أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
أخبار العلوم

ما الذي يحول النملة إلى جندي أو جامعة طعام؟ ربما يكون كل ذلك في رؤوسها

تشير دراسة جديدة إلى أن الإنزيم المُفكِّك للهرمونات الموجود داخل الحاجز الدموي الدماغي يؤدي دوراً حاسماً في تحديد الوظائف التي يقوم بها النمل

مصير معظم شغالات النمل النجار العامل Worker carpenter ants هو أحد مصيرين: إما أن تكون جامِعة طعام تبحث عن الطعام أو جنوداً تدافع عن العش. وتؤثر مستويات الهرمونات الرئيسية في الدور الذي تتقمصه. الآن، أظهرت دراسة جديدة أن الحاجز الدموي الدماغي Blood-brain barrier لدى النمل يؤدي دوراً حاسماً في هذا القرار، إذ ينظم كمية الهرمونات المهمة التي تتسرب إلى أدمغة النمل النامية، وذلك بتكسير هذا الحاجز بشكل فعال. تشير النتائج، التي نُشرت في سبتمبر 2023 في مجلة سيل (الخلية) Cell، إلى أن الحاجز الدموي الدماغي قد يؤدي دوراً لم يتم تقديره سابقاً في التأثير في السلوك الاجتماعي للحيوانات، بما في ذلك الثدييات، كما يقول المؤلفون.

يقول دانييل كروناور Daniel Kronauer، عالِم الأحياء التطورية بجامعة روكفلر Rockefeller University، والذي لم يشارك في الدراسة: «تكشف [الدراسة] آلية رائعة لكيفية تنظيم السلوك الاجتماعي».

تملي الهرمونات مجموعة متنوعة من السلوكيات على العديد من الحشرات، وخاصة الوظائف التي تؤديها داخل المستعمرة Colony. أحد الهرمونات التي ثبت أنها حاسمة للنمو والمصير المهني في العديد من الأنواع Species، والمعروف بهرمون الأحداث (غير البالغين) Juvenile hormone، تتحكم فيه الإنزيمات التي تحطمه تحكما دقيقا إذا تم التعبير عنه في الوقت الخطأ أثناء النمو. في النمل، أظهرت الأبحاث السابقة أن المستويات الأعلى من هرمون الأحداث تعزز سلوك البحث عن الطعام. وقد لاحظ العلماء عادةً أن هذه الإنزيمات تنتشر عبر هيموليمف (الدم والليمف) Hemolymph النمل (المعادل للدم عند النمل).

وجدت شيلي بيرغر Shelley Berger، عالمة الأحياء الجزيئية من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania (اختصاراً: الجامعة UPenn)، دليلاً على مصير النمل المهني أثناء إجازتها في كوستاريكا قبل أكثر من 15 عاماً: عندما لاحظت النمل قاطع الأوراق Leafcutter ants وهو يجمع الطعام لمستعمرته، قررت دراسة كيفية جمع النمل الطعامَ لمستعمرته، وكيف يقرر النمل الأدوار التي يتعين عليها القيام بها في مجتمعاتها الصغيرة.

درست بيرغر وزملاؤها الجينات والبروتينات المختلفة للجنود وجامعي الطعام في مستعمرات النمل الحفار

ولتحقيق هذه الغاية، بدأت بيرغر وزملاؤها بدراسة الجينات والبروتينات المختلفة للجنود وجامعي الطعام في مستعمرات النمل الحفار (النجار) carpenter ants (كامبونوتوس فلوريدانوس Camponotus floridanus) في فلوريدا. ولاحظوا أن الجنود لديهم مستويات أعلى من بروتين معين، وهو إنزيم يحلل هرمون الأحداث، ويسمى استيرات هرمون الأحداث Juvenile hormone esterase (اختصاراً الهرمون Jhe). ولكن هذا البروتين كان موجودا حصريا في الخلايا التي تشكل الحاجز الدموي الدماغي للنمل.

يعمل هذا الغشاء كمرشِّح (فلتر) بين الدماغ والهيموليمف، مما يمنع الجزيئات الضارة المحتملة من الوصول إلى الجهاز العصبي المركزي Central nervous system. إن الحاجز الموجود في الحشرات والبشر على حد سواء ليس منيعاً. وأظهرت إحدى الدراسات السابقة التي أجريت على النحل أن الهرمون Jhe يمكن أن يتجاوز الحاجز الدموي الدماغي للحشرات ويؤثر في الدماغ. لكن لم يُبيّن أحد قبل هذه الدراسة أن هذا الحاجز قد ينظم بشكل فعال مستويات الهرمونات للتأثير على السلوك الاجتماعي للحشرات.

يقول لينيانغ جو Linyang Ju، عالم الأعصاب من الجامعة UPenn والمؤلف الأول المشارك للدراسة: «كان هذا اكتشافاً غير متوقع على الإطلاق».

عندما خفض الباحثون مستويات الهرمون Jhe بشكل مصطنع في النمل الجندي باستخدام تقنية تستخدم قطعاً صغيرة من الحمض النووي الريبي (اختصارا: الحمض RNA) لتعطيل إنتاج البروتينات، بدأت هذه الجنود بالبحث عن الطعام. يقول جو: «من دون الهرمون Jhe الذي يفككه صار المزيد من هرمون الأحداث يصل إلى أدمغة هذا النمل، وتمت إعادة برمجة سلوك الجندي إلى سلوك البحث عن الطعام».

وجد الفريق مزيداً من الدعم لهذا الاستنتاج من التجارب التي أجريت على ذباب الفاكهة، والتي يسهل التحكم فيها وراثياً أكثر من النمل: الذباب المُصمم هندسياً للتعبير عن الهرمون Jhe في خلايا الحاجز الدموي الدماغي، فقد الاهتمام بالأكل وقضى وقتاً أقل في البحث عن الطعام.

تقول أدريا ليبوف Adria LeBeouf، عالمة الأحياء التطورية من جامعة فريبورغ University of Fribourg والتي لم تشارك في الدراسة، إن الدراسة تظهر بشكل مقنع أن الحاجز الدموي الدماغي للحشرات يستخدم الهرمون Jhe للتحكم في مستويات هرمون الأحداث الذي يصل إلى الدماغ. وتقول: «هذا يظهر أن حركة هرمون الأحداث ربما تكون مهمة جداً». ولكنها تشير إلى أن الطريقة التي ينظم بها هذا الهرمون السلوك الاجتماعي قد تكون أكثر فوضوية من مجرد تقسيم النمل إلى باحثين عن الطعام وجنود. ومن غير الواضح أيضاً كيف تؤثر الإشارات البيئية، مثل وجود النمل المنافس أو تضاؤل الموارد الغذائية، في هذه الظواهر البيولوجية.

ويشير الباحثون إلى أن النتائج قد تكون لها آثار تتجاوز الحشرات. عندما بحثوا في الأدبيات، وجدوا أن إنزيمات أخرى مُحللة للهرمونات – مثل الإنزيم المسمى 17-Beta-HSD، الذي يحلل هرمون التستوستيرون – موجودة في الخلايا البطانية Endothelial cells لأدمغة الفئران. يريد المؤلف المشارك في الدراسة كارل غلاستاد Karl Glastad، عالم البيولوجيا الحوسبية والجزيئية في الجامعة UPenn، معرفة ما إذا كانت هذه الإنزيمات تؤثر في سلوك الحيوانات الأخرى ذات الديناميكيات الاجتماعية والأدوار المجتمعية المعقدة، مثل فئران الخلد العارية Naked mole rats. يقول غلاستاد إن مثل هذا العمل يمكن أن يؤدي إلى تقدير جديد للحاجز الدموي الدماغي باعتباره أكثر من مجرد جدار سلبي، بل مقصورة نشطة. «إنه ليس مجرد حاجز، إنه عضو له وظيفة محددة».

بقلم كلوديا لوبيز ليوريدا

© 2023, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى