أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فيزياء

كيف ستغير نيوترينوات السوبرنوفا الفيزياء هذا إذا تمكّنّا من فهمها؟

يمكن للنيوترينوات الناتجة داخل نجم منفجر أن تكشف عن جسيمات غريبة من شأنها أن تقودنا إلى نظرية أعمق في الفيزياء. فهل ستكون كواشفنا جاهزة في الوقت المناسب لرصد حدث السوبرنوفا القريب المقبل؟

بقلم ستيوارت كلارك

بمشاهدة النجوم في ليلة صافية، في سماء داكنة، تتبادر إلى ذهني كلمة واحدة: الهدوء. يبدو ضوء النجوم متحدثاً عن الاستقرار والديمومة. ومع ذلك، فإن الكون الأوسع المخفي عن العين المجردة، هو مكان لاضطرابات لا هوادة فيها. فكل 10 ثوانٍ أو نحو ذلك، في مكان ما من الكون، يصل نجم إلى نهاية حياته منهاراً على نفسه قبل أن ينفجر انفجاراً كارثياً.

وعلى الرغم من انتشارها في كل مكان، مازلنا لا نفهم تماماً ما الذي يؤدي إلى انهيار النواة في انفجارات السوبرنوفا (مستعر أعظم) Supernovae. لكننا نشك في أن الجسيمات المراوغة التي تسمى النيوترينوات Neutrinos تؤدي دوراً رئيسياً، وأن مراقبتها في الظروف المتطرفة التي لا يمكن تصورها داخل السوبرنوفا يمكن أن تكشف عن المادة والقوى الغريبة التي قد تقودنا إلى نظرية أعمق في فيزياء الجسيمات Particle Physics. يقول يواكيم كوب Joachim Kopp، الفيزيائي النظري من جامعة يوهانس غوتنبرج Gutenberg University في ماينز بألمانيا: «هناك الكثير من المعلومات المخزنة في نيوترينوات السوبرنوفا».

تكمن المشكلة في ندرة انفجارات السوبرنوفا القريبة بدرجة كافية من الأرض لتبوح بأسرارها. فأحدثها كان في عام 1987، ولا تزال النيوترينوات الـ 25 التي تمكنّا من التقاطها من هذا الانفجار تحير الباحثين حتى يومنا هذا، وهو ما يفسر حماسة الكثير منهم للجيل الجديد من كواشف النيوترينو Neutrino detectors التي تُبنى حالياً في أرجاء مختلفة من العالم.

الفكرة هي أنه عندما يتحول النجم القريب المقبل إلى سوبرنوفا، سنكون جاهزين. ولكنه سباق مع الزمن، طال انتظاره فعلاً. تقول كيت شولبيرغ Kate Scholberg، عالمة فيزياء النيوترينو من جامعة ديوك Duke University في كارولينا الشمالية: «يمكنك أن تتخيل كم سيكون الأمر مثيراً إذا رصدنا بالفعل أحد هذه الانفجارات، وكم سيكون الأمر مريعاً إذا فاتنا».

كواشف النيوترينو
تنبأت الحسابات بالنيوترينوات قبل فترة طويلة من اكتشافها في التجارب. ففي عام 1930، أظهر فولفغانغ باولي Wolfgang Pauli أن شكلاً محدداً من أشكال التحلل الإشعاعي معروف تحلل بيتا Beta Decay، يبدو أنه يفقد الطاقة، وهو انتهاك واضح للفيزياء المعروفة التي لا يمكن فيها خلق الطاقة أو إفنائها. ولاستعادة الوضع الطبيعي في الكون، اقترح باولي أن جسيماً غير مُكتشف بعد يجب أن يعمل على اختطاف الطاقة. وقد أُطلق عليه اسم «النيوترينو»، وهي كلمة إيطالية معناها «الصغير المحايد»، فقد كان يُعتقد أنه عديم الكتلة ولا يحمل أي شحنة.

ولهذا السبب يطلق الناس على النيوترينوات اسم الجسيمات الشبحية Ghostly Particles. ففي كل ثانية تمر عشرات البليونات منها عبر أطراف أصابعك دون الشعور بها، وهي تكشف عن نفسها فقط عندما تتفاعل بين الفينة والأخرى مع جسيمات أخرى عبر القوة النووية الضعيفة Weak Nuclear Force. وهذا يعني أيضاً أنه من الصعب البحث عنها في تجارب فيزياء الجسيمات، ونتيجة لذلك، فإننا لا نعرف عنها إلا القليل نسبياً.

لكن يمكن القول إن هذه الجسيمات الخجولة هي المفتاح لأي نظرية تحل محل النموذج القياسي في فيزياء الجسيمات Standard Model of Particle Physics، وهو أفضل توصيف لدينا حالياً للجسيمات الأساسية Fundamental Particles وقوى الطبيعة، والذي نعلم أنه غير مكتمل. وفقاً للنموذج القياسي، النيوترينوات هي جسيمات عديمة الكتلة وتأتي بثلاث نكهات مختلفة: الإلكترون Electron والميون Muon والتاو Tau. ولكن تجارب النيوترينو المبكرة التي رصدت إصدارات هذا الجسيمات التي تنتجها الشمس، وكذلك الأشعة الكونية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي للأرض، قد خلُصت إلى أن النيوترينوات يمكن أن تتحول بين النكهات المتعددة. وقد أثار ذلك مشكلة، لأن هذا التحول في الشكل ممكن فقط إذا كان لديها كتلة لا يمكن تفسير منشئها اعتمادا على النموذج القياسي.

لقد وضع الفيزيائيون مخططاً لحدوث ما يسمى تذبذبات النيوترينو Neutrino Oscillationsكنوع من الإضافة إلى النموذج القياسي. ويتضمن فكرة وجود ثلاث كتل منفصلة للجسيمات. واعتماداً على طاقة النيوترينو والمسافة التي قطعها، يمكن حساب احتمال أنه سيغير نكهته. تعتمد هذه الاحتمالات على الكتل، ولكن من المثير للدهشة أن الكتل الثلاثة المحتملة لا تتطابق مع النكهات الثلاث. ولا يعرف الفيزيائيون قيم هذه الكتل أيضاً. لذا، فإن الطرق الغريبة للنيوترينوات والأدلة التي قد تحتويها حول التفاعلات مع الجسيمات الافتراضية التي طال البحث عنها، لا تزال بعيدة المنال.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، ينشغل فيزيائيو الجسيمات ببناء عدة تجارب نيوترينو تكلف بلايين الدولارات حول العالم. ففي الولايات المتحدة، هناك تجربة النيوترينو العميقة تحت الأرض Deep Underground Neutrino Experiment (اختصاراً: الكاشف DUNE)؛ وفي اليابان يوجد كاميوكاندي الفائق Hyper Kamiokande (اختصاراً: الكاشف Hyper-K)؛ وفي الصين، هناك مرصد جيانغمن للنيوترينو تحت الأرض Jiangmen Underground Neutrino Observatory، (اختصاراً: الكاشف JUNO). عند تشغيلها خلال العقد القادم أو نحو ذلك، ستطلق هذه المرافق حزماً كثيفة من النيوترينوات المنتجة في مسرعات (مُعجِّلات) الجسيمات Particle Accelerators عبر أحواض سائلة بحجم مستودعات. ستشير ومضات الضوء المنبعثة من هذه الأوعية من حين لآخر إلى تفاعل نيوترينو مع السائل. ومن خلال تغيير طاقة شعاع النيوترينو، ومع وجود مسافة مختلفة قطعها الشعاع في كل تجربة، يأمل الباحثون بفهم كيفية تغير شكل النيوترينوات بدقة.

هذه الأحواض السائلة حساسة أيضاً للنيوترينوات القادمة من الفضاء الخارجي، فالطاقة الهائلة المنبعثة من نجم متداعٍ تُنتج عدداً من النيوترينوات أكبر بكثير مما ينتجه مسرع جسيمات أرضي: أكبر بـ1025، على وجه الدقة. إضافة إلى ذلك، فإن الطاقات التي تحملها هذه النيوترينوات أكبر بكثير من أي شيء يمكن صنعه هنا على الأرض، ما يوفر زاوية جديدة حول كيفية تحول النيوترينوات. تقول شولبيرغ، وهي أحد الباحثين المشاركين في الكاشفDUNE : «إن نيوترينوات السوبرنوفا هي النيوترينوات التي أتحمس لاكتشافها».

هذه ليست مجرد لعبة أرقام. إذ يمكن للظروف فائقة الكثافة داخل سوبرنوفا ناتجة من انهيار نواة نجمية أن تكشف أيضاً عن جسيمات وتفاعلات جديدة من شأنها أن تترك بصماتها على الإشارات الصادرة عن هذه الأحداث. لنأخذ على سبيل المثال السوبرنوفا القريبة والأحدث، SN1987a، الذي ظهر ضوؤها فجأة في سماء الليل في 23 فبراير 1987. آنذاك، كانت كواشف النيوترينو في بداياتها، لذلك التقطت الكواشف في اليابان والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حينها مقداراً قليلاً منها فقط. توضح شولبيرغ: «لقد كان هذا اكتشافاً ضخماً، أعطى معلومات هائلة، لكنها لم تكن سوى بضع عشرات من النيوترينوات»، إلا أنها أفسحت المجال للفيزيائيين لوضع حدود جديدة على وجود جميع أنواع الجسيمات النظرية الجديدة، بما في ذلك الأكسيونات Axions وهي فوتونات معتمة Dark photons ونوع آخر من النيوترينو المعروف النيوترينو العقيم Sterile Neutrino، وكلها مرشحة لأن تكون المادة التي تشكل المادة المعتمة Dark Matter، المصدر الغامض للجاذبية الذي يُشار إليه لتفسير أرصادنا حول كيفية دوران المجرات وتكتلها معاً بل وتشكلها في المقام الأول.

ويقول كوب: «فقط تخيل مقدار ما سنتعلمه من عشرات الآلاف من الأحداث التي سنشهدها عندما تنفجر السوبرنوفا التالية في المجرة».

لكن هناك مشكلة. فمقارنة بمسرعات الجسيمات، التي تصنع حزم نيوترينو متحكمٌ بها بعناية، فإن نوى السوبرنوفا فوضوية وغير مفهومة جيداً. لن يتمكن الفيزيائيون من فهم البيانات الواردة من سوبرنوفا قريبة إلا من خلال محاكاة انفجارات نجم بدقة، وهناك بالفعل أدلة تشير إلى أن عمليات المحاكاة الحاسوبية هذه لا تزال تفتقد عنصراً رئيسياً.

تصبح السوبرنوفا وشيكة الحدوث عندما ينفد الوقود النووي Nuclear Fuel لنجم عملاق. وفي غضون أجزاء من الثانية، تتوقف النواة النجمية التي كانت هائجة من قبل، والتي يبلغ قطرها قطر الأرض تقريباً، عن توليد الطاقة وتنهار لتشكل كرة يبلغ قطرها 50 كيلومتراً فقط. في هذه العملية، تُدفع الإلكترونات التي تحيط بكل نواة ذرية إلى مركزها، حيث تتحد بالبروتونات Protons لإنتاج النيوترونات Neutrons. وينتج من كل واحد من هذه التفاعلات نيوترينو يهرب إلى الفضاء. يقول بيتر غراهام Peter Graham، عالم فيزياء الجسيمات من جامعة ستانفورد Stanford University في كاليفورنيا: «عملياً، يمثل النيوترينو الآلية السائدة لفقدان الطاقة في السوبرنوفا».

صورة: CERN / Maximilien Brice

لكن عندما نقوم بنمذجة انفجارات السوبرنوفا المنهارة باستخدام حاسوب فائق Supercomputer غالباً ما يفشل النجم في الانفجار، ومشكلة عمليات المحاكاة هذه هي أنه عندما تنهار نواة النجم، يبدأ باقي النجم في التداعي عليها. وعندما تضرب هذه المادة النواة، تخلق موجة صدمة Shock wave تبدأ في الانتشار للخارج من خلال المادة المتساقطة نحو نواة النجم. وإذا وصلت موجة الصدمة هذه إلى السطح، ينفجر النجم ويولد سوبرنوفا، وتكمن الصعوبة في أن المادة المحيطة تسقط بسرعة كبيرة بحيث تتعثر بها موجة الصدمة المتوجهة إلى الخارج. ومن ثم، في عمليات المحاكاة الحالية، لا تصل أبداً إلى السطح الأصلي للنجم ولا تحدث السوبرنوفا بالكامل أبداً، ما يشير إلى أن هناك شيئاً مفقوداً في فهمنا لكيفية حدوث هذه الانفجارات.

وفي السنوات الأخيرة، كان حظ الفيزيائيين النظريين أكبر. فبإتاحة الفرصة لنسبة ضئيلة من النيوترينوات الهاربة بامتصاص موجة الصدمة، تكتسب الموجة طاقة كافية للاستمرار وتفجير النجم. ومع ذلك، مازالوا يواجهون صعوبة في مطابقة عمليات المحاكاة التي يجرونها مع الأحداث الحقيقية.لسبب ما، ووفقاً لتحليل نُشر في يونيو 2023، لا تتسق أفضل عمليات المحاكاة لدينا مع السوبرنوفا SN1987a. تقول شيرلي ويشي لي Shirley Weishi Li من مختبر فيرمي للمسرع الوطني Fermi National Accelerator Laboratory في إلينوي والمؤلفة المشاركة في الدراسة التحليلية: «اعتقدنا أنه بما أن جميع النظريات الحديثة تتفق مع بعضها بعضا بشكل أو بآخر، من حيث [عدد النيوترينوات المنتجة في السوبرنوفا]، فمن المؤكد أنها يجب أن تتفق مع بيانات SN1987a، لكن ولدهشتنا، يبدو أن مجرد إحصاء عدد اكتشافات النيوترينو -وهو أبسط ما يمكنك فعله – أظهر بعض الاختلافات».

تتنبأ عمليات المحاكاة الحديثة بأنه كان يجب أن نكتشف المزيد من النيوترينوات في عام 1987. لكن غير المتوقع والمخالف للمنطق كان أنه وكلما ازداد تعقيد محاكاة الحاسوب للسوبرنوفا، ازداد انحرافها عن السوبرنوفا الفعلي الوحيد الذي لدينا بيانات عنه. وفقاً للي: «يبدو أن البيانات لديها الكثير لتقوله عن عمليات المحاكاة الحديثة».

قوى خفية
يمكن أن يكون المكون المفقود هو فهمنا الناقص للنيوترينوات. مثلاً، لا تتضمن عمليات المحاكاة الحديثة تذبذبات النيوترينو. تشمل بعض النماذج الموسعة لفيزياء الجسيمات أيضاً التفاعلات «السرية» Secret بين النيوترينوات التي تتسبب بتبعثرها عن بعضها بعضا بالكثافات العالية جداً المتوقعة في السوبرنوفا. وتُطرح هذه التفاعلات كمحاولة لشرح سبب امتلاك النيوترينوات للكتلة. ووفقاً لدراسة نشرت في أغسطس فإنه إذا حدثت هذه التفاعلات فعلاً، سيُرصد ذلك في انفجار سوبرونوفا قريب، لأن من شأن مثل هذا السلوك أن يطيل الزمن الازم لتترك فيه النيوترينوات النواة. فعوضاً عن التحليق مباشرة نحو الخارج، تصطدم ببعضها البعض، كما يشرح كوب: «تؤثر في بعضها بعضا بطرق لا مثيل لها، فيما يشكل أحد الألغاز الكبيرة في فيزياء النيوترينو».

تشير لي إلى أن حقيقة تنبؤ عمليات محاكاة السوبرنوفا الحديثة بالكثير من النيوترينوات قد تكون إشارة إلى جسيمات جديدة تتجاوز النموذج القياسي، وتقول: «إن توليد مثل هذه الجسيمات سيسلب بعضاً من سطوع النيوترينو المتوقع ليتطابق بشكل أفضل مع البيانات». وهي ليست الوحيدة التي تفكر في هذا الاتجاه، إذ يقول غراهام إن جسيمات المادة المعتمة غير المكتشفة التي تهرب من الانفجار «يمكن أن تكون بسهولة آلية خسارة الطاقة المهيمنة في السوبرنوفا، حتى أكثر من النيوترينوات».

من حيث التأثير، يمكن أن تكون السوبرنوفا مصنعاً للمادة المعتمة. حيث تُصنع هذه الجسيمات بوفرة أثناء انهيار النواة اعتماداً على كتلتها. ثم تنتشر خارجةً من النواة. نتيجة لذلك، فإن عدد النيوترينوات التي تصل إلى الأرض ستبتعد بسرعة أكبر مما تقترح عمليات المحاكاة الحالية. يمكن أن يكشف هذا التأثير أيضاً عن طبيعة المادة المعتمة بطريقة لا تستطيعها الأرصاد التقليدية ببساطة. يقول غراهام: «تعتبر السوبرنوفا مختبرات جيدة حقاً للبحث عن جسيمات ترتبط فقط من خلال القوة النووية الضعيفة»، الأمر الذي يظن الكثير من الفيزيائيين النظريين بأنه ينطبق على المادة المعتمة.

هناك احتمال غريب آخر يمكن أن ينشأ من إشارة النيوترينو هذه. إذا رأينا عصفة النيوترينو تتوقف فجأة، فهذا يشير إلى أن النجم نفسه قد انهار إلى ثقب أسود Black Hole، بما أنه لا يمكن لأي شيء الهروب من داخله. ومراقبة ذلك عن كثب سيكون الحدث الأول من نوعه بالنسبة إلى علماء الفلك، وإذا تمكنوا بعد ذلك من معرفة كيفية حدوث ذلك، فقد يساعد ذلك على حل مجموعة من الألغاز حول كيفية عمل المجرات. ويمكن أن يقدم أيضاً اختبارات صارمة لنظريات أساسية في الطبيعة. تقول شولبيرغ: «السيناريو الفيزيائي الفلكي المفضل لدي هو حدوث انهيار لتشكيل ثقب أسود، ومن ثم سنتمكن من رؤية ذلك في الوقت الفعلي».

مما لا شك فيه أن احتمال ظهور سوبرنوفا قريبة أمر مثير، حيث يمكن لبيانات النيوترينو التي سنجمعها أن تكون فريدة من نوعها نوعاً وكمّاً، مسلطةً الضوء على كيفية نمو انفجار السوبرنوفا، إضافة إلى العمل الغامض للنيوترينوات والثقوب السوداء والمادة المعتمة. لكن هل ستحقق الطبيعة أمنيتنا هذه؟

منكب الجوزاء
هناك أدلة تشير إلى أن هذا قد يحدث بالفعل. في عام 2019، خفت سطوع النجم العملاق الأحمر منكب الجوزاء Betelgeuse الذي يبعد عن الأرض نحو 700 سنة ضوئية، بشكل غير متوقع بمقدار ثلاثة أضعاف. أدى هذا إلى تكهنات حول ما إذا كان توليد الطاقة فيه صار غير مستقر تمهيداً لانفجار سوبرنوفا. لكن بحلول أبريل 2023، عاد النجم إلى وضعه الطبيعي وبدأ العديد من علماء الفلك يفضلون تفسيراً يفترض وجود سحابة غبار كبيرة تشكلت من مادة أُطلقت على سطح النجم، ما يحجب رؤيتنا مؤقتاً، على التفسير الذي يفترض أن ذلك إشارة إلى نفاد وقود النجم وأنه على وشك الانهيار. علينا فقط أن ننتظر ونرى.

هناك نجوم حمراء عملاقة أخرى تبعد عن الأرض مئات أو آلاف السنين الضوئية، مثل إيتا كارينا Eta Carinae وقلب العقرب Antares، يراقبها علماء الفلك عن كثب. لكن الحقيقة هي أن السوبرنوفا التالية يمكن أن تأتي في أي وقت ومن أي مكان في درب التبانة Milky Way أو مجرة مجاورة.

تأمل شولبيرغ بأن تؤجل السوبرنوفا المجرّية التالية موعدها لبضع سنوات أخرى فقط، على الأقل حتى يكون الجيل التالي من كواشف النيوترينو جاهزاً. تقول شولبيرغ: «حلمي هو أن يكون هناك سوبرنوفا تعمل تعمل عند حدوثها كل من الكاشف DUNE والكاشف JUNO والكاشف Hyper-K في الوقت ذاته». ولكن مرة أخرى، في مقابل ذلك، قد يأتي ذلك بعد فوات الأوان لأنه لا يوجد ضمان بانفجار أحدها خلال عمر هذه التجارب. بعبارة أخرى، علينا أن نكون محظوظين، وإن كنّا كذلك كما يقول كوب، فإن التقاط نيوترينوات السوبرنوفا واستجوابها يمكن أن ينتهي به الأمر إلى أن يكون «إلى حد بعيد الإرث الأهم لهذه التجارب، حتى أنه يتفوق على كل فيزياء النيوترينوات الرائعة القائمة على المسرعات التي سينجزونها».

الرسالة واضحة: حافظوا على هدوئكم واستمروا ببناء الكواشف.

هل سنكون مستعدين للسوبرنوفا القادمة القريبة؟
أحدث سوبرنوفا نعرفها في مجرتنا رُصدت في عام 1604، في كوكبة الحواء Ophiuchus وكان مرئيا حتى أثناء النهار لمدة ثلاثة أسابيع. عُرف عن عالم الفلك يوهانس كيبلر Johannes Kepler دراسته النجم المنفجر، والذي كان بمثابة دليل إضافي على أن سماء الليل لم تكن ثابتة، بل يمكن أن تتغير في بعض الأحيان.

ونظراً إلى أن متوسط معدل حدوث السوبرنوفا في مجرتنا يبدو أنه واحد كل 50 عاماً أو نحو ذلك، يبدو أن مجرة درب التبانة في مرحلة تمهيد طويل لنشوء سوبرنوفا أخرى. أحد التفسيرات المحتملة لذلك هو أن النجوم قد انفجرت على الجانب البعيد من المجرة، فكان ضوؤها محجوباً بسبب سحب الغبار الكثيفة التي تتوضع على طول مستوى المجرة.

لكن، عندما تُطلق تجربة النيوترينو العميقة تحت الأرض (الكاشف DUNE) وغيرها من كواشف النيوترينو، لن تتوارى السوبرنوفا في أي مكان على الإطلاق. وذلك لأن النيوترينوات التي تنتجها لا تتفاعل إلا بشكل ضعيف جداً مع الجسيمات الأخرى، لذلك يمكنها الوصول إلى كواشفنا على الأرض. تقول كيت شولبيرغ من جامعة ديوك Duke University في ولاية نورث كارولينا، وهي عضوة مشاركة في تجربة الكاشف DUNE: «تنتقل النيوترينوات مباشرة عبر مادة المجرة، لذلك يمكننا بالتأكيد رؤية السوبرنوفا على الجانب الآخر».

تعمل شولبيرغ على أداة لمعالجة البيانات في الوقت الفعلي لضمان ألا تفوتنا إشارات الانفجارات النجمية القيمة. وينتج الكاشف DUNE كمية هائلة من البيانات، لذلك سيكون من غير العملي أبداً التقاط تلك البيانات التي يكون احتمال ارتباطها بانفجار نجم قريب ضئيلاً.

بدلاً من ذلك، ستتعرف الأداة تلقائياً على إشارة السوبرنوفا عند ظهورها وتبدأ عملية التسجيل. وفي غضون الـ 10 إلى 20 ثانية التي تستمر فيها عصفة النيوترينو الناتجة من مثل هذا الحدث، يأمل التجريبيون باكتشاف الآلاف من نيوترينوات السوبرنوفا.

عدد النيوترينوات الـ 25 فقط التي كشف عنها الباحثون من السوبرنوفا SN1987a، والتي جاءت من نجم في سحابة ماجلان الكبرى Large Magellanic Cloud، وهي مجرة قريبة من درب التبانة، سيكون ضئيلاً مقارنةً فيها. محظوظين إلى هذا الحد، يظل غير واضح تماماً.

© 2024, New Scientist, Distributed by Tribune Content Agency LLC.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى