أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الدماغالطب وصحةعلم الإنسانعلم الاجتماع

قمم الحياة السبع: لماذا يأتي كل عقد بقواه الخارقة

قد تعتقدون أننا في العشرينات أو الثلاثينات من العمر نكون قد بلغنا ذروتنا قبل أن نكابد تدهورًا بطيئًا، إلا أن كل فترة من حياتنا تجلب قوى جديدة - حتى الشيخوخة. إليك كيفية تحقيق أقصى استفادة منها

سواء على صفحة كتاب أم على المسرح أم على الشاشة، غالبًا ما تُقدّم قصة صحة الإنسان وسعادته على أنها منحنى حتمي بين الولادة والموت. ولعل من بين أفضل من عبر عن ذلك هو ويليام شكسبيرWilliam Shakespeare في خطابه الذي ألقاه «سبعة أعمار للإنسان»Seven ages of man . ندخل العالم «بالبكاء والتقيؤ» كطفل رضيع، مرورًا بحرج الطفولة والمراهقة، وصولا إلى عنفوان حالتنا الجسمية والذهنية، قبل التدهور البطيء. 

حتى وقت قريب، بدا أن العلم يؤكد هذا الرأي. فالعديد من القدرات يبدو أننا نصل إلى ذروتنا قبل منتصف العمر بكثير. لكن الآن صار من الواضح أن هذه الصورة مفرطة في التبسيط. فالطفولة والمراهقة قد يكونان أسرع فترات التطور، لكن أدمغتنا يمكن أن تتغير بطرق إيجابية طوال الحياة، مع استمرار تحسن بعض المهارات الإدراكية Cognitive skills المهمة في الخمسينات والستينات والسبعينات من العمر. ويقول دانيال رومرDaniel Romer ، الاختصاصي بعلم النفس من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania: «فكرة أن الدماغ قد نضج تمامًا في سن 25 هي مزحة».

كما أن لياقتنا البدنية لا ترتفع ببساطة وتصل إلى الذروة وتنخفض على منحنى. وبينما ذوو العشرين عامًا قد يفوزون بسباق سريع، فإن الأداء في العديد من الرياضات الأخرى يمكن أن يصل إلى أعلى مستوياته في وقت لاحق من الحياة. ناهيك عن عوامل مثل الرفاه العاطفي Emotional well-being والانضباط الذهنيMental discipline ، والتي ترتفع وتنخفض في أنماط غير متوقعة. وعلى الرغم من الحنين إلى مباهج الشباب، بالنسبة إلى معظمنا، فإن أسعد أيامنا لم تأتِ بعد.

ومن خلال تعلم التعرف على هذه الأنماط، يمكننا إيجاد طرق أفضل لتعزيز نمونا واغتنام الفرص المتاحة في كل مرحلة من مراحل الحياة. لذا، واعتمادًا على العلم، ما أعماركم السبعة؟ وكيف يمكنكم تحقيق أقصى استفادة منها؟

الطفولة فترة التفكير الأصيل والخيال

 إنه لأمر مؤسف أنه لا يمكننا تذكر سنواتنا القليلة الأولى. فمن العدد الهائل من التغييرات التي تطرأ على الجسم والدماغ، تشهد الطفولة المبكرة أكبر التحولات في حياتنا. نحن لا نتعلم المهارات الأساسية للبقاء فحسب – كيفية المشي وتناول الطعام – ولكن أيضًا اللغة وكيفية التعرف على ما يفكر فيه الآخرون ويشعرون به.

من الناحية العصبية، يتضمن الكثير من هذا التحول التعزيز المستمر للوصلات بين خلايا دماغية معينة وتشذيب الروابط غير الضرورية بين خلايا أخرى. فبالنسبة إلى بعض المناطق، مثل النظام البصري أو السمعي، يحدث هذا بسرعة خلال السنوات القليلة الأولى. وقد يفسر هذا سبب كون الطفولة فترة ذروة التعلم، خاصة المهارات الحسية مثل تطوير لكنة Accent أو إتقان نغمة Pitch موسيقية. وبالنسبة إلى مناطق الدماغ الأخرى، مثل قشرة الفص الجبهي Prefrontal cortex التي تشارك في المستويات الأعلى من التفكير واتخاذ القرار، فإن التشذيب العصبي Neural pruning يستمر ويقوى إلى ما بعد مراهقتنا.

قد ينشأ جزء كبير من تطور دماغ الطفولة كأسلوب من أساليب التعلم الإحصائي Statistical learning والذي يشبه المنهج العلمي: افتراض تنبؤات عن العالم، وتحديثها وفقًا للأدلة المكتسبة من الخبرة. وبجمع هذه المعلومات، سينجرف انتباه الطفل إلى أي شيء غير متوقع أو مفاجئ – وهو ما يفسر سبب فضوله الشديد بأدق التفاصيل. وبمرور الوقت، تساعدهم العملية على التعرف على الأشياء والأصوات ومعرفة معنى الكلمات المختلفة.

يمكن أن يساعد اللعب التخيلي Imaginative play في هذه العملية، خاصة عندما يبدأ الطفل باستكشاف التفكير المتطور Sophisticated thinking الذي يميز نوعنا البشري. فعلى سبيل المثال، ينخرط البشر في المنطق المُضادCounterfactual reasoning ، الذي يتضمن النظر في السيناريوهات الافتراضية المعقدة واستكشاف العواقب. ويبدو أن ألعاب التظاهر Playing pretend تدرب تلك القدرة. وكما أشارت أليسون غوبنيكAlison Gopnik ، الاختصاصية بعلم النفس التنموي في كتابها الطفل الفلسفي The Philosophical Baby، مقارنة بالبالغين يقضي الأطفال وقتًا طويلاً في العوالم الخيالية لشحذ تلك المهارات.


قد يفسر هذا سبب كون الطفولة فترة رئيسية للإبداع والخيال، إذ يسجل الصغار درجات عالية مقارنة بكبار السن في اختبارات أصالة التفكير Original thinking – التفكير في الاستخدامات غير المتوقعة لشيء ما مثل قرميد Brick، على سبيل المثال (يسجل المراهقون عمومًا درجات أعلى أيضًا).

وعندما يستوعب الطفل المزيد من الكلمات، فإن القدرة المتزايدة على سرد القصص ستؤثر أيضًا في قدرته على تذكر حياته؛ ويبدو أن ذاكرتنا الذاتية Autobiographical memory تنمو مع مهاراتنا اللغوية، وهو ما قد يفسر سبب ضبابية ذكرياتنا عن السنوات القليلة الأولى في أحسن الأحوال.

المراهقة ذروة الفضول والمخاطرة، والتي تجني ثمارها في وقت لاحق من الحياة

قد نعتقد أن المراهق صعب المراس Wayward teen هو اختراع حديث، لكن تلك الصورة النمطية يمكن تتبعها من الإغريق القدماء على أقل تقدير. فوفقًا لأرسطو Aristotle، الشباب يميلون إلى «المبالغة في كل شيء». وعلى نحو مماثل كانت لشكسبير وجهة نظر قاتمة: «ما كنت أود أن يكون هناك عمر بين العاشرة والثالثة والعشرين … لأنه لا يوجد شيء بينهما سوى الإساءة للطفل، ومخالفة الكبار، والسرقة، والقتل».

قد يبدو أن سن البلوغ – مع إطلاق جميع هذه الهرمونات الجنسية عبر الأوردة – هو السبب الأكثر وضوحًا لهذا السلوك الجامح والاندفاعي. فحتى وقت قريب، كان يُعتقد أيضًا أن المراهقين يخضعون لبعض التغيرات المميزة في الدماغ والتي تضعف من قدرتهم على التصرف بعقلانية. فالجهاز الطرفي (الحوفي) Limbic system للدماغ، والذي يتحكم في الدافع Motivation والمكافأة Reward، ينضج أسرع من قشرة الفص الجبهي، الضرورية للتفكير المنطقي وكبح السلوك. ونتيجة لذلك، كان يُعتقد أن للمراهقين أدمغة «غير متوازنة» Imbalanced مجبولة على اختبار العواطف التي لا يمكن السيطرة عليها، وبقدرة ضعيفة على كبح جماحهم حتى منتصف العشرينات من عمرهم، إلى أن تلتحق قشرة الفص الجبهي أخيرًا بالجهاز الطرفي. وحتى تلك اللحظة، أعتُقد أن المراهقين غير قادرين على اتخاذ قرارات جيدة – وهي فكرة لا تزال شائعة اليوم.

يرى رومر أن الوقت قد حان للتخلص من هذه القوالب النمطية. يقول «إنه تعميم فظ جداً». ويضيف، هناك في الواقع دليل محدود على أن معظم المراهقين لديهم عجز حاد في ضبط النفس.

صحيح أن القدرة على سلوك «السعي إلى تجربة الأحاسيس»  Sensation seeking – الرغبة في خبرات متنوعة وجديدة ومكثفة – تبلغ ذروتها بين سن 16 و19 عامًا، ما قد يفسر رغبة المراهقين في المخاطرة. ولكن رومر يعتقد أن العلماء يجب أن يركزوا أكثر على الفوائد العديدة لعفوية المراهقين وفضولهم عند محاولة شرح سلوكياتهم التي تنطوي على المخاطرة. يقول: «يستكشف المراهقون الأشياء ويجربونها…سيشتمل ذلك على قدرًا معينًا من المخاطر. إلا أنه عليك تجربة الأشياء لمعرفة ما إذا كانت ناجحة وقادرة على التكيف».

سواء كانت محاولاتهم لاستكشاف حياتهم العاطفية أم رغبتهم في السفر، فإن الدافع للبحث عن أحاسيس جديدة يساعد المراهقين على اكتساب ثروة من الخبرة تُمكّنهم الاستفادة منها في وقت لاحق من الحياة. ويساعد على ذلك السمة التي لا تحظى بالتقدير والتي تسمى «قابلية تحمل الغموض» Tolerance of ambiguity . فالمراهقون جيدون خصوصا في التعامل مع النتائج غير المؤكدة، وهذا هو السبب في أنهم قادرون على تبني مواقف جديدة بسهولة.

كما يتعين الأخذ بعين الاعتبار حاجة المراهقين إلى تأسيس أنفسهم اجتماعياً. فالشبكة الاجتماعية المستقرة ضرورية لرفاهيتنا كبالغين. ووفقًا لبعض الباحثين، قد يفسر هذا سبب حرص المراهقين على تجنب عدم القبول وأنهم أكثر عرضة لضغط الأقران Peer pressure، حتى ولو كان ذلك ينطوي على التصرف بتهور. قد يحسبون ببساطة أن المخاطر تستحق العناء نظرًا لإمكانية تعزيز العلاقات، وهو ليس بالضرورة قرارًا غير عقلاني إذا كان هدفك هو إنشاء دائرة صداقة آمنة.

العشرينات الأعوام السريعة، لكن هل هي حقا الأسعد؟

بالنسبة إلى العديد من الأشخاص، فإن العقد الثالث هو أكثر فترات حياتهم إثارة، عندما ينطلقون في العالم الأوسع، فغالبًا ما يؤسسون حياتهم المهنية ويلتقون بشريك حياتهم. ولا عجب، إذا نظرنا إلى الوراء من سن الشيخوخة، فإن معظم الناس لديهم ذكريات عن أوائل العشرينات أكثر ثراءً ، مقارنة بأي عَقد آخر – وهذه ظاهرة تسمى «عثرة التذكر»Reminiscence bump .

 من المثير للاهتمام، أن الذكريات داخل عثرة التذكر تكاد تكون إيجابية عالميًا. ربما لأنها تقدم سردًا أكثر إرضاءً لهذا العَقد المحدد، فنحن نفضل أن نتذكر الأحداث الأكثر سعادة، بينما نميل إلى نسيان الضغوط. في الواقع، أنتم أقل سعادة في العشرينات من العمر مقارنة بالمراهقة أو الشيخوخة. غالبًا ما يكون الحنين إلى الماضي غير ضار، لكن قد يكون من المفيد خلع تلك النظارات ذات الألوان الوردية والتشكيك في بعض الافتراضات حول تلك السنوات الرئيسية. من الشائع على أية حال، أن نفترض أن العشرينات من عمركم كانت هي أساسكم البدني والعقلي، مما يشير إلى أن بقية حياتكم هي تدهور حتمي. ولكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.


ضع في اعتبارك لياقتك. صحيح أن السباحين المتميزين يصلون عادةً إلى ذروة الأداء في العشرينات، ويميل العداؤون إلى فعل الشيء نفسه في عمر 24 إلى 26 عامًا – وبعد ذلك غالبًا ما يكون هناك انخفاض مطرد في الأداء في هذه الرياضات. وهذا نتيجة التغيرات البيولوجية، مثل فقدان بعض الألياف العضلية «سريعة الانقباض»Fast twitch ، والتي تخلق دفعات مفاجئة من الطاقة اللازمة للسرعة العالية والقوة الهائلة.

 

بالنسبة إلى العدائين المحترفين، سرعان ما يخلق هذا حاجزًا لا يمكن التغلب عليه. يقول جينارو بوتشيا Gennaro Boccia من جامعة تورين University of Turin بإيطاليا، والذي درس مؤخرًا التغيرات المرتبطة بالعمر في أداء أفضل الرياضيين الإيطاليين: «على هذا المستوى، حتى انخفاض بنسبة 0.5%في الأداء العام يمكن أن يعيقك». لكن مثل هذه التأثيرات عموماً غير مهمة بالنسبة إلى بقيتنا في محاولاتنا اليومية للبقاء لائقين ونشطين. وحسب تقديرات بوتشيا «في عموم السكان، لا نشاهد انخفاض أدائنا إلا بعد الأربعينات».

بالمثل، مسار الدماغ بعد العشرينات معقد ولا يمثل تدهورًا بسيطًا. ففي سلسلة من التجارب، اختبرت لورا جيرمين Laura Germine، من كلية طب جامعة هارفارد Harvard Medical School عشرات الآلاف من الأشخاص لفحص الاختلافات في القدرات الإدراكية بين الفئات العمرية. وأكدت النتائج التي توصلت إليها أن الأفراد في العشرينات يبدو أنهم يتمتعون بأفضلية في قياس وقت ردة الفعل والقدرة على حل المشكلات الجديدة بسرعة. ومع ذلك، فإن العديد من المهارات المهمة – بما في ذلك سعة الذاكرة العاملةWorking memory ، والتعرف على الوجوه، وإدراك العواطف والقدرة على الحفاظ على التركيز – تصل إلى ذروتها في وقت لاحق من الحياة.

الثلاثينات عندما تعوض قوى التحمل العظمى أي خسارة في السرعة

 إذا كانت العشرينات من عمرك محددة بالسرعة – الجسدية والنفسية – فإن الثلاثينات من العمر قد تعتبر عَقد التحمل.

يتجلى ذلك في ذروة أداء رياضيي المسافات الطويلة Long-distance athletes. فبالنسبة إلى عدائي الماراثون من الذكور، يبدو أن العمر المثالي هو 31 عامًا. وبالنسبة إلى السيدات، فإنه أقل من ذلك بقليل، 27 عامًا، وعلى الرغم من أن أبطال من مثل باولا رادكليف  Paula Radcliffe استمروا بالفوز حتى منتصف الثلاثينات من العمر. وفي الوقت نفسه، يبلغ سن الذروة في سباق ألتراماراثون  Ultramarathon لمسافة 100 ميل 37 عامًا للرجال و38 عامًا للنساء.

لماذا يكون ذلك؟ لن يكون لفقدان ألياف العضلات سريعة الانقباض تأثير يذكر في الرياضات التي تعتمد على القدرة على التحمل. ولكن الأشخاص في الثلاثينات من العمر يواجهون انخفاضًا في السعة الهوائية Aerobic capacity – كفاءة الجسم في توصيل الأكسجين إلى العضلات – مما قد يقلل من الأداء. ومع ذلك، قد تجلب سنوات الخبرة الإضافية ميزتي تحسين التنظيم والتخطيط العاطفيين، ويمكن أن تساعد هذه السنوات الرياضيين على تحسين أنفسهم عبر منافسات التحمل والتعامل مع الإجهاد والإرهاق الحتميين. وهذا يمكن أن يعوض المراحل المبكرة من التدهور الفسيولوجي، وخلق مستوى أداء مناسب في الثلاثينات من عمر الرياضي.

وكما أن الدماغ يتقدم بخطوات ثابتة على مقياس مهم للقدرة الإدراكية. فقد اكتشفت جيرمين أن الأداء في بعض مهام الذاكرة العاملة – مثل القدرة على الاحتفاظ بمعلومات متعددة وأخذها بعين الاعتبار في وقت واحد – يبلغ ذروته في أوائل الثلاثينات من العمر. وليس من الصعب معرفة كيف يمكن أن يكون هذا مفيدًا، حيث تبدأ متطلبات المنزل والعمل بالظهور على مدار العَقد.

بالتأكيد، بحلول هذه الفترة، تكون سرعة المعالجة الذهنية Mental processing لدينا أبطأ قليلاً، لكن هذه الخسارة هي مقايضة صغيرة للعديد من القدرات الأخرى التي نكتسبها مع تقدمنا  في العمر. وكما تقول جيرمين: «ربما لا تكون بالسرعة التي كنت عليها عندما كان عمرك عشرين عامًا، لكنك لست في حاجة إلى هذه السرعة عندما تؤدي الأمور التي تخصصت فيها بالفعل».

الأربعينات ذروة الذكاء العاطفي والقدرة على التركيز

قيل إن الممثلة والمغنية دوريس داي Doris Day قالت ساخرة: «الشيء المخيف حقًا في منتصف العمر هو أنك تعلم أنك ستجتازه». قد نحاول بشجاعة أن ندعي أن الحياة تبدأ في سن الأربعين – ولكن بالنسبة إلى العديد من الناس، يمكن أن تشعر وكأنها بداية النهاية.

لم يكن منتصف العمر دائمًا يُرى بهذه الطريقة. ففي لوحات عصر النهضة التي تصور مراحل الحياة، غالبًا ما ترى هذا العَقد وهو يرمز إليه على أنه أسد، علامة على الشجاعة والقوة. وليس من الواضح لماذا لدينا وجهة نظر أكثر سلبية اليوم، لكن مارجي لاكمانMargie Lachman ، مديرة مختبر التطوير مدى الحياة من جامعة برانديز Brandeis University في ماساتشوستس، تشير إلى أنه قد يكون مرتبطًا بالضغوط التي تبدأ بالتراكم في الثلاثينات من العمر، وتقول: «منتصف العمر هي فترة من التوتر الشديد اليوم، أكثر مما كانت عليه في الماضي…شخص ما هو فعليا في منتصف حياته الوظيفية والأسرية. يمكن أن يؤثر ذلك في قدرته على التركيز على رفاهيته».

مع ذلك، هناك العديد من الأسباب للشعور بالإيجابية تجاه هذه الفترة المحورية. وتضمنت دراسات جيرمين، على سبيل المثال، الاختبار الشهير «قراءة العقل من العينين» Mind in the eyes، والذي يجعل الأشخاص يستنتجون الحالات العاطفية من الاختلافات الصغيرة في تعابير الوجه. ووجدت أن الأشخاص في أواخر الأربعينات من العمر سجلوا أعلى الدرجات. وتقترح جيرمين أن هذا قد يكون بسبب الممارسة. «عندما تفكر في مقدار الفروقات الاجتماعية الدقيقة التي يجب أن يتعلمها المرء طوال حياته – هذا هو المكان الذي نعتقد أنه ينبع منه».

وجدت جيرمين أنماطًا مماثلة في مهمة تتطلب اهتمامًا مستمرًا. في مثل هذه المهام، كان على المشاركين مشاهدة مشاهد مختلفة تخبو Fade في بعضها البعض وتكييف استجابتهم وفقًا لما رأوه – الكبس على زر المسافة Space bar عند رؤية مدينة والعكس عند رؤية جبل. وعلى الرغم من الجهد (والملل المحتمل) لهذه المهمة، وجد مَنْ هم في الأربعينات أنه من الأسهل بكثير «التركيز» على مثل هذه المهام مقارنة بالأشخاص الأصغر سنًا.

 في مجتمعات الصيد وجمع الثمار Hunter-gatherer التقليدية فمن المثير للاهتمام ملاحظة أن الأشخاص في منتصف العمر يجلبون في كثير من الأحيان معظم الإمدادات. ووفقًا لدراسات أنثروبولوجية مختلفة، غالبًا ما يستغرق الصيادون وجامعو الثمار عقودًا لتعلم مهاراتهم، وتستمر هذه القدرات بالنمو حتى الأربعينات من العمر.

 بالطبع، هناك بعض السلبيات في هذا العمر. فبشرتنا تميل إلى فقدان بعض مرونتها وتبدأ دهون الجسم بإعادة التوزيع حول منطقة البطن. ولكن بعد انخفاض في الرضا عن الحياة، فإن السعادة سترتفع بالفعل في نهاية هذا العَقد وبداية العَقد التالي.

 وعلى عكس الرأي السائد، يبدو أن البشر قد تطوروا ليزدهروا إلى منتصف العمر وما بعده.

الخمسينات والستينات جني ثمار ذكائك المشحوذ

ما لم تكن محظوظا حقا، سيبدأ جسمك بالتباطؤ بحلول الخمسينات والستينات من العمر. لكن هذا ليس سببًا للتوقف عن الاهتمام بصحتك. ويظهر عدد متزايد من الدراسات أن موقفنا النفسي وأسلوب حياتنا الجسدي لهما عواقب فيما يلي من حياتنا. وتقول لاكمان: «إلى حد كبير، الطريقة التي يتقدم بها المرء في العمر هي في يده».

لم يروج العلماء دائمًا لفوائد التمرين فيما يلي من الحياة. فبافتراض أن هذا كان وقت اضمحلال حتمي، فقد درجت العادة على حثّ الناس على تقبِّل الأمر ببساطة. وتقول لاكمان: «لقد اعتدنا على الاعتقاد بأن التمرينات الرياضية الشديدة ستكون خطرة على كبار السن، وأنهم قد يعانون نوبةً قلبية أو يتعرضون للسقوط أو لكسر في العظام».

 ساعد بحث لاكمان نفسه على تغيير هذه الآراء. ففي منتصف التسعينات، بدأ فريقها بمتابعة أكثر من 3 آلاف شخص تتراوح أعمارهم بين 32 و84 عامًا. وعلى مدار عَقد من الزمن، قيست الصحة العامة للمشاركين، إضافة إلى ثلاثة عوامل وقائية محتملة: نشاطهم البدني، ودعمهم الاجتماعي، وإحساسهم بالسيطرة على حياتهم.

فيما يتعلق بالصحة، وجدت لاكمان أن أولئك الذين في الخمسينات والستينات من العمر والذين سجلوا نتائج جيدة في هذه العوامل الثلاثة بدوا في الدراسة أكثر شبهاً بأولئك الذين كانوا في الثلاثينات إلى الأربعينات من عمرهم أكثر من الأشخاص من الأعمار نفسها.

إمكانية التدخلات العلاجية واضحة. تقول لاكمان: «يمكن أن يكون تشجيع التمارين الجماعية أو مشاركة نجاحات التمرين مع الأصدقاء والعائلة وسيلة لزيادة النشاط والدعم الاجتماعي، وكلاهما مفيد للصحة». وفي الوقت نفسه، قد يساعد العلاج بالكلام Talking therapies على تغيير شعور الناس بالسيطرة، وتشجيعهم على رؤية إمكانية إحداث تغيير إيجابي في حياتهم.

يمكننا أن نكون استباقيين كذلك فيما يتعلق بوظائفنا الإدراكية. وفقًا لدراسات جيرمين، فإن قياسات «الذكاء المشحوذ» Crystallised intelligence – المعرفة والحقائق والمهارات التي نراكمها خلال الحياة، مثل حجم المفردات – تبلغ ذروتها في الخمسينات والستينات من العمر. وهذا يجب أن يمنحك قوة تعبيرية أكبر من أولئك الذين هم في العشرينات أو الثلاثينات من العمر. وقد يكون تراكم المعرفة هذا مسؤولًا أيضًا عن بعض انخفاض في سرعة معالجة كبار السن المقاسة في الاختبارات الإدراكية. لكن، عند استدعاء المعلومات، يستغرق الأمر وقتًا أطول، عندما يكون لديك المزيد من المعلومات للتدقيق فيها.

قد تواجه بالطبع اللحظات الغريبة للنسيان. ولكن البحث الذي أجرته داينا تورون  Dayna Touron، من جامعة نورث كاروليناUniversity of North Carolina  في غرينسبورو، يشير إلى أن كبار السن متشائمون جدا بخصوص حالة ذاكرتهم، مما قد يثنيهم عن استعمال عقولهم دون داع. فعند القيادة، على سبيل المثال، قد يستخدمون نظام تحديد المواقع العالمي GPS خوفًا من نسيان الاتجاهات؛ ومع ذلك يمكنهم غالبًا تذكر المسار الصحيح عند الضغط عليهم.

هذه العادة، التي تسمى تجنب الذاكرةMemory avoidance ، يمكن أن تتراجع بسرعة، لذلك فمن الأهمية عدم السماح للأحكام المتشائمة أن تكون نبوءة تحقق ذاتها. ومن الجيد أنه يوجد الآن الكثير من الأدلة على أن الأشخاص الذين يستمرون بتعلم مهارات جديدة وصعبة يميلون إلى الحفاظ على أدمغة أكثر صحة في وقت لاحق من حياتهم. ويمكن أن يكون ذلك هو تعلم لغة أوعزف آلة موسيقية أو حرفة مثل خياطة اللحف Quilting – أي شيء معقد بما يكفي لإرهاق عقلك.

الحال مع أدمغتنا كما هي حقا مع أجسامنا، استخدمها أو ستفقدها.

 السبعينات وما بعدها وقت الذروة للمنطق الحكيم واتخاذ أفضل القرارات

 إذا كنت تريد أن تظل بصحة جيدة، باستمرار، فتحدي النشاط Challenging activity ضروري في السبعينات من العمر وما بعدها. تقول لاكمان: «لم يفت الأوان بعد لإجراء بعض التغييرات». فعلى سبيل المثال، خلصت إحدى الدراسات، إلى أن برنامجًا لتدريبات القوة Strength training أدى إلى تحسين حركة Mobility الأشخاص في التسعينات من العمر. في الوقت نفسه، يجب أن تقدر الحكمة التي تراكمت خلال حياتك وتحاول استخدامها جيدا.

قد يبدو هذا كأنه كلام مستهلك Cliché، ولكن إيغور غروسمانIgor Grossmann ، من جامعة واترلوUniversity of Waterloo في كندا، صمم اختبارات تقيس عناصر مختلفة من «المنطق الحكيم»Wise reasoning ، وتكشف عن التغيرات المرتبطة بالعمر. ففي اختبار نموذجي، يُعرض على المشاركين نص يصف النزاع – سواء كان شخصيًا أم سياسيًا – ويطلب إليهم مناقشة النتائج المحتملة. وبعد ذلك تُقيَّم إجاباتهم وفقا لصفات مثل التواضع الفكري Intellectual humility (القدرة على الاعتراف بما لا نعرفه)، والقدرة على تبني العديد من وجهات النظر، والقدرة على إيجاد حل وسط. ويُعتقد أن هذه السمات معًا تمثل المفهوم العام للحكمة الذي روج له الفلاسفة على مر العصور.

 اكتشف غروسمان أن درجات المنطق الحكيم للناس غالبًا ما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقياسات مختلفة للرضا عن الحياة ونوعية العلاقات الاجتماعية للناس، عن القياسات التقليدية للقدرة الإدراكية مثل معدل الذكاء IQ. ويبدو أن كبار السن يتفوقون في هذه الاختبارات مقارنة بالمشاركين الأصغر سنًا أو في منتصف العمر. ويبدو أن الجودة الشاملة لعملية اتخاذ القرار لدينا تزداد باطّراد طوال الحياة.

توضح قدراتنا الرائعة في جميع الأعمار السبعة للحياة أنه لا توجد فترة رئيسية واحدة: يمكن اعتبار كل عَقد عصرًا ذهبيًا بشكل أو بآخر. من لحظة دخولنا إلى هذا العالم إلى خروجنا منه، البشر لديهم إمكانيات عظيمة

بقلم:   ديفيد روبسون

ترجمة: تامر صلاح

© 2021, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى