أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةعلم المناخ

عدم التوازن العالمي بين النتروجين والفوسفور

النمو الأسّي لعدد السكان وأنشطتهم يسرع التغيُّرات العالمية، من المناخ، إلى استخدامات الأراضي Land use، إلى فقد الأنواع Loss of species. فالارتفاع في تركيزات غازات الدفيئة Greenhouse gases في الجو -خصوصا غاز ثاني أكسيد الكربون CO2 الناتج من حرق الوقود الأحفوري- هو الدافع الأكثر شهرة للتغير العالمي.1 وانبعاثات غازات الدفيئة التي تشمل أيضا الميثان CH4 وأول أكسيد النتروجين N2O تزيد من الاحترار العالمي Global warming، وتكرار حوادث الطقس المتطرفة وشدتها، مثل موجات الجفاف والفيضانات. ولاستخدامات الأراضي والتلوث أيضاً تأثيرات رئيسية في مستقبل الأرض.1 ومن بين هذه التغييرات البشرية Anthropogenic المستمرة، فإننا أقل إدراكا لعدم توازن مغذيات الغلاف الحيوي Biospheric nutrient imbalance النتروجين N والفوسفور P، وهو أمر يستحق اهتماماً أكبر.

في عام 2003 أشارت دراسة رائدة قام بها كل من سترنر Sterner وإلسر Elser إلى أن النسبة المائية للنيتروجين/الفسفور Aquatic N/P ratio (اختصارا: النسبة (P/N تُحدِّد بنية مجتمعات البلانكتون (العوالق) Plankton ووظيفتها في البحيرات.2 فعندما تكون تركيزات  NوP غير محدودة، يعتمد معدَل تخليق البلانكتون للبروتين Protein synthesis في أغلبه على كمية الحمض النووي الريبوزي RNA الغني بالفسفور الذي تنتجه المُتعضِّيات، ولذا يتناسب عكسيا مع النسبة P/N الخليوية. لذا ترتبط النسب المنخفضة من P/N بتخليق أسرع للبروتين، ومعدلات نمو أعلى للبلانكتون.2 فلهذه العلاقة العكسية نتائج عديدة على بنية الأنظمة الايكولوجية ووظيفتها، كما تم توثيقه في جميع الأنظمة الايكولوجية.

لقد غيَرت الأنشطة البشرية النسبة P/N في المياه والتربة والعضويات تغييرا كبيرا على مدى العقود الخمسة السابقة. وأدت الزيادة الأسرع في إدخالات البشر للنيتروجين الفعَال Reactive N إلى الغلاف الحيوي نسبة إلى مدخلات Inputs الفسفور إلى زيادة النسبة P/N العالمية. وتأتي المصادر البشرية الرئيسة للنيتروجين الفعّال من الأنواع المختلفة من أكاسيد النتروجين الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري، وزراعة المحاصيل التي تثبَت النتروجين N-fi xing crops، واستخدام الأسمدة الغنية بالنتروجين، ومياه الصرف المتسربة منها إلى الممرات المائية. وعلى الرغم من أن الأنشطة البشرية زادت من كميات الفوسفور في التربة والمياه- استخدام الأسمدة الغنية بالفوسفور والمنظفات، على سبيل المثال – إلا أن الزيادة الكلية من مدخلات الفوسفور أقل بكثير من النتروجين. وأدت هذه الزيادات في مدخلات الفوسفور والنتروجين إلى فرط المغذيات (التخثّث) Eutrophication في المياه والتربة. وقد نفَذت بعض الدول استراتيجيات معالجة مياه لخفض تراكيز النتروجين والفسفور. ولكن التقنية التي استخدمت في محطات المعالجة هذه تزيل كمية أكبر من الفوسفور نسبة إلى لنتروجين، ومن ثم تزيد عن غير قصد من النسبة P/N.4 وازدادت النسبة P/N في العالم من المدخلات البشرية من 19:1 وفقا لأساس المولي Molar basis في ثمانينات  القرن العشرين إلى 30:1 عام 2020.3 ويؤدي تفاعل النسبة P/N هذه في المياه والتربة والمُتعضِّيات (الكائنات الحية) Organisms مع دوافع التغير في العالم كالاحترار، وزيادة تراكيز CO2 في الجو، إلى زيادة النسبة P/N في بعض الكتل الحيوية Biomes.5

حاليا، النسبة P/N العالمية من المدخلات البشرية أعلى من متوسطها في الأنظمة الايكولوجية الرئيسة كالتربة (حتى 22:1) والدبال Humus (حتى 17:1) ومياه المحيطات (حتى 16:1) والنباتات البرية (حتى 30:1) والبلانكتون (حتى 16:1). وقد يكون عدم التوازن على مستوى المناطق المحلية أكبر من المستوى العالمي لأن مدخلات النتروجين والفوسفور لا تتوزع بالتساوي حول العالم، ولأن للنتروجين والفوسفور سرعات انتقال مختلفة في البيئة. فالفوسفور أقل ذوبانا في الماء وأقل تبخراً، وغالباً ما تمتزه Adsorb التربة أو يترسب عليها كأملاح معدنية ويدفَن في الرسوبيات، ومن ثم يبقى قريباً من مصدر إطلاقه. في المقابل، فإن النتروجين أكثر ذوبانا بالماء وأكثر تطايراً، ومن ثم يميل إلى الانتشار على مسافات أبعد من مصدر إطلاقه.3

التأثيرات البيولوجية لازدياد عدم توازن النسبة P/N لوحظت مسبقاً وسجلت في المجتمعات المغذية Trophic في عدد من مسطحات المياه القارية، وفي بنية مجتمعات التربة ووظيفتها، وفي تركيب الأصناف للمجتمعات النباتية. وسيستمر تأثير عدم التوازن بالازدياد مع استمرار عدم التوازن في الاتجاه نفسه.

لازدياد عدم توازن النسبة P/N عواقب وخيمة ليس على الأنظمة الايكولوجية الطبيعية فقط، ولكن على المجتمعات البشرية أيضاً، لأن إنتاج المحاصيل والأمن الغذائي سيتأثران به. والموارد اللازمة لتصحيح عدم التوازن هذا على المستوى المحلي قد توسع الفجوة الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة. وتنتج الأسمدة التي تحتوي على النتروجين من مصدر غير محدود – الجو – إذ يستخلص النتروجين منه من خلال تفاعل هابر-بوش Bosh-Haber. وسمح هذا الابتكار بزيادة مستمرة في انتاج الأسمدة النتروجينية واستخدامها منذ خمسينات القرن العشرين.10 بالمقارنة، بقيت مصادر الفوسفور محدودة بالمناجم التي تتركز في عدد قليل من الدول كالمغرب.9 لذا، قد يصير الفوسفور في النهاية غير متاح اقتصادياً بالنسبة إلى الدول ذات الدخل المنخفض والفقيرة بالغذاء مع استنفاد هذه الموارد. ومن المحتمل أن تلجأ الدول المنتجة للفوسفور في المستقبل إلى إدارة احتياطاتها لتعظيم الربح لكل من صناعة التعدين و الزراعة لديها، مما سيجعل الأسمدة الفوسفاتية غير متاحة للمزارعين في الدول الأشد فقراً،9 ويزيد من عدم توازن النسبة P/N في مناطق تكون هذه المشكلة فيها الأشد.

يمكن لعدم توازن النسبة P/N في التربة أن يغيِّر التركيب الكيميائي للمحاصيل، مما يؤثر سلباً في الصحة العامة. وعلى سبيل المثال، يتراكم الفوسفور في التربة والمياه وتتناقص النسبة P/N نتيجة الاستخدام المفرط للأسمدة الفوسفاتية العضوية وغير العضوية.3 ويمكـن أن يسبب الغذاء المنتج في تلك البيئات إلى زيادة استهلاك الفوسفور من قبل السكان المحليين مما يكون له تأثير سلبي في صحتهم.11 ويمكن لعدم التوازن بين الفوسفور والنتروجين في العالم أن يؤثر في العديد من الأمراض البشرية المعدية وغير المعدية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتغذية مثل مرض الاضطرابات الهضمية Coeliac disease.12

إضافة إلى عدم التوازن الملحوظ في النسبة P/N، تولَد الأنشطة البشرية أيضاً عدم توازن بين عناصر أخرى. على سبيل المثال، لوحظت تغيرات في نسب الكربون C والنتروجين N إلى الحديد والزنك والكالسيوم والبوتاسيوم -من بين عناصر أخرى- في أنسجة النباتات.12 ربما دفع ازدياد تركيز CO2 في الجو إلى زيادة تركيز الكربون C في النباتات، ومن ثم طورت هذه الزيادة مركبات تُخفِّض من تراكيز العناصر الأخرى هذه.12 ويقود هذا بشكل غير مباشر إلى إزاحة التركيب العنصري (Elementome) في المُتعضّيات والمجتمعات والأنظمة الإيكولوجية بكاملها بسبب عدم التوازن في المدخلات البشرية إلى الغلاف الحيوي من الكربون C والنتروجين N، وذلك نسبة إلى الفسفور P وعناصر أخرى، طوال العقود القليلة الماضية. ومن المحتمل أن تتفاقم المشكلة في العقود القادمة.

حان الوقت لوكالات البيئة الوطنية والعالمية، ولصنَاع القرار لإدراك المخاطر المتعلقة بعدم توازن النسبة P/N، وعدم توازنات أخرى موازية في نسب العناصر بالنسبة إلى الغلاف الحيوي والبشرية. ويجب على وكالات البيئة العالمية وصُناع القرار أن يعالجا المشكلة من خلال سياسات عالمية مُنسَّقة. فالرصد والتجارب والنظرية والنمذجة على عدة مستويات زمنية ومكانية لعدم توازن المغذيات البشرية وتأثيراتها في الطبيعة والإنسان ضرورية لتقديم حلول ممكنة والتنبؤ بالخلل وتقويمه. ومن بين هذه الحلول الممكنة زيادة كفاءة استخدام النتروجين والفوسفور وتدويرهما – على سبيل المثال، من خلال الزراعة الدقيقة Precision agriculture لتجنب إساءة استخدام الأسمدة، ولزيادة حصول النبات على مصادر الفوسفور، واستخدام تقنيات مبتكرة في الإدارة والتكنولوجيا الحيوية لتحسين كفاءة استخدام المغذيات، وتقديم حوافز ودعوم لعملية تدوير الفوسفور، من خلال القوانين والوسائل التشريعية على المستوى الإداري الوطني أو الإقليمي، أو تخفيض إنتاج الماشية – وهو ما اقترح كأفضل مقاربة فعالة لمنع النسب P/N غير المتوازنة لإنتاج الغذاء وتقليل المشكلات البيئية المتعلقة ب N و P. فهذا البحث سيقرر ما إذا ستتعين إضافة عدم توازن المغذيات التي يجب أن تُعالج على مستوى الكوكب بدلاً من معالجة النيتروجين أو الفسفور منفصلين.14

Acknowledgments

Our research is supported by the Spanish Government (grants PID2019-110521GB-I00 and PID2020115770RB-I), Fundación Ramon Areces (grant ELEMENTAL-CLIMATE), Catalan Government (grants SGR 2017-1005 and AGAUR- 2020PANDE00117), and European Research Council (Synergy grant ERC-SyG-2013-610028, IMBALANCE-P).

©2022, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

بقلم: جوزيف بينويلاس – جوردي ساردانس

ترجمة: د. سعد الدين خرفان

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى