أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
أركيولوجياجغرافياعلم الآثارعلم الإنسان

 عندما التقى الإنسان الحديث بالنياندرتال

 الجينومات العتيقة لأوائل البشر الحديثين في أوروبا تروي قصصًا عن أصول متنوعة ولقاءات رومانسية

بقلم:    آن غيبونز

ترجمة: مي بورسلي

لطالما كانت متاهة المعارض المكونة من أربعة طوابق في كهف باتشو كيرو Bacho Kiro في بلغاريا نقطةَ جذبٍ لجميع أنواع البشر. وكان النياندرتال Neanderthals أول من وصل إليه، منذ أكثر من 50 ألف عام، وترك أدواته الحجرية الموستيرية Mousterian المميزة بين الصواعدStalagmites . وبعد ذلك جاء الإنسان الحديث Modern humans في موجتين على الأقل؛ الأول ملأ أرضية الكهف بالخرز والنصال الحجرية الملطخة بالمغرة (أكسيد الرصاص الأصفر)، منذ نحو 45 ألف عام. وبعدها استقرت مجموعة أخرى منذ نحو 36 ألف عام ذات مشغولات أكثر تطوراً.

حاليا، تُظهر دراسة جديدة للحمض النووي DNA أن المجموعة الأولى من البشر الحديثين في باتشو كيرو قد حملوا إرثًا حديثًا من النياندرتال: تزاوج أسلاف المجموعة الأولى بأبناء عمومتنا المنقرضين حتى وقت قريب بما يقارب ستة أجيال، أي إلى ما قبل 160 إلى 180 عام مضى.

ومع ذلك، أظهرت دراسة أخرى في الأسبوع الثاني من أبريل 2021، حول ما قد يكون أقدم إنسان حديث في أوروبا، أن الموجة الأولى من البشر الحديثين كان لها إرث Legacies متنوع تلقوه من النياندرتال. وتقترح الدراسة أن جينوم امرأة ذات بشرة داكنة وشعر بنيِّ وعينين بنيَّتيْن من كهف زلاتو كون Zlatý kůn في جمهورية التشيك يحتوي على 3% فقط من الحمض النووي للنياندرتال، والذي من المحتمل أنه نتيجة تزاوج قديم في الشرق الأوسط، ولم ينتقل عبر اتصال حديث.

وهذه اللمحات الجينومية مجتمعة، تقدم نظرة عن هويات البشر الغامضين الحديثين الذين وطأت أقدامهم لأول مرة في أوروبا وعلاقتهم بالنياندرتال الذين اختفوا منذ نحو 40 ألف عام.

يقول كريس سترينغر Chris Stringer ، عالم الأنثروبولوجيا القديمة من متحف التاريخ الطبيعي Natural History Museum في لندن: “إنك تتحدث عن موجات متعددة من البشر الحديثين”. اختلطت بعض المجموعات بالنياندرتال، وبعضها لم يختلط. ويرتبط بعضها بالبشر اللاحقين والبعض الآخر لا يتربط”.

تملأ الاكتشافات الجديدة قصة هذه اللقاءات القديمة، كما تقول ماتيجا هاجدينجاك Mateja Hajdinjak، باحثة ما بعد الدكتوراه من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية Max Planck Institute for Evolutionary Anthropology (اختصارا: المعهد MPI) ومؤلفة دراسة باتشو كيرو. تقول: “للمرة الأولى، نحصل على حمض نووي قديم من العديد من أوائل البشر الحديثين، وهو يخبرنا كثيرًا عن تفاعلاتهم مع بعضٍ آخر النياندرتال في أوروبا”.

بعد أن خرج الإنسان الحديث من إفريقيا منذ 60 ألف إلى 80 ألف عام، تزاوج مرة واحدة على الأقل بإنسان نياندرتال، على الأرجح في الشرق الأوسط منذ نحو 50 ألف عام، وفقًا لأبحاث سابقة للحمض النووي DNA. وتتضمن تلك الدراسات تحليلات لشخصين حديثين من أوراسيا Eurasia: عظم فخذ يبلغ من العمر 45 ألف عام لرجل من أوست إيشيم Ust’-Ishim في سيبيريا، وعظم فك شاب من كهف بيتستيرا كو أواسي Pets¸tera cu Oase في رومانيا، مؤرخ بين 37 ألف و42 ألف سنة. فقد ورث الشاب الأخير ما يصل إلى 6.4% من حمضه النوويDNA  من سلف النياندرتال الحديث. لكنه عاش خمسة آلاف سنة على الأقل بعد وصول الإنسان الحديث إلى أوروبا. وتقدم دراسات الأسبوع الثاني من أبريل لمحة وراثية عن وقت سابق، عندما دخل الإنسان الحديث لأول مرة في منطقة النياندرتال.

هاجدينجاك وسفانتي بابو Svante Pääbo، الاختصاصي بعلم الحفريات القديمة من المعهد MPI قد حللا الجينوم من كهف باتشو كيرو، واستخدم الباحثون في عام 2020 منهجا جديدا يعتمد على البروتين لإظهار أن شظايا العظام في الطبقة الوسطى من رواسب الكهف جاءت من الإنسان الحديث (Science, 15 May 2020, p. 697) . وفي الدراسة الجديدة سلْسَل Sequenced الباحثون الجينوم من شظايا ضرس وعظام من تلك الطبقة الوسطى وأرَّخوها مباشرة بنحو 42,580 حتى 45,930 سنة مضت. كما سلسلوا أيضًا الحمض النووي DNA من العظام الموجودة في طبقة أحدث، وأرَّخوها بنحو 35,000 عام. وكانت بقايا كلتا الطبقتين من البشر الحديثين، ولكن من مجموعات سكانية مختلفة، حسبما ذكروا في مجلة نيتشر Nature في الأسبوع الثاني من أبريل 2021.

والجينومات تبين أن أقدم ثلاثة بشر حديثين في كهف باتشو كيرو كانوا على قرابة بعيدة بهيكل عظمي جزئي عمره 40 ألف عام من تيانيوان Tianyuan في الصين، إضافة إلى غيرهم من سكان شرق آسيا القدامى والأمريكيين الأصليين. ويشير هذا إلى أنهم جميعًا ينحدرون من السكان الأوائل الذين انتشروا في وقت ما عبر أوراسيا، ولكن يبدو أن أحفادهم في أوروبا كانوا قد اندثروا. فقد نجت السلالة في آسيا؛ مما أدى لاحقًا إلى ظهور الأشخاص الذين هاجروا إلى أمريكا.

وهؤلاء البشر الحديثون قد ورثوا أيضًا 3% إلى 3.8% من حمضهم النووي DNA من أسلاف النياندرتال. وكانت قطع الحمض النووي DNA الموروثة من إنسان النياندرتال طويلة، مما يشير إلى أنها نشأت من تزاوج ستة أجيال فقط مبكرا قبل ذلك، لأنه مع كل جيل جديد، تؤدي إعادة التركيب Recombination إلى قطع سلاسل الحمض النووي إلى أجزاء أقصر. ويجب أن يكون هذا التزاوج مختلفًا عن ذلك الذي أعطى رجل أواسي Oase man الأصغر سنا إرثًا أكبر من النياندرتال. وتقول هاجدينجاك إن هذا: “يشير إلى أن مثل هذا التزاوج كان شائعًا”.

ووفقًا لورقة بحثية نُشرت في الأسبوع الثاني من أبريل 2021 في مجلة نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن Nature Ecology & Evolution ، والتي كتبها فريق بقيادة يوهانس كراوس Johannes Krause وكاي بروفر Kay Prüfer، الاختصاصِيَّيْن بعلم الحفريات من المعهد MPI، أن التحليل الجينومي لجمجمة الأنثى التي عُثر عليها في كهف زلاتو كوني (اسم الكهف يعني الحصان الذهبي في التشيكية)، بالقرب من براغ، يروي قصة مختلفة. إذ يقول كراوس إن الحمض النووي للنياندرتال جاء على الأرجح من أول تزاوج محلي معروف، بين النياندرتال وأسلاف جميع الأوراسيين الأحياء، عندما انتشر الإنسان الحديث خارجا من إفريقيا وانتقل إلى أوراسيا.

ولم يتمكن الباحثون من تحديد تاريخ الجمجمة التشيكية، والتي اكتشفت في خمسينات القرن العشرين، لأن غِراء الأبقار المستخدم لإصلاحها لوَّث العظام. لذلك لجأ كراوس وبروفر إلى منهج تأريخ ذكي يستخدم تزاوج الأجداد بالنياندرتال كمؤشر زمني Time marker. وخلصوا إلى أن قطع الحمض النووي للنياندرتال في جينوم جمجمة كهف زلاتو كوني تشير إلى أن المرأة ولدت فيما بين 60 إلى 80 جيلًا (نحو ألفين سنة) بعد أن تزاوج أسلافها بالنياندرتال. وورث الذكر السيبيري البالغ من العمر 45 ألف عام قطع الحمض النووي DNA الأقصر من نياندرتال بعد نحو 85 إلى 100 جيل بعد ذلك اللقاء نفسه. وهذا يشير إلى أن الأنثى التشيكية عاشت قبل الذكر السيبيري ويمكن أن يصل عمرها إلى 47 ألف عام – وهي أقدم إنسان حديث معروف في أوروبا، كما يقول كراوس.

المؤلفون يدافعون عن قضية “مقنعة” مفادها أن المرأة عاشت قبل 45 ألف عام على الأقل، كما يقول جون نوفمبر John Novembre، الاختصاصي بعلم الوراثة السكانية من جامعة شيكاغو University of Chicago.

وقد وجد فريق كراوس أيضًا أنه على عكس أفراد كهف باتشو كيرو، لم تكن جمجمة زلاتو كوني أقرب إلى الآسيويين القدامى من الأوروبيين القدامى. ويقول كراوس إن هذا يشير إلى أنها جاءت من مجموعة سكانية قديمة لم تتمايز Differentiated بعد وراثيًا بين الآسيويين والأوروبيين.

ويقترح نوفمبر أن الاختلافات في عدد المرات التي تزاوج فيها البشر الحديثون بالنياندرتال يمكن أن تعكس حجم السكان الصغير لكل مجموعة في ذلك الوقت. ويقع كهف زلاتو كوني فيما ربما كان الحافة الشمالية لإقليم النياندرتال، في حين كانت جبال البلقان البلغارية ملاذًا معروفًا من قبل النياندرتال أثناء فترة توجه الإنسان الحديث إلى أوروبا.

والبيانات الجديدة تبين أن جميع السلالات البشرية الحديثة قد اختفت مع العصر الجليدي الأخير، والذي وصل إلى ذروته منذ نحو 20 ألف عام. وبعد ذوبان الجليد سكن القارةَ الأوربيون بشر حديثون آخرون جاؤوا من أوراسيا. “خرجت مجموعات متعددة من أوراسيا، ولكن يبدو أن جزءًا بسيطًا فقط من هؤلاء البشر الحديثين الأوائل خلَّفوا ذرية”، كما يقول نوفمبر.

 

©2021, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى