بيولوجياوباء الكورونا

كيف تتطور طفرات فيروس الكورونا وينتشر

بقلم: جوناثان كوروم و كارل زيمر

ترجمة: د. ليلى الموسوي

April 30, 2020

جينوم فيروس الكورونا

يتألف الفيروس التاجي من غشاء دهني مليء بالتعليمات الوراثية لصنع ملايين النسخ منه. ويتم ترميز التعليمات في 30 ألف “حرف” من حروف الحمض النووي الريبوزي RNA – هي: – a, c, g, u – التي تقرؤها الخلية المصابة وتُترجِمُها إلى أنواع عديدة من بروتينات الفيروس.

26 ديسمبر  فيروس كورونا جديد

في ديسمبر ظهرت مجموعة من حالات الالتهاب الرئوي الغامضة عند  سوق المأكولات البحرية في ووهان  بالصين. وفي أوائل يناير سَلْسَل الباحثون أول جينوم لفيروس كورونا جديد، كانوا قد عزلوه من رجل كان يعمل في السوق. وصار هذا الجينوم الأول خط الأساس للعلماء لتتبع فيروس سارس–كوف2 (SARS-CoV-2 virus) أثناء انتشاره في جميع أنحاء العالم.

8 يناير  خطأ مطبعي في الحمض النووي RNA 

تطلقُ خليةٌ مصابة بفيروس الكورونا ملايين الفيروسات الجديدة، وكلها تحمل نسخًا من الجينوم الأصلي. وعندما تنسخ الخلية هذا الجينوم، فإنها في بعض الأحيان ترتكب أخطاءً، وعادة ما تكون مجرد حرف خاطئٍ واحد. فهذه الأخطاء المطبعية  تسمى طفرات Mutations. وعندما تنتشر فيروسات الكورونا من شخص إلى آخر، فإنها تُراكم بشكل عشوائي المزيد من الطفرات.

جاء الجينوم أدناه من مريض مبكر آخر في ووهان وهو مطابقٌ للحالة الأولى، باستثناء طفرة واحدة. فالحرف رقم 186 من الحمض النووي RNA كان الحرف u بدلاً من الحرف c.

عندما قارن الباحثون عدة جينومات من مجموعة حالات ووهان، وجدوا بعض الطفرات الجديدة فقط، مما يشير إلى أن الجينومات المختلفة  تنحدر من سلف مشترك حديث. إذ تراكم الفيروسات طفرات جديدة بمعدل منتظم تقريبًا، لذلك تمكن العلماء من تقدير أن أصل الفاشية Outbreak كان في الصين في وقت ما من نوفمبر 2019.

 27 فبراير  سليل واحد، طفرتان أخريان 

خارج ووهان  عُثر على هذه الطفرة نفسها في الحرف رقم 186 من الحمض النووي RNA في عينة واحدة أخرى، أُخِذت بعد سبعة أسابيع ومن على بعد 600 ميل جنوبًا في قوانغتشو بالصين. وقد تكون عينة قوانغتشو سليلًا مباشرًا لعينة ووهان الأولى. أو قد يكونان ابني عمي فيروسيين، يتشاركان في سلف مشترك.

وخلال تلك الأسابيع السبعة  قفزت سلالة Lineage قوانغتشو من شخص إلى آخر مارا بأجيال عديدة من الفيروسات الجديدة. وعلى طول الطريق  تطورت طفرتان جديدتان: تغير حرفان آخران من الحمض النووي RNA إلى الحرف u.

متى تكون الطفرات ذات أهمية؟

غالبًا ما تغير الطفراتُ الجينَ دون تغيير البروتين الذي تُرمِّزه Encode .

فالبروتينات هي سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية Amino acids  مطوية بأشكال مختلفة. ويتم ترميز كل حمض أميني باستخدام ثلاثة أحرف جينية، ولكن في كثير من الحالات، تظل طفرة تغير فيها الحرف الثالث في الرمز الثلاثي الحروف تُرمِّز الأحماض الأمينية نفسها. وهذه ما يسمى  “الطفرات الصامتة”  Silent mutations  التي لا تؤدي إلى تغير البروتين الناتج.

الطفرات اللا-صامتة تغير تسلسل البروتين، وعينة قوانغتشو من فيروس الكورونا طوّرت طفرتين لا- صامتتين.

لكن البروتين قد يتألف من مئات أو ألوف الأحماض الأمينية. وتغيير حمض أميني واحد في العادة ليس له تأثير واضح في شكل الحمض الأميني أو كيفية عمله.

بعض الطفرات تندثر، والبعض الآخر ينتشر

مع مرور الشهور اكتسبت أجزاء من جينوم فيروس الكورونا العديد من الطفرات. وفي حين اكتسب البعض الآخر القليل، أو لم يتغير على الإطلاق. وقد يحمل هذا الاختلاف اللافت للنظر أدلة مهمة على بيولوجيا فيروسات الكورونا.

أجزاء الجينوم التي تراكمت فيها طفرات تكون أكثر مرونة. فبإمكانها تحمُّل التغييرات في تسلسلها الجيني دون التسبب في ضرر للفيروس. والأجزاء  ذات الطفرات القليلة هشة أكثر. وقد تؤدي الطفرات في تلك الأجزاء إلى تدمير فيروس الكورونا عن طريق إحداث تغييرات كارثية في بروتيناته. وقد تكون هذه المناطق الأساسية أهدافًا جيدة بشكل خاص لمهاجمة الفيروس بالأدوية المضادة للفيروسات.

مع تراكم الطفرات في جينوم فيروس الكورونا، فإنها تسمح للعلماء بتتبع انتشار مرض كوفيد- 19 عبر العالم.

15 يناير  الحالة الأمريكية الأولى  

في 15 يناير عاد رجل إلى منطقة سياتل بعد زيارة عائلته في ووهان. وبعد بضعة أيام من الأعراض الخفيفة، جاءت نتيجة فحصه إيجابية للإصابة بمرض كوفيد-19. وصار أول حالة مؤكدة لكوفيد- 19 في الولايات المتحدة.

NEJM.أشعة سينية لرئة المريض تظهر أدلة على الالتهاب الرئوي Pneumonia

جينوم هذا الفيروس احتوى على ثلاث طفرات أحادية الحرف كالموجودة  في الصين، مما سمح للعلماء بتتبع عدوى الرجل إلى مصدرها.

24 فبراير  وباء سياتل الخفي        

بعد خمسة أسابيع  ظهرت أعراض شبيهة بالإنفلونزا على طالب مرحلة الثانوية في مقاطعة سنوميش بولاية واشنطن. وكشفت مسحة الأنف أنه كان مصابًا بمرض كوفيد-19. وسلسل العلماء جينوم عينة فيروس الكورونا المعزولة منه ووجدوا أنها تشترك في الطفرات المميزة نفسها التي عُثر عليها في الحالة الأولى في ولاية واشنطن، ولكنا حملت أيضًا ثلاث طفرات إضافية.

اقترح هذا المزيج من الطفرات القديمة والجديدة أن الطالب لم يُصب بفيروس الكورونا من شخص وصل مؤخرًا من بلد آخر. وبدلاً من ذلك، ربما كان فيروس الكورونا آخذا بالانتشار دون أن يكتشف في منطقة سياتل لمدة خمسة أسابيع تقريبًا، منذ منتصف يناير.

ومنذ ذلك الحين، فقد ظهرت الآن فيروسات ذات صلة وراثية بمجموعة ولاية واشنطن في 14 ولاية على الأقل وعدة دول حول العالم، إضافة إلى تسع حالات على متن سفينة غراند برينسيس Grand Princess السياحية.

26 فبراير  الانتشار المبكر في كاليفورنيا          

هذا وقد كانت نسخ مختلفة من فيروس الكورونا تنتشر سراً في كاليفورنيا. ففي 26 فبراير أعلنت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها CDC أن مريضًا في مقاطعة سولانو – ليس له أي علاقة معروفة بأي حالة سابقة أو سفر للخارج- جاءت نتائج فحصه إيجابية.

كشفت عينة أُخذت في اليوم التالي أن الفيروس لم تكن لديه الطفرات المميزة الموجودة في ولاية واشنطن. وبدلاً من ذلك، لم يكن لديه سوى طفرة واحدة تميزه عن جينوم ووهان الأصلي. ويشير هذا إلى أنه وصل إلى كاليفورنيا من الصين كتقديم مستقل عما سواه.

أصيب اثنان من مقدمي الرعاية الصحية ممن كانا يعتنيان بالمريض. وإضافة إلى الطفرة الموجودة في المريض، كانت لعينتيهما طفرات إضافية.

سيل من الفيروسات

في يناير وفبراير وصل المزيد من الأفراد إلى الولايات المتحدة يحملون فيروسات كورونا خاصة بهم. وحملت بعض الفيروسات طفرات تشير إلى أنها وصلت من الصين أو أجزاء أخرى من آسيا. ولكن في مدينة نيويورك، فإن معظم الفيروسات المعزولة من المرضى متطابقة جينيًا مع الفيروسات الشائعة أوروبا.

19 يناير  شنغهاي إلى ميونيخ 

في 19 يناير- في اليوم نفسه الذي جاءت فيه نتيجة فحص مريض واشنطن الأول إيجابية كوفيد-19 – وصلت امرأة من شنغهاي إلى ميونيخ.  وقبل وقت قصير من الرحلة زارها والداها من ووهان. وفي الوقت الذي وصلت فيه إلى ميونيخ، شعرت فقط بأعراض خفيفة، والتي عللتها على أنها اضطراب الرحلات الجوية الطويلة Jet lag.

وكانت المرأة موظفة من قبل مُورّد قطع غيار سيارات ألماني. وفي اليوم التالي لوصولها  ذهبت إلى اجتماع للشركة. فقد مرض العديد من الموظفين الآخرين في الاجتماع وثبتت إصابتهم بكوفيد-19. وكان جينوم فيروس الكورونا من رجل ألماني حضر الاجتماع  يحمل طفرات تربطه بالصين.

وانتشرت نسخ مشابهة جينيّا من الفيروس في وقت لاحق إلى أجزاء أخرى من أوروبا، ولكن من غير الواضح ما إذا كانت تأتي من مجموعة الحالات هذه أو من حالات قُدِّمت بطرق مختلفة.

1 مارس  مرحبًا بكم في نيويورك           

أُعلن عن أول حالة مؤكدة لكوفيد-19 في نيويورك في 1 مارس، بعد إصابة امرأة تعيش في مانهاتن أثناء زيارتها إلى إيران. ومن بين جميع الفيروسات التي درسها العلماء في نيويورك منذ ذلك الحين، لم يحمل أحد الطفرات الموجودة في جينوم فيروس الكورونا المعزول منها. ويشير ذلك إلى أن إصابتها لم تكن جزءًا من سلسلة انتقال مستمرة.

وبدلاً من ذلك، فإن معظم فيروسات الكورونا في نيويورك التي سلسلها Sequenced العلماء تظهر روابط جينية بفيروسات الكورونا في أوروبا. وجاء فيروسات أخرى من آسيا، وربما جاء البعض الآخر من أجزاء أخرى من الولايات المتحدة.

مارس وأبريل  إعادة التقديم والترحيل            

سرعان ما صارت الولايات المتحدة وأوروبا مصادر جديدة لتقديم الفيروس إلى البلدان الأخرى. وقد ثبت أن عشرات من الغواتيماليين الذين رُحِّلوا من الولايات المتحدة كانت فحوصهم إيجابية للفيروس فيما بعد، كما أعيد إدخال فيروسات الكورونا التي تحمل طفرات نشأت في أوروبا إلى آسيا.

فيروس بطيء التطفّر

عند هذه المرحلة من الجائحة Pandemic، تشيع جينومات فيروسات الكورونا التي تحتوي على 10 طفرات أو أقل، وعدد قليل فقط لديه أكثر من 20 طفرة – لكنها لا تزال أقل من عُشر في المئة من الجينوم.

وبمرور الوقت يمكن أن تتطور الفيروسات إلى سلالات جديدة – وبعبارة أخرى، سلالات فيروسية تختلف بشكل كبيرعن بعضها البعض. ومنذ يناير سلسل الباحثون عدة آلاف من جينومات السارس -كوف-2 (SARS-CoV-2) وتتبعوا جميع الطفرات التي نشأت. وحتى الآن لم يجدوا أدلة مقنعة على أن الطفرات أحدثت تغييرًا كبيرًا في كيفية تأثير الفيروس فينا.

في الواقع، وجد الباحثون أن فيروس الكورونا يطفر ببطء نسبيًا مقارنة ببعض فيروسات الحمض النووي الريبوزي RNA viruses الأخرى، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن بروتينات الفيروس التي تعمل كمراجعين والقادرة على إصلاح بعض الأخطاء. وفي كل شهر قد تكتسب سلالة من فيروسات الكورونا طفرتين من حرف واحد فقط.

وفي المستقبل قد يلتقط فيروس الكورونا بعض الطفرات التي تساعده على التهرب من جهازنا المناعي. ولكن معدل التحور البطيء للفيروس التاجي يعني أن هذه التغييرات ستظهر على مرّ السنين.

هذا يبشر بالخير للقاحات قيد التطوير حاليًا ضد الكوفيد-19. وإذا تم تطعيم الناس في عام 2021 ضد فيروس الكورونا المستجد، فقد يتمتعون بحماية تستمر لسنوات.

ما لا نعرفه

سلسل الباحثون فقط جزءًا صغيرًا من فيروسات الكورونا التي تصيب الآن أكثر من ثلاثة ملايين شخص في جميع أنحاء العالم.

سيكشف سلسلة المزيد من الجينومات عن المزيد من الفصول في تاريخ الفيروس، ويتوق العلماء بشكل خاص إلى دراسة الطفرات من المناطق التي لم يُسلسل فيها سوى عدد قليل من الجينومات، مثل إفريقيا وأمريكا الجنوبية.

ملاحظة: الأحرف الأربعة للحمض النووي هي A و C و G و T.

المصدر:

Trevor Bedford, Sidney Bell et al., Nextstrain.org; Vaughan Cooper; Ana S. Gonzalez-Reiche et al., medRxiv; Nature; New England Journal of Medicine. Cahill-Keyes World Map projection by Gene Keyes.

© 2020 The New York Times Company

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جهد جيد جداً تشكرون عليه و هو نادر جداً في عالمنا العربي.

    حبذا لو كتبتم “الطفرات غير الصامتة” بدلاً عن “الطفرات اللا-صامتة” حيث أنها كتابة صحيحة حسب مجمع اللغة العربية بالقاهرة لكنها محدثة و تتنافى مع سلاسة ايقاع العربية و عذوبتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق