علم الجينات والوراثة

فكرة ثورية تشير إلى وجود مسبب واحد للأمراض النفسية

اكتشاف ارتباط بين مرض القلق والاكتئاب والوسواس القهري وغيرها، مما قد يُحدث ثورة في طريقة تفكيرنا في هذه الحالات، وتقديم علاجات حديثة لها

بقلم: دان جونز Dan Jones

ترجمة: روان دشتي

الحياة قد تكون صعبة. جميعنا مررنا بمخاوف مزعجة وقلق Anxiety وحزن Sadness ومزاج منخفض Low mood وارتياب Paranoid. وفي معظم الوقت تكون هذه الأفكار قصيرة الأمد. ولكن عندما تستمر أو تتفاقم، يمكن لحياتنا أن تنهار بسرعة.

أمراض الصحة النفسية Mental health conditions، من الاكتئاب Depression والرهاب  Phobiasإلى فقدان الشهية Anorexia والفصام Schizophrenia، هي حالات شائعة بشكل مدهش. وفي المملكة المتحدة يعانيها شخص واحد من بين كل أربعة أشخاص كل عام، لذلك فمن المحتمل أن تكون أنت أو شخص تعرفه سبق وأن طلب المساعدة إلى  مختص. وتبدأ الإجراءات عادة بالتشخيص – يقيِّم اختصاصي الصحة النفسية الأعراض التي تعانيها ويحدد أي حالة تصفك تمامًا من بين مئات الحالات المدرجة في تصنيف مرجع الطب النفسي، دليل التشخيص والإحصاء للاضطرابات النفسية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders. بعد ذلك، تبدأ بعلاج مصمم خصيصًا لحالتك. قد تبدو هذه المنهجية واضحة، لكن هل هي الطريقة الصحيحة؟ ” لآلاف السنين، وضعنا كل من هذه الحالات النفسية في زوايا مختلفة “، كما تقول اختصاصية الأعصاب أنكي هامرشلاغ Anke Hammerschlag من جامعة فريجي في أمستردام بهولندا Vrije University Amsterdam. وتقول أيضًا : ” لكن ربما هذه الحالات لا تعمل بهذه الكيفية بيولوجيًا “.

هذا، فهناك أدلة متزايدة ومقنعة على صحة كلامها. وبدلاً من أن تكون أمراض الصحة النفسية منفصلة عن بعضها البعض، يبدو أنها تشترك في مسبب واحد وهو ما يسميه الباحثون الآن “العامل p” p factor. وهذا الإدراك قد يغير تغيرًا جذريًا الكيفية التي نشخص بها مشكلات الصحة النفسية ونعالجها، فنركز أكثر على الأعراض بدلاً من الأسماء ونقدم المزيد من العلاجات العامة. وهو ما يفسر أيضًا بعض الأنماط المحيرة لنمط تواتر هذه الحالات في الأفراد والأسر. وإعادة التفكير في الصحة النفسية بهذه الطريقة قد تحدث ثورة في هذا المجال:  ” لا أعتقد بوجود أشياء مثل الاختلالات النفسية Mental disorders [المنفصلة عن بعضها البعض Discrete]”، كما يقول اختصاصي علم الوراثة السلوكي Behavioural geneticist  روبرت بلومين  Robert Plomin من كينغز كوليدج بلندن King’s College London .”إنها مجرد خيال صنعناه بسبب النموذج الطبي Medical model”.

للوهلة الأولى، فإن فكرة اشتراك أمراض الصحة النفسية المختلفة  ذات الأعراض المتميزة عن بعضها البعض في سبب أساسي تبدو فكرة غير بديهية. ولكن المفتاح الأساسي لفهمها يكمن في اسمها. ويمتلك “العامل p” أوجه تشابه مقصودة مع أحد أشهر المفاهيم في علم النفس Psychology. فمنذ أكثر من قرن من الزمن، أشار الاختصاصي بعلم النفس البريطاني تشارلز سبيرمان Charles Spearman إلى أن أداء الأطفال في نوع واحد من المهام العقليةMental task ، مثل الطلاقة الكلامية Verbal fluency، يرتبط بمهاراتهم العقلية في مجالات أخرى، مثل الاستنتاج الرياضياتي Mathematical reasoning  والتلاعب المكاني  Spatial manipulation  والمنطقLogic . وبعبارة أخرى، يميل الأطفال الذين يبرعون في شيء ما إلى أن يكونوا جيدين في شيء آخر، بينما يميل أولئك الذين يواجهون صعوبة في مجال ما إلى مواجهات صعوبات في مجالات أخرى أيضًا. وباستخدام أداة إحصائية تسمى تحليل العامل Factor analysis، أظهر سبيرمان أن السبب يرجع إلى أن هذه القدرات العقلية المختلفة ترتبط جميعها بقدرة معرفية Cognitive capacity شاملة، اسمها الذكاء العام General intelligence، أو “العامل G” G factor.

وبعد قرن من الزمن، فإن تطبيق المنهج نفسه على تشخيصات الصحة النفسية يعطينا تلميحات أولية تشير إلى حدوث شيء مماثل. وهناك مجموعة كبيرة من أمراض الصحة النفسية التي تُظهر أعراضًا سلوكية ونفسية مختلفة. ومثل المهارات المعرفية Cognitive skills، التي تتجمع معًا في الأشخاص، إما في الوقت نفسه أو واحدة تلو الأخرى. ففي عام 2012 حلل بنيامين لاهي Benjamin Lahey و زملاؤه من جامعة شيكاغو University of Chicago معلوماتٍ من مثل هذه الحالات المُشخَّصة من 30 ألف شخص خضعوا للدراسة على مدى ثلاث سنوات.  وباستخدام تحليل العوامل Factor analysis وجدوا أن أفضل تفسير للأنماط الملحوظة للمرض هو القابلية العامة للإصابة بالأمراض النفسية.
وفي العام التالي حصل أفشالوم كاسبي  Avshalom Caspi وتيري موفيت Terrie Moffitt من كينغز كوليدج بلندن على النتيجة نفسها. واستخدمت دراستهم معلومات من ألف شخص كانت صحتهم تحت الملاحظة لمدة أربعة عقود منذ ولادتهم في أوائل سبعينات القرن العشرين. وكان موفيت وكاسبي هم أول من صاغ مصطلح العامل p لوصف قابلية تعرض الفرد لمشكلات نفسية. ويقول كاسبي: “بمجرد إصابتك بأي اضطراب نفسي معين، سيزداد احتمال الإصابة باضطرابات أخرى”.

وراثة  محيرة

كما يفسر العامل p أن أيضًا الأنماط المحيرة لظروف الصحة النفسية  في العائلات. ومن المعروف أيضًا منذ زمن طويل أن هذه الحالات لها أساس جيني وقابلية عالية للوراثة. فقد قدّرت الدراسات الكبيرة القائمة على التوائم أن قابلية توارث مرض الفصام Schizophrenia، على سبيل المثال، هي نحو 80%، و قابلية توريث الاكتئاب الرئيس Major depression هي نحو 45% . ولكن إذا كان  أحد الوالدين أو الأخوة يعاني حالة معينة، فذلك لا يؤدي فقط إلى زيادة احتمال إصابتك بهذه الحالة فقط، لكنه أيضا يزيد من احتمال إصابتك بحالة أخرى مختلفة. فعلى سبيل المثال، إذا كان أحد الوالدين مصابًا بالفصام، فإن خطر إصابتك باضطراب ثنائي القطب Bipolar disorder سيتضاعف، والعكس صحيح. وهذا الاستنتاج استنتاج منطقي إذ إنك لم ترث فقط القابلية لنوع واحد من الحالات ، ولكن أيضًا قابلية أكثر عمومية: وهذا هو العامل p.

بالطبع، فإن تطبيقات علم الوراثة على الطب النفسي في العقد الماضي قد وفرت دعمًا رئيسيًا لوجود العامل p. ففي الأيام المبكرة، كان علم الوراثة النفسية يتضمن في الغالب البحث عن الجينات الفردية التي تشكل قابلية كبيرة لتطوير حالات معينة. لكن ضُرب بما يسمى نهج الجين المسؤول عرض الحائط، ” لقد كانت حقًا خسارة فادحة، لكنها كانت كل ما يمكننا فعله في ذلك الوقت”، كما يقول بلومين. وجاءت شرائح SNP chips التي غيرت كل شيء في منتصف العقد الأول من القرن العشرين”.

تسمح شرائح SNP (تُنطق “سنيب” Snip)، والتي تشبه إلى حد ما بطاقة الذاكرة في الكاميرا الرقمية، للعلماء باستخدام عينة صغيرة من الحمض النووي DNA لفحص جينوم Genome شخص ما واكتشاف المتغيرات الجينية Genetic variants التي يحملها. كل شخص لديه الملايين من هذه الاختلافات القائمة على حرف واحد في نظام رموز الحمض DNA المكون من أربعة أحرف: فحيثما يكون لدى شخص ما الحرف T، على سبيل المثال، قد يكون لدى شخص آخر الحرف  G  (وقد يكون لدى شخص آخر A أوC). وقد تم تحديد أكثر من عشرة ملايين من تنويعات النيوكليوتيدات الوحيدة  Singlenucleotide polymorphisms (اختصارا: SNPs) وقد تكشف شريحة SNP واحدة مليونًا أو أكثر من هذه الاختلافات دفعة واحدة.

وجاء الاكتشاف غير المسبوق على فكرة العامل p قبل سنوات قليلة من صياغة موفيت وكاسبي لهذا المصطلح. ففي عام 2009 استخدم مجمع الفصام الدولي the International Schizophrenia Consortium شرائح SNPs لفحص أكثر من ثلاثة آلاف شخص مصابٍ بهذه الحالة. وبدلًا من تحديد متغير واحد أو عدد قليل من المتغيرات الوراثية ذات التأثير الكبير في قابلية الإصابة الفصام، فقد وجد التحليل أن الحالة كانت مرتبطة بآلاف المتغيرات، كل واحد منها له تأثير صغير. ومن المثير للاهتمام أن هذه المتغيرات نفسها زادت أيضًا من خطر الاضطراب ثنائي القطب.

جينات مشتركة
بعد ذلك، تكرر إجراء هذا النوع من التحاليل على نحو موسع. ففي عام 2013 أجرت مجموعة دولية تسمى مجمع علم النفس للجينوميات Psychiatric Genomics Consortium دراسة ذات نتائج باهرة. وحلل  العلماء فيها البيانات الجينية لأكثر من 30 ألف شخص شُخصوا بحالات مثل الاضطراب ثنائي القطب، الاكتئاب الشديد أو انفصام الشخصية. ومرة أخرى، تخترق متغيرات المخاطر الجينية الحدود التشخيصية التقليدية للطب النفسي. “كانت النتائج عكس ما كان متوقعًا”، كما يقول مايك غاندال  Mike Gandal من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. “حتى وقت قريب، كان يُعتقد أن تكشف الدراسات الجينية عن المزيد من الخصوصية البيولوجية لكل اضطراب، ولكن بدلاً من ذلك نرى جميع هذه أدلة على الوراثة المشتركة.

ومن الواضح أن القصة هذه مختلفة تمامًا عن الحالات العصبية Neurological conditions التي تؤثر في الجهاز العصبي نفسه، مثل مرض ألزهايمر Alzheimers’s، وباركنسون Parkinson’s، وهنتنغتون Huntington’s والتصلب المتعددMultiple sclerosis . ففي عام  2018 أجرى اتحاد العصف الذهني Brainstorm Consortium ، الذي مقره في جامعة هارفارد Harvard University ، دراسة فحصت البيانات الوراثية لأكثر من 265 ألف شخص يعانون واحدة من 25 حالة نفسية وعصبية وكشفت هذه الدراسة قلة وجود -أو عدم وجود- عامل وراثي مشترك بين الحالات العصبية مع بعضها البعض أو مع الحالات النفسية، مما يجعلها أكثر ملاءمة للنموذج الطبي الكلاسيكي.

وبالنسبة إلى الحالات العصبية التي تؤدي فيها جينات منفردة دورًا كبيرًا، يمكن تقسيم الأشخاص إلى مجموعتين: أولئك الذين يحملون متغير المخاطر Risk variant ، وأولئك الذين لا يحملونه. وتبدو الصورة أكثر فوضوية في الأمراض النفسية.  فالآلاف من تنويعات النيوكليوتيدات الوحيدة  SNPs المسببة تتوزع قيمها بيانيّا على شكل الجرس  Bell-shaped distribution ، وهذا يعني أن نسبة مئوية صغيرة من الأفراد لديها عدد قليل جدًا من متغيرات المخاطر، ونسبة صغيرة لديها الكثير، ومعظم الناس يقعون في المنطقة ما بين هذا وذاك، وتتبع شدة الأعراض تقريبا هذا المنحنى أيضا. “لا توجد نقطة فاصلة عند عدد المتغيرات التي تؤدي فجأة إلى اضطراب نفسي قابل للتشخيص”، كما يقول بلومين.

وتصبح الأمور فوضوية أكثر. فالباحثون الآن يكتشفون بعض تنويعات النيوكليوتيدات الوحيدة  SNPs المرتبطة بالحالات الفردية. “يوجد تداخل جيني ضخم بين الاضطرابات النفسية،  ولكن هناك أيضًا بعض العوامل الوراثية المحددة التي تجعل الأفراد يختلفون في الأعراض التي تظهر عليهم”، كما تقول كريستيل ميدلدورب Christel Middeldorp التي تُدرِّس علم الوراثة النفسية في جامعة كوينزلاند University of Queensland في أستراليا، “إذ لا يفسر العاملp  كل شيء.”

“يوجد تداخل جيني ضخم بين أمراض الصحة النفسية”

 

إضافة إلى ذلك – كما يشدد كاسبي بسرعة -هناك المزيد من الجوانب في هذه القصة. “إن الجانب الوراثي مثير، لكن ما هو ملحوظ حقًا أن معظم الاضطرابات النفسية تشترك في عوامل الخطر البيئية والنفسية الاجتماعية نفسها أيضًا”، كما يقول. “فإساءة معاملة الأطفال Child abuse من أي نوع على سبيل المثال، تتنبأ بنشوء كل حالة موجودة في الواقع. ” و ينطبق الشيء نفسه على تعاطي المخدرات والكحول، والتجارب المؤلمة أثناء الطفولة مثل التهجير نتيجة للحروب.
لقد حاول بلومين وزملاؤه مؤخرًا تحديد العنصر الوراثي للعامل p بالاعتماد على معلومات من أكثر من سبعة آلاف زوج من التوائم، وقُدّرت قابلية التوريث بنحو55%. وهذا يعني أن الاختلافات الجينية تفسر أكثر من نصف المتغيرات بين قابلية الأفراد العامة للتعرض لمشكلات الصحة النفسية، أما النسبة المتبقية فهي مدفوعة بعوامل غير وراثية. كما أظهرت الدراسة أيضا أن العاملp  يظل مستقرا طوال حياة الشخص.

وعلى الرغم من هذه التعقيدات، هناك اعتراف متزايد بأن أمراض الصحة النفسية ذات جذور جينية مشتركة، والأبحاث جارية لمعرفة الكيفية التي تظهر بها بيولوجيًا . ففي عام 2018  قاد غاندال وزميله دان غيشويند Dan Geschwind  فريقًا بحثيًا لاكتشاف ذلك، وحلل الفريق التعبير الجيني Gene expression في قشرة المخ Cerebral cortex – الطبقة الخارجية للدماغ حيث تحدث عمليات المعرفة المتقدمة Higher cognition – من 700 شخص متوفى شخصوا بأمراض نفسية شائعة.  ويقول غاندال: ” لقد وجدنا أن الأمراض التي تشترك في العوامل الجينية المسببة، كانفصام الشخصية والاضطراب ثنائي القطب، تتشابه في أنماط التعبير الجيني أيضًا”. وكثير من الجينات تضمنت نشاطات مُتحكَّم فيها مناطق المشتبكات العصبية Synapses، التقاطعات بين الخلايا العصبية.

وكذلك هناك دراسة حديثة قادتها هامر شلاغ توصلت إلى النتائج نفسها. فقد درس الفريق أكثر من سبعة آلاف مجموعة جينية مشاركة في مجموعة واسعة من المسارات البيولوجيةBiological pathways ، ومن ثم نظر الفريق إلى الجينات المحتوية على متغيرات مرتبطة بخمسة أمراض نفسية أكثر شيوعًا. واستخلصت النتائج 14 جينا فقط . وتقول هامرشلاغ: ”  تقريبًا جميع هذه المجموعات الجينية ذات وظائف في الأعصاب، ومعظمها تؤدي دورًا في المناطق ما بين الأعصاب”. بعبارة أخرى، يبدو أن لدى العامل p وظيفة ما في التواصل ما بين خلايا الدماغ.

أما الأبحاث الأحدث؛ فهي أكثر وضوحًا. إذ يعتقد الباحث ماكسيم تاكيت Maxime Taquet وزملاؤه من جامعة أكسفورد University of Oxford أنهم اكتشفوا ” شبكة ضعف” Vulnerability network في أدمغة الأطفال المعرضين لخطورة الإصابة جينيًا بالأمراض النفسية. بمقارنة المسح الدماغي بالأطفال الأقل عرضة جينيًا، اكتشف الفريق فروقات كبيرة في ثلاثة مناطق أساسية : بنية تُسمى الشبكة الافتراضية Default network التي تنشط عندما يكون الدماغ في حالة راحة ، وبُنية أخرى مرتبط بالتخطيط والتحكم، والجزء من الدماغ المختص بمعالجة عمليات الإبصار Processes vision. وفي دراسة مشابهة اكتشف كاسبي وموفيت أن الأشخاص ذوي العامل p الأعلى لديهم اختلافات في الدوائر الدماغية المهمة في مراقبة وتحليل المعلومات ، لذا يمكن استخدامها في الوظائف القشرية العليا Higher cortical functions كالتحكم في المشاعر والأفكار والسلوك.

أما الكيفية التي يؤثر بها امتلاك دماغ بمثل هذه المواصفات المحددة للتأثير في سيكولوجية الأفراد فلا تزال لغزا غامضا. ويعتقد كاسبي و موفيت بأن عامل p عاليًا قد يظهر كمجموعة تتألف من: تفكير مضطرب Disordered thinking، وصعوبة في تنظيم المشاعر، وميول نحو المشاعر السلبية . وعلى الرغم من ذلك ، حتى ولو كانت هذه الارتباطات غير واضحة ، فقد تكون فكرة العامل p مفيدة في تشخيص وعلاج أمراض الصحة النفسية.

وبالفعل، هناك العديد من الأدوية المعروف عنها أنها مفيدة في تشخيصات محددة.  ويقول الطبيب النفسي توفا فولر Tova Fuller، من جامعة كاليفورنيا University of California بسان فرانسيسكو:  “في الممارسة، نحن غالبًا ما نستخدم العلاج نفسه لأمراض مختلفة. ومضادات الذهان Antipsychotics – على سبيل المثال – ليست مفيدة فقط في علاج الذهان، ولكن أيضا لعلاج الهوس Mania والهذيان Delirium والهياج Agitation وغيرها”. والعامل p يفسر هذه العلاجات النافعة “عبر التشخيصات” Transdiagnostic، على الرغم من أنها لم تُطور بناء على ذلك. “وإذا استطعنا فهم بيولوجية العامل p، يمكن عندها استهداف الآليات المرتبطة وإنتاج علاجات تعمل بفعالية أكبر تجاه هذه الأمراض المختلفة”،  كما تقول غاندال. ” يمكن من خلال هذه العلاجات استهداف مجموعة كبيرة من المرضى، بدلًا من معالجة كل مريض على حدة بناء على النمط المحدد من الأعراض”.

والعلاجات المبنية على التحدث، مثل العلاج السلوكي المعرفي Cognitive behavioural therapy (اختصارًا: العلاجCBT)، أيضًا مفيدة عبر التشخيصات. “هناك دائمًا دروس للمريض حول كيفية إعادة صياغة التجارب المسببة للقلق والنظر إلى الجانب المشرق، وكيفية تحديد العوامل التي تستثير أعراضهم، وتوفر إرشادات حول المهارات الحياتية”، كما تقول موفيت. حاليا، هناك إرشادات توجيهية علاجية منفصلة لظروف محددة. ومع ذلك، فإن فكرة العامل p تقدم الدعم إلى الأطباء الداعين إلى نسخة وحيدة من العلاج السلوكي المعرفي CBT  تناسب الجميع تسمى نهج علاج العناصر المشتركةCommon elements treatment approach، في محاولة لضمان حصول المزيد من الناس -عبر العالم- على العلاج الذي يحتاجون إليه.”إنه علاج معرفي أولي يمكن تقديمه لكل من يعاني اضطرابا نفسيًا “، كما تقول موفيت. ” بعد ذلك، يمكن تحويل الأشخاص إلى اختصاصي يعالج، على سبيل المثال، الفصام فقط أو نوبات الهلع Panic attacks، حسب الأعراض الظاهرة.”

وتعتقد موفيت أيضًا أن وجود العامل p يجب أن يحفز التحول من علاج الحالات نفسها إلى علاج الأعراض الصعبة في كثير من الأحيان التي يعانيها الناس. “نحن نميل إلى التفكير:’ هذا الشخص مصاب بالاكتئاب اليوم ، لذلك هذا الشخص مصاب بالاكتئاب ونحتاج حقًا التركيز على الاكتئاب’”، كما تقول. ومن الواضح أننا نحتاج إلى علاج أعراض الاكتئاب، لكن مع العلم أن هذا المريض ستظهر عليه أعراض مختلفة في المستقبل، لذا نحتاج أيضًا إلى تزويده بالأدوات والمهارات اللازمة للتغلب عليها عند ظهورها”.

ولكن بلومين يذهب إلى أبعد من ذلك. إذ يعتقد أن الخطوط البيولوجية غير الواضحة بين الأمراض النفسية، إلى جانب الامتداد المتصل للعامل الوراثي  لقابلية السكان للتأثر بهذه الأمراض، تدمر النظرة التقليدية للأمراض العقلية.

 “أعتقد أن هذه التصنيفات التشخيصية هي مجرد أسطورة في معظمها”، كما يقول بلومين . وهذا لا يعني أن الأشخاص لا يعانون مشكلات نفسية تتطلب مساعدة من اختصاصي، لكن بلومين سيكون سعيدًا لرؤية النموذج الحالي للطب النفسي يضحمل إلى أن ينقرض. إذ يقول:” لقد تسبب هذا النموذج بالكثير من الأذى لأنه يشير إلى وجود أشخاص مصابين بأمراض نفسية مقابل

طبيعيين. في الواقع نحن جميعًا نقع في مكان ما على طول السلسلة المتصلة .”

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى