بيولوجياعلم الأحياء التطوري

التطور يتطور: إعادة التفكير في نظرية الطبيعة بثلاث عشرة طريقة

هل الأنواع موجودة حقاً؟ هل الجينات عبارة عن مصير؟ هل البقاء للأصلح فقط؟ هل يمكننا تشكيل التطور أو إيقافه؟ تبصرات جديدة في الطبيعة تقدم إجابات مدهشة وصورة جديدة مجيدة لتعقيد الحياة

بقلم:  مايكل لو بيج، كولين باراس، ريتشارد ويب، كايت دوغلاس، كاري أرنولد

ترجمة:  عبد الرحمن أياس

تصورنا الحديث للتطور بدأ مع تشارلز داروين Charles Darwin وفكرته عن الانتخاب (الانتقاء) الطبيعي – “بقاء الأصلح” Survival of the fittest– لشرح سبب ازدهار بعض الأفراد بينما يفشل أفراد آخرون في ترك إرث. وبعد ذلك جاء علم الجينات Genetics لشرح الآلية الأساسية: التغيرات في الكائنات الحية الناجمة عن الطفرات العشوائية للجينات.

والآن، مرة أخرى  تتغير هذه الصورة الراسخة ، إذ إن الاكتشافات في علم الجينات، وعلم التخلق Epigenetics، وبيولوجيا النمو Developmental biology وغيرها من المجالات تضفي تعقيداً وثراءً جديدين على أعظم نظرية للطبيعة بين يدينا. اكتشفوا المزيد في هذه القصة الوصفية الخاصة.

1 ليست الجينات قَدَراً

مبدأ اللدونة الجينية Genetic plasticity

بقلم: كاري أرنولد Carrie Arnold

 

في عام 1990 شرعت مجموعة دولية من العلماء في تنفيذ أحد أكثر المشاريع البحثية طموحاً على الإطلاق؛ ليسلسلوا الجينوم Genome البشري بأكمله، ويحددوا ترتيب الأزواج القاعدية Base pairs البالغ عددها 3.3 بليون والتي تبرمج الجينات الصانعة للبروتينات المبني منها كل واحد  منا. وثار حماس كبير لاحتمال فك رموز “مخطط” Blueprint الإنسانية. ونظراً لتعقيد نوعنا Species، كان من المتوقع أن يحتوي جينومنا على ما لا يقل عن 100 ألف جين. فما الذي يجعلنا بشراً سيُكشَف أخيراً.

غير أن الأمر لم ينجح تماما. فقد كان مشروع الجينوم البشري The Guman Genome Project ناجحا جدا، ونشر نتائجه في عام 2003، أي قبل الموعد المحدد بسنتين. ولكن النتائج كشفت أن البشر لديهم فقط نحو 22 ألفاً من الجينات، وهو تقريباً العدد الذي لدى  الثدييات الأخرى. وفي هذه الأثناء تبين أن المخطط بحد ذاته مُرمَّز (مُعمَّى) Encrypted بطرق لا نزال نحاول فكها.

وينطبق الشيء نفسه علينا وعلى كل نوع آخر: فحمضنا النووي DNA يمكن التعبير عنه بطرق مختلفة لا تُعَد ولا تُحصَى اعتماداً على أي مزيج من التسلسلات يجري تنشيطه Activated. وهذا، وليس عدد الجينات في الجينوم، هو ما يجعل الحياة معقدة.

وكلما تعلمنا أكثر عن علم الجينات، صار من الواضح أن “الحتمية الجينية” Genetic determinism، أي فكرة أن الجينات وحدها تحدد مصيرنا، غير صحيحة. فأي مجموعة معينة من الجينات لديها القدرة على إنتاج مجموعة متنوعة من الخصائص القابلة للرصد، والمعروفة بالأنماط الظاهرية Phenotypes، اعتماداً على البيئة. فثعلب القطب الشمالي يغير لون فرائه مع المواسم. ويجعل وجود الحيوانات المفترسة برغوث الماء دافنيا لونغيسيفالا Daphnia longicephala يطور خوذة وأشواك واقية.

قوة المرونة

ويمكن حتى لحدوث تغير في البيئة الاجتماعية أن يدفع إلى حدوث تحول. ففي دبور الورق الأوروبي (بوليستيس دومينولا Polistes dominula)، على سبيل المثال، عندما تموت الملكة، تحول أكبر العاملات سناً نفسها إلى ملكة جديدة. ولكنها ليست الوحيدة التي تستجيب. فقد وجدت سيريان سومنر Seirian Sumner من جامعة يونيفيرسيتي كوليدج لندن University College London وزملاؤها أن وفاة ملكة المستعمرة تؤدي إلى تغيرات مؤقتة في التعبير عن الجينات في العاملات جميعها، كما لو كانت تتنافس جينياً على الخلافة. وهذه المرونة هي المفتاح لبقاء المستعمرة والنوع، كما تقول سومنر.

ويمكن رؤية قوة اللدونة الجينية في الحسون Finch البيتي العادي. ففي السنوات الـخمسين الماضية استعمر النصف الشرقي من أمريكا الشمالية، وانتقل إلى موائل تتراوح بين غابات الصنوبر بالقرب من الحدود الكندية إلى المستنقعات في خليج المكسيك. ويقول ديفيد بفينيغ David Pfennig، من جامعة نورث كارولينا University of North Carolina في تشابل هيل، إن لدونة النمو Developmental plasticity في الحسُّون وفرت المادة الخام التي تطورت منها الميزات الجديدة، بما في ذلك مجموعة من الألوان الجديدة وغيرها من السمات البدنية والسلوكية. ويضيف قائلا: “توقفوا عن التفكير في هذا الأمر على أنه مثال على تأثير الجينات أو البيئة، لأنه مزيج من الاثنين”.

2 التطور يظهر ذكاءً

الاستقراء الطبيعي Natural induction

بقلم: كايت دوغلاس Kate Douglas

كيف طورت الحياة على كوكب الأرض مجموعة مبهرة كهذه من الجمال والتعقيد في السنوات الـ3.8 بليون منذ ظهورها؟ الإجابة القياسية هي أن وفرة أشكال الحياة تعني أن عدداً كبيراً من الطفرات الجينية العشوائية يحدث في كل وقت؛ ما يسمح للانتخاب الطبيعي باختبار العديد من النماذج في وقت واحد (انظر: النموذج القياسي للتطور). ولكن بعض الباحثين يقترحون تحولاً جذرياً في هذا التفسير. فهم يجادلون في أن التطور يمكن أن يتعلم.

ويأتي إلهامهم من علوم الحاسوب. فالحواسيب يمكنها محاكاة الذكاء باستخدام الخوارزميات Algorithms: وهي قواعد متكررة تجمع بين المعرفة الموجودة والمعلومات الجديدة لتوليد مخرجات جديدة. وتبدأ خوارزمية بسيطة تُسمَّى التحديث البايزي Bayesian updating، مثلاً، مع العديد من الفرضيات وتركز على الأفضل منها متى ما أُتيحت معلومات جديدة.

وبالمثل، يتضمن الانتخاب الطبيعي معلومات جديدة من البيئة لصالح أفضل الكائنات الحية تكيفاً. وقرر ريتشارد واتسون Richard Watson، من جامعة ساوثمبتون University of Southampton في المملكة المتحدة، النظر إلى الآليات المعنية في محاولة لمعرفة ما يجري. فعلى صعيد التطور، تُنقَل المعلومات حول الماضي في الجينات الموروثة من ذرية الأفراد المناسبين. ووفق التبصر الحديث نسبياً لا تبرمج الجينات “لصالح” سمات معينة. فهي مثل لاعبين في فريق، إذ تنظم نشاطها جينات أخرى لإنشاء شبكة من الروابط. ويفضل الانتخاب الطبيعي تلك الروابط التي تنجح أفضل من غيرها. وأدرك واتسون أن الأمر يشبه طريقة تعلم الدماغ. فالأدمغة تتكون من شبكات من الخلايا العصبية )العصبونات) Nuerons التي يتشكل هيكلها عن طريق التعلم، فكلما استُخدِم الرابط أكثر؛ صار أقوى. وبالتأكيد، عندما بنى واتسون وزملاؤه نموذجاً حاسوبيا يأخذ بالاعتبار الطبيعة الشبكية للجينات، وجدوا أنه يمكن أن يتطور ليتعلم الحلول للمشكلات ويتذكرها بمجرد محاكاة للانتخاب الطبيعي لتعزيز أفضل المحاولات.

ولا تتعلم الأدمغة فقط حلولاً محددة لمشكلات معينة: فهي تعمم أيضاً لحل المشكلات التي لم تواجهها قط. وهي تفعل ذلك من خلال الاعتراف بأوجه التشابه بين التحديات الجديدة والتحديات السابقة، ثم الجمع بين اللبنات الأساسية للحلول السابقة للتوصل إلى حلول جديدة. وهذا ما يُسمَّى التعلم الاستقرائي Inductive learning. فهل يمكن لشبكات الجينات أن تمارس الاستقراء أيضاً؟

يجادل واتسون وزملاؤه في أنها تستطيع ذلك. ويقولون إن العامل الأساسي هو أن الطاقة مطلوبة لربط الجينات، لأن تحقيق ذلك يتطلب إنتاج البروتينات. لذلك ومن أجل الكفاءة، يفضل التطور الشبكات ذات الروابط الأقل، والتي ترتبط ارتباطاً فضفاضًا مع شبكات فرعية أخرى. ويمكن إعادة دمج هذه اللبنات بطرق مختلفة لتوليد حلول جديدة للمشكلات التي تتحدى الحياة. وهكذا، تُشكِّل عمليات التطور البسيطة آلةَ تعلم استقرائي تستمد الدروس من النجاحات السابقة لتحسين الأداء المستقبلي.

ولهذا التصور للتطور آثار بعيدة المدى. كبداية، يمكن لهذا التصور أن يفسر كيف تتطور المنظومات الإيكولوجية Ecosystems بأكملها لتكون متكيفة جيدا على الرغم من تفضيل الانتخاب الطبيعي الأفراد المناسبين، وليس المجتمعات الصغيرة المناسبة. فكروا في الروابط بين الكائنات الحية داخل المنظومة الإيكولوجية كشبكة، ويمكنها أيضاً التعلم عن طريق الاستقراء، كما أظهر واتسون وزميله في ساوثمبتون دانيال باور Daniel Power باستخدام نمذجة حاسوبية. ويقول واتسون: “لا يمكن تكييف المنظومة الإيكولوجية عن طريق الانتخاب الطبيعي، لكن يمكن تكييفها عن طريق الاستقراء الطبيعي”.

وهذا يثير سؤالاً مثيراً للاهتمام. فإذا كان الاستقراء الطبيعي لا يتعلق ببقاءالأصلح، فبمَ يتعلق؟ يقول واتسون: “ربما يكون ارتباط التطور بالفوز في المنافسة مع الآخرين أقل أهمية من ارتباطه بالإنشاء المشترك للمعرفة”. وهذه فكرة جذرية حقاً.

3 تنحَّ جانباً أيها الجين الأناني

الانتخاب الثقافي للمجموعات Cultural group selection

بقلم: كولين باراس Colin Barras

 

يعاني التطور تقليدياً مشكلةً مع فاعلي الخير. فإذا كان البقاء للأصلح فقط، فأولئك اللطيفون مع الآخرين على حساب أنفسهم سيجري بالتأكيد التخلص منهم. ولكن التعاون واسع الانتشار في الطبيعة، من النباتات التي تنبه بعضها البعض إلى الخطر، والحشرات الاجتماعية التي تعمل يداً واحدة، إلى الدلافين المتعاونة لمحاصرة الأسماك التي تتغذى بها.

وقد تفسر فكرة عمرها عقود من الزمن تسمى انتخاب الأقارب Kin  selection  بعضاً من هذا: فإذا كان لدى الكائنات الحية ما يكفي من الحمض النووي DNA المشترك، فيمكنها تعزيز جيناتها الأنانية Selfish genes من خلال مساعدة بعضها البعض. فالنحل والنمل والدبابير لديها نظام تكاثر يسمى الفردانية الضعفانية Haplodiploidy، يجعل أعضاء مستعمرة ما وثيقي الصلة فيعملون تقريبا باعتبارهم كائناً حياً فائقاً واحداً. وفي أي من الأنواع التي تتكاثر جنسياً، تساعد رعاية الوالدين للأبناء على نشر جينات الأفراد.

ولكن انتخاب الأقارب لا يمكن أن يفسر لماذا يكون البشر لطفاء جداً مع الغرباء. وإحدى الأفكار تتمثل بأننا تطورنا كي نكون متعاونين جدا، لأن المجموعات الأكثر تعاوناً تفوقت مع مرور الوقت على المجموعات الأقل تعاوناً.  وعموماً لا يوجد ما يكفي من التغير الجيني بين المجموعات للسماح للانتخاب الطبيعي بتفضيل الأكثر تعاوناً.

ويعتقد بعض الباحثين أن الحل يكمن في فكرة تسمى الانتخاب الثقافي للمجموعات Cultural group selection. ويدعون إلى نسيان الجينات المشتركة: فالانتخاب يمكن أن يفضل المجموعات التعاونية إذا كان الأشخاص داخلها يشتركون في ثقافة اشتراكات كافيا. والفكرة مثيرة للجدل؛ لأن إنجاحها يتطلب أن تظل المجموعات متميزة ثقافياً. وكما يشير النقاد، يميل الأشخاص إلى الهجرة بين المجموعات التي ينبغي أن تجانس بين الأفكار والعادات. ويرد أولئك الذين يدعمون المفهوم بأن المجموعات لديها طرق للحفاظ على ثقافتها المتميزة، بما في ذلك عملية تسمى فرض تطبيق الأعراف Norm enforcement. وبعبارة أبسط، إذا هاجر شخص ما إلى مجموعة ثقافية جديدة، يُضغَط عليه لاتباع الأعراف المحلية؛ لأن عدم اتباعها  يؤدي إلى العقاب.

وفي وقت سابق من عام 2020 نشرت سارة ماثيو Sarah Mathew وكارلا هاندلي Carla Handley، من جامعة ولاية أريزونا Arizona State University، دراسة ميدانية رائدة تختبر الفكرة. فقد جمعا عينة من 759 شخصاً من أربع مجموعات عرقية رعوية في كينيا – توركانا، وسامبورو، ورينديل وبورانا – تتنافس تنافسا شديدا على البر والمياه والماشية. ويقدر الاثنان أن الاختلافات الجينية بين الأفراد من مختلف الفئات كانت عموماً أقل من 1%. وتفاوتت الممارسات والمعتقدات الثقافية أكثر من ذلك بكثير، بنسبة تتراوح بين 10% و20%. وتعاون الأشخاص بدرجة أكبر مع أعضاء مجموعتهم، كما يتوقع الانتخاب الثقافي للمجموعات، وبدرجة أقل مع أعضاء المجموعات الأخرى التي تتطابق معاييرُها مع معاييرِها الخاصة. وهذا منطقي إذا كانت الثقافة بدلاً من علم الجينات هي الأهم. وتقول ماثيو: “أظن أن هذا الاختبار هو أوضح اختبارات نظرية الانتخاب الثقافي للمجموعات إلى الآن”.

ولم يقتنع الجميع. فماكس كراسنو Max Krasnow، من جامعة هارفرد Harvard University، لا يرى خللاً نظرياً في الفكرة، لكنه يقول إن بعضاً من أبحاثه تقوضها. ووجد أن الأشخاص لا يفرضون تطبيق الأعراف داخل مجموعتهم فحسب، بل يعاقبون أيضاً أشخاصاً من مجموعات أخرى لا يتبعون معايير مجموعتهم. وترد ماثيو بالقول إن من المعقول فرض تطبيق معايير الغرباء كخطوة نحو دمجهم في مجموعتكم الثقافية. وتقول: “هذه في الغالب الطريقة التي تتوسع بها الإمبراطوريات”.

4 الوراثة تتعلق بما هو أكثر من مجرد الجينات

العلامات التخلّقية Epigenetic marks

بقلم: كاري أرنولد Carrie Arnold

إذا كانت الجينات هي الكلمات في كتاب الحياة، فالعلامات التخلّقية Epigenetic marks هي علامات الترقيم Punctuation.. فهذه الوسوم الكيميائية تؤثر في أي الجينات تُشغَّل وأيها تُوقَف في الكائن الحي. وهي تُنشَأ استجابة للتغيرات في الظروف داخل الخلايا أو البيئة الخارجية، مثل درجة الحرارة أو الإجهاد أو النظام الغذائي. ومنذ اكتشافها في خمسينات القرن العشرين كان العلماء يعتقدون أن العلامات التخلّقية كلها تُمحَى قبل انتقال الجينات من الآباء إلى الذرية. غير أن قدمت مرحلة مظلمة في تاريخ البشرية كانت قد قدمت تلميحاً مبكراً إلى أن الأمر ربما لا يكون كذلك.

ففي أواخر عام 1944 انتقم النازيون من تمرد هولندي ضد المحتلين الألمان بأن قطعوا إمدادات الغذاء والوقود عن هولندا. وبحلول الوقت الذي حُرِّرت فيه البلاد، كان البالغون يعيشون على ما متوسطه 580 سعرة حرارية في اليوم. وكان الأطفال المولودون لنساء حوامل خلال هذه الفترة صغار الأحجام وكانت أوزانهم عند الولادة منخفضة. ومن المستغرب، على الرغم من ذلك، أنهم عانوا في وقت لاحق من الحياة مستوياتٍ عاليةً غير عادية من السمنة وداء السكري والفصام. وكذلك كانت الحال مع أطفالهم.

من المنطقي تمرير العلامات التخلّقية إلى الأجيال التالية. فالعلامات المنشأة عندما كان الطعام نادراً صارت مرتبطة بارتفاع معدل الإصابة بأمراض التمثيل الغذائي في أوقات الوفرة.

وتشير الدراسات اللاحقة للنباتات والحيوانات إلى أن الميراث التخلّقي أكثر شيوعاً مما كان يتوقعه أي طرف. وما هو أكثر من ذلك أن الميراث التخلّقي، مقارنة بالميراث الجيني، لديه بعض المزايا الكبيرة. فالبيئات يمكن أن تتغير بسرعة كبيرة، لكن الطفرات الجينية عشوائية، وغالباً ما تتطلب أجيالاً لتترسخ. أما العلامات التخلّقية، على النقيض من ذلك؛ فتُنشَأ في دقائق أو ساعات. ولأنها ناتجة من التغير البيئي، فإنها غالباً ما تكون تكيفية؛ مما يعزز بقاء الأجيال اللاحقة.

خذوا حشرة منّ البازلاء Pea aphid. هي قادرة على كل من التكاثر الجنسي واللاجنسي، وتأتي في نوعين: مجنح، وغير مجنح. وعندما عرّض العلماء مجموعة من البازلاء المتطابقة جينياً لدعاسيق أم علي Ladybirds، ازدادت نسبة المنّ المجنح من الربع إلى النصف. واستمر هذا التكيف الذي ساعدها على الهروب من الدعاسيق المفترسة، لمدة 25 جيلاً. ولم يتحور الحمض النووي DNA لليرقات، بل اقتصر التغير على كونه تخلّقياً.

وليست التركات التخلّقية مفيدة دائماً. فحين اختبر مارتن لند Martin Lind، من جامعة أوبسالا Uppsala University في السويد، وزملاؤه الديدان الأسطوانية Nematode worms، اكتشفوا أن العامل الرئيس يتعلق ببقاء الظروف البيئية مستقرة. فإذا تغيرت، قد يضر التكيف بالأجيال اللاحقة – كما حدث مع نسل شتاء الجوع الهولندي Dutch Hunger Winter.

ومدى الميراث التخلّقي محط نزاع. فبعض المشككين يشيرون إلى أن توليد خلايا الحيوانات المنوية والبويضات أثناء تكاثر الثدييات ينطوي على محو العلامات التخلّقية. ويقول آخرون إن النقل التخلّقي عبر الأجيال منتشر ومفيد جدا . ففي النباتات، مثلاً، يمكنه أن يفسر الاختلافات في حجم الثمار، ووقت الإزهار، والعديد من السمات الأخرى التي تعزز البقاء.

5 الأنواع غير موجودة حقاً

فوضى التصنيف Taxonomic anarchy

بقلم: كولين باراس Colin Barras

خلال معظم التاريخ، لم تكن لدينا صعوبة كبيرة في تحديد الأنواع Species. فقد كان هناك افتراض عام بأن عدداً محدوداً من الأشكال المتميزة للحياة وُجِدت من دون تغير منذ الخليقة، ويقبع كل منها في ركنه المحدد بوضوح: الإنسان، والذبابة المنزلية، والزعرور Hawthorn وهلم جرا. وفي غضون القرون القليلة الماضية من الزمن، ولاسيما بعد داروين، ظهرت كأفضل نظرية التطور Evolutionary Theory  لشرح كيفية ظهور الأنواع إلى الوجود.  غير أن ذلك جعل من تعريف الأنواع أصعب بكثير.

وهناك عدة جوانب للمشكلة. الأول، أننا إذا قبلنا فكرة الأنواع التي تتطور من أنواع أخرى، يجب أن نسمح بأن يتحول نوع من الأسلاف تدريجياً إلى خَلَفٍ أو أكثر. وسنظل نود وضع الكائنات الحية في فئات منفصلة، لكن إجراء ذلك أمر للغاية،  فقد ظلت الأنواع تتداخل في بعضها البعض عبر الزمن. ويقول فرانك زاكوس Frank Zachos -من متحف التاريخ الطبيعي Natural History Museum في فيينا بالنمسا: “ومع تقبلنا للتطور، إذا به يسلط الضوء على مشكلة في الآلات التي في رؤوسنا التي نستخدمها للتصنيف”.

أما جودي هاي Jody Hey، من جامعة تمبل Temple University في فيلادلفيا؛ فتعتقد أن المشكلة الأكثر أهمية هي أن البيولوجيين غالباً ما يكون لديهم هدفان عندما يحددون الأنواع: الأول، الرغبة التقليدية في تقسيم الطبيعة إلى باقات يمكن التعرف عليها بسهولة. والثاني، هو أن يشرحوا، من الناحية التطورية، كيف ظهرت تلك الأنواع إلى حيز الوجود. وتقول: ” لدى البشر دوافع متضاربة تجاه الأنواع”.

ويقول بعض الباحثين إن هذين الهدفين لا يمكن أبداً أن يتحققا في وقت واحد. فعلى مدى العقود الماضية من الزمن توصل البيولوجيون إلى بضع عشرات من الطرق الذكية لتحديد الأنواع. فالبعض منها يُبسّط تصنيف الكائنات الحية التي أمامنا – من خلال مظهرها المادي، مثلاً – لكنها لا تخبرنا إلا بالقليل عن عملية التطور نفسها (انظر: الكلاديستيات السادية). وتصل تعريفات أخرى إلى صميم كيفية وجود الأنواع، لكن قد يصعب استخدامها في العالم الحقيقي.

انتعاش الأنواع الهجينة

من حيث المبدأ، كان من الممكن للتقدم في تقنيات السلسلة الجينية أن يساعدنا؛ فيشير إلى مدى تميز مجموعات مختلفة جينياً من الكائنات الحية، ومدى قِدَم تباعد الأنساب Lineage. لكن يمكن القول إن التسلسل عقّد المشكلة، إذ كشف عن أن التزاوج فيما بين Interbreeding – أو بعبارة تقنية، الانجبال الداخلي Introgression –”الأنواع” ذات الصلة الوثيقة أمر شائع في شجرة الحياة. ويقول مايكل أرنولد Michael Arnold، من جامعة جورجيا University of Georgia في أثينا: “يبدو أن هذه هي القاعدة، وليس الاستثناء” والواقع أن الأدلة على الانجبال الداخلي تمتد مباشرة أمام أعيننا: فأسلافنا تزاوجوا بمختلف الهومينين (أشباه البشر القدماء) Hominins ممن قد يعتبرهم البعض أنواعاً متميزة.

أما المشكلة الأخرى؛ فتتمثل بأن النظر إلى الجينات بدلاً من السمات التي يمكن ملاحظتها يجعل من الأسهل العثور على أنواع جديدة؛ مما يؤدي إلى ما أطلق عليه بعض الباحثين فوضى التصنيف. مثلاً، يمكن لبيولوجي أن يجادل في أن الأنواع المعترف بها سابقا ينبغي أن تُقسَم حقاً إلى نوعين “جديدين” أو أكثر، كما حدث عندما أدى التحليل الجيني للفيل الإفريقي إلى فصله إلى نوعين، نوع يقطن السافانا ونوع يسكن الغابات.

وللمساعدة على زيادة صرامة أجراءات تحديد الأنواع الجديدة، فقد اقترح زاكوس وغيره من البيولوجيين في بداية عام 2020 إنشاء أول قائمة واحدة موثوق بها للأنواع في العالم. و”الأنواع” نفسها ستبقى مفهوماً مائعاً، لكن على الأقل يمكننا جميعاً الاتفاق على تحديد الحدود.

6 التكيف أولاً، ثم التحوّر

التكيف اللاماركي الجديد Neo-Lamarckian adaptation

بقلم: كاري أرنولد Carrie Arnold

في ثمانينات القرن التاسع عشر بدأ أوغوست وايزمان August Weismann، بقطع أذناب الفئران. ولم يكن سادياً، بل أراد فقط أن يعرف ما إذا كان يمكن للحيوانات أن ترث السمات التي اكتسبها والداها خلال حياتيهما. وفي عام 1807 جادل جان-باتيست لامارك Jean-Baptiste Lamarck -البيولوجي الفرنسي، في أن هذه هي الطريقة التي تتطور بها السمات الجديدة – الرقبة الطويلة للزرافة، مثلاً، تنشأ نتيجة لأجيال متعاقبة من الحيوانات التي تصل إلى فروع أعلى للحصول على الطعام. لكن وفق التطور الدارويني، يجب على الكائنات الحية الحصول على طفرة جينية قبل أن تتمكن من التكيف مع بيئة جديدة. فللبقاء على البر، مثلاً، كان على الأسماك أن تطور أولاً القدرة على الحصول على الأكسجين من الهواء.

ومن غير المستغرب أن تجربة وايزمان فشلت: فقد كانت لذرية فئرانه المشوهة كلها ذيول طبيعية. لكنه ربما سبق وقته. فاليوم، هناك أدلة على تطور لاماركي – من نوع ما. خذوا علجوم القدم المجرفة المكسيكي Mexican spadefoot toad (سبيا مالتيبليكاتا) Spea multiplicata  فهو يتكاثر في البرك التي تظهر بعد الرياح الموسمية الصيفية وتقتات الشراغيف Tadpoles التي تفقس للتو عادة بنظام غذائي من الطحالب والبكتيريا. ولكن إذا وجدت الشراغيف نفسها في بركة حيث يتوفر الربيان الأحمر العملاق Fairy shrimps، تتكيف للاستفادة من الطعام الأكثر تغذية، وتطور فكين أكبر وأحشاء أقصر. ويرى نيكولاس ليفيس Nicholas Levis، من جامعة نورث كارولينا University of North Carolina في تشابل هيل،  أن علجوم القدم المجرفة يقدم مثالاً مثالياً على التطور المُوجَّه باللدونة Plasticity-led evolution. ويقول: “إنه يعيد توجيه كيفية تفكيرنا في عملية التكيف Adaptive process”.

وتحدث تغيرات لدنة كهذه لأن مُحفِّزا بيئياً يؤثر في تطور الكائن الحي بطريقة أو بأخرى. ووجد ليفيز أن هذا يحدث في علجوم القدم المجرفة بفعل 14 جينا تدعم قدرته على التبديل بين شكلين جسديين مختلفين. وقد تحقق كائنات حية أخرى نتيجة مماثلة عن طريق العلامات التخلّقية التي تشغل الجينات وتوقف تشغيلها. وتشير الأبحاث التي أجراها مورغان كيلي Morgan Kelly ، من جامعة ولاية لويزيانا Louisiana State University، إلى أن المحار الشرقي Eastern oysters في خليج المكسيك يتألف من مجموعات سكانية يمكنها البقاء في مياه منخفضة الملوحة بسبب علامات تخلّقية.

وإذا ظلت البيئة من دون تغير، ربيان وفير في حالة العلجوم وملوحة منخفضة في حالة المحار؛ ستستمر الأجيال اللاحقة بإظهار سمات تساعدها على البقاء. ولكن هذه السمات تستحثها البيئة من جديد في كل مرة، ولا تكون موروثة مباشرة من أحد الوالدين، فكيف يمكن أن تؤثر في التطور؟

يقول كيلي: “لا يمكن لكائن حي إذا يتطور إذا مات قبل ذلك”.  فاللدونة قد تشتري للكائنات الحية وقتاً ثميناً ليتكيف جينياً. وإليكم كيف يمكن أن يحدث ذلك. ففي بيئة حيث يعتمد البقاءُ على استجابة معينة، فقط الطفرات التي تعزز تلك الاستجابة، أو على الأقل لا تقوضها، ستنتشر فيكون في نهاية المطاف تغيرا لدنا “ثابتاً” Fixed.

ولا نعرف مدى انتشار هذا النوع من التطور. ولكن إحدى الدراسات وجدت أنكم إذا وضعتم أسماكاً على البر فستتعلم “المشي”. ومن المسلم به أن الأسماك المعنية كانت من أسماك البشير Bichir fish، التي يمكنها أن تتنفس الهواء وتسحب نفسها من الماء إذا لزم الأمر. ومع ذلك، فإن مجرد وجودها على البر يحسن قدراتها على المشي؛ مما يشير تلميحا إلى أن التطور الذي تقوده اللدونة قد يدعم بعض التحولات الرئيسة في تطور الحياة على كوكب الأرض، مثل تطور الحيوانات البرية.

7 نستطيع تشكيل تطورنا

بناء المثوى Niche construction

بقلم: كولين باراس Colin Barras

قد يكون التطور لعبة من ألعاب الحظ، لكن بعض الأنواع ترمي النرد. فالأنواع تعدل بيئتها، ومن ثم قد تحسن فرص بقائها. وبذلك، يمكنها تغيير مسار تطورها. وتُسمَّى هذه العملية بناء الكوة المعيشية Niche construction.

فالطيور تبني الأعشاش، والنمل الأبيض يصنع التلال، والقنادس تنشئ السدود، وعدد لا يُحصَى من الكائنات الحية الأخرى تهندس بيئاتها. وتقليدياً، اعتبر البيولوجيون بناء الكوة المعيشية مجرد نتيجة للانتخاب الطبيعي. ولكن هذه الحجة لا تنجح دائماً. ويقول كيفن لالاند Kevin Laland من جامعة سانت أندروز University of St Andrews في المملكة المتحدة: “ليس الأمر أن جينات البناء بالخرسانة انتشرت في المجموعات السكانية البشرية، وكان ذلك هو ما دفعنا إلى بناء بيئاتنا الحضرية”. وفي حين أن بناء الكوة المعيشية ليس دائماً نتيجة للتطور، إلا أنه كثيراً ما يكون سبباً له.

ويقدم نوعنا مثالاً كلاسيكياً على ذلك. فمن خلال اختراع الزراعة، لم يعدل البشر فقط المشهد الطبيعي تعديلا كبيرا، بل غيروا أيضاً وجباتهم الغذائية. ومع مرور الوقت، بدأت الجينات البشرية بالتغير استجابة لذلك. ويقول لالاند: “تمثل ذلك في انتخاب إنزيمات جهاز هضمي سمحت لنا بمعالجة الكربوهيدرات وبروتين الحليب”.

ويضيف لالاند أن بناء الكوة المعيشية ليس نشاطا محصورا بعدد قليل من أنواع معينة. بل يحدث في كامل شجرة الحياة، في الحيوانات والنباتات وحتى البكتيريا، وقد تكون له تأثيرات عميقة. ومع بناء الكوة المعيشية يمكن للكائنات الحية أن تضمن أن تكون الضغوط الانتخابية العاملة عليها أكثر اتساقاً عبر الزمن والمكان. فمن خلال توليد ظروف وجودها، تكون أطرافاً فاعلة في تطورها.

ويعتقد البعض أن في هذا القول مبالغة. يقول غريغوري راي Gregory Wray UK، من جامعة ديوك Gregory Wray في ولاية كارولينا الشمالية: “لا يؤدي بناء الكوة المعيشية سوى القليل من الدور، إن وجد له أي دور، في معظم أشكال التكيف”.  ولكن قد تكون هناك طريقة لحل الجدل. فإذا كان سلوك بناء الكوة المعيشية واسع الانتشار وعالجت أنواعٌ حيةٌ كثيرة الضغوط َالانتخابيةَ التي تواجهها، يجب أن يؤدي التطور إلى تغيرات يمكن توقعها على نطاق واسع. ويقول لالاند: “سيقول البيولوجي التقليدي إنكم لن تستطيعوا توقع أنماط عامة في التطور – لكن البعض منا يعتقد أننا قد نعثر على مثل ذلك”. وبالفعل يخطط هذا البعض لاختبار الفكرة. ويقول: “سنكتشف من على حق”.

8 التغير قد يكون سريعاً

التطور المعاصر Contemporary evolution

بقلم: مايكل لو بيج Michael Le Page

الكثير من الأشخاص يعتقدون أن التطور شيء يستغرق ملايين السنوات؛ مما يجعله غير محسوس وفقا للمدى الزمني البشري. غير أن مايكل كينيسون Michael Kinnison، من جامعة ماين University of Maine، يقول إنهم يفهمون الأمر بالمقلوب. فقد أظهر هو وآخرون أن الكائنات الحية يمكن أن تتطور بسرعة فائقة استجابة للتغيرات في بيئتها. ولكن التطور غالباً ما يعكس الاتجاه، ما يجعله يبدو بطيئاً على امتدادات طويلة من الزمن.

فمثال عصافير جزر غالاباغوس Galapagos الشهير، والتي ألهمت أفكار تشارلز داروين التطورية، تقدم مثالاً رئيسياً على ذلك. فقد وصل نوع مؤسس واحد إلى الجزر قبل نحو مليوني سنة، وأطلق 14 نوعاً مختلفاً على الأقل، بعضها بمناقير كبيرة لتتغذى بالبذور الكبيرة، وبعضها بمناقير أصغر بكثير تناسب الأغذية الأخرى. واعتُبِر ذلك سريعاً بالنسبة إلى التطور، لكن النتائج الأحدث تشير إلى أن هذه العصافير تتطور بسرعة أكبر بكثير مما اعتقده داروين.

ففي عام 1977 أدى الجفاف في إحدى الجزر، واسمها دافني ميجور Daphne Major، إلى القضاء على العصافير الأرضية. فلم يتوفر سوى بذور كبيرة نسبياً للأكل، ولذلك كان من الأفضل أن تكون الطيور ذات مناقير أكبر، وفي غضون بضعة أجيال، ازداد حجم المنقار بنحو 4%. وشهد العام الرطب 1983 توافر البذور الصغيرة مرة أخرى، وعلى مدى بضع سنوات، تقلص حجم المنقار مرة أخرى. فقد تطورت العصافير بسرعة لكنها انتهت حيث بدأت.

وبالمثل، قد تكون أنواع جديدة من العصافير أتت وذهبت. ففي ثمانينات القرن العشرين وصل عصفور صبار ذكر إلى جزيرة دافني ميجور من جزيرة على بعد 100 كيلومتر وتزاوج بعصفورتين أرضيتين. وكانت الذرية خصبة وتزاوج أفرادها فقط ببعضها البعض في الأجيال اللاحقة. ومثل هذه العزلة الجينية Genetic isolation، والتي هي العامل الرئيس لإنشاء أنواع جديدة، كان يُعتقَد ذات مرة أنها تحدث على مدى مئات الأجيال، لكنها هنا حدثت في ثلاثة أجيال فقط. ويمكن لتشكيل الأنواع   Species formationأن يعكس الاتجاه بسرعة أيضاً. ففي جزيرة سانتا كروز Santa Cruz القريبة، انقسمت العصافير إلى طيور كبيرة وصغيرة المنقار. لكن التمييز بين هذين النوعين بدأ يقل. فحاليا، لدى معظمها مناقير متوسطة الحجم، ربما لأن الناس يطعمونها الأرز فلا تحتاج إلى منقار متخصص.

وقد جرى توثيق آلاف الأمثلة على التطور السريع Rapid evolution. مثلاً، في نصف قرن فقط، تطورت أسماك كيليفيش Killifish في الولايات المتحدة للتأقلم مع تلوث أعلى بعدة أضعاف من الجرعة القاتلة المعتادة. وفي الواقع، يتجنب كينيسون عبارة التطور السريع لأنه يعتقد أن ذلك هو القاعدة. ويتحدث بدلاً من ذلك عن التطور “المعاصر” Contemporary .

9 بقاء… الموفق

الانحراف الجيني Genetic drift

بقلم: كولين باراس Colin Barras

زقورة أور الكبرى The Great Ziggurat of Ur، وهي هرم مدرّج ضخم، من أفضل الأمثلة على الهندسة المعمارية الحضرية في القرن الحادي والعشرين، وأعني القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد. وكانت المدن الكبيرة لا تزال اختراعاً حديثاً عند بنائها. فالمشاهد الحضرية جديدة جداً في سياق الحياة على كوكب الأرض. ولكن أنواعاً كثيرة اليوم تعتبرها منزلها، وكان تطور هذه الأنواع أقرب إلى التوفيق ربما منه إلى التكيف.

فالانتخاب الطبيعي يفضل جينات معينة، تلك التي تجعل الكائن الحي أفضل تكيفاً مع بيئة معينة. ولكن التطور قد يحدث أيضاً من خلال عملية غير تكيفية تسمى الانحراف الجيني Genetic drift، فقد يكون الجين سائدا Dominant في مجموعة سكانية بمحض الصدفة. وغالباً ما يُفسَّر الانحراف الجيني بكيس من قطع العملات الرمزية الموزعة بالتساوي بين لونين – 20 قطعة خضراء و20 صفراء، مثلاً. ويخرج المرء قطعة، ويسجل لونها، ويعيدها إلى الكيس، قبل أن يعيد العملية 39 مرة أخرى. وتعطي هذه الاختيارات “جيلاً” جديداً من القطع – وهناك فرصة أكبر بأن يحتوي الجيل على قطعٍ من لون أكثر من الآخر: 17 قطعة خضراء و23 صفراء، مثلاً. وسيعطي تكرار العملية بهذه المجموعة الجديدة كنقطة بداية “جيلاً” ثالثاً، قد يكون أكثر انحرافاً لصالح القطع الصفراء. وفي نهاية المطاف، قد يختار المختبِر عشوائيا جيلاً يحتوي على قطع جميعها صفراء.

والوصول إلى مثل هذه النتيجة الأحادية اللون هو أكثر احتمالاً في المجموعات الصغيرة: فسيستغرق الأمر أجيالاً لا تُحصَى لألف قطعة خضراء وألف قطعة صفراء “لتنحرف” Drift إلى مجموعة سكانية من ألفي قطعة خضراء، مثلاً، لكن ربما بضعة أجيال فقط لتصبح 10 قطع خضراء و10 صفراء مجموعة من 20 قطعة خضراء. وقد تحدث هذه النتائج في الطبيعة، وهي تحدث حقاً، وإنما يدل على أن مجموعة يمكن أن تفقد التنوع الجيني بمجرد الصدفة.

ويعلم البيولوجيون عن الانحراف الجيني منذ قرن من الزمن، لكنهم أدركوا في السنوات الأخيرة أنه قد يكون شائعاً خصوصا في البيئات الحضرية حيث تميل الطرق والمباني إلى عزل الكائنات الحية في مجموعات صغيرة. ونالت الفكرة دعماً من دراسة أُجرِيت عام 2016 في نيويورك على الفأر الأبيض القدم، بروميسكوس ليوكوبوس Peromyscus leucopus.  واكتشف جيسون مونشي-ساوث Jason Munshi-South -من جامعة فوردهام Fordham University – في نيويورك، وزملاؤه أن المجموعات الحضرية من الفئران فقدت ما يصل إلى نصف تنوعها الجيني مقارنة بالمجموعات الريفية.

وفي عام 2019 نشرت ليندساي مايلز Lindsay Miles ، من جامعة تورنتو ميسيسوغا University of Toronto Mississauga في كندا، وزملاؤها مراجعة للأدلة من نحو 160 دراسة للتطور في البيئات الحضرية، ومن كائنات حية تتراوح من الثدييات والطيور إلى الحشرات والنباتات. وأفاد ما يقرب من ثلثي الدراسات بانخفاض التنوع الجيني في هذه المجموعات مقارنة بنظيرتها في المناطق الريفية؛ مما دفع الباحثين إلى استنتاج أن الانحراف الجيني لا بد وأن يكون له دور في ذلك. وتقول مايلز: “إن الانحراف الجيني قد يكون بالتأكيد دافعاً مهماً للتطور”.

وتترتب على هذه النتائج آثار كبيرة، لأن المجموعات تفقد قدرتها على التكيف والازدهار إذا كانت تفتقر إلى التنوع الجيني اللازم لكي يعمل عليها الانتخاب الطبيعي. وبالطبع لا يقتصر الانحراف الجيني على الأطر الحضرية، لكن في ضوء مدى التوسع المتوقع للحواضر، يبدو الخطر الإضافي الذي يمثله للحياة البرية مقلقاً. فهو يبرِز الحاجة إلى إنشاء ممرات خضراء فلا تكون الحيوانات والنباتات معزولة في مجموعات يصغر حجماً أكثر فأكثر.

10 الجينات لا تأتي من الوالدين فقط

النقل الجيني الأفقي Horizontal gene transfer

بقلم: كاري أرنولد Carrie Arnold

كريس هيتينغر Chris Hittinger يدرس الخمائر المتبرعمة Yeasts Budding، وهي المجموعة التي تشمل ساكارومايسس سيريفيسيا Saccharomyces cerevisiae، أي الخميرة المفضّلة لدى خبازي الخبز. وهي إحدى المجموعات الأكثر تنوعاً من الكائنات الحية التي تملك نواة Nucleus (أو حقيقيات النوى Eukaryotes)، لذلك اعتاد هيتينغر أن يرى أشياء غريبة في مختبره. لكن قبل بضع سنوات رأى شيئاً فاجأه حقاً. ويقول هيتينغر-من جامعة ويسكنسن-ماديسون University of Wisconsin-Madison: “كانت هناك مجموعة من الجينات في هذه الخمائر ما كان لها ببساطة أن تكون فيها”.  فالجينات كانت تستخدمها بكتيريا معينة لصنع إنزيمات لاقطة للحديد، وبدا أن سلفاً للخميرة سرقها، كما تبين بالفعل أنه فعل ذلك.

لنحو قرن من الزمن عرف علماء المكروبيولوجيا أن البكتيريا تستطيع مبادلة الجينات بين بعضها البعض، والحصول على جينات فيروسية حين تصيبها فيروسات، بل انتزاع حمض نووي DNA يطوف بحرية من البيئة. وتُسمَّى هذه العملية النقل الجيني الأفقي Horizontal gene transfer. ومع سلسلة أعداد متزايدة من الجينومات الميكروبية، اتضح للعلماء أن الأمر شائع جدا. فالميكروبات لا تنتظر سلبيا لتجمّع طفرات لكي تتكيف مع البيئات المتغيرة. بل هي، بدلاً من ذلك، تلتقط الجينات التي تصادفها، فتعطي الانتخاب الطبيعي تنوعاً أكبر بكثير يعمل عليه. يقول غريغوري فورنييه Gregory Fournier من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology: “كلها تتشارك الجينات مع بعضها البعض، وهي حقاً شبكة ضخمة من مناسبات التبادل الجيني”.

والنقل الجيني الأفقي موثق تكراراً في الميكروبات البدائية النوى Prokaryotes ذات الخلية الواحدة التي تفتقر إلى نواة، ومن ثم ليس لديها إلا القليل من الحواجز المادية لمنع الحمض النووي DNA الموجود في مكان آخر من أن يُدمَج في جينومها. ولكن عمل هيتينغر يبيِّن أن حقيقيات النوى تستطيع أيضا أن تقترض من بكتيريا تَمُتّ إليها بصلة بعيدة. ويقول: “للخميرة والبكتيريا طرق مختلفة جوهرياً في تحويل الحمض النووي DNA إلى بروتين، وهذا بدا ظاهرة غريبة حقاً”.

سوق الحمض النووي المستعمل

أما ميلاني بلوكيش Melanie Blokesch ، من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا Swiss Federal Institute of Technology في لوزان؛ فقد بيّنت أن التقارب المادي والوقت الذي يمضيه كائنان حيَّان قرب بعضهما البعض عاملان رئيسيان في فرصهما للحصول على الحمض النووي DNA. وتشير دراسات أخرى إلى أن تبادل الجينات الأيضية والوظيفية، مثل تلك التي تساعد كائناً حياً على استخدام مصدر غذائي جديد أو إزالة السموم من مادة كيميائية ضارة، هو الأكثر احتمالاً – بنهاية المطاف – في مبادلات سوق الحمض النووي المستعمل. ويظهر انتشار جينات مقاومة للمضادات الحيوية في البكتيريا مدى أهمية هذه الظاهرة لبقاء الميكروبات.

ماذا عن الدور الأوسع للنقل الجيني الأفقي في التطور؟ يقول فورنييه، “يتعلق السؤال بكم من [الحمض النووي DNA المنقول أفقياً] يبقى على مدى فترات طويلة من الزمن، وينتهي به الأمر إلى أن يُكوّن المواد التي ترثها أنواع مستقبلية وتُنقَل إليها”. وهناك إشارات إلى أن الكمية كبيرة جداً. وليس هيتينغر وحده من يعثر على كتل خارج مكانها من الحمض النووي. فقد اكتشفها آخرون في الثدييات، وكشف تحليل الجينوم البشري بأكمله أن ما لا يقل عن 8% من حمضنا النووي مستمد من فيروسات. وفي الواقع، وفق أحد التقديرات،  فإن ما يصل الى نصف الحمض النووي البشري كله مستمد أصلاً من النقل الجيني الأفقي.

11 بعض الأشياء أفضل من غيرها على صعيد التطور

قابلية التطور Evolvability

 بقلم: كولين باراس Colin Barras

لم تكن للنسانيس [بذيل] Monkeys أي فرصة. فحين تعلق الأمر بالسير على ساقين، كانت القردة [من غير ذيل] Apes مرشحة دائماً للفوز. وكان لدى فرعنا من شجرة عائلة الرئيسيات Primate ما تطلبه تطوير ساقين طويلتين، وتحرير اليدين لوظائف أخرى مثل صنع أدوات معقدة؛ وهذا تكيف كبير على الطريق للتحول إلى بشر. وفي هذا الصدد، ليست النسانيس قابلة للتطور كالقردة.

وقابلية التطور Evolvability عبارة عن مفهوم بسيط. يقول توبياس أولر Tobias Uller -من جامعة لوند Lund University في السويد: “إنه قدرة مجموعة ما على التطور تكيفياً وعلى إنتاج تغير يمكن رصده في النمط الظاهري Phenotype قابل للوراثة”. وتكون بعض الكائنات الحية أفضل في هذا من غيرها، كما يوضح تطور الحركة على ساقين في الرئيسيات. فقد كانت لدى الرئيسيات المبكرة، صفة مشتركة مع العديد من الحيوانات، أربعة أطراف كانت تقريباً بالطول نفسه وتؤدي وظيفة مماثلة. وتحتفظ النسانيس كلها بهذا التشريح. أما في مرحلة ما؛ فقد تحررت القردة من هذا القيد وصارت أقدر على توليد أطراف أمامية وخلفية بأطوال مختلفة. والنتيجة واضحة للعيان في مجموعة من الأشكال البدنية لدى القردة اليوم – من الغبونات Gibbons الطويلة الذراعين إلى البشر الطويلي الأرجل.

أما غير الواضح؛ فهو ما تعنيه تماماً قابلية التطور لمجموعة. ويناقش البيولوجيون قابلية التطور لعقدين من الزمن، لكن لا يوجد حتى الآن أي اتفاق حول كيفية استخدام هذا المصطلح بالضبط. وحددت رايتشل براون Rachael Brown ، من الجامعة الوطنية الأسترالية Australian National University في كانبيرا، خمسة تعريفات متميزة. وتشير إلى أن مجموعة ما من الكائنات الحية قد تُعتبَر قابلة جداً للتطور وفق تعريف، لكنها ليست قابلة للتطور وفق تعريف آخر.

ففي حين يكون المناخ أكثر جفافا، مثلاً، تنتج بعض النباتات أوراقاً أصغر لتخسر مياهاً أقل من خلال التبخر. ويقول أولر إن هذه النباتات، إذ تفعل ذلك، تبين شكلاً من أشكال قابلية التطور. ولم تتغير النباتات جينياً، لكنها وجدت طريقة للبقاء في الأمد القريب، وإذ اشترت بعض الوقت الذي قد تُراكِم خلاله طفرات جينية فقد تتطور من أجل حياة أكثر جفافاً.

ويقول بيولوجيون آخرون إن هذا ليس قابلية للتطور على الإطلاق. ومن هؤلاء رايتشل رايت Rachel Wright من كلية سميث Smith College في ماساتشوستس. فقد نشرت هي وزملاؤها أخيراً بحثاً عن قابلية التطور لدى الشعاب المرجانية التي تبني حيوداً في مواجهة ثلاثة تحديات بيئية: ارتفاع درجة حرارة البحار، وتحمض المحيطات، وازدياد الأمراض المعدية. ووجدوا أن الشعاب المرجانية عالية التحمل لواحد من هذه الضغوط تستطيع التأقلم مع الضغطين الآخرين. ويقولون إن هذا يبين أن هذه الشعاب المرجانية تمتلك القدرة على التكيف السريع في ظل تغير المناخ Climate change. وتقول رايت: “لو كانت الاستجابات التي لاحظناها ناجمة عن آثار غير جينية تماماً، لما اعتبرتُ الأمر قابلية للتطور”.

وتشوب مفهوم قابلية التطور شوائب، لكن براون تقول إن البيولوجيين يحتاجون إلى الاتفاق على تعريف مناسب إذا أرادوا استخدام المفهوم بفاعلية. وهذا مهم؛ لأن قابلية التطور في في جوهر بعض الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتطور، من الآثار المحتملة للاحترار العالمي Global warming إلى تطور الحركة على ساقين.

12 التطور يفضل نتائج معينة

التحيز التطوري Developmental bias

بقلم: كاري أرنولد Carrie Arnold

في قلب التطور ثمة عملية عشوائية: طفرات تصيب الحمض النووي DNA وتؤدي إلى تغير جيني. ولكن راقبوا ما يتطور وستجدون أن بعض النتائج أكثر احتمالاً من غيرها. فبدلاً من أن يبدو التطور من دون اتجاه، كما قد تتوقعون من عملية عشوائية حقاً، فهو مليء بالأنماط المتكررة. والآن نعرف السبب. ويقول توبياس أولر Tobias Uller – من جامعة لوند Lund University في السويد: “تجدون بعض الحلول تتطور مراراً وتكراراً، ليس لأنها الأفضل، لكن لأن نظام التطور لدى الكائنات الحية يميل إلى طرح بعض التغيرات جانباً”.

وهذا يُسمَّى تحيز النمو Developmental bias، ويمكن أن يُلاحَظ بوضوح في الحيوانات الداجنة. فللعديد منها آذان مرنة وذيول مجعدة إلى جانب خطم أقصر وألوان فرو مختلفة مقارنة بأسلافها البرية. ولكن هذه الخصائص ليست لها صلات واضحة بالصفات التي وُلِدت من أجلها هذه المخلوقات، مثل التروض وإنتاج الحليب وإنتاج اللحوم. وكُشِف سر ما يسمى متلازمة التدجين Domestication syndrome عندما ركز العلماء على مجموعة صغيرة من الخلايا الجذعية في الجنين النامي. وتشارك “خلايا العرف العصبي” Neural crest cells هذه في تطوير مجموعة متنوعة من الأنسجة التي تؤثر في أشياء مثل شكل الوجه والأذن ولون الفراء. وهي تنشئ كذلك الغدد الكظرية Adrenal glands، التي تؤدي دوراً رئيساً في توليد ردة فعل القتال أو الهرب Fight-or-Flight response التي هي سمة أساسية للوداعة. وإذا زادت الوداعة من خلال التوليد المصمم للحصول عليها؛ فستجلب معها  الخطم الأقصر والذيل المجعد.

وإذا كان بعض الخصائص يتطور بسهولة أكبر من غيره، ينبغي من ثم أن نتوقع أن نرى أنماطاً متكررة في الطبيعة. وقد يكون تحيز النمو وراء مراوغة رائعة من التطور تسمى التطور المتوازي Parallel radiation: وهي الظاهرة التي تتنوع فيها الأنواع في موقع واحد في عدة أشكال متميزة، وفي شكل مستقل يحدث التنوع نفسه في موقع مختلف. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك أسماك السيكليد Cichlid التي تعيش في بحيرة ملاوي وبحيرة تنجانيقا في إفريقيا. وتحتوي كل بحيرة على العديد من الأنواع المختلفة التي تظهر أوجه تشابه مذهلة في مجموعة متنوعة من الأشكال البدنية مع أنواع في البحيرة الأخرى، على الرغم من أنها أكثر ارتباطاً بتلك التي تعيش في بحيرتها الخاصة. وهذه الأشكال البدنية تكيف الأنواع مع كوات معيشية أو غذاء معين، لذلك يجب أن تكون قد تطورت بفعل الانتخاب الطبيعي. ولكن الأشكال التي تتخذها الأسماك ليست بالضرورة الحلول التكيفية الوحيدة الممكنة. وهذا يشير إلى وجود ميزات لتطور أسماك السيكليد تجعل بعض أنواع البدن أكثر ميلا للنشوء.

وعلى الرغم من توجيه التطور إلى مسارات معينة، لا يحد تحيز النمو بطبيعته المسارات المحتملة، كما يقول أولر، لأنه يمكن أن يعزز الاختلاف المرجح أن يكون مفيداً ومن ثم  أكثر عرضة للبقاء. وهو قد يساعد على تفسير لماذا تكون دفقات التطور المتنوعة والمتماثلة جداً في أسماك السكليد شائعة بين أنواع الكائنات الحية كلها، من عصافير غالاباغوس التي درسها تشارلز داروين إلى الجرابيات Marsupials الأسترالية.

13 في مقدورنا وقف التطور

ضد التطور Anti-evolution

بقلم: مايكل لو بايج Michael Le Page

التطور لم يحدث في الماضي فحسب. هو يحدث حاليا، وهو غالباً ما يكون سيئاً لنا. ولهذا يتقصى الباحثون طرقاً لإبطاء التطور غير المرغوب فيه أو وقفه أو حتى عكسه أو التفوق عليه تطورياً.

ولعل أكبر تهديد يشكله علينا التطور هو ازدياد الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية، التي تقتل بالفعل 35 ألف شخص كل عام في الولايات المتحدة وحدها. ويمكّن التطور أيضاً من نمو السرطانات التي سيستسلم لها العديد منا في نهاية المطاف. كما أنه يتحمل المسؤولية عن الحشرات المقاومة للمبيدات الحشرية التي تنشر أمراضاً مثل الملاريا و”الجرذان الخارقة” المنيعة أمام السموم، والأعشاب الضارة التي لا تؤثر فيها المبيدات العشبية.

وتأتي بعض الحلول من التكنولوجيا المنخفضة التعقيد. مثلاً، فالشركات التي تبيع بذوراً لمحاصيل معدلة جينياً لتنتج مبيداً حشرياً اسمه المبيد Bt كثيراً ما تمزج هذه البذور ببذورٍ لمحاصيل لا تنتج المبيد. فلو زرع المزارعون فقط محاصيل تنتج المبيد Bt ؛ لتمكنت فقط الآفات المقاومة للمبيد من البقاء. أما استخدام المزيج؛ فيسمح لبعض الآفات غير المقاومة للمبيد بالبقاء أيضاً والتزاوج بغيرها، ما يبطئ تطور السلالات المقاومة.

الفوز في سباق التسلح

تتلخص الاستراتيجية المعاكسة في مهاجمة الكائنات الحية على العديد من الجبهات فلا تكون لديها فرصة لتطوير مقاومة. وذلك أنقذ حياة الملايين من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب، الفيروس HIV. ففي حين يطور الفيروس بسرعة مقاومة في أبدان الناس الذين يأخذون دواء واحدا مضاداً للفيروسات فقط، فإن العلاج بعدد من العقاقير في آن واحد يتغلب علي الفيروس. ويعتقد لي كرونين Lee Cronin ، من جامعة إدنبرة University of Edinburgh في المملكة المتحدة، بأن العلاج بعدد من العقاقير يستطيع أيضاً معالجة مقاومة المضادات الحيوية. ويطور فريقه نظاماً روبوتياً لتوليد الأدوية الجديدة اللازمة لمثل ذلك واختبارها. ويعتمد جانب من هذه المقاربة على توقع كيفية تطور الجراثيم الخارقة Superbugs لبقائها متقدمة في سباق التسلح.

وينشئ آخرون أسلحة متطورة “مضادة التطور”  Anti-evolution. ولعكس مقاومة المضادات الحيوية يأخذون الفيروسات التي تهاجم البكتيريا ويزوِّدونها بنظام تحرير الجينات المعروف بالتكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة المنتظمة التباعد  Clustered regularly interspaced short palindromic repeats

(اختصارا: التقنية كريسبر CRISPER). ويمكن برمجة التقنية كريسبر لحذف الجينات التي تمنح مقاومة للمضادات الحيوية؛ مما يجعل البكتيريا عرضة للتأثر بالمضادات الحيوية مرة أخرى. وتشمل المجموعات التي تعمل على هذه المقاربة شركة تدعى تروبيكس بيو Trobix Bio. وهي تطور حبة يُطلَق عليها اسم تي بي إكس 101 TBX101، تهدف إلى استهداف بكتيريا الأمعاء التي تقاوم مجموعة من المضادات الحيوية تسمى الكاربابينيمات Carbapenems. وقد تسبب هذه البكتيريا عدوى قاتلة مكتسبة من المستشفيات.

وفي الوقت نفسه، يحاول جيفري باريك Jeffrey Barrick، من جامعة تكساس University of Texas في أوستن، تقويض عملية الطفرة الجينية نفسها. فهو يُعدّلTweak  البروتينات التي تنسخ الحمض النووي للبكتيريا (الإشريكية القولونية)  إي كولاي E. coli ؛ فترتكب أخطاء أقل عند نسخ الشيفرة الجينية. وهذا يعني حدوث طفرات أقل وتطور أبطأ. ومن المفارقة أن باريك حقق هذا باستخدام منهج التطور الموجه Directed evolution لهندسة التنويعات البروتينية Protein variants المرغوب فيها. فالتطور يتطور – ولا يحدث ذلك بأدواته الخاصة فحسب.

______________________________________

النموذج القياسي للتطور

بقلم: كايت دوغلاس Kate Douglas

 

أفكار القرن العشرين حول التطور مبنية على ثلاث ركائز: التنوع Variation ، والميراث  Inheritance، والانتخاب Selection. وفي هذا “التوليف الحديث” Modern synthesis، الذي يجمع بين النظرية الداروينية وعلم الجينات، ينشأ الاختلاف في طفرات جينية. وتتغير تسلسلات الحمض النووي عشوائياً نتيجة للقوى الخارجية مثل الإشعاع، وداخلية مثل الأضرار التي تلحق بالحمض النووي DNA أو الحمض النووي الريبوزي RNA الناجمة عن جزيئات شديدة التفاعل تسمى الجذور الحرة Free radicals. ومعظم هذه التغييرات إما محايدة أو ضارة بالحياة، لكن بعضها يؤدي إلى التكيف الذي يبني عليه التطور.

وقد تحدث الطفرات في أي خلية، لكن فقط تلك الموجودة في الخلايا الجرثومية Germ cells، مثل البويضات Eggs والحيوانات المنوية Sperm ، تُمرَّر إلى الأجيال التالية لإنتاج أفراد مختلفين جينياً: وهذا هو أساس الميراث. ولعل أحد أهم تبصرات تشارلز داروين هو إدراكه أن الكائنات الحية تميل إلى إنتاج مجموعة متنوعة من الذرية، ولا ينجو جميع أفرادها فلا يصلون إلى مرحلة اليتكاثر. وقال إن الانتخاب الطبيعي يتخلص من أولئك الأقل ملاءمة لبيئتهم، في حين أن الأفراد الأصلح Fitter يبقون ويمرّرون سماتهم إلى ذريتهم. وبهذه الطريقة يؤدي التنوع والميراث والانتخاب إلى التطور؛ مما يسمح للحياة بالتكيف والأنواع الجديدة بالتشكل مع تغير الظروف.

واليوم، لا يزال التطور واحداً من أقوى الأفكار في مجال العلوم لكن، كما هي الحال مع الأفكار الجيدة كلها، فإنه هو يتطور. وينشأ العديد من المفاهيم الجديدة من فهم أفضل للآليات المعنية وإدراك أن الكائنات الحية تؤدي أدواراً نشطة في تطورها. وبينما يقبل العديد من الناس المبادئ البيولوجية الأساسية، يرون في هذا النموذج من التطور،  ما يسمى بـ “التخليق الموسع” Extended synthesis ،  قائمة من الأمثلة الخاصة. ويقول ريتشارد واتسون Richard Watson من جامعة ساوثمبتون University of Southampton في المملكة المتحدة: “حددت الحركة العلمية المشكلة، ولكن ليس آليات التخليق”.

لكن في عام 2019 نشر واتسون وزميله كريستوف ثيس Christoph Thies ورقة علمية مفادها بأن التقدم في التطور على الأرض، من أول الكائنات الحية الأحادية الخلية إلى تعقيد التنظيم البيولوجي الذي نراه اليوم،  لم يكن ليحدث من دون الآليات الإضافية في التخليق الموسع. واستنتجا: “باختصار، فإن الملحقات هي ‘الغراء’ الذي يجعل الكل أكثر من مجرد مجموع الأجزاء”.

الكلاديستيات السادية

بقلم: ريتشارد ويب Richard Webb

 

كان تصنيف الطبيعة في يوم من الأيام بسيطاً جداً. فقد سافر رجال متعلمون، ملتحون في الغالب، حول العالم فجمعوا العينات ورتبوها على أساس السلوك المشترك والسمات المشتركة في أصناف ملائمة لإنتاج التسلسل الهرمي المتفرع المعروف والمؤلف من المملكة Kingdom، والشعبة Phylum، والطائفة Class، والرتبة Order، والفصيلة Family، والجنس Genus، والنوع Species.

وبدأ ذلك كله يتغير في خمسينات القرن العشرين، وهذا بدوره يغير الطريقة التي ننظر بها إلى منتجات التطور. فالكلاديستيات (التصنيفات التَّفَرُّعيَّة أو الفرع الحيوي)  Cladistics التي ابتكرها الألماني ويلي هنيغ Willi Hennig ، عالِم الحشرات، هي طريقة أكثر منهجية لتحليل العلاقة بين الكائنات الحية استناداً إلى سمات ليست مشتركة فقط، بل مشتقة أيضاً جينياً من بعضها البعض. ومع اكتساب أدواتنا للتحليل الفيلوجيني (تطور السلالات) Phylogenetic قوة أكبر، فقد كشفت الكلاديستيات  مشكلات في مجموعات تصنيفية مألوفة ومحبذة جدا.

وفي التحليل الكلاديستي يكون المعيار الذهبي للمجموعة، أو الكلاد (الصنف التَّفَرُّعيَّ/الحيوي) Clade هو أن تكون المجموعة أحادية السلالة أو مونوفايلتيك Monophyletic، أي أن الأنواع كلها المنتمية إلى الكلاد  تشترك معا في سلف مشترك Common ancestor. أما التجميع  غير المحبّذ؛ فهو ذلك الذي لا يتضمن جميع السلالات المتحدرة من سلف مشترك أو بارافايلاتيك  Paraphyletic، أي أن الأنواع في هذه المجموعة كلها تتشارك في سلف مشترك، لكن بعض الأنواع التي تشترك في ذلك السلف المشترك نفسه تصنف تحت كلاد مختلف وليس تحت هذا الكلاد. أما الأكثر إثارة للاستياء؛ فهو أن تكون المجموعة متعدد الأسلاف أو بوليفايلاتيك Polyphyletic، أي عندما يكون للكائنات في المجموعة أكثر من سلف مشترك.

ومن الضحايا البارزين للتحليل الكلاديستي طائفة الزواحف Class Reptilia. فالسلف المشترك للزواحف الحرشفية وذات الدم البارد، التماسيح والسحالي والأفاعي والسلاحف والديناصورات وما إلى ذلك، أنشأ الثدييات والطيور ذات الدم الدافئ والمغطاة بالفرو والريش، لكن من نقاط تفرع مختلفة. لذلك، فالزواحف تفرعياً هي تفريع غير جامع بارافايلاتيك. والتصنيف الصحيح يجب أن نشير إلى الطيور والثدييات والزواحف معاً بـ “السلويات” Amniotes.  أو بدلاً من ذلك نقبل أن الطيور هي زواحف، فأعضاء المجموعتين يشتركون في سلف مشترك، وسيكون ذلك تصنيفا جيدا. ولكن المثير للارتباك هو أن كلاً من الطيور Aves والثدييات Mammalia هوعبارة عن كلاد مونوفايلاتيك مستقل بسلف منفصل.

ويثير التحليل الكلاديستي أيضاً مشكلات لأكبر مجموعة من الفقاريات على الكوكب، أي الأسماك العظمية Bony fish. فقد وُضِعت تقليدياً في طائفة الأسماك العظمية Class Osteichthyes. ولكن نظراً لأن رباعيات الأطراف Tetrapods،  أو الفقاريات البرية، تحدرت من أسماك تعلمت المشي، قد يصنف التصنيف الكلاديستي الثدييات والطيور والبرمائيات والزواحف كلها، بما فيها الديناصورات، كأسماك. (نعم، وهذا يجعلكم سمكة، أيضاً). وتُحَل المشكلة في التصنيف الحديث بإعادة تعريف الأسماك العظمية كـ “طائفة عليا” Superclass تتألف من رباعيات الأطراف والأسماك اللحمية الزعانف Lobe-finned fish، التي تتشارك في سلف مشترك. أما الأسماك الشعاعية الزعانف Ray-finned fish، وهي معظم ما نعتبره سمكاً؛ فتفصل في طائفتها المنوفايلاتيك المريحة: شعاعيات الزعانف Actinopterygii.

 

الكلادات المتشابكة

لكن مصنفي الكائنات الحية البحرية يأخذون بعين أن المرجان  ئorals والقشريات Crustaceans وقناديل البحر  Jellyfishوالإسفنج  Sponges كلها لا وجود رسمياً لها أيضاً، لأنها جميعها بارافايلاتيك. وفي الواقع، ليست اللافقاريات شيئاً، من وجهة النظر الفلاوجيني: ولو كانت كذلك، فيجب عليها أن تشمل جميع الفقاريات أيضاً. وتحديداً، قد يسركم أن تعرفوا أن لا شيءَ موجوداً اسمه الدبور. فالدبابير بارافايلاتيك، إذ تتشارك في سلف مشترك مع النمل الذي يضم أكثر من 10 آلاف نوع. وينطبق دلك على حشرات العث Moths أيضا. ولكن الفراشات كلها تتشارك في سلف مشترك؛ لذلك قد تبقى مع بعضها في التصنيف نفسه. غير أن الديدان التي صنفت خطأ ذات مرة كزواحف؛ فهي شبكة كاملة من الأشياء الطويلة والرفيعة التي تنتمي إلى مجموعة كاملة من الكلادات المختلفة.

© 2020, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى