العلوم البيئية

الصافي الصفري فاجأ العالم بفوز مناخي نادر

مفهوم الصافي الصفري ترسخ بسرعة في الوعي العام وله تأثير كبير في التعهدات بخفض الكربون، كما كتب غرايام لوتون

بقلم:  غرايام لوتون

ترجمة: مي بورسلي

 

أحد المفاهيم التي أورثها علم المناخ للعالم هو نقطة التحوّل Tipping point: وصف لكيفية تغيير نظام معقد تدريجيًا، تغييرا غير محسوس تقريبًا، ثم ينقلب فجأة إلى حالة جديدة ومستقرة. وتميل نقاط التحوّل المناخية إلى أن تكون أشياء لا نريد حقًا تجاوزها، مثل التحوّل الذي لا رجعة فيه لغابات الأمازون المطيرة إلى سافانا أو إيقاف تيار الخليج Gulf Stream shutting down. كما في فيلم كارثة المناخ اليوم بعد غد The Day After Tomorrow. الذي اختتم بنهاية سيئة.

ومع ذلك، لا يزال وجود نقاط التحول لا رجعة بعدها في المناخ وأين يكمن أمران غير مؤكدين بعد. فعلى سبيل المثال، تراجع علماء المناخ عند فرضيات السيناريو السابق حول تيار الخليج، على الرغم من قلقهم المتزايد حول انبعاث غاز الميثان الذي لا يمكن إيقافه الناتج من ذوبان التربة الصقيعية Permafrost.

في الآونة الأخيرة، على الرغم من ذلك، وجد مفهوم نقطة التحول تطبيقًا جديدًا في علم المناخ كطريقة لشرح التغيير الاجتماعي Social Change وربما هندسته. فالطريقة التي تتسلل بها التغييرات في المواقف كجليد يزحف ببطء قبل أن تتفجر فجأة لتتجذر في المجتمع، وهذه نقطة تحول كلاسيكية. فهذه العملية مفيدة لأنها تنقل الأفكار التي كانت في يوم من الأيام على هامش الرأي السائد بسرعة إلى المركز؛ أفكار مثل الحاجة إلى تغييرات اقتصادية وتكنولوجية عميقة لتجنب الكوارث المناخية الواقعية.

سواء كان ذلك مصادفة أم عن قصد، فقد تجاوزنا مؤخرًا نقطة تحول اجتماعية. بمعنى ضيق، إنه الاحتضان المفاجئ والواسع النطاق للصافي الصفري Net zero. وبمعنى أوسع، هذا يعني الإدراك التام من جميع مستويات المجتمع أنه يجب علينا اتخاذ إجراءات جذرية، أو مواجهة عواقب وخيمة، وربما نهائية.

قبل عام (2020)، عندما كتبت عنها لأول مرة في هذا العمود، كان الصافي الصفري يتسلل إلى التيار الرئيسي. وكانت غريتا تونبرغ Greta Thunberg تتحدث عن ذلك؛ وقد حققت دولتان – سورينام وبوتان – ذلك، وأقرت أربع دول أخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة، قوانين تهدف إلى تحقيقه. وكانت العشرات من الدول أو نحو ذلك تفكر في الوصول إلى ذلك.

والآن، تغيرت الصورة تغييرا كبيرا. فلا تزال سورينام وبوتان تقفان وحدهما باعتبارهما بطلتيْ الصفر، ولكن تشريعات صدرت وما زال بعضها معلقًا في 21 دولة أخرى، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وهكذا انضم إلى النادي ثلاثة من أكبر أربعة مسببين للانبعاثات في العالم – الصين والاتحاد الأوروبي واليابان. وإذا وطّدت الولايات المتحدة علاقتها الجديدة بالكوكب؛ فسيكون ذلك أربعة من أصل أربعة. ووفقًا لبرنامج متابعة الصافي الصفري Net Zero Tracker التابع لوحدة استخبارات الطاقة والمناخ Energy & Climate Intelligence Unit، تكون الولايات المتحدة واحدة من نحو 100 دولة تناقش فيها قوانين الصافي الصفري. حتى أستراليا، التي كانت تقاوم قبل أربعة أشهر فقط، قد تراجعت عن موقفها. أما البلدان خارج هذا النادي؛ فقد صارت تظهر كمجموعة من الدول النفطية النامية: البرازيل والمملكة العربية السعودية وإيران وروسيا وفنزويلا ونيجيريا.

“لعل حِراك  نت زيرو  قادر على كسب تأييد المجتمع؛ لأنه من السهل فهمه”

 

وعلى المستويات المحلية ينتشر الحماس أيضًا. ووفقًا لكايا أكسلسون Kaya Axelsson في مبادرة نت زيرو Net Zero التابعة لجامعة أكسفورد University of Oxford، تعهدت 452 مدينة و22 منطقة وأكثر من 1100 شركة كبيرة ونحو 50 صندوقًا استثماريًا و550 جامعة بتحقيق الصافي الصفري عالميًا، مع انضمام المزيد كل يوم. وتقول أكسلسون إنها عندما تذهب للتحدث إلى الشركات الخاصة تجد باباً مفتوحاً.

حتى العائلات يمكنها التعهد على موقع إلكتروني يسمى طوارئ المناخ العائلي Family Climate Emergency.

ويقول سام فانكهاوزر Sam Fankhauser من كلية لندن للاقتصاد London School of Economics: “يوجد الآن إجماع مجتمعي كبير وواسع حول الحاجة إلى فعل شيء ما حول تغير المناخ Climate change… منذ عامين أو نحو ذلك، كان عليك الدفاع عن وضع قوانين لمعالجة التغير المناخي. لقد تغيرت هذا حقًا”.

ولعل حراك نت زيرو قادر على كسب تأييد المجتمع لأنه من السهل فهمه. فالمفهوم الأساسي هو في الواقع أبسط جانب فيه، وفقًا لأحد مؤسسيه، مايلز ألين Myles Allen من جامعة أكسفورد. ومن أجل كبح الاحترار العالمي Global warming عند أي حد أعلى نختاره، سيتعين علينا في النهاية التوقف عن إضافة ثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس Warming gasses الأخرى إلى الغلاف الجوي.

أما التوقف التام عن بث الانبعاثات؛  فقد يكون أمرًا مستحيلًا، لذا يجب معادلة الانبعاثات التي لا يمكن تجنبها بزراعة الأشجار وغيرها من الحلول القائمة على الطبيعة التي تزيل الكربون من الهواء. ولكن هذه لن تكون كافية، لذلك نحتاج أيضًا إلى ما يسميه ألين “إعادة التحجر” Re-fossilising: حبس ثاني أكسيد الكربون المنبعث من احتراق الوقود الأحفوري ودفنه تحت الأرض من حيث أتى. وهكذا، لا نضيف غازات دفيئة Greenhouse gasses جديدة إلى الغلاف الجوي، ومن تكون المحصلة أو “الصافي” صفراً.

بالطبع، التعهد والإنجاز هما شيئان مختلفان. فأمامنا ثلاثة عقود من السعي إلى توحيد الصف. نحن بحاجة ماسة إلى الإسراع في خفض الانبعاثات؛ إذ إن عددًا قليلًا من البلدان فقط يسير في الواقع على مسار نحو الصافي الصفري. وتُظهر موافقة المملكة المتحدة الأخيرة على منجم فحم جديد مدى سهولة تراجع الدول المتعهدة عن تعهداتها والعودة إلى الأساليب القديمة. ولكن شيئًا ما انقلب، وهناك الآن فرصة للكفاح لأن المناخ لن يصمد. دعونا نواجه الأمر: ليس لدينا أي خيارٍ آخرَ.

© 2021, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى