أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

تحدي الأعداد الكبيرة

تحدي الأعداد الكبيرة

فيما تتعاظم كفاءات الحواسيب تتحسن قدرات علماء

الرياضيات على وصف الأعداد العملاقة والتعامل معها.

ومع ذلك لا نملك أكثر من تصور لبعض هذه الأعداد.

<E .R. كراندول>

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N8-9_H05_007192.jpg-00000.jpg

غدت الأعداد الكبيرة ـ كالأعداد المؤلفة من 100 رقم، أو التي هي بحجم الگوگل، أو تلك التي تملأ أعالي صفحات هذه المقالة ـ أكثر استعمالا وأسهل تناولا بفضل الإمكانات الحساباتية الحديثة. وقد تعيّن على أرخميدس، الذي نرى تمثاله النصفي في اليسار، أن يبتكر رياضيات حديثة لتقدير عدد حبيبات الرمل اللازمة لملء الكون. وكانت نتيجته المذهلة بدقتها، وهي1051، تمثل عددا بالغ الضخامة بمقاييس ذلك الزمان. بيد أن الحواسيب الحديثة تتعامل روتينيا مع أعداد أكبر بكثير، إذ إن أي حاسوب شخصي، بوجود البرامجيات الملائمة، قادر على تحليل كامل لعدد من مرتبة العدد 1051 إلى عوامله

 

للأعداد الكبيرة سحر متميز، بل عظمة وجلال. ويمكن القول بأنها تقبع عند حدود الخيال البشري، وهذا يفسر بقاءها محيِّرة ومراوغة وصعبة التعريف والمعالجة ردحا طويلا من الزمن. بيد أن العقود الأخيرة شهدت تطورات هائلة في كفاءات الحواسيب التي غدت الآن تمتلك ذاكرة ضخمة وسرعة فائقة قادرتين على التعامل مع الأعداد الكبيرة جدا. وعلى سبيل المثال، يمكن الآن ضرب عددين كل منهما مؤلف من مليون رقم خلال جزء فقط من الثانية. ونتيجة لهذا فإنه يمكننا حاليا وصف أعداد لم يكن من قبل بإمكان علماء الرياضيات أكثر من أن يحلموا بها.

 

ويعود الاهتمام بالأعداد الكبيرة إلى أزمنة قديمة خلت. فنحن نعلم، على سبيل المثال، أن قدماء الهندوس الذين ابتكروا النظام العشري كانوا يتفكرون فيها. فالموقع الذي يشغله رقم في النظام العشري المألوف (الآحاد، العشرات، المئات وهكذا…) يدل على قيمته. وباتباع هذا الأسلوب في الاختزال استطاع الهندوس تسمية قدر كبير من الأعداد الكبيرة كان يحوي أحدها 153 رقما ـ نقول عنه في أيامنا هذه إنه عدد من الرتبة10153. وقد ورد ذكر هذا العدد في أسطورة بوذية.

 

كذلك، فإن قدماء المصريين واليونانيين والرومان كانوا يفكرون أيضا بالأعداد الكبيرة. بيد أنه تبين تاريخيا أنه أيا كانت الحضارة التي تعاملت مع الأعداد الكبيرة، فإن هذه الأعداد كانت في الواقع تتوقف عند حدٍّ معين. فلم يكن لدى الرومان مصطلحات أو رموز للأعداد التي تتجاوز000 100 ، كما كان اليونانيون يتوقفون في عملية العد عند كلمة myriad التي تعني000 100 . وفي الحقيقة، كانت لدى قدماء اليونانيين فكرة تقول بعدم وجود عدد أكبر من مجموع حبيبات الرمل اللازمة لملء الكون.

 

وقد سعى عالم الرياضيات اليوناني أرخميدس في القرن الثالث قبل الميلاد لتغيير هذا الاعتقاد عندما بعث برسالة لجيلون ملك سيراكوزا حاول فيها حساب العدد الحقيقي لحبيبات الرمل في الكون. ولإنجاز هذه المهمة ابتكر أرخميدس خطة ذكية تتضمن نسبا متعاقبة من شأنها أن توسع توسيعا فعليا نظام الأعداد اليوناني السائد حينذاك. وقد كانت نتائجه مثالية، ونصت هذه النتائج على أن هذا العدد يقع، بمصطلحاتنا الحالية، بين1051 و1063 ؛ ذلك أن كرة نصف قطرها يساوي نصف قطر فلك پلوتو حول الشمس يمكن أن تحوي عددا من الحبيبات من الرتبة  1051.

 

لقد كان علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يقتصرون على التفكير في تلك الأعداد الكبيرة التي لها علاقة بالمسائل ذات الطابع العملي. فعدد أڤوكادرو، المنسوب إلى كيميائي القرن التاسع عشر الإيطالي أميدييو أڤوكادرو، يساوي نحو1023 ×6.02 ويمثل عدد الذرات الموجودة في 12 غراما من الكربون النقي. وإحدى الطرق لتَمَثُّل عدد أڤوكادرو (ويسمى أيضا مول mole) هي التالية: إذا كبّرنا حجم غرام واحد فقط من الكربون ليصبح بحجم كرتنا الأرضية، فإن ذرة واحدة من الكربون تبدو للعيان عند ذلك بحجم كرة البولنگ تقريبا.

 

وثمة طريقة أخرى مثيرة للاهتمام لتَمثُّل المول هي أن ننظر في العدد الإجمالي للعمليات الحاسوبية(1) التي نُفّذت بوساطة جميع الحواسيب بدءا من أول حاسوب تم صنعه. فإذا علمنا أن باستطاعة حاسوب صغير إجراء ملايين من العمليات في الثانية، فإن الحواسيب الضخمة يمكنها من دون ريب إجراء عدد أكبر بكثير من هذه العمليات. وهكذا يمكننا القول بأن العدد الإجمالي للعمليات التي أُجريت حتى هذا التاريخ ـ مع التسليم باستحالة القيام بتقدير دقيق لهذا العدد ـ يجب أن يكون قريبا من عدد أڤوكادرو (من المول). ومما لا شك فيه أن عدد هذه العمليات سيتجاوز ذلك المول بحلول عام 2000.

 

ويتعامل العلماء حاليا مع أعداد أكبر بكثير من المول. وعلى سبيل المثال فإنه يُظن بأن عدد الپروتونات في العالم الذي نعرفه يساوي زهاء 1080، ومع ذلك فإن الخيال البشري يمكن أن يتجاوز هذا العدد. وإنه لمن ضرب الأساطير أن يقوم عام 1938 حفيد عالم الرياضيات <E. كاسنر> وهو في التاسعة من عمره بإطلاق اسم گُوگُل googol على العدد 1 الذي يليه 100 صفر، أي 10100. وفي بعض أنماط المسائل الحساباتية computational يعين الگوگل الحدود التقريبية للمقادير العددية التي تبدأ فيها هذه المقادير بتحدي الحواسيب الحديثة تحديا جديا. ومع ذلك فإن باستطاعة الحواسيب الإجابة حتى عن بعض المسائل المتعلقة بأعداد عملاقة مثل العدد الهائل گوگُلپلكس googolplex، وهو الواحد متبوعا بگوگل من الأصفار، أي100 1010(2). وحتى لو استعملنا پروتونا مقابل كل صفر في الگوگُلپلكس، فسنجد أن ليس في الكون كما نعرفه ما يكفي من الپروتونات لهذا الغرض.

 

معالجة الأعداد الكبيرة

إذا ما تجاوزنا الگوگل قليلا فإننا نجد أعدادا تواجه العاملين في فن التحليل إلى العوامل بتحديات كبيرة، ونعني بهذا الفن تجزئة الأعداد إلى عواملها الأولية، أي إلى أعداد لا تقبل القسمة إلا على نفسها وعلى 1. وعلى سبيل المثال فإن257 799 1 يحلل بالشكل 257× 7i001، لكن تحليل عدد كبير بعض الشيء إلى عوامله الأولية هو مسألة صعبة الحل. وجدير بالذكر أن علماء الحواسيب ربطوا هذه المسائل بمسائل التعمية(3) (التشفير). وفي الحقيقة هناك خوارزمية سائدة تدعى RSA تُحَوِّل مسائل حل الرسائل المعمَّاة (المشفرة) إلى تحليلِ أعداد كبيرة محددة إلى عواملها الأولية، وتُسمى هذه الأعداد مفاتيح عامة public keys. (سميت الخوارزمية RSA نسبة إلى الحروف الأولى من أسماء مبتكريها <L .R. ريڤست> Rivest و <A. شامير> Shamir و<M .L. أدلمان> Adleman.

 

ولإثبات قوة الخوارزمية RSA قام ريڤست وشامير وأدلمان بتحدي قرّاء باب<M. گاردنر> في عدد الشهر 8/1977 من مجلة ساينتفيك أمريكان ليحللوا عددا مؤلفا من 129 رقما أسموه RSA-129، ويكتشفوا الرسالة المعماة التي يتضمنها. ولم تحل هذه المسألة إلا عام 1994 من قِبَل <K .A. لينسترا> (من بيلكور) و<P. ليلاند> (من جامعة أكسفورد) ثم من قبل طالب الدراسات العليا <D. أتكينز> (من المعهد MIT) وطالب المرحلة الجامعية الأولى <M. گراف> (من جامعة أيوا الحكومية) اللذين كانا يعملان مع مئات من الزملاء على الإنترنت. (كانت الرسالة المعماة هي: الكلمات السحرية هي سُنْقُر (نسر البحر) شديد التأنّف  THE MAGIC WORDS ARE ” SQUEAMISH OSSIFRAGE”). وتوحي التوصيات الحالية بأنه كي تكون مفاتيح تعمية الخوارزمية RSA مضمونة، لا بد من أن تحتوي على 230 رقما في الأقل.

 

لقد غدا التعاون عن طريق الشبكات أمرا مألوفا في أيامنا هذه، كما برزت أخيرا ثقافة راسخة في ميدان التحليل إلى العوامل. ولدى <S .S. واگستاف جونير> (من جامعة پُرديو) صحيفة إخبارية متخصصة في موضوع التحليل إلى العوامل تورد أحدث ما استجد في هذا الموضوع. كذلك فإن <K .C. كالدويل > (من جامعة تينيسي في مارتن) يحتفظ بموقع على الويب (الشبكة العنكبية العالمية) World Wide Web

   http://www.utm.edu/research/primes/largest.html

  لسجلات الأعداد الأولية. ويعتمد أولئك الذين يمارسون التحليل إلى العوامل بصورة نظامية على ثلاث خوارزميات فعالة، لكن طريقة المنخل التربيعي (Quadratic Sieve (QS التي ابتكرها في الثمانينات <C. پوميرانس> (من جامعة جيورجيا)، تظل طريقة جيدة وتحقق الكثير من الأهداف لدى تحليل أعداد تتجاوز الگوگل إلى حد ما. (وفي الواقع فإن الخوارزمية QS  بزت الخوارزميةRSA-129.) ولتحليل عدد مفروض تسعى الخوارزمية QS إلى تحليل أعداد أصغر كثيرا منه ولها علاقة به تولَّد بطريقة نخل حاذقة. بعد ذلك تُدمج عمليات التحليل إلى عوامل للأعداد الأصغر، فنحصل على عامل للعدد المفروض.

 

وثمة استراتيجية أحدث، هي منخل الحقن العددي Number Field Sieve  NFS ، تناولت عددا مؤلفا من 155 رقما، وهو عدد فيرما التاسع F9  (نسبة إلى عالم الرياضيات الفرنسي المرموق <P. دو فيرما>؛ وعدد فيرما النوني Fn  هو: 1+ 22n). وفي عام 1990 تناولت  مجموعة من الباحثين عدد فيرما التاسع F9، مستعينة مرة أخرى بشبكة متميزة من الحواسيب. وقد كان هذا التحليل المثير للعدد F9إلى عوامله يعتمد على صيغته الفريدة. لكن منذ ذلك الحين، تمكّن <J. بوهلر> (من كلية ريد) و<H. لينسترا> و<پوميرانس> من تطوير تغيير في الاستراتيجيةNFS يسمح بتحليل أعداد كيفية arbitrary  إلى عواملها. وباتباع الاستراتيجيةNFS المطورة هذه، فإنه يمكننا حاليا أن نحلل على نحو مريح عددا مكوّنا من  130 رقما. فيمكن مثلا تحليل العدد RSA-129 (المؤلف من 129 رقما) إلى عوامله بزمن أقصر لو أننا اتبعنا الاستراتيجية NFS  المطورة.

 

هذا وثمة طريقة عامة ثالثة للتحليل إلى العوامل تسمى طريقة المنحني الناقصي (الإهليلجي) Elliptic Curve(Method  ECM   ابتكرها <H. لينسترا>. ويمكن باتباع هذه الطريقة تحليل أعداد أكبر بكثير إلى عواملها، شريطة أن يكون واحد على الأقل من العوامل الأولية للعدد المراد تحليله صغيرا إلى حد ما. وعلى سبيل المثال، فقد قام منذ عهد قريب <P .R. برينت> (من الجامعة الوطنية الأسترالية) بتحليل F10 إلى عوامله باتباع الطريقة ECM بعد أن وجد أولا عاملا أوليا واحدا عدد أرقامه 400 «فقط». هذا ومن الصعب العثور على عوامل تحوي أكثر من 40 رقما باتباع الطريقة ECM. وفيما يتعلق بأعداد كيفية، محصورة مثلا بين 10150و  101000000 ، فإن الطريقة ECM تمثل الاختيار الأفضل، مع أنه من غير المتوقع أن تجد الطريقة ECM جميع العوامل لمثل هذه الأعداد الهائلة.

 

وفيما يتعلق بالأعداد التي هي أصغر من الگوگل بكثير، فإنه يمكن أحيانا إيجاد عوامل منعزلة لهذه الأعداد باتباع طريقة للنخل ابتُكرت قبل قرون. والفكرة هنا هي في تطبيق ما يسمى الحساب المقياسي modular arithmetic  الذي يُبقي حجوم الأعداد تحت السيطرة بحيث لا تتجاوز ذاكرة الحاسوب، ويمسح (ينخل) كذلك ببراعة العوامل المجرَّبة. ومنذ عقد مضى استخدم <W. كِيلْر> (من جامعة هامبورگ) تقنية نخل بغية إيجاد عامل للعدد الرهيب F23471 الذي عدد أرقامه لدى كتابته بالصيغة العشرية 107000   تقريبا. وكان لعامل كيلر ذاته نحو 7000 رقم «فقط». كذلك فقد طبّق <J .R. هارلي> (من معهد كاليفورنيا للتقانة) تقنية النخل ليجد عاملا للعدد (گوگُلپلكس+ 1) عدد أرقامه 36، وكان هذا العامل هو:  374 350 057 057 650 912 316 001 000 344 801 175 .

إنجازات خوارزمية

اعتمد الكثير من النتائج الحديثة في موضوع الأعداد الكبيرة على خوارزميات من حقول تبدو لا صلة بينها. وأحد الأمثلة على هذه الحقول، والذي يمكن أن نسميه بحق العصب المركزي لجميع الخوارزميات الهندسية، هو تحويل فورييه السريع Fast Fourier Transform  FFT . وغالبا ما يُعتمد التحويل FFTكوسيلة للتحقق من طيف spectrum ما، كما يحدث لدى تحليل زقزقات العصافير أو أصوات البشر، أو لدى ضبط الصوت في قاعة للموسيقى. وقد تبيّن أن عملية الضرب المألوفة ـ وهي عملية أساسية تُجرى على الأعداد ـ يمكن أن تعزَّز على نحو مثير بوساطة التحويل FFT [انظر ما هو مؤطر في هذه الصفحة]. وقد قام <A. سكونيج > (من جامعة بون) وآخرون، بتهذيب هذه الملاحظة الذكية وتطويرها إلى نظرية دقيقة جدا خلال السبعينات.

 

استعمال تحليل فورييه السريع لإنجاز عمليات الضرب بسرعة

عملية الضرب المألوفة هي عملية مطوّلة من جميع النواحي، حتى لو استعملنا أعدادا صغيرة: فلضرب عددين x و y عدد أرقام كل منهما D، فإن الطريقة العادية التي تُعلّم في المدارس تتطلب ضرب كل رقم من x في كل رقم من y ثم إجراء عمليات جمع عموديا، ممّا يعني أننا ننجز ما مجموعهD2  عملية تقريبا. وفي السبعينات ابتكر علماء الرياضيات وسيلة لتسريع عملية ضرب عددين في كل منهما D من الأرقام وذلك باتباع طريقة تحليل فورييه السريع (FFT)، التي تخفض عدد العمليات إلى رتبة D log D. (وعلى سبيل المثال، فقد يتطلب ضرب عددين في كل منهما D من الأرقام أكثر من 000 1000 عملية باتباع الطريقة المدرسية المألوفة، في حين أن الطريقة FFT قد لا تتطلب سوى 500000 عملية فقط.)

إن تقديم عرض كامل لخوارزمية الطريقة FFT في الضرب يتعدى الحدود التي قررناها لهذه المقالة. واختصارا، فإن أرقام العددين x و y  (وعلى نحو أدق، فإن أرقام العددين في أساس عددي ملائم للآلات الحاسبة) يُنْظَرُ إليها على أنها إشارات. وتُطبَّق الطريقة FFT على كل إشارة بغية تحليل الإشارة إلى مركّباتها الطيفية. ويجري تنفيذ هذا الأمر بالطريقة نفسها التي قد يسلكها بيولوجي لدى تحليله الصوت الذي يصدره حوت أو أي إشارة أخرى ذات دلالة إلى نطاقات الترددات frequency bands. ويجري ضرب هذه الأطياف ببعضها بسرعة، ترددا في تردد. وبعد ذلك تنفذ الطريقة FFT عكسيا كما تنفذ بعضُ المعالجات النهائية لنجد أخيرا أرقام حاصل ضرب العددين x و y.

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N8-9_H05_007193.jpg

وقد أُجريت تحسينات حديثة عديدة وفعالة على طريقة الضرب باتباع الطريقة FFT. ويتلخص أحد التحسينات هذه بمعاملة الإشارات الرقمية على أنها ثنائيات قطب bipolars، بمعنى أنه يمكن استعمال كل من الأرقام الموجبة والسالبة. وثمة تحسين آخر يتجلى في تثقيل weight الإشارات، وذلك بأن نقوم أولا بضرب كل منها بإشارة معينة أخرى. وقد مكّن هذان التحسينان علماء الرياضيات من اكتشاف أعداد أولية جديدة ومن أن يثبتوا أن أعدادا معينة هي أولية أو مؤلفة (ليست أولية).

 

وقد استُعمل الضرب بوساطة التحويل FFT في حسابات مشهورة للعدد وذلك من أجل تقريبه إلى عدد كبير من الأرقام العشرية. ومع تسليمنا بأن  ليس عددا كبيرا، إلا أن حسابه مقربا إلى ملايين الأرقام العشرية يجبرنا على استعمال الحساب نفسه المستخدم في مسائل الأعداد الكبيرة. وفي عام 1985 قام <W .R. گوسپر> جونير (من الشركة Symbolics, Inc. في كاليفورنيا) بحساب 17 مليون رقم للعدد. وبعد انقضاء سنة على ذلك أنجز <D. بيلي> (من مركز بحوث إيمز التابع للوكالة ناسا) حساب العدد  مقربا إلى أكثر من 29 مليون رقم. وحديثا استطاع بيلي و<G. شودنوڤسكي> (من جامعة كولومبيا) أن يبلغا في تقريب  بليون رقم، كما أن <Y. كانادا> (من جامعة طوكيو) أعلن عن بلوغه 5 بلايين رقم. وإذا ما رغب أحد في التحقق من ذلك ببيته، فإن كانادا يقول بأن الرقم الوارد في المنزلة العشرية التي ترتيبها بليون للعدد Л هو 99.

 

هذا وقد اتُبِعت أيضا الطريقة FFT في إيجاد أعداد أولية كبيرة. وخلال العقد الماضي، أو نحو ذلك، توصل <D. سلوڤينسكي> (من مركز بحوث Cray) إلى فن حقيقي في اكتشاف أعداد أولية، مسجلا في ذلك رقما قياسيا جديدا. وقد اكتشف سلوڤينسكي وأحد معاونيه <P. گيج> العدد الأولي 1-787 1257 22 في منتصف عام 1996. وفي الشهر 11/ 19966تحديدا، اكتُشف عدد أولي أكبر منه، وهو 1-269 1398 2، من قبل المبرمجَيْن <J. أرمانجو> من پاريس و <F .G. وولتمان >من أورلاندو بولاية فلوريدا. وهذا العدد الذي يحوي أكثر من 400000 رقم عشري هو أكبر الأعداد الأولية المعروفة عند كتابة هذه المقالة. وهذا العدد الأولي، شأنه شأن معظم حاملي الأرقام القياسية، يُسمى أوّلي ميرسيني Mersenne prime. وتأخذ هذه الأعدادالشكل:2-1، حيث q عدد صحيح، وقد جاءت تسميتها نسبة إلى عالم الرياضيات الفرنسي الذي عاش في القرن السابع عشر <M.  ميرسين>.

 

وللتوصل إلى هذا الاكتشاف الأخير طور وولتمان خوارزمية تُسمى تحويلا مرجِّحا متقطّعا ذا قاعدة صماء irrational-base discrete weighted transform كنتُ قد ابتكرت نظريتها عام 1991 مع آخرين. وكانت هذه الطريقة في الواقع نتيجة ثانوية لبحوث التعمية التي أجريت من قبل الشركة NeXT.

 

وقد قمت مع باحثين آخرين لدى الشركة NeXT بإنجاز ما يمكن اعتباره أقوى خطط التعمية المتوافرة حتى يومنا هذا ـ إن لم تكن أقواها على الإطلاق ـ استنادا إلى الأعداد الأولية الميرسينية. وهذه الخطة، التي تم تسجيل براءة ابتكارها والتي أُطلق عليها اسم التعمية الناقصية (الإهليلجية) السريعة FastElliptic Encryption  FEE ، تستخدم جبر المنحنيات الناقصية، وهي سريعة جدا. وإذا استعملنا، مثلا، عدد أرمانجو ـ وولتمان الأولي 1-269 1398 2 المكتشف حديثا كأساس، فإن بإمكان النظام FEE أن يُعمِّي بسهولة محتوى هذا العدد من مجلة العلوم ويجعله بصيغة غير مفهومة. وفي ظل الاعتقادات الحالية السائدة في نظرية الأعداد حول صعوبة استخراج الكودات FEE codes، فإنه يلزمنا، من دون معرفة المفتاح السري، استخدام جميع الطاقات الحساباتية المتوافرة على الأرض طوال أكثر من 1010000  سنة لإعادة تلك الصيغة المعماة إلى مجلة مقروءة.

 

وتماما كما هي الحال في مسائل التحليل إلى العوامل، فإن إثبات أن عددا كبيرا ما هو عدد أولي أعقد بكثير عندما يكون العدد كيفيا ـ أي إذا لم يكن له شكل خاص، مثل الأعداد الأولية الميرسينية. وفيما يتعلق بالأعداد الأولية التي لها أشكال خاصة معينة، فإن وصفنا لها بأنها «كبيرة» يعني أنها قريبة من رتبة العدد000 1000 2 . لكننا نحتاج في الوقت الحالي إلى بذل جهد حساباتي كبير لإثبات أن عددا أوليا «عشوائيا» مؤلفا من بضعة آلاف من الأرقام هو حقا أولي. وعلى سبيل المثال فقد أمضى <F. موريان> عام 1992 (من جامعة كلود برنار) عدة أسابيع مستخدما تقنيات ابتكرها بالتعاون مع <L .O .A. أتكين> (من جامعة إلينوي) وآخرين، ليثبت بوساطة الحاسوب أن عددا محددا يحوي 1505 أرقام، يطلق عليه اسم عدد التجزئة partition number، هو عدد أولي.

 

أعداد مؤلّفة هائلة

إنه لمن الأسهل قليلا أن نثبت بأن عددا ما هو عدد مؤلف composite (أي ليس أوليا، بمعنى أنه ينقسم على عدد آخر غير الواحد). وفي عام 19922 نجحتُ مع دونياس و <Ch. نورِّي> من الشركة Amdahl، في البرهان باستخدام الحاسوب، على أن عدد فيرما الثاني والعشرين 1 +22 2هو عدد مؤلف. وجدير بالذكر أن هذا العدد يحوي أكثر من مليون رقم عشري. وقد كانت جل الجهود التي بُذلت لتحديد هوية العدد F22 تعتمد على تعديل آخر للطريقة FFT في الضرب. ويتضمن هذا البرهان أطول حسابات أجريت حتى الآن من أجل الحصول على جواب بتة-واحدة one-bit، أو نعم-لا، إذ إن إنجاز هذه الحسابات تطلب 1016عملية حاسوبية، وهذا يساوي تقريبا العدد نفسه من العمليات التي تطلبها إنجاز شريط Pixar-Disney السينمائي بعنوان قصة دمية Toy Story الذي صور سطوحا ورسوما متحركة تدعو إلى الإعجاب.

 

ومع أنه من الطبيعي أن يُشكك في صحة أي برهان حاسوبي، فإن ثمة حادثة سارة ترتبط بالبرهان السابق. فقد استنتج أيضا فريق مستقل مؤلف من <V. تريڤيزان> و<B . J. كارڤالهو> (من مركز الحواسيب الفائقة البرازيلي) باستخدام حواسيب وبرامجيات مختلفة (وفي الحقيقة استخدما برامجيات الطريقة FFTالتي وضعها بيلي) أن العدد F22 عدد مؤلف (ليس أوليا) من دون أن يعلما أننا سبقناهما في البرهان على ذلك. فضلا عن ذلك، فإن F22 هو الآن أيضا أكبر عدد مؤلف «أصلي» معروف ـ وهذا يعني أنه على الرغم من كوننا لا نعلم عاملا محددا آخر للعدد F22 يختلف عن 1 وعن العدد نفسه، فإننا نعرف يقينا بأنه ليس  أوليا.

 

إن الأعداد الضخمة تصبح، إلى حد ما، أسهل للتصور ـ وللمقارنة ـ إذا ما تبنّينا وجهة نظر إحصائية. فعلى سبيل المثال، يستغرق ببغاء مختبر زمنا قدره زهاء000 300010  سنة وهو يضرب بمنقاره عشوائيا لوحة مفاتيح ليعيد في النهاية مصادفة كتابة قصة شرلوك هولمز The Hound of the Baskervilles. ومع كون هذا الامتداد الزمني هائلا، فإنه يبدو بالغ الصغر إذا ما قورن بالعدد331010 الذي يمثل عدد السنوات التي يجب انقضاؤها قبل أن تقوم التقلبات الكمومية الأساسية بقلب علبة عصير موضوعة على سطح مستو.

 

وتماما كما هي الحال مع حبيبات رمل أرخميدس في زمانه، فستبرز دوما أعداد هائلة  تعجز الوسائل المتوافرة عن سبر أغوارها. ومع ذلك، فإن هذه الأعداد تبقى قابلة للتخيل والدرس. وبوجه خاص فإن من المفيد غالبا تصور سيناريوهات إحصائية أو بيولوجية. وعلى سبيل المثال، فإن العدد 10 مرفوعا إلى القوة ثلاثة ملايين يبدأ بأن يكون مفهوما حدسيا بعض الشيء إذا سألنا عن الزمن الذي يستغرقه ببغاء مختبر ينقر عشوائيا بمنقاره من دون كلال لوحة مفاتيح ويحرك مخلبه، بين الفينة والأخرى، مفتاح التحويل، مثلا، للحصول مصادفة على قصة شرلوك هولمز المشهورة The Hound of the Baskervilles  التي كتبها السير<C .A. دويل>. فللحصول على مخطوطة مضبوطة تماما لهذه القصة، على هذا الطير أن يعمل طوال3000000 10   سنة تقريبا. وتجدر الإشارة إلى أن عمر الكون قريب جدا من عدد تافه قدره10 100 من السنين.

 

بيد أن العدد000 000 3 10  لا يذكر إذا ما قورن بالزمن اللازم لسيناريوهات أخرى. تصور أن علبة جعة مملوءة موضوعة على منضدة مستوية ثابتة خشنة السطح انقلبت فجأة على سطحها الجانبي، وأن هذا الحادث أمكن تحقيقه بوساطة التقلبات الكمومية الأساسية fundamental quantum fluctuations. في هذه الحالة يمكن فعلا للفيزيائي التسليم بأن الدالة الموجية الكمومية للعلبة تنتشر أبدا ببطء بعيدا عن العلبة، ومن ثم فإن انقلاب العلبة ليس بالأمر المستحيل. وتبين الحسابات أنه يتعين علينا أن نتوقع الانتظار مدة 33 1010 سنة لحصول هذا الحادث المفاجأة. وبالدرجة نفسها لضعف احتمال انقلاب العلبة، من الممكن تصور احتمالات أكثر مدعاة للذهول. فعلى سبيل المثال، ما احتمال أن تجد نفسك فجأة في وقت ما من حياتك واقفا على كوكب المريخ وأنت حي ولو للحظات بعد أن تكون أجزاء جسمك قد جمعت ثانية؟ وإذا ما قدمنا افتراضات شاملة حول إعادة تجميع المادة الحية فإنني أقدر أن احتمال تحقق هذا الحادث الشاذ هو مقلوب العدد 51  1010 . ولكتابة هذا العدد وفق النظام العشري يلزمنا  1 متبوعا بصفر لكل واحدة من حبيبات رمل أرخميدس. ولإيضاح مقدار ضعف احتمال إعادة تجميع أجزاء إنسان ثانية على كوكب المريخ، نذكُرُ أن عالم الرياضيات المرموق <J. ليتيلوود> (من جامعة كامبردج) قدّر مرة أن احتمال وجود فأر يعيش على سطح الشمس مدة أسبوع هو مقلوب العدد42 1010  .

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/13/SCI97b13N8-9_H05_007195.jpg

 

إن هذه الأعداد المرفوعة إلى القوى مرتين تغدو مفرطة في الصغر لدى مقارنتها بأعداد أخرى كعدد

سكيوز  Skewesمثلا، وهو34 10 1010، الذي استُعمل في تقديم نظرية حول توزع الأعداد الأولية. وبغية تبيان وجود دوال محددة يصعب حساب قيمها، يورد الرياضياتيون أعداد أكِرْمان (نسبة إلى الرياضياتي الألماني <W. أكرمان>)، التي تشكل متتالية سريعة التزايد وهي: ….33 33 , 2 0,1,2.إن الحد الرابع في هذه المتتالية الذي يحوي قوى الثلاثات يساوي تقريبا 024 640 334 638 3 100 ، أما الحد الخامس 4  4 4 44     فيبلغ درجة من الكبر لا يمكن كتابته على ورقة باتساع  الكون كله، حتى وإن استخدمنا الصيغة الأسيّة في كتابته. وهكذا فإن الگوگُلپلكس، لدى مقارنته بعدد أكرْمان الخامس، لن يبدو سوى نقطة في بحر مترامي الأطراف.

 

 المؤلف

Richard E. Crandall

باحث رئيسي في الشركة NeXT Software ومدير مركز الحسابات المتقدمة في كلية Reed. سجل باسمه سبع براءات اختراع في مواضيع تمتد من الإلكترونيات إلى نظام التعمية (التشفير) الناقصية (الإهليليجية) السريعة. حصل كراندول على الدكتوراه في الفيزياء عام 1973 من المعهد MIT للتقانة.

 

مراجع للاستزادة 

THE WORKS OF ARCHIMEDES. Edited by T L. Heath. Cambridge University Press, 1897.

THE WORLD OF MATHEMATICS. Edward Kasner and James R. Newman. Simon & Schustel; 1956.

THE FABRIC OF THE HEAVENS: THE DEVELOPMENT OF ASTRONOMY AND DYNAMICS. Stephen Toulmin and June Goodfield. Harper & Row, 1961.

AN INTRODUCTION TO THE THEORY OF NUMBERS. Fifth edition. G. H. Hardy and E. M. Wrioht. Clarendon Press, 1978.

LITTLEWOOD’s MISCELLANY. Edited by Bela Bollobas. Cambridge University Press, 1986.

LURE OF THE INTEGERS. J. Roberts. Mathematical Association of America, 1992.

PROJECTS IN SCIENTIFIC COMPUTATION. Richard E. Crandall. TELOS/Springer-Verlag, 1994. Scientific American, Fabruary 1997

 

(1) أي العمليات الحسابية التي تجري في دارات الحواسيب.

(2) عندما نستخدم أسّين بهذه الطريقة، فإنهما يفسران على الشكل التالي(10100 )10. (التحرير)

(3) علم التعمية cryptography: تحويل نص واضح إلى آخر غير مفهوم باتباع طريقة محددة يستطيع من يعرفها أن يفهم النص الأصلي. ويتضمن علم استخراج المعمى تحويل نص معمّى إلى نص واضح من غير معرفة طريقة التعمية المستخدمة. وعلم التعمية واحد من العلوم التي تدين للعرب ولادة ونشأة وتطوّرا. [انظر: «علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب»، مراياتي، الطيان، مير علم، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق (1987)].

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى