أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
الطب وصحة

محاربة سرطان الپروستاتة

<=”” td=”” style=”font-family: tahoma; font-size: 12px; color: rgb(0, 0, 0);”>  

محاربة سرطان الپروستاتة(*)

إن التطورات الحديثة في مجال التشخيص والمعالجة تبشر بإطالة

وتحسين حياة الكثير من المصابين بهذا المرض.

<B .M. گارنيك> ـ <R .W. فير>

 

منذ عدة سنوات بدأ معدل الوفيات بسرطان الپروستاتة (الموثة) بالتراجع في الولايات المتحدة، إلا أن هذا المرض مازال يحصد أعدادا كبيرة من الناس. ويتوقع أنه أصاب نحو500 184 رجل في عام 1998 مؤديا إلى وفاة 200 39 منهم، مما يجعل سرطان الپروستاتة ثاني سرطان قاتل للرجال بعد سرطان الرئة. لهذه الأسباب نعكف وآخرون على متابعة العمل لتحسين التعامل مع هذا المرض الذي يشيع خاصة بين الذين يتجاوزون الخامسة والستين من العمر. ومع أننا لا ندعي امتلاكنا الحل المثالي الذي يناسب كل مريض، فقد تحقق مؤخرا العديد من الاكتشافات المثيرة التي تستوجب التنويه.

 

تعالج بعض هذه المكتشفات الحديثة مشكلة عدم كفاية الاختبار غير الباضعnoninvasive الوحيد المتوفر لدينا لتقصي سرطان الپروستاتة وهو في مرحلته المكروية (المجهرية)(1)، وهو الشكل الأكثر استجابة للمعالجة الشافية. يقيس هذا الاختبار مستوى المستضد النوعي للپروستاتة prostate-specific antigen (PSA) في الدم، وهو بروتين تنتجه خلايا الپروستاتة ؛ إذ تقوم خلايا الپروستاتة السليمة والخبيثة على حد سواء بإنتاج هذا البروتين، إلا أن مستواه في الدورة الدموية (الدَّوَران) غالبا ما يرتفع عند الإصابة بسرطان الپروستاتة . تنبه المستويات المرتفعة من هذا البروتين إلى أن غدة الپروستاتة مصابة بالسرطان، حتى عندما يكون الورم صغيرا جدا إلى حد يصعب على الطبيب كشفه. وتستطيع طريقة التقصي الأساسية الأخرى، وهي الجس الإصبعي للمستقيم (المس الشرجي) digital rectal exam، فقط كشف الأورام التي تجاوزت المرحلة المكروية. ففي هذا الفحص يدخل الطبيب إصبعه في المستقيم ويقوم بجس الغدة من خلال جداره بحثا عن كتلة أو قساوة في نسيجها.

 

ولسوء الحظ فإن اختبار المستضد PSA ليس نوعيا تماما؛ إذ تكون مستويات المستضد PSA ضمن الحدود الطبيعية ( ≥ 4 نانوغرام/ مليلتر دم) عند نحو 255% من المصابين بسرطان الپروستاتة . وفي الوقت نفسه نجد أكثر من نصف الرجال ذوي المستويات الأعلى من المستضد PSA  خالين تماما من السرطان.

 

قبل مناقشة أفضل السبل لإنقاص مجال الخطأ في هذا الاختبار، علينا أن نقر بأن استعمال اختبار المستضد PSA  من أجل المسح الاستقصائي الواسع كان مثارًا للجدل وسيبقى [انظر: «معضلات سرطان الموثة»، مجلة العلوم ، العدد 5 (1995) ، ص 18]. خلاصة القول إن بعض الأطباء، في أوروبا خاصة، يشككون في جدوى الحاجة إلى الكشف عن سرطان الپروستاتة وهو في مرحلته المكروية، والذي ينجم عندما تستطيع إحدى خلايا الپروستاتة التخلص من الضوابط المعتادة على انقسامها وهجرتها. ويشير هؤلاء إلى أن الأورام المكروية عادة ما تنمو ببطء شديد لدرجة يندر معها أن تتسبب في أعراض خلال حياة المرء أو تؤثر في بُقْياه(2) . وبالتالي فقد يكون ضرر تعريض عدد كبير من الرجال إلى هذا الفحص أكبر من نفعه، إذا أخذنا بعين الاعتبار وجوب متابعة الذين يُبدون مقادير غير طبيعية بإجراء استقصاءات لاحقة (مثل التصوير بالموجات فوق الصوتية والخزعة biopsy)، ومن ثم تعريض من يَثبت وجود ورم كامن لديه للآثار الجانبية(3) للمعالجة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008928.jpg

تغرس حبيبات (كُرَيّات) pellets، مشعة (الأحمر) داخل الپروستاتة في محاولة لتدمير سرطان بداخلها. في وقت ما كانت هذه العملية التي تدعى أيضا المعالجة القصيرة ذات نتائج مخيبة للآمال. فكثيرا ما كانت الحبيبات تغرس بشكل غير متجانس، مما يترك مناطق من الغدة من دون معالجة. أما اليوم فإن القوالب (العوارض) الموضوعة على المريض ـ إضافة إلى التصوير أثناء العملية بالموجات فوق الصوتية للپروستاتة ـ تساعد الأطباء على تحقيق توزع متجانس للحبيبات الأمر الذي يؤدي حسب تقارير جديدة إلى تحسن كبير في معدل نجاح هذه المعالجة.

 

بينما يعتقد أطباء آخرون، ونحن من بينهم، بأن هذا الاختبار يكشف عادة عن الخباثات التي ستؤثر بالفعل في بُقْيا المريض (ستتطور لتصبح «سريرية»). هذا فضلا عن أن العلماء لايزالون عاجزين عن التفريق الحاسم بين الأورام التي ستتطور لتصبح مميتة وتلك التي لن تنحو هذا المنحى؛ أي إن حجب المعالجة عن المصابين بهذه الأورام يعني أن عددا منهم سيحكم عليه بالموت المبكر.

 

تحسين طرق الكشف عن المرض

إن عدم نوعية اختبار المستضد PSA يزعج حتى المتحمسين له. وتعتمد إحدى طرق تحسين مردود هذا الاختبار على استخدام مقياس متدرج sliding scaleللمستويات المقبولة من المستضد PSA، بحيث تبدأ فيه الحدود العليا الطبيعية من مستوى منخفض وتتزايد بتقدم العمر [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. تعتمد هذه المقاربة على ملاحظة أن مستويات المستضد PSA تميل إلى الزيادة بتقدم العمر حتى عند خلو الپروستاتة من أي سرطان. إن استعمال مقياس كهذا سيخفض عتبة الشك عند الرجال في الأربعينات والخمسينات من العمر، والذين يميل سرطان الپروستاتة عندهم لأن يكون الأكثر شراسة. وفي الوقت نفسه ستجنب هذه الطريقة الكثير من الرجال في الستينات والسبعينات تعرضهم للاستقصاءات اللاحقة غير الضرورية. غير أن بعض الأطباء قلقون من إمكانية أن يؤدي استعمال المقاييس «المعدلة عمريا» إلى إغفالنا للخباثات في المجموعات الأكبر سنا.

 

فعندما تتوافر قيمتان متعاقبتان أو أكثر لمستوى المستضد PSA فإن معدل تغيره بين سنة وأخرى، والذي يعرف باسم سرعة المستضد PSA velocity PSA ، يمكن أن يساعد على تعرف المصابين بالسرطان بغض النظر عما إذا كانت قيم المستضد PSA عندهم تقع ضمن الحدود الطبيعية أو لا. إن حدوث زيادة تفوق 0.755 نانوغرام/ مليلتر قد يستدعي إجراء الخزعة.

غدة الپروستاتة والأعضاء المحيطة بها

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008929.jpg

إن غدة الپروستاتة (الأصفر) التي تساعد على الإبقاء على حيوية النُّطَف وتشارك في إنتاجها، تجاور بنى عديدة تؤثر في وظائف المثانة والأمعاء وكذلك في الوظيفة الجنسية. وعندما تنمو أورام الپروستاتة فإنها غالبا ما تضغط على المثانة أو الإحليل مسببة مشكلات بولية كتكرار التبول (تعدد البيلات) والإلحاح urgency. وكذلك يمكن أن تسبب معالجات سرطان الپروستاتة أذية الأنسجة المجاورة مسببة السلس incontinence والتهاب المستقيم والعنانة impotence وغيرها.

 

أما عندما تقع قيم المستضد PSA ضمن المنطقة الرمادية، أي بين القيم الطبيعية الصريحة والمرضية الصريحة، كأن تكون في المجال 4-100 نانوغرام/مليلتر، فإن منابلة manipulation ثالثة ـ إضافة إلى عملية النظر إلى قيمة المستضد PSA بالنسبة إلى العمر ـ يمكن أن تساعد على تمييز المصابين بالسرطان؛ إذ يمكن للأطباء أن يقيسوا نسبة جزيئات PSA الحرة (غير المرتبطة بالبروتينات الأخرى) إلى الأشكال المرتبطة بالبروتين في عينة من دم المرضى. فنسبة المستضد PSA الحر إلى المرتبط تميل إلى أن تكون منخفضة بشكل غير  عادي عند مرضى سرطان الپروستاتة .

 

إلى جانب المستضد PSA فإن جزيئات أخرى في الدورة الدموية قد تبدي تغيرات بنيوية أو كمية لدى نشوء السرطان. ويحاول العلماء تطوير وسائل استقصائية اعتمادا على هذه التغيرات. وقد تتيح فحوص معينة تعرّف القابلين للإصابة بسرطان الپروستاتة من بين الأصحاء؛ ومثل هؤلاء يحتاجون إلى مراقبة إضافية وقد يستفيدون من الأفكار الواعدة في مجال الوقاية. ومن بين المركبات المرشحة لهذا الدور جزيء يدعى عامل النمو الشبيه بالأنسولين1insulinlike growth factor-1؛ إذ يختبر العلماء ما إذا كان ارتفاع مستوى هذا العامل في الدم يمثل تحذيرا بأن الشخص المعني مصاب أو أنه معرض أكثر من غيره للإصابة بسرطان الپروستاتة .

 

وقد تعرف إخصائيو الپاثولوجيا (علم الأمراض) pathologists علامةً أخرى من علامات الخطر بالنسبة إلى قابلية الإصابة بسرطان الپروستاتة ، وتنحصر إمكانية تقصي هذه العلامة بإجراء الفحص النسيجي لخزعة الپروستاتة التي استدعاها وجود قيمة مرتفعة من المستضد PSA أو بفحص نسيج الپروستاتة المُسْتأصَل لأي غرض آخر. يفحص نسيج الپروستاتة دائما تحت المجهر لتقصي وجود السرطان، الذي يتميز بوجود خلايا غير طبيعية الشكل أو مندمجة، كما يدل عليه فَقْد نظام أو تماسك التجمعات الخلوية. وأحيانا لا يجد الفاحصون في عينات الپروستاتة أي سرطان، بل مناطق تُظهر تبدلات أقل وضوحا، كالحالة المدعوة التنشؤ داخل الظهاري العالي الدرجة high-grade prostaticintraepithelial neoplasia PIN. ومازال العلماء مختلفين حول ما إذا كان التنشؤ PIN يمثل حالة قبل سرطانية في الپروستاتة أو أنه مجرد تنشؤ مصاحب. ويبقى أمر واحد مؤكد: وهو أن هذه العلامة بمثابة تحذير بأن سرطان الپروستاتة قيد التشكل أو أنه مختفٍ في مكان ما من الغدة. وبالفعل فإن السرطان يظهر في غضون خمس سنوات عند نصف من تكون هذه العلامة إيجابية عندهم وتُجرى لهم خزعات لاحقة.

 

ويبحث علماء الوراثة أيضا عن مؤشرات لزيادة الاستعداد للإصابة بسرطان الپروستاتة . فإخوة وأبناء النسوة المصابات بسرطان الثدي أو اللواتي يحملن أشكالا طافرة من الجينة BRCA1  (والتي تبين ارتباطها بسرطان الثدي) يكونون معرضين للإصابة بسرطان الپروستاتة بمعدل أعلى نوعا ما. كما أن وراثة شكل معيب من الجينة HPC1 (جينة سرطان الپروستاتة البشري 11) يمكن أن تسهم في حدوث بعض حالات سرطان الپروستاتة . غير أن الفحوص الجينية لتقصي قابلية الإصابة بسرطان الپروستاتة لاتزال بعيدة عن الكمال.

 

من هم الممكن شفاؤهم؟

إذا تبين أن رجلا ما يعاني سرطان الپروستاتة ، يتعين عندها على الأطباء تحديد مرحلته stage (أي مدى انتشاره). والتقييم الصحيح لمرحلة الإصابة بالغ الأهمية، إذ يعتمد عليه تقرير المعالجة المناسبة. وكثيرا ما تقدم لنا وسائل التشخيص المتوافرة صورة غير دقيقة عن مدى تقدم الورم، غير أن ظهور طرائق جديدة بدأ يساعد على حل هذه المعضلة الجدية.

 

مقياس متدرج

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008930.jpg

قد تشير مستويات المستضد النوعي للپروستاتة (PSA) في الدم إلى احتمال وجود إصابة بسرطان الپروستاتة وبالتالي ضرورة خضوع المريض لاختبارات تشخيصية. ويستخدم أحد المقاييس قيم المستضد PSA المقبولة معدلة بما يتماشى مع العمر عوضا عن اعتبار قيمة 4 نانوغرام/ ملّيلتر الحدَّ الأعلى المسموح به بالنسبة إلى الجميع. إلا أن الحدود الفاصلة بين الطبيعي وغير الطبيعي لاتزال مثار جدل بين الأطباء.

 

وتتجلى فائدة هذه الطرائق عندما تكون العلاقة بين المرحلة والمعالجة واضحة لا لبس فيها. ومن أشيع أنظمة التصنيف المرحلي لهذا المرض ما يدعى بالتصنيف TNM. فالورم البدئي (tumor: T) يقسم بحسب هذا النظام إلى أربع مراحل (تنقسم بدورها إلى مراحل فرعية). وعموما تعني المرحلة T1 أن الورم لايزال مكرويا (مجهريا) ولا يمكن جسه بفحص المستقيم. أما المرحلة T2 فتعني أن الورم مجسوس ومتوضع بكلّيته ضمن الغدة. وأما سرطانات المرحلة T3فتكون قد تجاوزت الغدة إلى الأنسجة الضامة المحيطة أو قامت بغزو الحويصلات المنوية seminal vesicles  (البنى الخازنة للمني) المحيطة بالغدة. وأما الأورام في المرحلة T4 فتكون ممتدة إلى أبعد من ذلك.

 

كما يتيح هذا النظام تحديد ما إذا كان المرض قد انتقل إلى العقد اللمفاوية الحوضية (node: N) أو إلى أبعد من ذلك (metastases: M). والنقائل عبارة عن أورام نتجت من انفلات خلايا سرطانية من الورم الأصلي لتنتقل عبر الدورة الدموية أو اللمفاوية إلى مواقع بعيدة وتباشر الانقسام فيها.

 

كقاعدة عامة فإن الورم المحدود بغدة الپروستاتة (4)، أي في المرحلتين T1 وT2، يكون قابلا للشفاء بعملية استئصال الپروستاتة prostatectomy (جراحة تجرى لاستئصال الپروستاتة ، وهي عضو غير أساسي). كما يمكن شفاء ورم كهذا بالإشعاع الموضعي local radiation لتدمير الورم أو بإشراك المعالجة الجراحية أو الإشعاعية بالمعالجة الهرمونية الجهازية(5) systemic hormonaltherapy. تعتمد المعالجة الهرمونية على حقيقة أن الأندروجينات androgens ـ كالتستوستيرون وهرمونات الذكورة الأخرى ـ تُؤَجِّج نمو أورام الپروستاتة . تهدف هذه المعالجة إلى منع الجسم من إنتاج الأندروجينات أو إلى إحصارblock تأثيرها في خلايا الپروستاتة ، أو كليهما معا. غالبا ما تموت الخلايا السرطانية في الپروستاتة بغياب التنشيط الإندروجيني. وهكذا فإن المعالجة الهرمونية تساعد على انكماش الأورام وتدمير الخلايا السرطانية التي لم تَطَلْها المعالجات الأخرى، مع أنه من المستبعد أن تكون هذه المعالجة كافية وحدها للقضاء على سرطانات الپروستاتة التي تجاوزت المرحلة المكروية.

 

لاتزال الجراحة هي حجر الأساس في معالجة الآفات السرطانية المحدودة بالغدة لأنها حققت أعلى معدلات البُقْيا في الدراسات الطويلة الأمد. ومع ذلك ـ كما سنرى لاحقا ـ فإن المعالجات الإشعاعية المتطورة والطرائق الحديثة الأخرى تبشر بالوصول إلى معدلات نجاح مماثلة للجراحة في الكثير من الحالات.

 

عندما يجتاز الورم السطحَ الخارجي للغدة (في المرحلتين T3 و T4)، يصبح الاستئصال الجراحي للغدة غير كافٍ للتخلص من الورم بمجمله. عندها تكون المعالجة الإشعاعية هي المختارة، مع إمكانية مشاركتها بالمعالجة الهرمونية. وفي الواقع فإن عددا من هذه الأورام المتقدمة (المستفحلة) يكون قابلا للشفاء، ولكن احتمالات الشفاء تكون أقل بكثير من الأورام المحدودة بالغدة. تنخفض احتمالات الشفاء لأن هذه الأورام غالبا ما تكون كبيرة الحجم؛ وكثيرا ما تقاوم الأورامُ الكبيرة تأثير الأشعة والأدوية. كما أن الكثير من هذه الأورام يشخص بعد أن يكون قد أعطى نقائل مكروية صعبة الكشف.

 

وللأسف غالبا ما تعجز المعالجات المتوافرة عن شفاء الأورام النقيلية. وعندما يتضح أن الورم قد شكل نقائل أو أن احتمال ذلك أصبح قويا، عندها يتحول اهتمام المعالجين والمرضى عادة من إمكانية التوصل إلى الشفاء إلى محاولة إطالة الحياة وتخفيف الأعراض. وبما أن المعالجة الهرمونية تسبب انكماش أورام الپروستاتة فقد بقيت منذ وقت طويل المعالجة المختارة لهذه الحالات. ويمكن استخدام المعالجة الإشعاعية وأحيانا المعالجة الكيميائية chemotherapy(العقاقير غير الهرمونية) لتخفيف الأعراض المزعجة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008931.jpg

تُقيَّم المرحلة (أي مدى انتشار الورم) كموجّه لكيفية المعالجة. حاليا يميل الكثير من الأطباء إلى استعمال النظام TNM (ورم tumor، عقدة node، نقيلة metastasis) الذي تصنف بموجبه خباثات الپروستاتة بحسب صفات الورم البدئي (T) وبحسب وجود نقائل في العقد الحوضية (N) أو في مناطق بعيدة (M). ويمثل هذا الجدول تحسينا للنظام TNM الأصلي.

 

إن الوصول إلى تقدير صحيح لمرحلة المرض له أهمية بالغة؛ لأن أخطار التعرض للمعالجات المكثفة الشافية(6) لها ما يبررها فقط عندما تكون حظوظ هذه المعالجة من النجاح معقولة. فمضاعفات المعالجة الجراحية أو الإشعاعية يمكن أن تشتمل على أذية الطرق (المسالك) البولية والأعصاب الضرورية لحدوث الانتصاب erection مما يؤدي إلى حدوث السلس incontinence والعنانة impotence، إضافة إلى تأثيرات أخرى. كما يمكن أن تؤدي المعالجة الهرمونية إلى العنانة والتأنث feminization وإلى هبات حارة hot flashes وفقدان الشهوة libidoوالحيوية ونقص كثافة العظام.

 

ويقرر الأطباء مرحلةَ المرض بناء على تفحصهم للسرطان من أوجه مختلفة ومن ثم تجميع المعلومات (المعطيات) الناتجة. يقوم الأطباء بجس الغدة وتصويرها لتقدير حجم الورم وتوضعه. كما يقومون بفحص العينات النسيجية المتوافرة (كالخزعات) تحت المجهر لتكوين فكرة عن مدى عدوانية aggressivenessالسرطان. إن وجود درجة عالية من التشوه الخلوي والنسيجي والتي يعبر عنها بتقدير عال وفق تصنيف گليسون(7)، تعني احتمال أن يكون الورم سريع النمو وأن يكون قد شكل نقائل ورمية. وتتراوح قيم تصنيف گليسون بين القيمة المشجعة 2 والمثيرة للقلق 10.

 

كما يمكن أن يستعمل الأطباء عددا من الوسائل تتيح لهم تقصي النقائل (الانتشارات) بشكل مباشر. وبما أن سرطان الپروستاتة يميل في العادة إلى الانتقال إلى العقد اللمفاوية الحوضية في بادئ الأمر، فإن التقصي غالبا ما يتضمن الفحص النسيجي لعينات من هذه العقد. وأحيانا يُظهر التصوير المقطعي المحوسب computed tomography (CT) scan تغيرات واضحة تشير إلى وجود نقائل ورمية في العقد الحوضية أو البطنية. وفي هذه التقنية يتم استخدام حزمة دوارة من الأشعة السينية X-ray لتوليد صور مقطعية لمنطقة (ناحية) مختارة من الجسم. وبما أن سرطان الپروستاتة يميل إلى الانتشار إلى العظم فضلا عن العقد اللمفاوية، فإن تصوير العظام بالنظائر المشعةradionuclide bone scan الذي يتم بوسيلة مختلفة، يمكن إجراؤه أيضا.

 

تقييم أدق لمرحلة المرض

بغض النظر عن مدى إتقان الأطباء لعملهم، هناك ميل شائع لأن يصنف المرض في البدء ضمن مرحلة تقل عن مدى انتشاره الحقيقي. وينطبق سوء التقدير هذا على ما يدعى التصنيف السريري(8)، الذي يعتمد على فحوص تجرى للمريض قبل تلقيه المعالجة. ويكون التصنيف النسيجي (الجراحي)pathological staging  أيضا عرضة للخطأ إنما بدرجة أقل، فهو عادة ما يعطي صورة أدق عن حالة المريض. يقوم إخصائيو الپاثولوجيا في التصنيف الجراحي بفحص النسيج الغدي المستحصل عليه أثناء عملية استئصال الپروستاتة بما فيه الحافة المحيطة بالغدة وبعض العقد اللمفاوية والحويصلات المنوية. إن وجود خلايا خبيثة في حواف الغدة أو في الأنسجة خارج الپروستاتة يعني أن الورم الذي افترض ابتداء أنه محدود بالغدة هو أكثر انتشارا مما كان يظن، وهناك احتمال لا بأس به أن يكون قد أعطى نقائل لم تكتشف بعد.

 

التنبؤ بالوضع الحقيقي للورم

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008932.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008933.jpg

يمكن تقديم احتمالات صحة التصنيف السريري البدئي (قبل العلاجي) للورم عند المريض بإجراء تفحص للبيانات المتعلقة بمصير المرضى الذين قيّمت حالاتهم قبل الجراحة وبعدها. ترينا المخططات هنا بعض هذه البيانات لمرضى مقسمين بحسب تصنيف گليسون (الأشكال الملونة)، وهو تصنيف يدل على عدوانية الورم. تظهر هذه الأشكال أنه في حالة مريض قُيِّم على أساس وجود ورم لديه محدود بالغدة (مقتصر عليها)، فإن احتمالات أن يكون ورمه كذلك بالفعل (الأشكال اليسرى) ولم ينتقل إلى العقد اللمفاوية الحوضية (الأشكال اليمنى)  تتضاءل عموما بتزايد المرحلة السريرية وعيار المستضد PSA ودرجات  تصنيف گليسون.

 

وفي السنوات الأخيرة دلت دراسات عديدة على أن نسبة مقلقة تتراوح بين 40 و50 في المئة من المرضى الذي قُيِّموا سريريا على أنهم في مرحلة الورم المحدود بالغدة كان لديهم في الحقيقة مرض في مرحلة أكثر تقدما بحيث قد تستعصي على العلاج الجراحي أو الشعاعي. أما عند المرضى الذين بدا ابتداء أنهم شفوا بعد أن تلقوا معالجة جراحية (اعتمادا على اختبارات التصنيف النسيجي) أو إشعاعية، فسيعاود المرض الظهور لاحقا عند 10-30 في المئة منهم تقريبا، ويكون مصدر النكس خلايا خبيثة باقية في الغدة أو حولها، أو نقائل مكروية كانت خافية عند بدء المعالجة. وغالبا ما يكون ارتفاع مستوى المستضدPSA هو العلامة الأولى على بدء المشكلات؛ وقد يحصل هذا الارتفاع مبكرا قبل  أن تسبب النقائل أعراضا بخمس سنوات أو عشر.

 

إن الوسائل القادرة على توفير صور أوضح للورم البدئي تحسن من دقة التقييم السريري. ففي معظم المرضى يَقصر التصوير المقطعي المحوسب أو التصوير بالموجات فوق الصوتية (الصدى) ultrasound  عن إعطاء صورة واضحة عن توضع الورم ومدى انتشاره خارج غدة الپروستاتة . لذا يتم حاليا تطوير تقنية واعدة تعتمد على الموجات فوق الصوتية وتستخدم أسلوبَ معالجةٍ للإشارة يدعى التحليل الطيفي spectrum analysis. ترتد الموجات الصوتية عن غدة الپروستاتة كالمعتاد، ولكن الجهاز يقوم بتحليل جميع إشارات الصدى عوضا عن قسم صغير منها كما هي الحال في أجهزة الصدى العادية. يقوم بعدها برنامج حاسوبي متطور بترجمة المجموع الكلي للبيانات إلى منظر ملوّن ثلاثي الأبعاد للغدة لإظهار الورم بشكل محدد.

 

وفي الوقت نفسه يتم تطوير استخدامات جديدة لتقنية التصوير بالرنين المغنطيسي magnetic resonance imaging MRI. تقوم الأجهزة MRI  ببث حقول مغنطيسية حول المريض لتكوين صور مقطعية للجسم. لا تعطينا الأجهزة MRIالعادية خرائط عالية التحديد للورم الپروستاتي. ولكن عند إدخال جهاز بث صغير للموجات الكهرمغنطيسية في مستقيم المريض («وشيعة داخل مستقيمية»)، فإن الصور الناتجة يمكن أن تدلنا على ما إذا كان الورم متجاوزا حدود الغدة وإلى أي مدى. كما قد يساعد التحليل الطيفي بالرنين المغنطيسيmagnetic resonance spectroscopy، الذي يقيس الفعالية الاستقلابية (الأيضية) في المنطقة المفحوصة على التفريق بين النسيج السليم والنسيج السرطاني. إلا أن هاتين التقنيتين (الصدى والرنين) تعجزان عن إظهار الانتشارات المكروية للورم.

 

وقد تم مؤخرا تبني استراتيجية تعتمد أكثر على الرياضيات لتحديد مرحلة الورم الحقيقية وللمساعدة على تقرير المعالجة المناسبة. تعتمد هذه الطريقة على استعمال الجداول لتحديد احتمال وجود ورم أكثر انتشارا أو ورم نقيلي عند مريض قُيِّم سريريا على أنه في مرحلة الورم المحدود بالغدة.

 

وقد صمم لهذا الغرض العديد من النماذج التنبئية، إلا أن الجدول الذي يرجع إليه الأطباء والمرضى بكثرة كان قد نُشِر في العدد 14/4/1997 في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية JAMA. ففي هذه الطريقة يقسم المرضى إلى مجموعات اعتمادا على المرحلة السريرية لورمهم وعلى تقدير حالتهم قبل الجراحة وفق كل من تصنيف گليسون ومستوى المستضد PSA، ثم ترينا كيف كان تطور الحالة عند جميع مرضى كل مجموعة لدى إعادة التصنيف بعد الجراحة. وعلى الرغم من أن هذا المخطط معقد، فهو يؤكد بوجه عام أن احتمال خطأ التصنيف ووجود النقائل يتزايد بازدياد حجم الورم وتقدير تصنيف گليسون ومستوى المستضدPSA  مجتمعة. وعندما يتزود الطبيب بهذه الاحتمالات في صورة أرقام محددة، فإنه سيتمكن من القيام بتقييم أدق لحالة المريض وبالتالي اختيارٍ أفضل لنوع المعالجة التي تناسبه.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008934.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008935.jpg

قد تساعد المستجدات في طرق التصوير على إظهار الامتداد الكلي للورم قبل البدء بالمعالجة. ويمكن عن طريق استخلاص معلومات أكثر من الموجات فوق الصوتية، تشكيل صور ثلاثية الأبعاد (أعلى اليسار) تمكننا من التمييز بين الأنسجة السوية والورمية (الأحمر). كما يمكننا عن طريق إضافة وشيعة داخل مستقيمية (ملف داخل المستقيم) إلى التصوير العادي بالرنين المغنطيسي (MRI) تحديد الورم داخل الپروستاتة (أسفل اليسار، الحدود مضافة إلى الشكل). كما يمكن أن تضيف تقنية التحليل الطيفي بالرنين المغنطيسي بعدا إضافيا للصور السابقة (أسفل). وعن طريق قياس التباين في الفعاليات الاستقلابية (الأيضية) على امتداد الغدة المفحوصة (المخططات البيانية)، نستطيع تمييز الأنسجة السرطانية (المربع الأحمر) من الأنسجة السوية (المربع الأزرق). (توضح المربعات الصفراء شذوذات غير سرطانية).

 

يرينا هذا الجدول مثلا بأن 80% من المرضى ـ الذين قُيِّموا سريريا على أساس وجود ورم صغير مجسوس (المرحلة T2a)، وممن كانت لديهم مستويات منخفضة من المستضد PSA (44 نانوغرام أو أقل في كل مليلتر) مع أقل درجات تصنيف گليسون ممكنة (2-44) ـ يكونون في الواقع في مرحلة الورم المحدود بالغدة. إضافة إلى ذلك لا يحتمل أن يُظهر أي من هؤلاء المرضى علامات على وجود نقائل في العقد اللمفاوية التي اختيرت للخزعة. وهنا فإن الجراحة تعتبر خيارا مناسبا لمثل هؤلاء المرضى وتكون احتمالات تحقيق الشفاء عالية عندئذ.

 

في المقابل فإن 5% فقط من المصابين بأورام في المرحلة السريرية نفسها، ولكن عندهم مستوى المستضد PSA أعلى من 200 وتصنيف گليسون في الحدود العليا (8-10)، يكونون في الواقع في مرحلة الورم المحدود بالغدة، ويحتمل أن يكون لدى أكثر من 20% منهم نقائل في العقد اللمفاوية. وهنا فإن الخيار الجراحي وحده قد لا يكون هو المناسب لعلاج معظم هؤلاء المرضى الذين هم في المرحلة السريرية نفسها، وعلى المعالج أن يفكر بمعالجات أخرى كمشاركة المعالجة الإشعاعية الموضعية مع المعالجة الهرمونية الجهازية (العامة).

 

إن الطرائق الجديدة الأخرى لتحديد مرحلة المرض الحقيقية تعتمد على تقييم العلامات الدالة على عدوانية aggressiveness المرض ـ أي تبحث عن دلالات إضافية على معدل نمو الورم وقدرته على تشكيل النقائل. وتساعد هذه الفحوص، عند إجرائها قبل بدء المعالجة، على تقرير أي المرضى بحاجة إلى علاج فوري قد يكون جهازيا. كما يمكن أن تساعد على تحديد أي الأورام القابلة للشفاء لا تحتاج في الحقيقة إلى أية معالجة ـ لأن نموها بطيء جدا بحيث لا يحتمل أن تتسبب في أية أعراض أو تشكل خطورة خلال حياة المريض. كما يساعد تقييم عدوانية الورم على تقرير وجوب اتباع المعالجة الإشعاعية أو الجراحية بمعالجة جهازية.

 

مقاييس جديدة للعدوانية

وباستخدام الرياضيات مرة أخرى، قام الباحثون بمراجعة معدلات البُقْيا على مدى 15 عاما لأكثر من 750 مريضا ممن بدا أنهم مصابون بسرطان محدود بالغدة، مقسمين بحسب تصنيف گليسون عند التشخيص. تنص نتائج هذه الدراسة التي قام <C.P. البرتسن> مع آخرين (من المركز الصحي لجامعة كونيكتيكت) بنشرها في العدد 16/9/1998 في المجلة JAMA، على أن خطر تسبب الأورام ـ ذات التقديرات التي تتراوح بين 2 و 4 وفق تصنيف گليسون ـ في وفاة المصابين بها خلال 15 عاما يكون خطرا أصغريا (4-7 في المئة)، في حين يكون خطر الوفاة عاليا (60-87 في المئة) لدى المصابين بأورام ذات تقديرات تتراوح بين 8 و 10 حسب تصنيف گليسون حتى ولو كانوا في الرابعة والسبعين عند تشخيص المرض لديهم.

 

وتشير هذه النتائج إلى أن المراقبة الجيدة قد تكون كافية وحدها لدى الرجال المصابين بورم محدود بالغدة ويكون لديهم تقدير تصنيف گليسون في الحدود الدنيا، في حين يغلب أن الرجال الواقعين على الطرف الآخر من تصنيف گليسون (ذوو القيم العليا) لا يحتمل أن يعيشوا أصحاء من دون علاج. أما بالنسبة إلى المرضى ذوي القيم المتوسطة من تصنيف گليسون فلايزال التعامل معهم محيرا. يبلغ خطر الوفاة بسرطان الپروستاتة خلال 15 عاما عند المرضى ممن يكون تقدير تصنيف گليسون لديهم 5 أو 6 أو 7 من 6-11 في المئة ومن 18-30 في المئة ومن 42-70 في المئة على التوالي، إذا لم يخضعوا للعلاج.

 

تنتمي العديد من الطرائق الناشئة أو التجريبية للتنبؤ بسلوك ورم الپروستاتة إلى ما يمكن أن يسمى وسائل التصنيف الجزيئي. ترصد هذه الطرق التغيراتِ الجينية أو الكمية أو البنيوية للبروتينات التي يمكن أن تميز سرطان الپروستاتة النقيلي عن الورم الموضعي أو عن النسيج السوي للپروستاتة. فإذا احتوى نسيج الخزعة على هذه المظاهر، فإنها تشير إلى إمكانية كون السرطان سريع النمو وميالا لتشكيل النقائل.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008936.jpg

تبين أن المعالجة المركبة (التوليفية) combination therapy، باستعمال المعالجة الهرمونية إضافة إلى الإشعاع، أدت إلى إطالة البُقْيا في دراسة شملت 415 مريضا كان لدى معظمهم سرطان موضعي متفاقم (المرحلة T3 أو T4). لقد أُعطيت المعالجة الهرمونية لقتل الخلايا السرطانية المتبقية الناجية من الإشعاع أو التي انتشرت إلى مناطق بعيدة. وبشكل أساسي تعمل المعالجة الهرمونية على لجم إنتاج التستوستيرون أو لجم تأثيره، وهو هرمون يحرض نمو الأورام.

 

وتعتمد إحدى هذه التحليلات التجريبية على تقصي نسخ طافرة من الجينةp53، وهي جينة تقوم في الحالة الطبيعية بدور كابت للورم. وتُصادَف نسخ مشوهة من الجينة p53 في العديد من السرطانات. ويندر أن تُصادَف هذه الأشكال المشوهة في الورم الپروستاتي البدئي، في حين تظهر أحيانا في التوضعات النقيلية للورم. وهكذا فإن اكتشاف أشكال شاذة من الجينة p53 في خزعات الورم البدئي أو في الغدة المستأصلة جراحيا يدل على عدم احتمال أن يكون نمو السرطان بطيئا حتى لو ظل مكرويا وجيّد التمايز. ومن التغيرات الجزيئية الأخرى التي يُجرى تقييمها كمؤشرات على عدوانية الورم ارتفاع مستوى البروتينين Bcl-2 و Bcl-6 وظهور إنزيم يدعى التيلوميراز telomerase؛ تشترك هذه الجزيئات الثلاثة على ما يبدو في كونها تدعم حياة الخلايا السرطانية لتتجاوز المدى المحدد لها طبيعيا.

 

تولّد دراسة الجزيئات المتعلقة بالسرطان أيضا أفكارا جديدة في مجال تقصي النقائل. ويعتمد أحد الاتجاهات الواعدة على استخدام واسمات جزيئيةmolecular highlighters (تكون عادة عبارة عن أضداد antibodies مرتبطة بعناصر مشعة) تجوب الجسم لاكتشاف خلايا الپروستاتة الموجودة في أنسجة غير پروستاتية ومن ثم وَسْمها. إن خلايا الپروستاتة السوية تعجز عن العيش في غير بيئتها الأصلية، لهذا فوجود خلايا پروستاتية بعيدا عن الغدة يشير إلى أن هذه الخلايا الضالة هي خلايا سرطانية، ومن المرجح أن تكون قد نجحت في تشكيل نقائل في أماكن أخرى. ويستخدم حاليا اختبار يعتمد على ضد يتعرف بروتينا يدعى مستضد الغشاء النوعي للپروستاتة prostate-specific membraneantigen، كما يُجرى تقييم اختبارات أخرى.

 

تحسين كفاءة المعالجة

يترافق التقدم في طرق كشف المرض وتحديد مرحلته بتطور في طرق المعالجة أيضا. ويساعد التقدم في أساليب المعالجة الإشعاعية والتطبيقات المستجدة للعلاج الهرموني خاصة على تحسين توقعات البُقيا بالنسبة إلى العديد من المرضى.

 

أخطار المعالجة الموضعية

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008937.jpg

معدلات بعض التأثيرات (الأعراض) الجانبية كما حسبت لدى مرضى تعرضوا للجراحة أو الإشعاع بهدف التخلص المباشر من الأورام المحدودة بالغدة. وبشكل عام، كلما صغر سن المريض وكان ورمه في مرحلة أبكر وتلقى معالجته في مراكز لديها خبرة كبيرة في نوع المعالجة المنتقاة، كلما أبلى بشكل أفضل. إن المعالجة الهرمونية الدوائية، التي قد تعطى للرجال الذين لديهم سرطانات موضعية كعلاج مساعد للجراحة والإشعاع، عادة ما تؤدي إلى تأثيرات غير مرغوبة أيضا، إلا أن هذه التأثيرات تختفي غالبا بعد إيقاف هذه الأدوية.

 

تأخذ المعالجة الإشعاعية التقليدية شكل الإشعاع بالحزمة الخارجيةexternal-beam radiation، إذ يقوم مسرع خطي linear accelerator بالدوران حول المريض مطلقا حزما مكثفة من الأشعة السينية (x) أو أشعة گاما (γ) باتجاه الپروستاتة من زوايا مختلفة. تهدف عملية الدوران إلى تخفيف تعرض الأنسجة السليمة الواقعة على «خط النار» للأشعة، وفي الوقت نفسه إيصال جرعات إشعاعية عالية إلى الورم (مع ذلك تتلقى الأنسجة السليمة بجوار الپروستاتة جرعات مؤذية).

 

وفي دراسة حديثة توبع فيها المرضى فترة 5 سنوات، وجد أن هذه الطريقة لا تقل نجاحا عن استئصال الپروستاتة في شفاء الأورام الصغيرة نسبيا والمحدودة بالغدة. أما عندما تكون الأورام كبيرة فإن الجرعات المعيارية (القياسية) من الأشعة يمكن أن تكون غير كافية لقتل جميع الخلايا السرطانية. غير أن استعمال الجرعات الأعلى المطلوبة في هذه الحالة يحمل خطر التسبب في أذى بالغ للبنى المجاورة للپروستاتة.

 

وتتيح تقنية جديدة تعرف بالمعالجة الإشعاعية المطابقة الثلاثية الأبعادthree-dimensional conformal radiation therapy 3-D CRT إمكانية إيصال جرعات عالية لم تتح من قبل من الأشعة إلى الأورام المحدودة بالغدة من دون تعريض الأنسجة القريبة إلى أي خطر زائد. ففي هذه الطريقة، التي تتوافر حاليا في معظم المراكز الطبية الكبيرة، يقوم المعالجون الشعاعيون بعمل صور مقطعية (CT scan) للپروستاتة. ثم يقوم الحاسوب بتجميع هذه المعلومات في شكل مجسمات ثلاثية الأبعاد للغدة، تماما كما تُرى من قِبَل المسرع أثناء دورانه. ويقوم الحاسوب في الوقت نفسه بتوجيه المسرع لتعديل حزمته بحيث تكون متوافقة في جميع الأوقات مع أبعاد پروستاتة المريض للتقليل ما أمكن من كمية الأشعة التي تسقط خارج حدود الغدة.

 

ومع أنه لم يثبت بشكل قاطع أن التقنية 3-D CRT قادرة على تحقيق معدلات شفاء أعلى، فإنها تعد بتحسين نتائج المعالجة الإشعاعية والتقليل من تأثيراتها (أعراضها) الجانبية. ومن المرجح أن يتطلب الأمر توافر براهين على أفضلية هذه الطريقة، التي تفوق كلفةً المعالجة الإشعاعية التقليدية، قبل قبولها الواسع.

 

تطور في المعالجة الإشعاعية

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008938.jpg

تتيح تقنية المعالجة الإشعاعية المتطابقة الثلاثية الأبعاد للأطباء زيادة جرعات الأشعة الموجهة إلى الغدة من دون إضرار زائد بالأنسجة المحيطة بها. وكما هي الحال في الطريقة التقليدية يقوم مسرع خطي بالدوران حول المريض موجها أشعة سينية (x) أو گامّية (y) نحو الپروستاتة ، إلا أن تقنية التطابق تضيف منحى مهما.

قبل بدء المعالجة، يتم تحضير صور رقمية لپروستاتة المريض وتجمع بشكل نماذج ظاهرية ثلاثية الأبعاد تماثل ما ستبدو عليه الغدة للمسرع من جميع الزوايا. يقوم المسرع بعدها بتعديل الحزمة لتتوافق مع منظر الغدة كما «تراها» الحزمة، مما يقلل من مقدار الإشعاع الذي يصيب المثانة والمستقيم وأهدافا أخرى غير مقصودة.

 

يفضل العديد من المرضى طريقة أخرى من المعالجة الإشعاعية تدعى المعالجة القصيرة brachytherapy. في هذه الطريقة يقوم الجراح بغرس حُبيبات(9)  مشعة بحجم حبة الرز (الأرز) ضمن غدة الپروستاتة ، لتقوم بإصدار الأشعة من داخلها. غالبا ما تستهوي هذه الطريقة المرضى؛ لأن عملية الغرس تكون بسيطة نسبيا ولا تحتاج إلى البقاء في المستشفى (المشفى) أكثر من يومين كما لا تترك أي شق جراحي. وعندما يمتد الورم خارج حدود الغدة يمكن أن تشرك هذه المعالجة مع الإشعاع بالحزمة الخارجية لمهاجمة الأجزاء الخارجية من الكتلة.

 

بدت المعالجة القصيرة واعدة لدى ظهورها قبل عدة عقود، إلا أن نتائجها البعيدة الأمد كانت متباينة. فقد كانت الحُبيبات توضع من دون الاعتماد على تقانة التصوير، مما كان يترك غالبا أجزاء من الپروستاتة من دون أية حُبيبات مشعة أو مع القليل منها. أما حاليا فيقوم العديد من المعالجين بغرس الحبيبات بمساعدة قالب template يوضع بين الصفن scrotum والمستقيم. كما يقومون بمراقبة عملهم بوساطة جهاز الموجات فوق الصوتية للتأكد من تجانس توزع الحبيبات في أنحاء الغدة. ويبدو أن فعالية هذه الطريقة تماثل فعالية الإشعاع الخارجي أو الجراحة عند الرجال المصابين بأورام مبكرة (المرحلة T1 أو T2) تبدو قليلة الخباثة (تقدير تصنيف گليسون 6 أو أقل).

 

العلاقة بين التغذية وسرطان البروستاته

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N6-7_H03_008939.jpg

تميل الوفيات بسبب سرطان الپروستاتة إلى أن تكون الأعلى في البلدان التي تستهلك كميات أكبر من الدهون. هذه النتيجة التي تعود إلى العام 1975 هي واحدة من كم كبير من البيانات (المعطيات) يدل على أن استهلاك (تناول) الدهون يمكن أن يحفز نمو أورام الپروستاتة وأن الحمية الغذائية الفقيرة بالدهون يمكن أن تحد من هذا النمو.

 

تؤمن مراكز طبية أخرى طريقة جديدة بسيطة نوعا ما لمهاجمة الأورام داخل الپروستاتة : إنها الجراحة القَرّيّة (الجراحة بالتبريد) cryosurgery، أي تجميد الغدة باستعمال مسابر تحتوي على النيتروجين السائل أو غاز الأرگون. إلا أن هذه المعالجة تحمل معها معدلا عاليا من الآثار الجانبية، كالسَّلَس على وجه الخصوص؛ كما أن قدرتها على القضاء على الأورام غير معروفة. لذلك لا يمكننا أن نوصي بها لمعظم المرضى خطًّا علاجيا أول، بل يمكن أن يوصى بها في حال فشل المعالجة الإشعاعية في السيطرة على السرطان.

 

قيمة إضافية للمعالجة الهرمونية

في الواقع نحن مهتمون بالنتائج الحديثة التي تؤكد فائدةَ المعالجة الهرمونية معالجةً متممة للمعالجات التقليدية «النهائية» (الهادفة إلى تحقيق الشفاء). وتشير التقارير الأولية إلى أن مثل هذه المعالجة المركبة combinationtherapy تكون أفضل نتيجة من المعالجة التقليدية وحدها في كثير من الأحوال. وعندما تعطى المعالجة الهرمونية قبل الإشعاع أو الجراحة فإنها تدعى المعالجة الهرمونية المساعدة الحديثة neoadjuvant hormonal therapy؛ أما عندما تعطى مع المعالجات الأخرى أو بعدها فإنها تدعى المعالجة الهرمونية المساعدة adjuvanthormonal therapy.

 

إن المنطق وراء المعالجة المركبة بسيط. فالمعالجة الهرمونية المساعدة الحديثة تهدف إلى تحقيق انكماش في حجوم الأورام الكبيرة بحيث تصبح عملية القضاء عليها بوساطة الجراحة أو الإشعاع أسهل. ففي المعالجة القصيرة مثلا، تكون من الصعوبة بمكان عملية غرس الحبيبات المشعة داخل الغدد التي تحتوي على أورام كبيرة. لهذا فإن تصغير حجم الورم قبل إجراء الغرس يمكن أن يسهل هذه العملية ويحسن من فرص نجاحها؛ وقد يساعد على التقليل من التأثيرات الجانبية. وتهدف المعالجة الهرمونية المساعدة إلى التخلص من الخلايا السرطانية المتبقية في موقع الورم بعد المعالجة الأولية، وأيضا إلى تدمير الخلايا التي نجحت في الإفلات إلى مناطق أخرى من الجسم وتهدد بتشكيل النقائل. وتشير الدراسات التي تُجرى على الحيوانات إلى أن إعطاء المعالجة الهرمونية قبل المعالجة الإشعاعية أو أثناءها يمكن أن يؤدي أيضا إلى زيادة حساسية سرطان الپروستاتة للإشعاع.

 

تتكون المعالجة الهرمونية عادة من مشاركة صنفين (فئتين) من الأدوية. الصنف الأول دُعي المحرضات الفائقة للهرمون المحرر لموجهة القند superagonistsof gonadotropin-releasing hormone GnRH، وهي مادة يفرزها الدماغ وتؤدي في المحصلة إلى إنتاج الخُصى لهرمون التستوستيرون testosterone، وهو الهرمون المذكر الرئيسي الذي يساعد على نمو أورام الپروستاتة . تسبب هذه الأدوية زيادة في إفراز التستوستيرون في البداية، إلا أنها تثبط إنتاجه بعد بضعة أسابيع مؤدية إلى انكماش أورام الپروستاتة . أما الصنف الآخر فتكوّن من مضادات الأندروجين antiandrogens، التي تحد من تأثير التستوستيرون المحرِّض على انقسام الخلايا السرطانية في الپروستاتة . وهناك أيضا طريقة جراحية لإيقاف إنتاج التستوستيرون بشكل نهائي وذلك باستئصال الخصيتينbilateral orchiectomy.

 

إن أفضل النتائج التي قدمتها لنا الدراسات السريرية تحققت باستعمال المعالجتين الهرمونية والإشعاعية مجتمعتين. ففي دراسة أوروبية شملت 415 مريضا، عاش أولئك الذين تلقوا على مدى 3 سنوات معالجة مساعدة إضافة للأشعة مدة أطول من نظرائهم الذين تلقوا معالجة إشعاعية فقط. وتشير التقديرات إلى أنه يتوقع أن يبقى 79% من مرضى المجموعة الأولى على قيد الحياة بعد 5 سنوات من المعالجة مقارنة بنحو 62% من المجموعة الثانية. إلا أن هذه الدراسة لم تشتمل على مجموعة تلقت معالجة هرمونية فقط، مما يجعلها قاصرة عن تبيان ما إذا كان العلاج المركب أفضل من المعالجة الهرمونية وحدها.

 

ومع أن الدراسات المطولة على المعالجة الهرمونية المساعدة الحديثة لم تكتمل بعد، فإن بعض الدراسات تشير بقوة إلى فائدة هذه الطريقة أيضا. ففي مركز سلون-كيتيرينگ التذكاري للسرطان في مدينة نيويورك قام أحدنا (فير) مع زملائه بتقييم قدرة هذه المعالجة على ضمان أن الأورام ـ التي كان يعتقد في البداية أنها محدودة بالغدة ـ بقيت كذلك فعلا وبشكل مؤكد عندما أُجري للمرضى استئصال الپروستاتة. لقد وجدوا أن ثلاثة أشهر من المعالجة الهرمونية السابقة للجراحة رفعت من نسبة الأورام المحدودة بالغدة عند إجراء الجراحة وخفضت بوضوح من تواتر الخلايا السرطانية المقلقة في الحواف الخارجية للنسيج المستأصل. والأمر الذي لم يحدد بعد وينبغي تحديده هو ما إذا كانت السيطرة على الورم التي تحققت في هذه الدراسة ستترجم إلى معدل أقل من النكس (العودة) recurrence الموضعي أو من حدوث النقائل عند هؤلاء  المرضى، وبالتالي إلى زيادة في معدلات بُقْياهم.

 

وقد فشلت دراسات أخرى شاركت بين المعالجة الهرمونية المساعدة الحديثة والجراحة في تبيان تحسنٍ في معدل البقيا، غير أن هذه الدراسات لم تتابع المرضى فترات مطولة. وتجرى الآن دراسات لتقييم إطالة أمد المعالجة الهرمونية المساعدة الحديثة مع متابعة للمرضى فترات ممتدة.

 

إن الحاجة إلى مزيد من الدراسات تبرز بوضوح هنا؛ إذ يتوجب على العلماء إجراء مقارنات موسعة للمعالجات المركبة (التوليفية) مع كل من الجراحة أو الإشعاع منفردين، كما يتوجب تحديد الجرعات والفترات المثلى لتلقي المعالجة الهرمونية بنوعيها. ومع ذلك فما هو متوافر إلى اليوم من بيانات كان كافيا لإقناع كثير من الأطباء بأن المعالجة المركبة جديرة بالتجربة في العديد من المرضى الذين يتلقون معالجة شافية لسرطان الپروستاتة .

 

وقد يكون هناك مجال آخر لاستعمال المعالجة الهرمونية. لقد ذكرنا سابقا أن حالة التنشؤ PIN  يمكن أن تكون مرحلة قبل سرطانية (طليعة للسرطان). إن إعطاء المعالجة الهرمونية الحديثة قبل الجراحة يمكن أن يؤدي إلى زوال أو تراجع هذه الحالة عند العديد من المرضى. ويعني هذا الاكتشاف أن المعالجة الهرمونية يمكن أن تساعد على الوقاية من سرطان الپروستاتة في بعض الحالات، ولا ندري أن تراجع التنشؤ PIN  يعني في الحقيقة تراجعا في  السرطان.

 

مع الأسف ليس لدينا أخبار مثيرة لمن يعاني سرطانات نقيلية. صحيح إن المعالجة الهرمونية تطيل أعمارهم عادة، إلا أن الأورام تصبح مقاومة للمعالجة في النهاية. ويعكف الباحثون على دراسة الآليات الجزيئية لهذه المقاومة على أمل تصميم عقاقير تكون قادرة على التغلب عليها.

 

ويقترب العلماء من إيجاد طريقة للتخلص من إحدى مشكلات المعالجة الهرمونية الأساسية عند المصابين بسرطان نقيلي. فكما رأينا أن المحرضات الفائقة للهرمون GnRH، والتي تُعطى عادة كجزء من المعالجة الهرمونية، تزيد في البدء إنتاج التستوستيرون قبل التسبب في إيقافه. وهكذا يمكن لهذه الأدوية أن تحرض على نمو الورم واشتداد الأعراض في هذه المرحلة المبكرة. ويقوم أحدنا (گارنيك)، مع رفاقه في شركة Praecis  للأدوية (في ولاية ماساتشوستس) وبالتعاون مع شركات أخرى، بتطوير عقار يدعى Abarelixيستطيع إحصار فعالية الهرمون GnRH إحصارا مباشرا. وقد دخل هذا الدواء  المرحلة النهائية من التجارب على البشر.

 

آفاق التداخل الغذائي

بينما يناضل كثير من الباحثين لتحسين الوسائل الحالية لتشخيص سرطان الپروستاتة ومعالجته، يحاول آخرون تطوير أنواع جديدة تماما من المعالجات. وسوف يعمل معظم هذه المعالجات المستقبلية بشكل جهازي (عام) على منع الخلايا السرطانية ـ التي أفلتت من المعالجة الأولى ـ من تشكيل النقائل. وإذا تمكنا من منع حدوث النقائل فإن معدلات وفيات سرطان الپروستاتة ستتراجع من دون شك.

 

وتعتمد إحدى الطرق ـ التي تخضع للتقييم حاليا ولا تحتاج إلى تقانة متطورة ـ على التداخل الغذائي، وعلى الأخص تبني الحمية المنخفضة الدهونlow-fat diet. ومن المعقول أن التداخل على المستوى الغذائي يمكن أن يؤدي أيضا إلى منع تشكل أورام أولية عرضية.

 

وتدل الدراسات الوبائية التي تقارن بين العادات الغذائية لمجموعات بشرية ذات نسب عالية ومنخفضة من سرطان الپروستاتة على أن التغذية العالية الدهون، وبخاصة تلك المشتملة على اللحوم الحمراء بكثرة، تساعد على تنامي سرطان الپروستاتة . ومن المعروف أن الاستهلاك العالي للدهون مدان لتعزيزه حدوث سرطانات الثدي والقولون، غير أن هذه الدراسات تشير إلى تأثير أقوى في سرطان الپروستاتة (10).

 

وتقدم دراسات أخرى أدلة مشابهة على العلاقة بين استهلاك الدهون وسرطان الپروستاتة . فعند تمثيل البلدان المختلفة بيانيا اعتمادا على معدل الوفيات بسرطان الپروستاتة ومتوسط استهلاك الفرد من الدهون، وجد أن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، التي تستهلك كمية أكبر من الدهون، لديها أعلى معدلات في الوفيات بسرطان الپروستاتة . وبالمقابل فإن الرجال في دول حافة المحيط الهادي والذين يستهلكون كميات أقل من الدهون تكون معدلات وفياتهم بسرطان الپروستاتة أقل كثيرا.

 

وتزودنا التجارب المختبرية بدلائل أكثر إقناعا على العلاقة بين استهلاك الدهون وسرطان الپروستاتة . فقد قام أحدنا (فير)، ومعاونوه في سلون-كيتيرينگ، باغتراس أورام بشرية في فئران قسمت إلى مجموعات أطعمت كميات متفاوتة من الدهون. فكان أن نمت الأورام بشكل أسرع في المجموعات التي أعطيت كميات أكبر من الدهون.

 

من المكونات الغذائية الأخرى التي تبدو على علاقة بسرطان الپروستاتة ـ إنماباتجاه تثبيط نموه ـ بروتين الصويا soy protein، وهو مادة تستهلك بكثرة في اليابان. تخفض الصويا من مستوى التستوستيرون الجائل في الدم، كما تثبط الإنزيم الذي يحوّل التستوستيرون إلى شكله الأكثر فعالية في خلايا الپروستاتة . وهناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن منتجات الطماطم والڤيتامين E  والسيلينيوم لها قدرة تثبيطية على ورم الپروستاتة أيضا. وتتم دراسة مركبات غذائية أخرى من حيث قدرتها سواء على دعم نمو سرطان الپروستاتة أو تثبيطه. ويتضح بأننا بحاجة الآن إلى المزيد من الدراسات البشرية لمعرفة التأثير الواقي لمختلف المنابلات والمعيضات الغذائية عند الرجال المعرضين لخطر حدوث سرطان الپروستاتة أو خطر نكسه.

 

ومن اللافت للانتباه أن الدراسات الحيوانية تشير إلى أن المكونات الغذائية يمكن أن تؤثر سلبا أو إيجابا في قابلية السرطان المكروي (المجهري) للنمو إلى أحجام خطيرة، إنما تكون عديمة التأثير في السيرورة التي أدت في الأساس إلى تحول الخلية الطبيعية إلى سرطانية. وهذا قد يفسر لماذا يكون معدل حدوث السرطان المكروي الصامت (لدى قياسه اعتمادا على الفحص النسيجي بعد الوفاة لرجال ماتوا بأسباب لا علاقة لها بسرطان الپروستاتة ) هو نفسه في كل العالم، في حين يتفاوت معدل حدوث السرطانات المحسوسة (التي استطاعت النمو) بحسب المناطق الجغرافية.

 

المعالجات المستقبلية

إن تطور معرفتنا بكيفية نشوء سرطان الپروستاتة وتحوله المتزايد نحو العدوانية (الخباثة) يقدم أفكارا جذابة لمعالجات جهازية ممكنة، إنما لايزال من المبكر جدا الحكم على هذه الأفكار.

 

إن بعض الجينات والبروتينات، التي درست كمؤشرات على الخباثة، تسهم على ما يبدو في تفاقم الورم. لذلك يحتمل أن تشكل بعض هذه المواد أهدافا مفيدة للمعالجة مستقبلا. فعلى سبيل المثال تختبر بعض الأدوية التي تحصر تأثير البروتين Bcl2 عند المرضى الذين تبدي أورامهم مستويات مرتفعة منه. وبشكل مماثل يحاول الباحثون إيجاد عوامل تكون قادرة على إيقاف السبل الجزيئية التي تؤثر من خلالها الدهون في نمو الأورام.

 

في السنوات الأخيرة تبين للعلماء أن قلة فقط من السرطانات يمكن أن تبلغ حجوما كبيرة ما لم تُنشِئ أوعية دموية جديدة [انظر: «محاربة السرطان بمهاجمة موارده من الدم»، مجلة العلوم، العددان 1/2 (1998) ، ص 96]. وتُختبر الآن مجموعة من العقاقير التي تحصر تكوّن هذه الأوعية تمهيدا لاستخدامها في العديد من مرضى السرطانات بما فيها سرطان الپروستاتة .

 

تشكل المعالجة الجينية gene therapy إمكانية أخرى لمحاربة السرطان، مع أنه قد تمر سنوات عديدة قبل أن يتمكن العلماء من إتقانها. ومن الأفكار الجذابة بشكل خاص تزويد الخلايا بجينات تكود لمواد سامة للخلايا. فإذا صممت هذه الجينات بحيث تعبر عن نفسها فقط في خلايا الپروستاتة ، فإنها ستولد هذه السموم فقط داخل غدة الپروستاتة والتوضعات النقيلية من دون أن تؤذي الأنواع الأخرى من الخلايا.

 

وكذلك تشكل الأبحاث حول اللقاحات vaccines أحد الاتجاهات الأخرى المثيرة على الرغم من أنها لاتزال في بداياتها. وتتكون هذه اللقاحات من مواد قادرة على حض جهاز المناعة على مهاجمة الخلايا السرطانية الپروستاتية أينما وجدت في الجسم من دون إحداث أذى للخلايا الأخرى. يمتلك جهاز المناعة القدرة على مهاجمة الخلايا الخبيثة إلا أنه غالبا ما يفشل في تعرّفها وحده. ومن الممكن استخدام هذه اللقاحات للوقاية من سرطان الپروستاتة عند الأشخاص ذوي القابلية العالية للإصابة به، وأيضا لمنع النكس عند من سبق أن عولجوا من هذا المرض.

 

لا شك بأن معالجات استهدافية كهذه تتطلب سنين عديدة من التطوير والتقييم. وفي هذه الأثناء تتكثف الجهود الرامية إلى تحسين إمكانية تشخيص هذا المرض وتصنيفه وعلاجه والوقاية منه. ومن دون شك لايزال أمامنا الكثير من العمل للتغلب على التحديات التي تواجهنا خلال حربنا ضد سرطان الپروستاتة ، إلا أن تسارع وتيرة الأبحاث في هذا المنحى يشجعنا ويقوي عزائمنا.

 

 المؤلفان

Marc B. Garnick – William R. Fair

يشاركان معا في إدارة مؤتمر دولي سنوي حول المستجدات في علاج سرطان الپروستاتة . گارنيك أستاذ في الطب السريري في كلية الطب بجامعة هارڤارد وطبيب في مركز بث إسرايل ديكونس الطبي. كما يعمل طبيبا أول في شركة Praecis للأدوية في كمبردج بماساتشوستس، حيث يطور هناك نوعا جديدا من المعالجة الهرمونية (مضاد للهرمون GnRH) من أجل سرطان الپروستاتة . وفي مرحلة مبكرة من تاريخه المهني قام بتطوير مشابهات الهرمون GnRH أيضا. أما فير فهو أستاذ كرسي فلورنس وثيودور باومريتر وإنيد باو أنسل لأورام الجهاز البولي ومدير مركز جون وروبرت بندهايم لأبحاث سرطان الپروستاتة في مركز سلون-كيتيرينگ التذكاري للسرطان بمدينة نيويورك. وهو أيضا أستاذ جراحة الجهاز البولي في المركز الطبي التابع لجامعة كورنيل. قام بتصميم العديد من المداخلات الجراحية، كما أسهم في إيضاح دور العوامل الغذائية في تحريض سرطان الپروستاتة أو السيطرة عليه.

 

مراجع للاستزادة 

THE DILEMMAS OF PROSTATE CANCER. Marc B. Garnick in Scientific American, Vol. 270, No. 4, pages 52-59; April 1994.

THE PATIENT’S GUIDE TO PROSTATE CANCER. Marc B. Garnick. Plume/Penguin Books USA, 1996.

PROSTATE CANCER: EMERGING CONCEPTS, Parts I and II. Marc B. Garnick and William R. Fair in Annals of Internal Medicine, Vol. 125, No. 2, pages 118-125; July 15, 1996 and Vol. 125, No. 3, pages 205-212; August 1, 1996.

CANCER OF THE PROSTATE: A NUTRITIONAL DISEASE? William R. Fair, Neil E. Fleshner and Warren Heston in Urology, Vol. 50, No. 6, pages 840-848; December 1997.

PROSTATE DISORDERS 1997. Simeon Margolis and H. Ballentine Carter in the Johns Hopkins White Papers on Prostate Disorders. Johns Hopkins Medical Institutions, Baltimore, 1997.

Scientific American, December 1998

 

(*)Combating prostate cancer

(1)أي في مرحلته المبكرة .

(2)survival.

(3)side effects.

(4) prostate-confined tumor، أي مقتصر وجود الورم على الغدة ولم يتجاوز حدودها مشكلا نقائل إلى أعضاء أخرى.

(5) أو مجموعية أو عامة؛ أي معالجة تتعلق بالجسم كله، وهي بذلك عكس المعالجة الموضعية التي تصيب فقط مكانا ما أو جزءا معينا. (التحرير)

(6) intensive curative therapies.

(7) Gleason score، ويستخدم لتقييم درجة الإصابة بالسرطان. (التحرير)

(8) clinical staging؛ تقييم المرحلة (السرطانية) سريريا.

(9) (الكُريّات) Pellets

(10) [انظر: «الغذاء والسرطان»، مجلة العلوم ، العددان1/2(1998) ، ص 112]. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى