أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
العلوم البيئيةتحليل

ارتفاع مستوى سطح البحر قد يؤدي إلى غرق ريو وجاكرتا بحلول عام 2100؛ ماذا عسانا أن نفعل؟

ستحمي الحلول الهندسية الذكية مثل «المحركات الرملية» والشعاب المرجانية الاصطناعية سواحلنا لفترة من الزمن. لكن في كثير من الأماكن، بدأت بالفعل محادثات حول الانسحاب المنظم من بعض الأراضي

ترعرعت أمينات شاونا AMINATH SHAUNA في أدو أتول Addu Atoll؛ وهي مجموعة صغيرة من الجزر بالمالديف Maldives، تنتشر قراها ومنتجعاتها الشاطئية حول بحيرة مركزية. فعند النظر إليها من الأعلى، تبدو مستقرة كالأثر الذي يتركه فنجان قهوة أسفل منه.
عندما يتعلق الأمر بخطر ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب الاحترار العالمي Global warming، فإن الجزر المنخفضة مثل جزر المالديف -التي تؤوي نصف مليون إنسان يعيشون فوق المحيط الهندي بمتر واحد فقط- هي المناطق الأولى تأثرا. وتقول أمينات وهي الآن في الثلاثينات من عمرها: «واحدة من أبكر ذكرياتي هي لموجة مد كبرى أدت إلى سقوط شجرة فاكهة الخبز Breadfruit tree الكبيرة أمام منزلنا مباشرةً، هذه هي الظروف التي نشأت فيها».

ارتفاع سطح البحر بخمسة أمتار بحلول عام 2150 كارثة لا يمكن تخيلها

 

لكن الجميع سيشعر بالآثار المترتبة على ارتفاع منسوب مياه البحار على نطاق أوسع بكثير. وفي أسوأ السيناريوهات قد يرتفع متوسط مستوى سطح البحر بنحو 2.5 متر هذا القرن. إن ارتفاع مستوى البحر بجزء بسيط جداً من هذه النسبة يعد أمراً كارثياً. فعلى الصعيد العالمي، يعيش أكثر من ربع بليون شخص على ارتفاع أقل من مترين فوق مستوى سطح البحر، بمن في ذلك سكان مدن مثل جاكرتا وريو دي جانيرو وميامي.
تعي أمينات هذا جيداً. فهي وزيرة البيئة والتغير المناخي بجزر المالديف، وجزء من مجتمع السياسيين والعلماء الذين يحاولون التعامل مع الارتفاع المتزايد والسريع في مستويات سطح البحر، والنظر فيما إذا كان من الممكن إبطاء هذه العملية، وما يعنيه هذا الأمر بالنسبة إلينا جميعاً. ففي بعض الأماكن، فإن الطرق الجديدة قد تمنحنا لكبح ارتفاع مستوى سطح البحر بعضا من الوقت لبضعة عقود. لكن في أماكن أخرى، لن يكون هذا ممكنا. إننا نواجه كارثة تتطور ببطء؛ لذا نحن بحاجة إلى تغيير جذري في طريقة تفكيرنا حتى نستطيع التعامل معها بفعالية.
تقريباً، توجد مياه الأرض بالكامل في المحيطات أو على القمم الجليدية القطبية. والتوازن بين مياه البحر المتبخرة والجليد المذاب العائد إلى المحيطات كسائل يحدِّد مستويات البحر. فإذا تساوت نسب التبخر والذوبان، فكل شيء سيكون على ما يرام. لكن، طبقاً لعالم الجليد سريدار أناندا كريشنان Sridhar Anandakrishnan الباحث بجامعة ولاية بنسلفانيا Pennsylvania State University: «مع زيادة احترار المناخ، تزداد نسبة التبخر وتساقط الثلوج بنسبة قليلة جداً، ولكن كمية المياه التي تعود إلى المحيطات مجددا ترتفع ارتفاعا أكبر بكثير».
وبهذه الطريقة، يرتفع مستوى سطح البحر، لكن الوضع ليس ببساطة ملء حوض الاستحمام. فليست لدينا معادلة واحدة تحدد مقدار الحرارة التي تتسبب في رفع مستويات سطح البحر؛ فهناك عدة عوامل أخرى. فالمياه الدافئة تتمدد Expand، مما يؤدي إلى ارتفاع المستويات حتى من دون ذوبان الثلج. أو قد ينخفض قاع البحر مع انسياب المزيد من المياه إلى المحيطات، مما يقلل من تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر. وقد يكون للجاذبية الأرضية الضعيفة التي تسحب الغطاء الجليدي المذاب تأثير أيضاً، وكذلك التأثيرات الإقليمية للرياح السائدة ودوامات التيارات المحيطية.
ليس من السهل حتى معرفة كيف تغيرت مستويات سطح البحر منذ الماضي البعيد، فالأمر مختلف من مكان إلى آخر، وحتى وقت قريب جداً، لم تكن هناك عينات جيولوجية كافية لتوثيق مستويات سطح البحر السابقة من أماكن متنوعة حول العالم. ففي عام 2016 جمع فريق -بقيادة روبرت كوب Robert Koppمن جامعة روتجرز Rutgers University في نيوجيرسي- قاعدة بيانات للمؤشرات التي تخبرنا بالكثير عن مستويات سطح البحر على مدى 3000 سنة الماضية في 24 موقعا مختلفاً، كما استخدموا الإحصائيات لحساب متوسط Average مستوى سطح البحر في الماضي. وأظهر هذا العمل أن نسبة ارتفاع وانخفاض سطح المحيط لم تزد على ثمانية سنتيمترات عبر الألفيات الثلاث تلك. ولكن بين عامي 1900 و2016 فقط، ارتفع المستوى بمقدار 14 سم. كما تقترح التوقعات أنه ارتفع ثمانية سنتيمترات أخرى منذ ذلك الحين.
ما سيحدث لاحقاً يتوقف على قدرتنا على خفض انبعاثات غازات الدفيئة Greenhouse emissions للتصدي لأزمة المناخ، ولكن البحار ستستمر بالارتفاع على المدى المتوسط بغض النظر عما نقوم به. ويقول عالم المحيطات ستيفان رامستورف Stefan Rahmstorf من جامعة بوتسدام University of Potsdam في ألمانيا: «إن جلَّ ما نأمله أن يظل معدل الارتفاع ثابتاً خلال المئة عام القادمة».
تأتي أدق التقديرات الراسخة لهذا الارتفاع من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخIntergovernmental Panel on Climate Change (اختصارا: الهيئة IPCC)؛ والتي تجمع الأدلة العلمية المنشورة. ويقول رامستورف لطالما اتهم علماءُ المناخ الهيئةَ IPCC بالتقليل من شأن ارتفاع مستوى البحر في المستقبل. ولكنه صُعق عندما قرأ تقرير الهيئة الأخيرالذي صدر في أغسطس الماضي. ويحدد التقرير التغيرات المتوقعة في مستوى سطح البحر في ظل عدة سيناريوهات مختلفة، وذلك وفقاً للإجراءات التي تتخذها البشرية لتقليل الانبعاثات. لكن حتى أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، حيث يتم خفض انبعاثات الكربون إلى الصافي الصفري بحلول عام 2050، يتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر 50 سنتيمتراً إضافياً بحلول عام 2100. ومن جهة أخرى، إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة بشأن الانبعاثات، واستمر تأثيرها الشديد في المناخ، فقد نشهد ارتفاعاً يقارب 2.5 متر بحلول عام 2100، وخمسة أمتار بحلول عام 2150.
إحدى أكبر المشكلات التي تواجه تلك التنبؤات هو توقع الطريقة التي ستستجيب بها الصفائح الجليدية في المنطقة القطبية الجنوبية Antarctic ice sheets لارتفاع درجات الحرارة. فإذا تحققت أسوأ مخاوف العلماء واستمرت الثلاجة الجليدية (النهر الجليدي) ثويتس Thwaites glacier بالانهيار، وتدفق كتيار جليدي ضخم في المحيط، فسنواجه السيناريو الأكثر رعباً (انظر: ثلاجة يوم القيامة الجليدية). ولكن بغض النظر عما سيحدث في المستقبل، ستكون هناك دائماً أخبار سيئة. يقول رامستورف: «لدينا أكثر من 150 مدينة بها أكثر من مليون نسمة على السواحل حول العالم، لذا أي ارتفاع، حتى ولو بنسبة متر واحد هو أمرٌ مأساوي. أما خمسة أمتار طبقاً لهذا الجدول الزمني؛ فهي كارثة لا يمكن تخيلها».
حتى وقت قريب جداً، كان من الصعب تقدير عدد الأشخاص الذين سيتأثرون بالضبط، لأنه، وعلى الرغم من أنه قد يبدو غريباً، لم يكن هناك حساب دقيق لمستوى ارتفاع الأراضي الجافة الساحلية في العالم. ومن دون التعامل المناسب مع هذا الأمر، سيصعب التنبؤ بأي جزء من الخط الساحلي هو الذي سيتأثر بكل سنتيمتر من زحف المحيط. يقول ألوسيه هووير Aljosja Hooijer، خبير الموارد المائية من ديلتاريس Deltares، معهد أبحاث بهولندا: «لم تكن لدينا خريطة ارتفاع جيدة للعالم، وهذا أمر غريب لأن لدينا بالفعل خرائط لكوكب المريخ والقمر».
عادةً، تُستخدم أنظمة الرادار المدارية Orbiting radar systems لتحديد التضاريس، ولكنها تعتمد على إشارات تقوم بالارتداد عند أول شيء تصطدم به. لا يسبب هذا الأمر مشكلة على سطح القمر، ولكن على الأرض، يمكن أن يؤدي وجود المباني وأيكات الأشجار إلى قياس ارتفاعات غير دقيقة ومبالغ فيها. للحصول على بيانات دقيقة، نحتاج إلى الليدار Lidar، وهو نظام قياس يعتمد على الليزر يمكنه اختراق حتى أكثر الشجر كثافة. فقد كان متاحاً بشكل محدود فقط حتى عام 2018، عندما نشرت ناسا قاعدة البيانات ICESat-2، وهي قاعدة بيانات عالمية لبيانات الارتفاع المقاسة باستخدام الليدار.
في العام الماضي، جمع -وزميله رونالد فيرنيمنRonald Vernimmen، من ديلتاريس Delrares أيضاً- هذه المعلومات والبيانات السكانية وأثبتا أن هناك 267 مليونَ شخصٍ في خطر لأنهم يعيشون على أراضٍ لا يزيد ارتفاعها على مترين فوق سطح البحر. فإذا ارتفعت مستويات سطح البحر، فإن منطقة المترين هذه هي الأكثر عرضة للخطر، مما سيعرض المزيد من البشر للخطر. أما إذا نظرنا إلى التنبؤ الأكثر اعتدالاً، حيث يرتفع سطح المياه متراً واحداً فقط خلال الثمانين سنة القادمة، وذلك بافتراض ثبات عدد وتوزيع الناس في المناطق المنخفضة، فقدّر الباحثان أن عدد سكان هذه منطقة المترين سيرتفع إلى 410 ملايين نسمة على الأقل بحلول عام 2100، أي ما يفوق عدد سكان الولايات المتحدة في الوقت الحالي. ومن بين هؤلاء، سيكون 72 % منهم من سكان المناطق الاستوائية.
المشكلة الأكثر أهمية بالنسبة إلى المجتمعات والمدن الساحلية ليس التوغل البطيء للمياه، ولكن ما سيحدث أولاً: تفاقم العواصف المدية Tidal surges والعواصف والفيضانات التي ستجعل المناطق الساحلية في نهاية المطاف مناطق يستحيل العيش فيها.
لطالما كانت الهندسة الحل الذي نلجأ إليه، لذا يزداد حجم المشروعات في معظم أنحاء العالم. في جزر المالديف، تحمي الأسوار البحرية العاصمة ماليه Male، حيث يعيش أكثر من 200,000 نسمة على جزيرة بحجم حديقة هايد بارك Hyde Park في لندن.

وفي عام 2020، انتهت المملكة المتحدة من صنع حاجز بوسطن Boston Barrier البالغ قيمته 100 مليون جنيه إسترليني في لينكولنشاير، والذي يمكن رفعه لرصد العواصف المدية على طول نهر ويتهام Witham، مما سيحمي مدينة بوسطن الواقعة أعلى النهر من الفيضانات، تم تفعيل الحاجز لأول مرة في نوفمبر بعد تحذيرات من ارتفاع خطير في المد. في جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، حيث يتسبب استخراج المياه الجوفية في اندساس الأرض، فإنهم يبنون جدار البحر العملاق Giant Sea Wall. ومن المقرر أن يكتمل بناء الجدار الذي تبلغ قيمته 40 بليون دولار والمصمم لحماية المدينة بحلول عام 2025.
لكن آليات الدفاع الفعلية من هذا القبيل باهظة الثمن وغير دائمة وفي بعض الحالات، تكون ضارة عن غير قصد. خذ، على سبيل المثال، المِسنّات Groynes، تلك البُنى المتعامدة على الشواطئ، والتي تبدأ من الساحل وتمتد في البحر. سلسلة من هذه المِسنّات هي ذات فائدة للحفاظ على الرواسب الواقية مثل حماية الرمال من الانجراف بعيداً على طول الساحل بفعل عملية تسمى الانجراف الشاطئيّ Longshore drift، ولكنها قد تتسبب أيضا في مزيد من التآكل بعد المِسنّة الأخير حيث إن هذه المنطقة ستتلقى رملاً أقل مما كانت ستلقاه في عدم وجودها.
خلال العقد الماضي، ظهر حل أكثر مرونة. في هولندا، حيث يقع أكثر من ربع أراضي الدولة تحت مستوى سطح البحر، تتسابق السلطات لحماية الشواطئ المتآكلة. عادةً يقومون بجرف الرمال من قاع بحر الشمال North sea مرة كل ثلاث سنوات تقريباً واستخدامها لتغذية شواطئهم والحفاظ عليها من التآكل. لكن في عام 2011، استخدموا استراتيجية جديدة؛ كانت لدى الحكومة الهولندية كمية هائلة من الرمال، نحو 21.5 مليون متر مكعب تم تجريفها وترسيبها في كومة قبالة الشاطئ، ثم تركت هكذا ليتم استخدامها وجرفها تدريجياً لتشكيل شريط رملي بعيد عن الشاطئ، آملين بأن تحمي الساحل لفترة أطول وتقلل من اضطراب قاع بحر الشمال. وفي حين لا تزال الدراسات العلمية ترصد «المحرك الرملي» Sand motor، إلاّ أن الحكومة الهولندية نشرت تقريراً يغطى عشر سنوات أعلنت فيه نجاحها. فقد أسهم الرمل الموزع في نمو الكثبان الرملية التي توفر المزيد من الحماية، كما ارتفع عدد الطيور التي تتغذى في هذه المنطقة، بما في ذلك طيور الغاق Cormorants والخرشنة (خطاف البحر) Terns. (كما أبدى ممارسو رياضة الركمجة الذين وجدوا ملعباً في البحيرة خلف الشريط الرملي سعادتهم أيضاً). من المتوقع أن يستمر المشروع لفترة أطول بكثير من عمره الافتراضي المقرر وهو 20 عاماً. فهناك محرك رملي مماثل في المملكة المتحدة تم إنشاؤه في عام 2019، بين باكتون ووالكوت بنورفك.
وفي هذه الأثناء، فإن ما يسمى الحلول المستمدة من الطبيعة Nature-based solutions تحظى باهتمام كبير أيضاً، فهي على الأقل تساعد على الحفاظ على التنوع البيولوجي Biodiversity إضافة إلى حماية السواحل. كشفت دراسات عدة عن أن الشعاب المرجانية ليست مناطق حيوية للتكاثر والتغذية، ولكنها أيضاً مشتِّت طبيعي لطاقة الأمواج. تقول أمينات إن جزر المالديف حتى الآن أسبغت الحماية القانونية على 13 % من مناطق الشعاب المرجانية ضد التدهور المستقبلي الناجم عن الصيد أو التلوث. في أماكن أخرى، ينظر بجدية في إقامة شعاب مرجانية اصطناعية -وهي حواجز مصنوعة من الأنقاض لجذب الأنواع البحرية، وذلك بهدف منع التآكل. واقترحت دراسة جدوى شاطئ في مقاطعة كانج وون Kangwon province بكوريا الجنوبية، أن الشعاب المرجانية من هذا النوع تُقلِّل من ارتفاع الأمواج بنسبة تصل إلى 70% كما أنها قادرة على تشتيت الأمواج الكبيرة قبل أن تصل إلى الشاطئ. ومن المعروف أيضاً أن غابات القرم (المنغروف) Mangroves تخفف من شدة الأمواج، وهناك مشروعات حول العالم لحماية القرم الموجود وزراعة المزيد منه.
أينما طرأت الحاجة إلى حماية السواحل، كان اتخاذ قرارات بشأن نوع المخطط الذي يجب تنفيذه وما إذا كان يستحق ذلك أم لا يرجع في المقام الأول إلى الظروف المحلية والمالية. يقول رامستورف: «إذا كنت تستطيع أن توفر حماية لمدة 100 عام، فالأمر يستحق الاستثمار في العديد من الأماكن، ولكن إذا كنا سنتحدث عن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار خمسة أمتار، فهذا يفوق حدود ما يمكننا القيام به». كما أضاف أنه عاجلاً أم آجلاً، ستكون المجتمعات الساحلية غير مستدامة، مما سيخلق مشكلات جيوسياسية عويصة، بما في ذلك أزمة لاجئين ضخمة.
هذا يعني أنه في كثير من الأماكن، سيتعين علينا تغيير طريقة تفكيرنا مما يدعوه علماء المناخ بالتخفيف Mitigation إلى التكيف Adaptation. فبدلاً من الاعتماد على التكنولوجيا والهندسة لحمايتنا من ارتفاع مستوى سطح البحر، يجب علينا تغيير كيف وأين نعيش.
لن تكون الدول ذات الدخل المرتفع في مأمن من هذه الكارثة. في المملكة المتحدة، لا تزال وكالة البيئة Environment Agency تنفق المال على سبل الدفاع ضد الفيضانات الساحلية في بعض الأماكن في إنجلترا. لكن في أماكن أخرى، مثل أجزاء من نورفك Norfolk ويوركشاير Yorkshire، حيث تنهار المنحدرات من على ارتفاعات تزيد على 1.5 متر في العام الواحد، لم يعد هذا خياراً قابلاً للتطبيق. فهناك إدراك متزايد بأن الانسحاب المنظم من الساحل في بعض الأماكن سيكون ضرورياً في العقود القادمة. وتقول جولي فولي Julie Foley، مديرة استراتيجيات مخاطر الفيضانات والتكيف الوطني في وكالة البيئة: «نحن نطور من فهمنا للتآكل طوال وقت، ولكن بعض الخيارات يصعب على الناس فهمها جيداً».
ليس لدى وكالة البيئة أي خطط مؤكدة للانسحاب المنظم حتى الآن، ولكن هناك تلميحات حقيقية حول كونه أحد الحلول. ففي ويذرنسيا Withernsea في يوركشاير، يوجد نحو 24 منزلاً معرض لخطر الانجراف في البحر وبحاجة إلى الإزالة بتكلفة تصل إلى 40 ألف جنيه إسترليني لكل منها. ففي الماضي كان المجلس المحلي سيقدم جزءاً من التكلفة، لكنه لا يستطيع تحمل كل التكلفة. لذلك، هناك دعوات لحكومة المملكة المتحدة لجمع الأموال. تقول فولي: «نحن بحاجة إلى التفكير في طريقة لحث المجتمعات على التفكير في الانتقال بعيداً عن الساحل مع مرور الوقت، لكن هذه محادثة صعبة حقاً».
في بعض الحالات، تتطور الأمر إلى نقل مبانٍ بكاملها بعيداً عن الشواطئ، ولكن فقط في حالة المباني ذات القيمة الأثرية. ففي عام 2019 وضع المهندسون في الدنمارك مسارات مؤقتة لانزلاق منارة روبيرج نودlighthouse Rubjerg Knude التي يبلغ وزنها 720 طناً على بعد 70 متراً من المنحدرات المتداعية. لكن حتى هذا الحل هو حل قصير المدى. أما منارة بيل توت Belle Tout lighthouse في بيتشي هيد Beachy Head بشرق ساسكس بالمملكة المتحدة؛ فقد صارت على بعد 20 متراً فقط من حافة المنحدرات، بعد 23 عاماً من وجودها بعيداً عن الشاطئ.
بالعودة إلى جزر المالديف، تضع أمينات خططاً لما تسميه «تدعيم السكان» Population consolidation: إعادة توطين السكان في مناطق أعلى. فبحلول عام 2019 كان 50,000 مواطنٍ من سكان الجزر من معظم أنحاء البلاد قد انتقل إلى هولهوماليهHulhumale، وهي جزيرة كبيرة ترتفع مترين فوق مستوى سطح البحر، توجد في شمال ماليه، وهي مبنية بالرمال المجروفة. ومنذ عام 2008 على الأقل، تنظر جزر المالديف في أمر شراء أراضي جديدة بعيداً عن جزرها، في الهند أو سريلانكا أو أستراليا. غير أن أمينات تتمسك بالأمل في أن تدابير التخفيف، إضافة إلى العمل العالمي بشأن الانبعاثات قد يمنح مواطنيها من سكان الجزر أملاً في الغد. إن المخاطر في رأيها شخصياً هي الآن أعلى من أي وقت مضى؛ حيث أنجبت مؤخراً طفلها الأول. تقول: «إنه أمر مخيف جداً بالنسبة إليَّ أن أفكر في أن يوماً ما ربما لا يكون لابنتي البالغة من العمر عاماً واحداً منزلٌ يؤويها».
ثلاجة يوم القيامة الجليدية Doomsday glacier.
الثلاجة الجليدية (النهر الجليدي) ثويتس Thwaites glacier هي ثلاجة جليدية غير مستقرة بحجم فلوريدا، تقع في غرب المنطقة القطبية الجنوبية، فوق المحيط الجليدي الجنوبي الذي يزداد احتراراً، كما تُعرف بثلاجة يوم القيامة الجليدية. فعلى عكس الثلاجات الجليدية الكبيرة الأخرى في المنطقة القطبية الجنوبية، والتي تتدفق على الرفوف الجليدية Ice shelves، تتدفق ثويتس مباشرة في المحيط. إن واجهة الثلاجة الجليدية البالغ طوله 160 كيلومتراً معرضة تماماً للتيارات المختلطة بمياه البحار الدافئة، والتي تحوم تحت قسمها الأمامي محدثة تجاويف شاسعة وتتسبب في الانهيار السريع.
مع انهيار واجهته، تكون المنحدرات الجليدية أعلى وأقل استقراراً، مما يزيد من احتمال انهياره. والأسوأ من ذلك، أن ثويتس تعمل بمثابة سد عملاق تحجب خلفها مساحة جليدية أكبر من ذلك بكثير متوازنة على صخرة تنحدر نحو الأسفل. مع تسارع وتيرة الذوبان، يضعف هذا السد مما يزيد من احتمال الانهيار السريع لكميات هائلة من الجليد. ثويتس وحدها تحتوي على ما يكفي من الجليد لزيادة مستويات أسطح البحار العالمية بمقدار 65سم.

 

بقلم سيمون اوزبورن

ترجمة إسراء دياب

© 2022, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى