رياضيات

ليزا بيكسيريلو: كيف تمكنت من حل مشكلة رياضيات عمرها 50 عامًا في أسبوع

أخذ حل مشكلة عقدة كونواي عالمة الرياضيات ليزا بيكسيريلو Lisa Piccirillo في رحلة إلى البعد الرابع. إليكم كيف فعلت ذلك

بقلم:    شيلسي وايت

ترجمة: د. محمد الملا

في عام 2018،  وعلى مدار أسبوع، حلت ليزا بيكسيريلو مشكلة رياضياتية بقيت من دون حل لمدة نصف قرن. فقد عرضها عالم الرياضيات الأسطوري جون كونواي John Conway في 1970، وهي تتعلق بجسم هندسي معقد يعرف بعقدة كونواي Conway knot. وفي حين أن العقدة العلوية العادية، من النوع الذي تعقده في نهاية الخيط، تلفّ الخيط حول نفسه ثلاث مرات، فإن عقدة كونواي تحتوي على 11 لفة. وما أراد أن يعرفه كونواي هو إذا ما كان يمكن تشكيل عقدته عن طريق قطع شريحة من عقدة رباعية الأبعاد أكثر تعقيدًا – أو، كما تساءل علماء الرياضيات، هل هي “شريحة”؟

اكتشفت بيكسيريلو أنها ليست كذلك. وجاء اكتشافها بعد العثور على باب خلفي لمشكلة قد تساعد علماء الرياضيات على فهم الأشكال الأخرى رباعية الأبعاد. حاليًا هيأها عملها كعالم رياضيات ما بعد الدكتوراه من جامعة برانديز Brandeis University في والثام بماساتشوستس، على حل عقدة كونواي، جنبًا إلى جنب مع أبحاثها الأخرى، لأن يعرض عليها منصب طوال الحياة -عبر المسار السريع- Tenuretrack position في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology. وتحدثت إليها مجلة نيو ساينتست New Scientist عن الأسبوع الذي قضته في حل المشكلة والطريقة الرياضياتية التي استخدمتها ولمَاذا بهذا الزمن توقفنا عن الحديث عن العباقرة.

تشيلسي وايت: كيف صارت مهتمًة بالرياضيات لأول مرة؟

ليزا بيكسيريلو: كطفلة، كنت دائمًا أحبّ الرياضيات وكنت جيدًة بها في المدرسة. أنا من منطقة ريفية هادئة في ولاية ماين، وكان الناس يقولون: “إذا كنت تحبين الرياضيات، يمكنك أن تكوني مهندسة”. لذا، اعتقدت أن هذا ما تفعله بالرياضيات، أن تكون مهندساً. وذهبت إلى كثير من الدورات التدريبية في الهندسة وبنيت الكثير من الجسور من عصي المصاصة واكتشفت أنني لا أريد أن أكون مهندسة. وبعد ذلك، عرفت أنني لا أريد ممارسة الرياضيات. ولكن بعدها درست حسبان التفاضل والتكامل في الكلية لأنه وجب علي ذلك، وكان لدي أستاذ شجعني لأخذ المقرر التالي. وعندئذ كنت قد بدأت بالتعلق بها.

ما الذي أشعل الشرارة؟

جزء مما جعلني أتعلق بتعلم الرياضيات هو وجود مجال يسمى الطوبولوجيا Topology، أي دراسة الأشكال. إنه بطريقة ما غير مقيد، وقد أحببت حقًا الجانب الخيالي في التساؤل: “ماذا يمكن أن تفعله هذه الأشكال؟” اتضح أن هذه الأشكال المعقدة قد تفعل بعض الأشياء الغريبة، وفهم عالم الاحتمالات نقطة جذب كبيرة.

كيف انتهى بك الأمر إلى جعل الرياضيات حياتك المهنية؟

كان قرار الانضمام إلى الدراسات العليا قرارًا صعبًا. وما زلت أعتقد، وأعتقد أن الكثيرين أيضا يعتقدون، أن الطريقة الوحيدة لتكون عالم رياضيات ناجحا هي أن تكون عبقريا، وأنا بالتأكيد لست كذلك. لذلك فكرت: “لماذا أبالي؟ أنا أبداً لن أكون بهذا المستوى”.

هناك مفهوم سائد لما يبدو عليه من يمارس الرياضيات – انطوائي، منغمس في ذاته، ربما ذكر، وربما ميت – ولم تكن لدي أيً من هذه الأوصاف. وكنت قلقة جدا من أنني سأضطر إلى التخلي عن جوانب أخرى من نفسي لأكون روبوتًا للرياضيات ولم أكن أرغب في فعل ذلك. فقد شعرت بهذا التوتر شعورا حادّا جدّا خلال دراستي بالمرحلة الجامعية الأولى، ولكن في الدراسات العليا، عرفت أن هذا التوتر ليس حقيقيًا. فعلماء الرياضيات هم بشر مثيرون للاهتمام وهم ليسوا بعباقرة.

 

قبل أن أسألك عن مشكلة عقدة كونواي، هل لك أن تخبرني عن العُقد بشكل عام؟

دعيني أتراجع قليلا وأضع بعض التعريفات. أحب أن أفكر في أنني أسحب سلكا كهربائيا من خارج القبو، حيث ظل قابعا لفترة من الزمن. ربما تكون فوضى عارمة، وإذا قمنا بتوصيل الأطراف معًا، فستبقى الفوضى عارمة. نقول إن العقدة “بسيطة” إذا لم تكن فوضى عارمة – وهذا يعني، إذا كان من الممكن فكها دون فصل الأطراف. ففي نظرية العقد الكلاسيكيةClassical knot theory ، كلمة “بسيطة” تعني أنه يمكنك تحريكها لتبدو كأنها حافة طبق العشاء.

يحب علماء الرياضيات أن يقولوا “إنه يحدد قرصًا”Bounds a disc. ومما يجعل الأمور محيرة هو أنه في حين يتعين أن تبقى العقدة في ثلاثة أبعاد، لكن ليس من الضروري أن ينطبق ذلك على القرص الذي تحدده؛ إذ يمكن أن يوجد في أربعة أبعاد، على سبيل المثال.

عندما تقولين أربعة أبعاد، أفكر في الأبعاد الثلاثة للفضاء، زائد الوقت. فهل هذا التعبير حرفي تماماً؟

نعم، هذا حرفي جدّا. فنحن لدينا أربعة اتجاهات مستقلة للعمل معها. لا يهمنا حقًا ما تتطابق معه هذه الاتجاهات في العالم الحقيقي.

عندما تحلّين هذه المشكلات، هل تتخيلين أربعة أبعاد في رأسك؟

أنا أفكر ملياً فقط في الفضاءات ثلاثية الأبعاد لأن هذا هو كل ما يمكنني رؤيته، تمامًا مثل أي شخص آخر. دعيني أعطيك مثالاً. تخيلي أنك وأنا موجودين في كون ثنائي الأبعاد، فضاء مسطح مثل ورقة، ومرّت كرة شاطئ مجوفة عبر عالمنا. فلو أن الجزء السفلي من الكرة اتصل بعالمنا، من وجهة نظرنا؛ لبدا الجزء كنقطة. ولكن إذا دخل المزيد من أجزاء الكرة إلى الكون ثنائي الأبعاد، فسيبدو الأمر كدائرة. ومع استمرار عبورها سنرى دوائر أكبر وأكبر، ثم دوائر أصغر، ثم نقطة عند أعلى جزء من الكرة ثم لا شيء. ولديك نقطة ثم دوائر ثم نقطة مرة أخرى. بالطبع، في الفضاء ثلاثي الأبعاد، من الأسهل بكثير مجرد تصور كرة شاطئ كاملة بدلاً من تقطيعها إلى شرائح ثنائية الأبعاد. ولكن عندما أريد التفكير في كائن بفضاء رباعي الأبعاد، لا يمكنني تصوره البتة، لذلك نستخدم هذه الحيلة لتقطيعه إلى شرائح ثلاثية الأبعاد.

 هل تشرحين الأشياء بالطريقة نفسها عندما تفكرين في العقد؟

نعم. إذا كانت العقدة في فضاء ثلاثي الأبعاد تحدد قرصًا في فضاء رباعي الأبعاد، فإننا نقول إنها “شريحة” Slice. تعيش العقدة أينما نوجد، في ثلاثة أبعاد، ولكن يُسمح للقرص باستخدام فضاء آخر. لذا، مشكلة عقدة كونواي هي فقط: هل تحدد هذه العقدة بالذات والتي يمر بها 11 تقاطعًا قرصًا بأربعة أبعاد؟ هل هي “شريحة”؟ نعم أم لا.

كيف سمعتِ لأول مرة عن عقدة كونواي؟

كان في ندوة بمؤتمر في نهاية يوليو 2018، وقد ذكَر المتحدث أنها لا تزال مشكلة مفتوحة. اعتقدت أن ذلك كان سخيفًا: نحن في عام 2018، ونعرف الكثير عن التبسيط (التقطيع الى شرائح)، ما إذا كانت هذه العقدة المكونة من 11 تقاطعًا هي شريحة يجب ألا تكون سؤالًا مفتوحًا. وسخافة المشكلة هي ما جعلتني أفكر في الأمر. ولكنني في الحقيقة لم أكن أعرف الكثير عنها. اعتقدت أنها مقصورة على فئة معينة. إنها مشكلة مفتوحة، لكنني اعتقدت، “ربما يكون السبب في كونها مفتوحة في الغالب لأنه لم يحاول أحد حلها جديا”.

الآن بعد أن حللتيها، هل ما زلتِ تعتقدين ذلك؟

لا، يبدو أن هذا ليس صحيحًا. لقد تطلب الأمر أداة معينة وتصادف أنني كنت أطورها.

إحدى الطرق التي يصف بها علماء الرياضيات الأشكال رباعية الأبعاد، ما نسميه متشعبات رباعية 4-manifolds، عن طريق عمل عقد في فضاء ثلاثي الأبعاد واستخدام العقد كنوع من التعليمات لكيفية بنائها.

كل العقد لديها شيء يسمى تتبع الأثر الطبوغرافي Trace، وهو المتشعب الذي يمكنك بناؤه من تلك العقدة. كنت أعلم بأنه إذا كان لديك عقدتان لهما الأثر الطبوغرافي نفسه، إما أن تكون كلتاهما شريحة أو كلتاهما لا شريحة. وهذا كان معلوم لدى علماء الرياضيات منذ فترة طويلة. وكانت هذه الحقيقة حاضرة جدًا في ذهني، لأنني استخدمتها في دراستي لآثار العقد.

كنت أعلم بأنه إذا كان بإمكاني بناء عقدة ثانية تشترك في الأثر الطبوغرافي مع عقدة كونواي وتلك العقدة تصادف أنها شريحة، سأكون حينها قد حللت المشكلة. وعلى الرغم من أن هذا أمر تقني، فهو لا يتطلب سوى القليل من الحساب.

“أنت تمارس الرياضيات لأنك تحبها حتى في الأيام التي لا تثبت فيها أي شيء”

 ما المدة التي استغرقتك لحل المشكلة؟

لقد علمت بالمشكلة في يوم السبت وعرفت بالتأكيد الإجابة في يوم السبت التالي. وفكرت: “لن يهتم أحداً بهذا الأمر” كنت أعمل فقط في الأمسيات. ولم أجتهد.

نجحت فكرتي على الفور. أعتقد أنه تم التغاضي عنها لأن الناس لم يكونوا يدرسون حقًا تتبع الأثر الطبوغرافي وهذه العملية الحسابية ليست سهلة تمامًا،  فهي تستخدم أدوات طورتها لأعمال أخرى. ولكنني أعتقد أن أي شخص لديه معرفتي التقنية يمكنه حلها بسرعة أيضًا.

هل كنت تعلمين بحجم الأمر الذي قمت بإنجازه؟

لا، اعتقدت أنها ستدرج في مجلة ذات مستوى منخفض جدا، أو ربما لن أحاول نشرها في الأغلب.

 هل دخلت مجال الرياضيات لحل مشكلات كبيرة مثل هذه؟

في الرياضيات، 100% من الأيام، لن تحلين أي شيء. لذلك، عليك أن تتعلمين تقبل الواقع وأن تستمتعي بما تقومين به، على الرغم من أنك لن تجيبي اليوم عن أي شيء، وغدًا أيضًا لن تجيبي عن أي شيء وسيكون  الشيء نفسه كذلك فيما تبقى من حياتك إلا في بضعة أيام قليلة. عليكِ أن تمارسي الرياضيات لأنك تحبينها حتى في الأيام التي لم تثبتي فيها شيئًا. الأيام الجيدة متفرقة جدا. وليس مهما كم هي جيدة. إذا ذلك هو سبب وجودي في مجال الرياضيات، فأنا أعلم بأنني ما كنت لأستمر.

هذا يذكرني بالفنان المفاهيمي جون بالديساري John Baldessari، الذي كانت نصيحته للفنانين الشباب: “يجب أن تكون منغمسا، وهو ما لا يمكن بالتمنى فحسب”.

نعم. إنها أكثر متعة عندما تكون منغمسا أيضًا. 

أعذريني على هذا السؤال، ولكن لماذا أي من هذا يهم؟

السبب الذي يجعل الكثير من علماء الرياضيات، بمن فيهم أنا، يهتمون بالتقطيع هو لأنه يساعدنا على فهم الفضاءات رباعية الأبعاد. وأحد أصعب التحديات في الطوبولوجيا رباعية الأبعاد هو التمييز بين الفضاءات البسيطة رباعية الأبعاد. عموماً، هذا صعب جدًا لأنه لا توجد أدوات كثيرة متاحة لهذا الغرض. تتبع الأثر الطبوغرافي يزودنا بأداة.

إذا كان لديك فضاءان مختلفان، كلاهما رباعي الأبعاد، ولكل منهما فضاء ثلاثي الأبعاد عند الحافة، من المحتمل جدًا أن ترتبط عقدة في فضاء ثلاثي الأبعاد بقرص في أحد الفضائين رباعي الأبعاد، ولكن ليس في الفضاء الآخر. وقد يساعدنا ذلك على فهم الاختلافات بين الفضاءات رباعية الأبعاد بطريقة ما وإلا من دونه يكون الأمر معقدا جدّا.

ما الذي ستعملين عليه بعد ذلك؟

أنا ما زلت مهتمًة جدًا بالتشعبات الأربعة واستخدام التقطيع لفهمها فهما أفضل. صحيح أيضًا أن هذه الحيلة التي استخدمتها في عقدة كونواي لا تنفع مع العقد الأخرى الأكثر تعقيداً. والسبب هو أنه ليس من الممكن دائمًا تتبع الأثر الطبوغرافي، في بعض الأحيان يكون من المستحيل إثباته أو أننا لا نعرف كيف نفعل ذلك.

أحاول فهم كيفية تطبيق هذا النوع من الجدل على مشكلات بسيطة لكن على أوسع نطاقا. وأكثر تحديدا، اتضح أنه في بعض الأحيان، بالنسبة إلى بعض العقد الخاصة، يمكنني الذهاب إلى المنزل وبناء عقدة أخرى يمكن تتبع الأثر الطبوغرافي، لكن الحاسوب لا يمكنه ذلك. لِمَ لا؟ لأننا لا نعرف قواعد كيفية إجراء ذلك بأنفسنا. إذا سلمني أحد عباقرة الرياضيات عقدة وطلب إليّ تتبع الأثر الطبوغرافية، قد أكون محظوظة، ولكن لا أعرف ما إذا كان بإمكاني إخبارك كيف توصلت إلى ذلك. كما أود أن أفهم لماذا.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى