الطب وصحةوباء الكورونا

لماذا يكون فيروس كورونا مميتاً للبعض، لكن غير ضارٍ للبعض الآخر؟

لنعرف ما الذي يجعل بعض الأشخاص أكثر عرضةً للإصابة بالحالات الشديدة من كوفيد-19، علينا أن نعيد التفكير فيما نعرفه عن العدوى

بقلم:    كاري أرنولد

ترجمة: محمد الرفاعي

لقد أصاب فيروس كورونا المستجد Coronavirus ملايين الأشخاص، لكننا ما زلنا نتعلم من هم الأكثر عرضةً لهجومه. وسرعان ما اتّضح أن كبار السن، ومن يعاني حالاتٍ صحيةٍ كداء السكري والسرطان، عرضةٌ لخطرٍ أكبر. ولكنه يرد حاليا العديد من التقارير عن قتل المرض لشباب أصحاء. وحتى ضمن الفئات عالية الخطورة، يختلف الخطر الذي يسببه كوفيد-19 (Covid-19) اختلافا هائلا ما بينها.

إضافة إلى ذلك، حاليا، تشير المعلومات من دولٍ متعددةٍ إلى أن الأفراد من الأقليات العرقية هم أكثر عرضةً للموت. وكذلك الرجال والبدناء. وفي الوقت الحالي، ولأن كوفيد-19 يهاجم الرئتين، فإننا نتوقع أن الأشخاص الذين يعانون الربو أكثر عرضةً له. ولكن إلى الآن، لا يبدو أنهم في خطرٍ أكبر ممن سواهم.

حول العالم ساهمت جهود تحديد عوامل الخطورةِ في تشكيل النصائح الصحية للجمهور، وفي توجيه الموارد. لكن، ولفهم لمَ تُحدث هذه العوامل فرقا، يجب علينا أن نمعن النظر أكثر – ليس إلى الفيروس فقط، بل إلى أنفسنا.

تقول بريا دوغال Priya Duggal، وهي عالمة وبائيات من جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins University، في ماريلاند: “إن المرض في حقيقةً الأمر ما هو إلا استجابة أجسامنا للعامل الممرض Pathgen”. لنفهم من يمرض ولماذا، يجب أن نفهم ما يحدث عندما يكون الفيروس داخلنا، وما الدور الذي تؤديه الجينات في استجابة جسمنا. وإضافة إلى المساعدة على تأمين حمايةً أفضل لمن هم أكثر عرضةً للأذى، قد يساهم هذا في توجيه تطوير العلاجات التي ستسمح لنا أخيراً بالتعايش مع كوفيد-19.

نميل إلى التفكير في فيروس سارس-كوف-2 (SARS-CoV-2 virus) – حزمة البروتين الشوكي بقطر 85 نانومترا والحمض نووي Nucleic acid تسبب كوفيد-19- بوصفه كياناً مستقلاً. ويقول رييد ثومبسون Reid Thompson، اختصاصي البيولوجيا الحاسوبية في جامعة أوريغون للصحة والعلوم Oregon Health and Science University إنّ هذا المفهوم مفهوم خاطئ، ” فالفيروس يحتاج إلى المضيف ليؤدي عمله. وإذا أمكنك أن تحول الأشخاص إلى سلاحف، فلن يصابوا بسارس-كوف-2″.

وكالفيروسات الأخرى، يعتمد هذا الفيروس المستجد على المضيف في كل شيء. ويجب أن يخترق خلايانا للحصول على الطعام والمأوى، وعلى القدرة على التكاثر. لكن، وعند محاولة فهم الكيفية التي تعمل بها هذه العوامل الممرضة، نجد أن علماء الميكروبيولوجيا على مرّ التاريخ قد درسوها على صفائح من الآغار Agar الهلامي، أو في دوارق من الحساء ذي رائحة ميسو Miso مخلوطٍ بالنقانق النيئة. وهي استراتيجيةٌ يمكنها أن تنتج أفكاراً مهمة، لكن في حالة كوفيد-19، فإنها تترك أسئلةً كثيرة دون إجابة. وأكثرها إلحاحاً: كيف يمكن للعديد منا أن يلتقط الفيروس، وربما ينقله إلى غيره، دون أن يدرك ذلك حتى؟

بالأرقام

تشير التقديرات إلى أنه ما بين نصف إلى أكثر من ثلاثة أرباع الأشخاص المصابين لا تظهر عليهم الأعراض، ولكن إلى أن نتمكّن من اختبار أعداد كبيرة من الأفراد، فستصعب الإجابة عن هذا السؤال بدقةٍ. كما يبدو أن احتمال إصابة الأطفال بفيروس كورونا هو نفسه في البالغين تماماً، لكنهم أقل عرضةً بكثير للإصابة بصور شديدة من المرض أو الموت من جرّائه. وهناك العديد من الفرضيات التي تفسر هذا الأمر، ابتداءً من أن عدد المستقبلات السطحية  Surface receptors على خلايا المسارات الهوائية، والتي يحتاج إليها الفيروس للاختراق، أقل عند الأطفال، إلى الفرضية التي تقول إن تعرض الأطفال المتكرر لفيروسات كورونا التي تسبب نزلة البرد تؤمن لهم حمايةً حمايةً عكسية Cross-protection أقوى ضد هذا النوع من فيروسات كورونا.

احتمالٌ آخر يقول إن احتمال أن تكون ردة فعل الجهاز المناعي عند صغار السن عنيفة وتخرج عن السيطرة هو احتمال أقل، أو ربما لم يَضْعُف جهازهم المناعي بفعل التقدم في العمر. وبالتأكيد، يُعْتَقَدُ أن السبب الرئيسي لكون كبار السن أكثر عرضةً لكوفيد-19 هو أن جهازنا المناعي يضعف كلما كبرنا.

ليس العمر وحده ما يتعين أخذه بعين الاعتبار. وعندما بدأ علماء الوبائيات بدراسة الإحصائيات المتعلقة بمن دخل المستشفى نتيجة للإصابة بكوفيد-19 ومن مات، لاحظوا شيئاً غريباً: يبدو أن الرجال أكثر تأثرا. إذ وجد تحليلٌ حديثٌ للبيانات من عدة دولٍ أوروبية أن الرجال أكثر عرضةً بضعفين للإصابة بفيروس كورونا. وفي الصين، كان خطر وفاة الرجال أعلى بـ 1.7 ضعف. وتشير الأرقام من نيويورك إلى أن 60% من الوفيات جراء كوفيد-19 هم من الرجال. وفي عام 2003 اكتُشِفَتْ نزعةٌ مشابهةٌ خلال تفشي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة Sever acute respiratory syndrome (اختصاراً: المتلازمة SARS)، وهو مرضٌ يسببه فيروس كورونا مشابه. وخلال تفشي المتلازمة SARS، أُدْخِلَ الرجال العناية المركزة أكثر وكان احتمال موتهم أعلى. وقد حدث الأمر نفسه في متلازمة الشرق الأوسط التنفسية Middle Eastern respiratory syndrome (اختصاراً: المتلازمة MERS)، وهو مرضٌ آخر من أمراض فيروس كورونا.

“89% من الأشخاص الذين أُدْخِلوا المستشفى في الولايات المتحدة عانوا حالة صحية مزمنة واحدة على الأقل”

 

ففي عام 2017، ولتحري هذه النزعة، أجرى ستانلي بيرلمان Stanley Perlman، من جامعة آيوا University of Iowa تجربةً على فيروس كورونا المسبب للمتلازمة SARS في الفئران. ووجد هو وزملاؤه أن ذكور الفئران، وإناثها التي لا تستطيع إنتاج الأستروجين Oestrogen، كانت أكثر عرضةً للموت بعد الإصابة بالعدوى. وفي عام 2019 افترضت مجموعةً أخرى أن الأستروجين يزيد قوة الرد المناعي، مما يعطي الأفراد الذي ينتجون الكثير منه أفضليةً في مواجهة المرض. ولكنه في المقابل يضعهم في خطرٍ أعلى للإصابة بحالات المناعة الذاتية كالتصلب المتعدد Multiple sclerosis الذي يصيب النساء أكثر.

كما قد يكون للعوامل المتعلقة دور في ارتفاع تعرض الرجال للإصابة بالمرض. مثلا، بما أن الرجال أقل اهتماماً بغسل الأيدي، فمن المحتمل أن فرصهم في الإصابة بالعدوى أعلى في المقام الأول، أو في حمل فيروساتٍ وبكتيريا أخرى تجعلهم أكثر عرضةً للإصابة بعدوى شديدةٍ من فيروس كورونا المستجد. وهناك أيضاً حقيقة أن الرجال يدخنون أكثر من النساء ويطورون داء الانسداد الرئوي المزمن Chronic obstructive pulmonary disease، ويبدو أن كلا الأمرين يزيد احتمال دخول المستشفى والوفاة جرّاء كوفيد-19.

كما يبدو أن المشكلات الصحية المزمنة، كداء السكري، وارتفاع ضغط الدم والسرطان، تعرض الأشخاص لخطرٍ أعلى للإصابة بالأمراض الشديدة، إلا أن السبب في ذلك كان موضع نقاشٍ محتدم. ويوفر اضطراب المناعة المُشاهد في داء السكري والسرطان تفسيراً محتملاً، إلا أن الارتباط بارتفاع الضغط أقل وضوحاً.

حتى 31 من مارس، ووفقا للبيانات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها Centers for Disease Control and Prevention (اختصاراً: المراكز CDC) في الولايات المتحدة، كان 89% ممن أُدْخِلَ المستشفى في الولايات المتحدة بسبب كوفيد-19 يعانون في الأصل حالةً صحية مزمنة واحدة على الأقل، وأقل من نصف هؤلاء بقليل كان بديناً أو يعاني ارتفاع ضغط الدم. ولا يعلم أحدٌ إذا كان هذا يمثل اختلافاً إحصائياً ذا مغزى عند المقارنة بالبالغين غير المصابين لأن مؤشر كتلة الجسم Body mass index في 42% من البالغين في الولايات المتحدة فوق الـ 30، وهو حد البدانةObesity ، وقد كان 40% ممن أُدخِلَ المستشفى بسبب كوفيد-19 فوق حد البدانة. ولم تُدرَج البدانة في التقارير الصادرة عن الصين أو ولاية واشنطن ضمن الحالات الصحية العشر الأكثر ارتباطاً بكوفيد-19، لكن ووفقاً لبعض البيانات الأولية من الأطباء العاملين في نيويورك، فإنها قد تزيد خطر الإصابة بالمرض الشديد. ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كانت البدانة تؤدي دوراً مباشراً، أو بسبب ارتباطها بحالات مزمنةٍ أخرى.

إحدى النزعات المنذرة بالخطر التي تظهر في قواعد بيانات المرضى بالعديد من الدول الغربية هي أن أعداد المرضى من الأقليات والمصابين بالمرض الشديد جراء كوفيد-19 تشكل جزءاً غير متناسبٍ مع نسبتهم من مجموع السكان. ولا يبدو أن السبب بيولوجي، لكن 20% فقط من الحالات التي يُبَلَّغُ بها المراكز CDC تحدد عرق المريض، لذا من الصعب التوصل إلى استنتاج. وتقترح دوغال أن سبب الاختلاف يعود إلى عدم توفر الرعاية الصحية الكافية، أو الانحياز الطبي، أو الإجهاد النفسي بفعل الفقر مما ينهك للمناعة، وهو أمرٌ أكثر شيوعاً في الأقليات العرقية. وجميع هذه الأمور تؤدي إلى اختلافاتٍ في الحالة الصحيةٍ، بما في ذلك انتشارٍ أكبر للأمراض المزمنة كارتفاع ضغط الدم وداء السكري، وحالياً، كوفيد- 19 بين الأقليات العرقية.

قد يساعد تحديد هذه النزعات العامة على صياغة القرارات الصعبة التي يجب على الزعماء السياسيين والمسؤولين عن الصحة العامة اتخاذها مع استمرار انتشار هذا الوباء. لكن، لنحصل على فهم أعمق سيؤمن لنا في النهاية حمايةً وعلاجاً أكثر دقةً، فإن عدداً متزايداً من الباحثين يعتقد أن دراسة الأشخاص الذين يمثلون استثناءً لهذه النزعات قد يكون هو الحل.

تعود هذه الفكرة إلى ثورة الجينات في تسعينات القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، عندما بدأ العلماء يفهمون الكيفية التي يجعل بها الحمض النووي DNA الأشخاص أكثر عرضةً للأمراض المعدية – أو مقاومة لها.

منيعٌ ضد العدوى

في منتصف تسعينات القرن العشرين اكتشفت فرقٌ في نيويورك وبوسطن أن بعض الأفراد تجنبوا بطريقةٍ ما الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (اختصارا: الفيروس HIV)، وهو الفيروس الذي يسبب مرض الإيدز AIDS، على الرغم من تعرضهم المتكرر له عبر مشاركة حقن تعاطي المخدرات أو نتيجة العلاقة غير المحمية مع شركاء مصابين. وتبين أن الأشخاص الذين يحملون طفرات Mutation معينةً في جينٍ يُسمى CCR5 كانوا مقاومين تماما للفيروس HIV.

يحشر البروتين CCR5 نفسه في الغلاف الخارجي لخليةٍ مناعيةٍ تُسمى الخلايا التائية T-cell ويعمل كقفلٍ يجب على الفيروس HIV أن يفتحه ليدخل. وفي الأشخاص الذين لديهم طفرات معينةٌ في الجين الذي يُرَمِّزُ لهذا البروتين يكون القفل غير قابلٍ للفتح. ومثّل هذا الاكتشاف الذي نُشِر عام 1996 تقدماً علمياً في فهم الكيفية التي يدخل بها الفيروس HIV إلى الخلايا ووجهنا نحو تطوير طرق جديدةٍ لتطوير علاج مضاد للفيروس. ويقول مارتن فيرس Martin Ferris، وهو عالم جيناتٍ من جامعة نورث كارولاينا University of North Carolina في شابيل هيل Chapel Hill: “هذه هي الاكتشافات التي نريد أن نبحث عنها عندما ندرس كوفيد-19”.

“بالنسبة إلى الفيروس HIV، لدى بعض الأشخاص خلايا ذات أقفالٍ لا يمكن فتحها. هذا ما نحاول العثور عليه فيما يخص كوفيد-19″

 

اتُبِعَتْ مقاربةٌ مشابهةٌ فيما يخص التهاب الكبد سي (Hepatitis C). فمعظم الأشخاص الذين يتعرضون لفيروس التهاب الكبد الوبائي سي (اختصاراً: الفيروس HCV) سيُصابون بعدوى مزمنة، إلا أن نحو الربع سيتخلصون من الفيروس. ولنعرف لماذا، فإن دوغال في عام 2013 استغلت تقنيةً جينيةً توفرت حديثاً في ذلك الوقت مكنتها من البحث في جينوماتٍ Genome كاملة. وهناك دراسات الارتباط عبر الجينوم مكنتها وغيرها من تحديد العديد من التغيرات الجينية التي تحدد ما إذا كان شخصٌ ما سيتخلص من الفيروس HCV دون مساعدةٍ دوائية، والكيفية قد يستجيب بها للعلاج المضاد للفيروس.

ولا تؤثر الجينات في إمكانية إصابتنا بالفيروسات فقط، بل البكتيريا أيضا. ويقول فيرس: “جينات الإنسان عنصر أساسي في العديد من الأمراض التي نعتقد أن سببها عاملٌ ممرض”. خذ المكورات الرئوية ستربتوكوكوس نيمونيا Streptococcus pneumonia.  فقد عالج طبيب الرئة ستيفن شابمان Stephen Champman ، من جامعة أكسفورد University of Oxford العديد من الأشخاص الذين أُدخِلوا المستشفى بسبب الالتهاب الرئوي Pneumonia التي تسببها هذه البكتيريا، لكن المفاجئةٌ هي أن واحدا من كل 15 بالغا معافىً في المملكة المتحدة حاملٌ لهذه البكتيريا في جهازه التنفسي دون أن تسبب له الضرر. وفي سياق جهوده لفهم السبب، فقد حدد شابمان العديد من التنويعات الجينية Gene variants المرتبطة بعمل الجهاز المناعي التي تحدد ما إذا كانت هذه البكتيريا ستسبب الضرر للناس.

يقول: “إن مريضين يبدوان متشابهين من الخارج يمكن أن يختلفا كثيراً على الصعيد الجزيئي “.

فكرة أن الجينات تؤثر في خطر الإصابة بالمرض المعدي لا تزال فكرة جديدة. ويقول شابمان: “يسأل الطبيب عن التاريخ العائلي لأمراض القلب أو السرطان، لكنه لا يسأل أبداً عن تاريخ العدوى…ويقولون إن حدوث العدوى هو من سوء الحظ”.

أين يجب أن ننظر

الآن يود العلماء أن يستخدموا هذه المقاربة ليعرفوا من يمرض بفعل فيروس كورونا المستجد، ولماذا. ففي فبراير 2020 ظهرت في مقاطعة سانتا كلارا في كاليفورنيا أولى حالات انتشار لكوفيد-19 في مجتمع بالولايات المتحدة. ولأن هذا أقلق مانويل ريفاز Manuel Rivas، من جامعة ستانفورد Stanford University في كاليفورنيا، فقد اتصل بزميليه عالمي الجينات مارك دالي Mark Daly وأندريا غانا Andrea Ganna، من جامعة هيلسينكي University of Helsinki في فنلندا، واللذين كانا قد بدآ بجمع البيانات الجينية من مرضى كوفيد-19.

يقول ريفاز: “من المنطقي أن نتشارك في بياناتنا وخبراتنا”. وعندما سمع باحثون آخرون عن المشروع، أرادوا أن يساهموا، فأطلق الثلاثي مبادرة الجينات المضيفة لكوفيد-19 Covid-19 Host Genetics Initiative. وهي تشمل حاليا 151 دراسة والعدد في ازدياد – ويُشرِفُ عليها أكثر من 500 عالم من أرجاء العالم.

وليسوا وحدهم من يقوم بذلك. ففي جامعة روكفلر Rockefeller University بنيويورك، سيركز جان-لوران كاسانوفا Jean-Laurent Casanova، عالم المناعة جهوده على الشباب الذين أُدخِلوا المستشفى بسبب فيروس كورونا ولا يعانون حالاتٍ يُعرف عنها أنها تجعل المرض أسوأ. ولأن نسبةً صغيرةً من البالغين الشباب يتعرضون لمضاعفاتٍ مهددةٍ للحياة بسبب كوفيد-19، يعتقد كاسانوفا أن هذا يحدث بسبب اختلافاتٍ جينيةٍ في عمل المناعة. ويأمل بأن يساعد مثل هذا التركيز على تحسين فرصة التعرف على العوامل الجينية البشرية التي تحدد شدة الإصابة بفيروس كورونا. ويقول كاسانوفا، حتى وإذا كانت الطفرات التي تسبب الاختلافات نادرةً، فإنها قد توجهنا إلى أين يجب أن ننظر في المرضى الآخرين.

ويقول: “ربما يكون المرضى الذين لا يحملون هذه الطفرة شديدي المرض لأن انحراف فيسيولوجيا أجسامهم مشابهٌ لذلك المُسَبَبِ بالطفرات”.

ودوغال هي الأخرى تصب اهتمامها على هذه الحالات الخاصة، باحثةً في بيانات الجينوم عن تغييراتٍ ذات صلة. ويلجأ فيرس إلى الفئران ليحدد العوامل الجينية التي تساهم في الإصابة بكوفيد-19، ويأمل بأن هذه الاستراتيجية ستسمح له بالتعرف على العوامل البيئية التي قد تؤدي دوراً في العدوى.

كما يبحث العلماء بالصين في المجال نفسه، محاولين إيجاد ارتباطٍ بين فصائل الدم Blood types –التي يُحددها حمضنا النووي DNA- وزيادة شدة المرض في 2,200 شخصٍ يُعالج في المستشفى بسبب كوفيد-19 في ووهان، حيث ظهر الفيروس، وفي شينجين. وقد وجدوا، إلى جانب علماءٍ من نيويورك، أن الأشخاص الذين تكون فصيلة دمهم (O) يبدون محميين بطريقةٍ ما من المرض الشديد بعد إصابتهم بعدوى فيروس كورونا.

” المرضى الذين يبدون متشابهين من الخارج يمكن أن يختلفوا جداً فيما يتعلق باستجابتهم المناعية”

 

يقول ريفاز إن الدراسات الأولية وفّرتْ فرضياتٍ جيدة، إلا أن عدد المرضى المشاركين القليل نسبياً وحقيقة أن النتائج لم تُراجَع بعد يعني أننا لا نستطيع استخلاص استنتاجٍ متين. ومن المرجح أن معظم الجينات ذات دورٍ محدود من حيث احتمال الإصابة بالمرض، وتُظهِرُ دراسات علم الجينات النفسي Psychiatric genetics أن الأمر يتطلب عشرات الآلاف من الجينومات حتى نتمكن من عزل الإشارة Signal عن الضجيج Noise المحيط بها. ويقول فيرس: “هذا صعبٌ جداً في خضم فاشية Outbreak مستمرة”.

وقد أجرى ثومبسون تحليلاً حاسوبياً لكشف أي ارتباطٍ جينيٍ محتمل. فدرس هو وزملاؤه الكيفية التي يمكن بها لقطعٍ صغيرةٍ من بروتينٍ مشتقٍ من فيروس كوفيد-19 أن يرتبط ببروتينات مستضدات الكريات البيضاء البشرية Human leukocyte antigen (اختصاراً: البروتينات HLA)، وهي بروتيناتٌ على سطح الخلية تنظِّم عمل جهاز المناعة. ببساطة، كلما ازداد ارتباط البروتين الفيروسي بالبروتين HLA قوةً، زادت شدة الاستجابة المناعية المُحَرَّضة. وقد استقصى الفريق كذلك إذا كان التعرض السابق لفيروسات كورونا أخرى أن يوفر حمايةً عكسية Cross-protection ضد فيروس كوفيد-19.

تنبأ التحليل أن العديد من تنويعات البروتينHLA variants  قد تسبب استجابةً مناعيةً أشد، وحدد تنويعات أخرى يمكن أن تجعل الأفراد أكثر عرضةً للخطر. واقترح الفريق أن التنويعات نفسها تؤثر في الاستجابة لفيروس كورونا المسبب للمتلازمة SARS، وربما لفيروسات كورونا أخرى. وما يزال العمل في بداياته، لكنه إذا تأكد، فسيعطي إشارات مهمة حول نقاط ضعف جينيةً معينة تجعل الفرد عرضة للإصابة بكوفيد-19.

إضافة إلى ذلك، يقول ثومبسون إن تحليل البروتين HLA تحليل رخيصٌ ومتوفر. وحتى إن أُضِيفَ إلى اختبارٍ موثوقٍ به لدراسة كوفيد-19، وهو مهم لتحديد من أُصيبَ به حتى نتمكن من تقييم استجابتهم، فقد يوفر لنا وسيلةً جيدة لتحديد من هم في خطرٍ مرتفعٍ لتطوير المرض الشديد.

هذا هو نوع الأدوات التي ينتظرها العالم بفارغ الصبر. ويقول ثومبسون: “إننا نعمل في الظلام هنا. نحن بحاجة إلى جمع بياناتنا كلها لنحصل على بعض الأجوبة”.

أما الجانب الآخرالذي يبحث فيه علماء الوراثة؛ فيرتبط بالكيفية التي يستطيع بها فيروس كورونا المستجد أن يستولى على خلايانا، ما إن يكون داخل أجسامنا. ليخترقها، على الفيروس أن يرتبط ببروتينٍ على سطح الخلية يُسمى البروتين ACE2. ويبدو أن المدخنين والمصابين بداء السكري من النوع الأول والثاني ومن يعاني حالاتٍ مرضية كارتفاع ضغط الدم يولِّدون كميةً أكبر من البروتين ACE2، مما يطرح أسئلةً عن وجود دورٍ لتنويعات معينة من هذه البروتينات السطحية تجعل الأشخاص أكثر أو أقل مقاومةً للمرض الشديد.

وبهدف التنبؤ بالكيفية التي يرتبط فيها  فيروس كوفيد-19 بتغيرات البروتين ACE2 المعروفة، حلل الباحثون مؤخراً قواعد بياناتٍ جينيةٍ تضمنت أكثر من 290 ألف عينة، واستطاعوا تحديد العديد من الطفرات التي يبدو أنها مرتبطةٌ بقابلية الإصابة بالمرض. ولا يزال هذا العمل بحاجةٍ إلى التحقق. وحتى الآن، أي دورٍ تؤديه هذه التنويعات في ربط ارتفاع ضغط الدم بخطورة كوفيد-19 لا يزال موضع شك.

تحت الضغط

ومع ذلك، يراقب العديدُ العملَ الجاري عن قرب، لأن الارتباط بين الوفيات التي يسببها كوفيد-19 وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وداء السكري لم يؤدِ إلى الاهتمام بدور هذه التنويعات الجينية فقط، بل بالأدوية التي تُستعمَلُ للسيطرة على هذه الحالات – مثبطات البروتين ACE، التي تستهدف إنزيماً يعمل إلى جانب البروتين ACE2 على تنظيم ضغط الدم. حالياً، لا نعرف ما إذا كان تناول هذه الأدوية يؤثر في خطر الإصابة.

وبينما نقترب من فهمٍ أفضل لدور الجينات في شدة كوفيد-19، فإن تحدياً آخر يتمثل بفهم الكيفية التي تتفاعل بها هذه مع العوامل البيئية كالتدخين، والتعرض للتلوث، وتأثير العيش في الأماكن المكتظة والعديد من الأمور الأخرى. ومع ظهور المزيد من هذه النتائج؛ يزداد وضوح تأثير جيناتنا والعوامل المحيطة بنا في خطر إصابتنا بالعدوى والمرض الشديد. ويقول كاسانوفا إن الكوكب كله يشاهد الكيفية التي يؤثر بها هذا الفيروس تأثيرات مختلفة عن بعضها في أشخاصٍ يبدون متشابهين.

في الوقت الحالي، قد نتعلم ممن أصيب بكوفيد-19، لكننا نأمل بأننا باختباراتٍ أكثر شمولاً في المستقبل غير البعيد، سنتمكن من التعلم أكثر عن الأشخاص على الجهة الأخرى  – الذين لم تظهر عليهم أعراض المرض بعد الإصابة.

يعتقد كاسانوفا وآخرون أن هذه الجائحة ستغير إلى الأبد الطريقة التي نفكر بها في العدوى، وفي تأثير اختلافاتنا الفردية بما فيها حمضنا النووي DNA. ويقول: “فجأةً، يدرك الأشخاص أنّ في المعادلة شيئا آخر غير الفيروس”.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى