الطب وصحةوباء الكورونا

لغز “نقص التأكسج السعيد” للجائحة

 الأطباء يجادلون حول الكيفية التي يعالجون بها المرضى ذوي المستويات المنخفضة من أوكسجين الدم ولكن من دون حدوث مشكلات في التنفس

بقلم:      جينيفر كوزين-فرانكل

ترجمة:   د. عبد الرحمن سوالمة

تغطية ساينس Science لكوفيد-19 بدعم من مركز بوليتزر Pulitzer Center

يحمل فيروس كورونا المستجد الكثير من المفاجآت، ومن ضمنها مفاجأة يبدو أنها تعارض القواعد الأساسية للبيولوجيا؛ فأنّا يمكن للمرضى المصابين بالفيروس والذين تكون لديهم مستويات أكسجين الدم منخفضة بشكل كبير- فيما يعرف بنقص التأكسج Hypoxia- أن يستخدموا هواتفهم، ويتحدثوا إلى الأطباء، ويصفوا أنفسهم بأنهم مرتاحون عمومًا؟ يدعو الأطباء هؤلاء الأشخاص بناقصي التأكسج السعداء Happy hypoxics.

يقول روبين ستراير Reuben Strayer، وهو طبيب طوارئ من مركز مايمونايديس الطبي Maimonides Medical Center في مدينة نيويورك: “هناك عدم توافق  بين  ما نراه على الشاشة وما يبدو عليه المريض أمامنا”. وستراير نفسه يتحدث من منزله بينما يتعافى من كوفيد-19، ويقول إنه تفاجأ بالظاهرة بالبداية في مارس، بينما كان المرضى يتدفقون إلى غرفة الطوارئ عنده. هو وأطباء حريصون على فهم نقص التأكسج هذا، ومتى وكيف يمكن علاجه.

 والنسبة الطبيعية لتشبع أكسجين الدم هي على الأقل 95%. وفي أغلب أمراض الرئة، كالالتهاب الرئوي Pneumonia، فإن نقصان التشبع يتصاحب مع تغيرات أخرى، من ضمنها زيادة تيبس Stiff الرئتين أو امتلاؤهما بالسائل، أو زيادة مستويات ثنائي أكسيد الكربون لأن الرئتين لا تستطيعان التخلص منه بشكل فعال. وهذه الأمور هي ما تجعلنا نشعر بصعوبة التنفس، وليس، بخلاف التوقعات، انخفاض مستويات الأكسجين بحد ذاته. هذا ما يقوله باول دافينبورت Paul Davenport، اختصاصي  بالفيزيولوجيا التنفسية من جامعة فلوريدا University of Florida. ويوضح قائلًا: “الدماغ مضبوط على مراقبة ثنائي أكسيد الكربون باستخدام العديد من المجسات. لا نحس بمستويات الأكسجين”.

في الحالات الشديدة من كوفيد-19 يصارع المرضى للتنفس باستخدام رئتيهم المتضررة، ولكن في المراحل المبكرة من المرض، لا يترافق انخفاض مستويات الأكسجين دائمًا مع صعوبات تنفسية واضحة. فقد تكون مستويات ثنائي أكسيد الكربون طبيعية، وأن يكون التنفس العميق مريحًا، “ما دامت الرئتان تنتفخان بشكل سليم، فالمرضى يشعرون بأنهم بحال جيدة”، هذا ما قالته إلنارا مارسيا نيغري Elnara Marcia Negri، طبيبة رئة Pulmonologist من مستشفى سيريو-ليبانيز Hospital Sírio-Libanês في ساو باولو. ولكن نسبة تشبع الأكسجين، كما يقيسه جهاز موصول على الإصبع، وفي بعض الحالات يتأكد ذلك بفحوص للدم، قد تكون في حدود السبعين أو الستين أو الخمسين أو حتى أقل. وصحيح أن مستويات تشبع الأكسجين قد تكون مشابهة عند متسلقي الجبال، إلا أن استمرار انخفاض الأكسجين، كما يعتقد بعض الأطباء، ربما يكون “منذرًا بالسوء”، وذلك بحسب ما يقول نيكولاس كابوتو Nicholas Caputo، طبيب طوارئ في صحة ومستشفيات مدينة نيويورك/لينكولن New York City Health + Hospitals/Lincoln.

وحاليًّا، تظهر فرضيات حول ما يسبب ذلك. يعرف العديد من الأطباء أن التخثر Cloting سمة مهمة من سمات الحالات الشديدة من كوفيد-19

(Science, 24 April, p. 356). وتظن نيغري أن التخثر البسيط قد يبدأ في وقت مبكر في الرئتين، ربما بسبب التفاعل الالتهابي في شبكة الأوعية الدموية الدقيقة فيها، والتي قد تبدأ سلسلة تفاعلات تحفز الدم أن يتخثر وتمنعه من أن يتأكسج بشكل جيد.

طورت نيغري هذه الفكرة بعد أن عالجت امرأة كانت مشكلات التنفس لديها تتصادف مع مشكلات في دوران الدم في أصابع قدميها. أعطى فريق نيغري المرأة دواء الهيبارين Heparin، وهو مرقق دم (مانع تخثر) شائع، وقد حسّن ذلك كلًا من حالة أصابع قدمي المريضة وتنفسها. وتساءلت نيغري عما إذا كان بإمكان الهيبارين تعزيز مستويات الأكسجين في المرضى بغض النظر عما إذا كان يصعب عليهم التنفس أم لا. ففي 20 أبريل  نشرت نسخة أولية من ورقة بحثية أولية تٌفصِّل خبرتها في المستشفى مع 27 مريضًا مصاب بكوفيد-19. وأعطي الهيبارين إلى المرضى ذوي نقص التأكسج، مع زيادة الجرعة  في حال كانت مستويات الجزيء دي-ديمر (مثنوي-دي) D-dimer لديهم أعلى، وهي علامة في الدم تدل على زيادة التخثر.

  بيانات واحد من المرضى فُقدت بسبب نقله إلى مستشفى آخر. ولكن هناك 24 آخرين يتعافون الآن، ومن ضمنهم ستة من ثمانية احتاجوا إلى تنفس اصطناعي، وهي نسبة نتائج جيدة أكثر من غيرها. وهناك اثنان بقيا في حالة مرض حرج. وتخطط نيغري الآن لمتابعة المزيد من المرضى. وستفحص العديد من التجارب الإكلينيكية (السريرية) في أماكن أخرى إن كان بإمكان مرققات الدم أن تمنع أو تعالج مضاعفات الحالات الشديدة من كوفيد-19، ومن ضمنها المشكلات التنفسية.

أما ستراير؛ فيجد أنه من المنطقي تصور أن نقص التأكسج ينشأ بسبب “امتلاء الأوعية الدموية الصغير للرئتين بالخثرات”. وقد بدأ مستشفاه وغيره من المستشفيات بفحص العديد من المرضى المصابين بكوفيد-19 المدخلين إليها باحثين عن علامات تدل على زيادة التخثر، ومعالجة الذين يظهرون تخثرًا بمرققات الدم. ولكن تبقى مسألة ما إذا كان التخثر يسبب نقص التأكسج السعيد “أمرًا مجهولًا ببساطة”، بحسب ما يقول ستراير. هناك احتمالات أخرى. يقول كابوتو إن تصويرًا حديثًا لمريض مصاب بنقص التأكسج أظهر “ما يبدو كأنه غطاء شمعي حول الرئة كلها، لا أعرف بالتحديد ما هي الفيزيولوجيا المرضية الموجودة هنا”.

يقول كابوتو إن نقص التأكسد هذا، على الأرجح، يُتعب جسمًا يجاهد أصلًا في محاربة الفيروس. وما الذي يجب فعله حيال ذلك أمر محل جدل. وهناك نظرة ناشئة تقول إن الأطباء يجب أن يتجنبوا العلاج الحثيث” Aggressive treatment الذي دُرِّبوا على إعطائه في أوضاع أخرى. فنجد مثلا أن لوسيانو غاتينوني Luciano Gattinoni، أستاذ ضيف بقسم العناية المركزة في المركز الطبي التابع لجامعة غوتنجن University of Göttingen Medical Center قلق بشأن ما يدعوه “الاستجابة البافلوفية Pavlovian Response” لنقص تأكسج كوفيد-19، حيث يهرع الأطباء إلى نفخ الرئتين بأجهزة التنفس أو الأكسجين عالي الضغط، حتى عندما يبدو المريض مرتاحًا. وكتب غانينوني أونلاين على JAMA في 24 أبريل أن هذه التدابير قد تؤذي الرئتين اللتين تنتفخان من تلقاء أنفسهما، ولكن هذه التدابير قد تكون ضرورية إذا فشلت العلاجات غير الباضعة Noninvasive treatment في مساعدة المرضى.

ويقول غانينوني وغيره إن التدخلات الأبسط مهمة. وقد وفّر كل من ستراير وكابوتو وريتشارد ليفيتان Richard Levitan المتعاون معهما، وهو طبيب من مستشفى ليتلتون الإقليمي  للرعاية الصحية Littleton Regional Healthcare في نيوهامشير، والذي قضى وقتًا يعالج مرضى كوفيد-19 في غرفة طوارئ في مدينة نيويورك- للمرضى أكسجينًا إضافيًا وطلبوا إليهم الاستلقاء على بطونهم، وهو أسلوب يتبع عادة للأشخاص الذين يستخدمون التنفس الاصطناعي، وهو ما يمكن أن يفتح الجزء السفلي من الرئتين. وقد ذكروا في أبريل بالدورية العلمية Academic Emergency Medicine أن وضع المرضى في وضع الانبطاح زاد معدل تشبع الأكسجين بشكل واضح، وذلك في تجربة أجروها على 50 مريضًا. ولكن، كان هناك 13 مريضًا لم يستفيدوا كثيرًا واحتاجوا إلى وضع أنابيب تنفس خلال 24 ساعة.

الأطباء غير متأكدين من فائدة اكتشاف التشبع القليل للأكسجين في مرحلة مبكرة باستخدام أجهزة قياس تنفس غير مكلفة تدعى مقياس التنفس النبضي Pulse oximeter بحيث تستخدم في المنزل. هل بإمكان المراقبة المنزلية “أن تمنع النتائج النهائية السلبية في كوفيد؟ بالتأكيد لا”، هذا ما قاله ليفيتان، والذي كتب في 20 أبريل المقال الافتتاحي  لصحيفة The New York Times مجادلًا في أن نقص التأكسج في المرحلة المبكرة يمكنه أن يتطور بسرعة إلى التهاب رئوي ومن ثم وفاة. “إذا كان بإمكاننا اكتشافهم حين يكونون أقل مرضًا، فستكون النتائج أفضل”. وتطلب نيغري إلى مرضاها أن يراقبوا مستويات تشبع الأكسجين لديهم وأن يزوروا المستشفى إن وصلت إلى 93% أو أقل. عندئذٍ، تفكر نيغري في إعطاء مرققات الدم والعلاجات الأخرى.

ولكن، لم يدرس أحد ما إذا كان الاكتشاف المبكر لنقص التأكسج يغير بالفعل من النتائج السلبية. ويعتقد بعض الأطباء أن مقاييس التأكسج النبضي تستخدم أفضل استخدام إذا كانت تحت إشراف طبي، ربما عن طريق الطب عن بعد Telemedicine. وبوجود عدد كبير من مرضى كوفيد-19 الخائفين من زيارة المستشفى والذين لا يصلون إليها إلا عندما تصير أعراضهم متقدمة بشكل خطير، فإن الأطباء يتساءلون أيضًا عما إذا كان بإمكان المراقبة المنزلية أن تعجل في العلاج، حتى وإن كان هذا، بالنسبة إلى البعض، يشكل أمرًا فارقًا.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رغم أن المقال شيق جدا، الا ان الترجمة مع الاحترام الشديد سيئة، هي أشبه لترجمة قوقل الآلية. أتمنى الاهتمام بجودة الترجمة،شخصيا انا بحثت عن المقال باللغة الانجليزية وكانت قراءتي له أكثر سلاسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق