخِيار’ أو ‘التسبب بحصول شيء’ إلى لغة الميكانيكا الإحصائية حيث تشاهد أشياء تتصادم مع بعضها بعضاً، وتوزيع الاحتمال Probability Distributions، وأشياء أخرى مشابهة؟”

عميقا داخل اعتبارات الديناميكا الحرارية يختفي مفهوم المعلومات Information. فمنذ قرنٍ ونصف ، تصّور عالم الفيزياء جيمس كليرك ماكسويل James Clerk Maxwell كائناً ذكياً وصغيرا بوسعه قياس سرعات الجزيئات المنفردة داخل الغاز، ومن ثمّ فصل الجزيئات الأكثر سخونة عن تلك الأبرد؛ مما يؤدي – ظاهريا- إلى تناقص الفوضى والإنتروبية، وهذا يناقض القانون الثاني.

أظهرت الدراسات اللاحقة أن التلاعب الذكي بالمعلومات هو الذي أعطى “عفريت ماكسويل “Maxwell demon هذه القدرة غير الفيزيائية ظاهريا. وفي الآونة الأخيرة، اقترح علماء فيزياء، بينهم بول ديفيز Paul Davies من جامعة ولاية أريزونا Arizona State University، أن التلاعب بالمعلومات قد يكون هو الأمر الذي يميز المادة الحية عن تلك الخاملة.

من شبه المؤكد أيضاً أنّ لها تأثيراً في الوكالة. فهناك حقيقة فيزيائية مثيرة تُخبرنا بأن بإمكاننا الوصول إلى المعلومات المفصلة عن الماضي على شكل ذكريات وأدلة أخرى، إضافة إلى معلومات أكثر محدودية وغير موثوق بها ومتداخلة عن المستقبل بفضل التنبؤ الناتج من الأنماط الموجودة في الماضي والحاضر. هل تتألف الوكالة نوعاً ما من استطاعتنا تسخير وجمع كل تلك الأشكال المختلفة من المعلومات معاً، وإذا كان الأمر كذلك، هل يُمكننا تطوير لغة رياضيات للتعبير عن الاختلافات بينها؟

يعمل كارول على ذلك، ويُعلق قائلاً: “أعتقد أن لديّ أفكارًا، وأنا على الطريق الصحيح للفهم”، لكنّه يضيف: “لكن لم أصل إلى نهاية الطريق حتى الآن”.

يبحث آخرون في المنطقة نفسها. تقول سوزان ستيل Susanne Still من جامعة هاواي University of Hawaii: “الوكلاء Agents هم مجرد كائنات باستطاعتها أن تتعلم عن العالَم، ومن ثمّ استخدام معرفتها تلك لتغييره والتحكم فيه”، وتتابع: ” كما أنهم يتبعون قواعد اكتساب المعلومات، ولذلك نحن بحاجة إلى فهم ماهية تلك القواعد”.

يجب أن تلبي تلك القوانين معايير Criteria محددة، فيجب أن تشمل بعض عناصر تخزين الذاكرة واسترجاعها: إنها القدرة على تخزين ومعالجة المعلومات الخارجية بمرور الزمن، ومن ثمّ إسقاطها على المستقبل. ويجب أن تسمح أيضاً بوجود حلقات التغذية الراجعة Feedback Loops ليكون بإمكان المعلومات الجديدة تحديث تلك المخزنة داخلياً، ولابد من وجود طريقة من أجل ترسيم حدود القادر لتمييز الأفعال المحفزة داخلياً عن تلك الخارجية.

تقول لاريسا البانتاكيس Larissa Albantakis من مركز النوم والوعي Center for Sleep and Consciousness في جامعة ويسكونسن-ماديسون University of Wisconsin-Madison: “الوكالة ليست مجرد ردود أفعال Reflexes”، وتتابع: “إذا كنت تقوم فقط بردة فعل على الوسط المحيط، فأنت لست قادراً، وإنما مجرد نظام في حالة حركة”. إنّ سمة العمد ظاهرياً لوكالتنا هي ما يجعلها مختلفة، على سبيل المثال، عن البكتيريا التي تستجيب للمنبهات الكيميائية، أو الضفادع التي تلتهم بشكلٍ انعكاسي ذبابة تمر بالجوار. تقول إسماعيل: “نحن نجمع التأثيرات من ماضينا، ومن ثمّ نعرضها لعمليات تأملية، وبعدها نستخلص أشياء مثل الآمال والأحلام لنحفز سلوكنا ونوازن بين العوامل المختلفة التي تؤثر فينا”.

وحديثاً، برهنت البانتاكيس مع زمليها جوليو تونوني Giulio Tononi الكيفية التي يمكن بها لأنظمةِ، لها الديناميكية الفيزيائية الكلية نفسها لكن طرقها الداخلية لمعالجة المعلومات وتوزيعها مختلفة، أن تُطور درجات مختلفة من الوكالة الذاتية Autonomous Agency. وفي هذه الأثناء وجدت ستيل أن آليات اكتساب المعلومات، المبنية على الاحتفاظ بالذكريات والعمل بكفاءة ديناميكية حرارية قصوى Maximum thermodynamic efficiency ، تتطلب بالضرورة الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة مع القدرة على التنبؤ فقط، وتعلق على الأمر قائلةً: “ما يبرز هو عنق زجاجة المعلومات Information Bottleneck – وهي طريقة تُخبرك بأن تأخذ البتات Bits التنبؤية والمرتبطة بالموضوع، والتخلص من كل ما تبقى من فوضى Clutter لا صلة لها بالأمر”، ولأنّ الكفاءة الحرارية تُقدم طوق نجاة؛ فذلك قد يقودنا إلى معرفة الكيفية التي ظهرت بها الوكالة أول مرة.

يعمل العديد من الباحثين الآخرين على أجزاء مختلفة من مسألة الوكالة، لكنهم جميعاً يعترفون بأنه عمل ضخم وفي طور التقدم. ويقول كارول: “يُمكنني تلمس مدى ضخامة المشروع، وفي الوقت نفسه تقدمنا المحدود حتى الآن”.

العقل فوق المادة Mind over matter؟

قد يكون هناك تطور مفاجئ وغير متوقع. ففي نهاية المطاف، ربما يتبين لنا أن ما في جعبة الفيزياء عن الوكالة هو أقل مقارنة بما في استطاعة الوكالة أن تخبرنا به عن الفيزياء.

تقول نوكس: “إنّ التساؤل عن إسقاطي لمفاهيمي على العالم عبر الأشياء التي أراها حولي، وما هو حجم إسقاطات العالم فيّ؟ هو واحدٌ من أشد أسئلة الفلسفة عمقاً”. كل ما يُمكننا قوله بشكلٍ مؤكد عن قوانين الفيزياء هو إنها معقولة بالنسبة إلينا، فهي مفيدة بمقدار قوتها التنبؤية، وعلى الرغم من ذلك ليس لدينا أي ضمان بالنسبة إلى علاقتها بالواقع الجوهري Fundamental Reality. وبالنظر إلى تلك القيود، هل يجب علينا القبول بالفرضية الأولية القائلة إنّ تلك القوانين تستطيع تقديم الإجابات؟

يشك ليفر في ذلك ويعلق: “لا أعتقد أن قوانين الفيزياء أساسية إلى الدرجة نفسها التي دُفع معظمنا لتصورها”، وهو يعتقد أن الفيزياء ناجحة جداً لأنها، بكل دقة، استخلصت ما هو سهل -بتات العالم القابلة للوصف باستخدام قوانين رياضياتية منتظمة- ووضعه معاً داخل صندوق يُسمى “الفيزياء”. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ كل شيء يتناسب معها.

خذ الفكرة المملة التي يُكررها الأفراد دائماً عند الحديث عن الإدراك الواعي Conscious Perception: الألوان. يقول ليفر: “لدى علماء الفيزياء تعريف للأحمر: إنها ضوءٌ له هذا الطول الموجي أو ذلك”، لكنهم يفوتون الجانب الأكثر أهمية وهو مقدار احمرار الشيء – كم هو الاحمرار الذي نُدركه – لأنه ليست لدينا أي طريقة للتوصل إلى معيار مشترك يصف ذلك، ويتساءل ليفر: “لم يتعين علينا أن نتوقع أنّ ذلك يرتبط بالفيزياء؟” ربما تُمثل الوكالة معضلة مشابهة لهذا، وفي هذه الحالة فإنّ قدرنا هو البقاء بعيداً عن مدى عالَم الفيزياء الذي اخترعناه.

هناك أيضاً بعض الإشارات، غير أنّ صفة “مخترعة” هي في الواقع الكلمة الصحيحة. ومؤخراً، بيّن عالم الفيزياء النظرية ماركوس مولر Markus Müller من الأكاديمية النمساوية للعلوم Austrian Academy of Sciences في فيينا أنّ قوانين الفيزياء، على الأقل قوانين النظرية الكمية، يُمكن أن تنتج بشكلٍ بحت من محاكاة الكيفية التي يجمع بها القادرون للمعلومات بشكلٍ احتمالي لاتخاذ قرار ما. وفي هذه الحالة، فإنّ الفكرة الكلية القائلة بوجود عالم خارجي يتطور تبعاً لقوانين منتظمة قد تكون مجرد وهم: الوكالة هي الشيء الوحيد الموجود حقاً.

 طموح يفوق مقدرتنا؟ ربما. هناك إجابات أخرى أيضاً، وقد تمكن من التوصل إلى فهم جديد للكيفية التي تعمل بها التأثيرات الكمية داخل أدمغتنا، أو التفاعل بين النظرية الكمية والجاذبية، أو فيزياء أخرى لم نخترعها بعد. يتساءل كارول: “هل هي مجرد مسألة بناء جسور بين الطبقات المختلفة للوصف العلمي، أو هي فهم لظاهرة جديدة كلياً”، ويتابع قائلاً: “أعتقد أنها الإجابة الأولى، لكنني اعترف بوجود تساؤل هنا”.

وهذه الأسئلة المتعلقة بكل تلك الشكوك هي مشروع جدير بالاهتمام وفقاً لإسماعيل التي تُضيف: “إنه تطور مثير حقاً أنّ نرى الفيزيائيين يحاولون فهم الوجود البشري ومكانه في الطبيعة”، وهي تعتقد أن إيجاد أجوبة عن ذلك سيعتمد في نهاية المطاف على كلٍ من العقول الحاسبة للفيزيائيين والتحليل المفاهيمي الواضح للفلاسفة. تقول إسماعيل: “إنه حقاً مكانٌ قد تتفاعل فيه الفيزياء والفلسفة بشكلٍ مثمر جداً”.

إلى أين يأخذنا ذلك؟ تجيب إسماعيل: “في النهاية، يكمن النجاح في الحصول على فهم طبيعي للوجود البشري يكون باستطاعته الإجابة عن مفاهيمنا الخاصة: من نحن وما هي ماهيتنا، وهذه الإجابة تكون بطريقة تدعم الأشياء التي تهمنا مثل المسؤولية الأخلاقية، وإحساسنا بأنه عندما نتخذ قراراً، فإن ذلك القرار يؤدي دورا مركزياً ولا يُمحى في مسيرتنا”.

بالطبع، هناك حدود لذلك. ومن غير المرجح أن تقدم لنا الفيزياء أي دليل عمّا إذا كنا نتسلق الطريق الصحيح داخل شجرة القرارات متعددة الأغصان للحياة. هل يجب علي أن أحصل على ذلك الجرو؟ أنا حقاً لا يُمكنني أن أقرر.

“إن الفكرة الكلية القائلة بوجود عالم خارجي يتطور تبعاً لقوانين منتظمة قد تكون مجرد وهم”

لا يوجد “أنا” في الانهيار NO ‘I’ IN COLLAPSE عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين قوة الوكالة والقوانين الفيزيائية، يبدو لنا أن النظرية الكمية، في بداية المطاف، تُرسلنا لندور حول أنفسنا حلزونياً داخل دوامة جديدة كليا من وجهات النظر. وأفضل الطرق لتوضيح الصعوبات هنا هي قطة شرودنغر Schrödinger’s Cat، وهي القطة الشهيرة بأنها حية وميتة في الوقت نفسه نتيجةً لاضمحلال كمي عشوائي لذرة مشعة Radioactive Atom، وتستمر تلك الحالة حتى يقرر راصدٌ ما أي الحالتين هي الصحيحة من خلال النظر إلى داخل الصندوق. وكان دافع إروين شرودنغر Erwin Schrödinger وراء هذه التجربة الذهنية اللامعقولة هو واقعٌ غير معقول أيضاً. ففي النظرية الكمية، لا توجد الأجسام في حالات محددة تماماً، وإنما على شكل “دوالّ موجية” Wave Functions محتملة تسمح بالوجود المتزامن لبضع حالات محتملة ومختلفة. ومع ذلك، حالما تُجري القياس، يظهر واقعٌ وحيد فقط، وقد بينت التجارب الكمية صحة ذلك. فإذا ما أنجزت سلسلة من القياسات للجسم الكمي نفسه، فإنك لن تقيس الحالة الكمية نفسها في كل مرة. وبدلا من ذلك، سيتطور نمطٌ من النتائج ببطء وفقاً لاحتمالات الحالات المختلفة والمشفرة داخل الدالة الموجية. حسب القيمة الاسمية للمصطلح، فإن عملية “انهيار الدالة الموجية” Wave Function Collapse لتؤدي إلى واقع مفرد ومحدد تجلب معها تطوراً جديداً غير مرحب به: نحن كراصدين نأتي بالواقع إلى حيز الوجود، لكن دون أن يكون لنا أي تحكم فيما حصلنا عليه. تقول الفيلسوفة جنان إسماعيل من جامعة كولومبيا في كاليفورنيا بنيويورك: “لا تُدخلنا ميكانيكا الكم إلى السلسلة السببية Causal Chain، بل تُقحم أحداثًا لا يُمكن التحكم فيها داخل السلسلة السببية”. تزداد الأمور غرابة بوجود النسخ الحديثة والأكثر تعقيداً من تجربة شرودنغر الذهنية، التي يرى خلالها راصدان مختلفان نسختين متناقضتين من الواقع نفسه بشكلٍ متزامن. إذاً، هل تُحطم الوكالةُ النظريةَ الكمية؟ ربما لا. ومنطقياً قد يكون هذا دليلا على حاجتنا إلى العمل على تطوير تفسيراتنا للنظرية الكمية، وبذلك فتلك النسخ التي تسمح بوجود راصدين مع واقعين ناشئين متناقضين لا تحطمها. وكثيرٌ من علماء الفيزياء ليسوا بحاجة إلى إقناعهم بذلك. يقول مات ليفر من جامعة شابمان في كاليفورنيا: “من الواضح جداً أنه من الجنون الاعتقاد أنه لن تكون لديك نتائج قابلة للقياس حتى تتطور أول حياة بشرية”. يرى آخرون في ذلك تبريراً لتفسيراتهم الخاصة. فعلى سبيل المثال، شون كارول من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا واحدٌ من عديدين هم أتباع تفسير العوالم المتعددة Many-Worlds Interpretation لميكانيكا الكم. يُشير ذلك إلى أنه عندما نُجري قياسًا كميًا، فإننا لا نقرر أي شيء، وإنما ينتهي الأمر بنا بنتيجة قياسنا فقط، وهي واحدة من العديد من نسخ الواقع المتوازية والعائدة إلى جميع الاحتمالات المشفرة داخل الدالة الموجية. يقول كارول: “بصرف النظر عن الاسم، العوالم المتعددة هي أبسط، وأصغر، وأكثر صور الواقع أساسية”، ويتابع: “إنه مجرد دالة موجية تحقق معادلة”. قد تبدو العواقب مثيرة جداً، إذ تقود إلى عدد لانهائي من الأكوان المتوازية Parallel Universes التي تظهر إلى الوجود بشكلٍ مستمر عند كل مفترق للطرق، لكنّ ذلك سيعني على الأقل أن الوكالة ليست لغزا كميا. يعلق كارول قائلاً: “إن إسباغ أي فكرة خاصة بالوكالة على انهيار الدالة الموجية أمرٌ لا معنى له”، ويضيف: “لكنّ أشياء من قبيل ماذا سأرتدي، وكيف سأختار ملابسي؟ هي سؤال منطقي جداً وتُشارك فيه الوكالة بشكلٍ واضح جداً”.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق