أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

بعثات استكشافية

<=”” td=”” style=”font-family: tahoma; font-size: 12px; color: rgb(0, 0, 0);”>  

بعثات استكشافية

عينٌ جديدة تنفتح على الكون(*)

على قمة أعلى جبل في حوض المحيط الهادي، تقع أحداث

رحلة طويلة تستغرق عشر سنوات، وستنتهي بالتقاط الضوء

الأول لمقرابٍ متطوّر قد يفوق المراصد المتمركزة في الفضاء.

<G.ستيكس>

 

من موقع مواتٍ على أكمة بركانية ضاربة إلى الحمرة، ومطلّة على طريق متعرّجة شديدة الانحدار، شَهِدَ النظّارةُ الموكب يجهد صاعدا ببطء شديد، وقد استغرق ثلاثة أيام لارتقاء المسافة التي لا تبعد عن المرفأ أكثر من مئة كيلومتر، فوق رقعة من أرض زراعية، تنخفض وترتفع برفق عبر حقول الحمم السوداء الداكنة، مرورا بموقع الفلكيين الواقع على بُعد 2800 متر، صعودا على طريق ضيّقة شُقّت في الأكناف المتداعية الشديدة الانحدار للبركان الهاجع منذ زمن طويل. إن إنسانا ـ يسير بخطى سريعة ـ كان يمكنه أن يتجاوز «حرس الشرف» المؤلف من عربات رباعية الدفع تواكب القاعدة الضخمة المستوية. ثمة عربتا جرّ بقدرة 450 حصانا، إحداهما مربوطة بالأخرى بحبل ثخين قطره 10 سنتيمترات، كانتا تحملان صندوقا فولاذيا ثمانيَّ الأضلاع يحوي كتلة زجاجية زنتها 22 طنا متريا(1)  تنوء بعبء النهوض بوزنها الثقيل هذا. ومع أن المرآة في الداخل موسدة بطبقات عالية التقانة مضادّة للارتجاج، إلا أنها كانت عرضة للعطب إذا خضعت لصدمةٍ تقدر بعدة وحدات تسارع الثقالة g (و g هي القوة التي يحدثها سقوط جسم من ارتفاع يبلغ نحو نصف متر). ولو أن أذى لحق بالمرآة لتسبَّب في تأخير تشييد صرح هذا المقراب العملاق ـ الذي هو ثمرة عشر سنوات من التخطيط والتصنيع ـ أعواما عديدة، وفي خسارة ملايين الدولارات.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008380.jpg

آسرة النجوم: مرآة بقطر 8.1 متر في غلافها الواقي تشق طريقها نحو مستقرها داخل القبة الفضية المفتوحة ( في أسفل الصفحة المقابلة) لمرصد جيميني الشمالي على قمة ماونا كيا.

 

كان عرض الصندوق الفولاذي المحمول على القاطرة يربو كثيرا على عرض قاعدة عجلاتها وهي تحاول اجتياز المنعطفات الحادّة، بحيث هدَّدت حمولتُها الهشَّة بالتخدد في الجدار البركاني على أحد الجانبين، أو بالتعثر والسقوط في منحدر شديد على الجانب الآخر. إن بإمكان التقانة، عند توظيفها في موقع ملائم، أن تستحضر عوالم أخرى. فهنا، وبين الجمر البركاني الملفوظ من أعماق بركان ماونا كيا(Mauna Kea (2، وبرؤية واضحة للبحر المحيط، تَبدَّى التمازج بين عناصر الطبيعة من هواء وتراب ونار وماء.. ومع اقتراب الموكب من القمة (التي تُعَدُّ ـ بمقتضى تعاليم الدين القديم الممارَس على جزيرة هاواي الكبرى ـ المقرَّ المقدَّس لإلهة الثلوج) اتخذ شكل صليب ضخم عمودُه مؤلَّف من مجموعتَيْ شاحنات من نوعي فورد إكسپلوررز وتويوتا فورنرز، في حين غدا صندوق فولاذي ناتئ بمنزلة ذراعين لهذا الرمز. أما في الأعلى، ووسط مشهد قمري وعلى ارتفاع 4200 متر فقد كانت القُبَّة الفضية لمرصد جيميني الشمالي بالانتظار، في ضوء شمس الشهر 6 الحارقة، لاستقبال الأعجوبة الزجاجية اللازمة لإتمام هذا المرصد صرحا لدين دنيوي(3).

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008381.jpg

 

تُرى هل سيثير هذا الانتهاك للمقدسات غضب الآلهة القديمة؟ ربما؛ فلو ارتقيتَ الممرات إلى أعلى نصف الكرة الدوّارة البرّاقة، وبسطت ذراعيك، لأمكنك الادعاء بأنك مَلِك العالم بأسره، إذ ستكون ذروة رأسك في تلك اللحظة أعلى نقطة على امتداد حوض المحيط الهادي كله.

 

كانت عمليةُ نقل المرآة الهشة إلى القمة، بكل ما تتطلبه من حرص وحذر، إيذانا بانتهاء إحدى أخطر مراحل مشروع جيميني، وبداية لستّة أشهر من العمل المحموم. فقد قضى برنامج العمل أن يقوم المهندسون بربط منظومات المقراب الرئيسية جميعا واختبارها خلال نصف عام، بحيث يتمكن المقراب من شهود «الضوء الأول» ـ أي توليد لقطاته الكونية الأولى ـ قبل حلول عيد الميلاد.

 

كان برنامج العمل الحافل محكوما بميزانية محددة، غير أن روحا عميقة من المنافسة كانت تكلؤه؛ فخلال فترة زمنية تناهز عشرة أشهر بدأت في الشهر 5 /1998ستكون منظومة جيميني ومعها أجهزة ضخمة أخرى (تشمل المقراب الهائل في شمال تشيلي التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي والمرصد الفلكي الوطني الياباني)، قد التقطت أول ضوء نجمي لها. ويتاخم المقرابُ الياباني ـ المعروف باسم سوبارو Subaru (وهي التسمية اليابانية للحشد النجمي الثريا) ـ مخروطا بركانيا آخر تكتنفه الصخور، لا يبعد عنه أكثر من بضع مئات من الأمتار.

 

تجميع أجزاء المقراب

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008382.jpg خلال الأشهر الأخيرة شرع فريق جيميني بتجميع الأجزاء الرئيسية للمقراب. في أواخر الشهر 6 /1998نقلت المرآة بوساطة قاطرة جبارة من ميناء خليج كاوايهي (1)، عبر طرقات جبلية (2)، وصولا إلى قبة جيميني(3)  على قمة جبل ماونا كيا. بتاريخ 11/12غادرت المرآة حجرة الطلاء التي اكتنفتها المشكلات (4)، ثم نقلت المرآة العاكسة بوساطة رافعة، وجرى تثبيتها في حجرة المرآة (5). http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008383.jpg
http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008384.jpg

تحتوي القمرة على 120 محفازا يتحكم فيها حاسوب، تحدث ضغطا على الزجاج البالغ سمكه 20 سنتيمترا لضبط موضعه، إذ من شأن هذه التصحيحات معادلة التشوهات الطفيفة الناجمة عن تبدلات الرياح أو الحرارة أو موقع المقراب، وكذلك تخليص سطح المرآة من مظاهر عدم الاتساق في الشكل، الأمر الذي أدى إلى ظهور مشكلات في مقراب هابل. وبفضل هذه المحافيز يغدو سطح المرآة بأكمله منتظم الاتساق بدقة تصل إلى ما بين 100 و 200 نانومتر.

بعد نقل المرآة إلى داخل الحجرة، تقدم المهندس <E.هانسن> [المختص في الميكانيكا البصرية]، لتركيب مجس sensor داخل حجرة المرآة (6). وبعد بضعة أيام وضعت المرآة ضمن هيكل المقراب محمولة على مصعد ذي وسادة هوائية (7). يحافظ هيكل المقراب (8)  على درجة  حرارة الهواء الخارجي نفسها، ويعود سبب ذلك ـ جزئيا ـ إلى وجود منافذ بعرض 10 أمتار على جانب القبة (9) لطرد الدوامات الحارة والباردة التي قد تسيء إلى جودة الصورة.

 

إن مقراب جيميني الشمالي لن يكون أضخم مقاريب الجيل الأحدث من مجمِّعات الضوء lightcollectors. وهو يفتقر إلى الملحقات الكاملة من آلات التصوير وراسمات الطيف الضوئية وتحت الحمراء المتوافرة في بعض صنوانه. على أن القائمين على إنشائه عازمون على نيل قصب السبق في المنافسة لدى تجميع صور عند النهاية تحت الحمراء للطيف الكهرمغنطيسي، إذ إن الجانب تحت الأحمر هو المنطقة غير المستكشفة نسبيا، حيث يبحث علماء الفلك عن مناطق تكوُّن النجوم المحجوبة بالغبار الذي يمتص الضوء المرئي، وكذلك حيث يتحرون أقدم المجرات الكونية التي انزاح إشعاعها نحو هذه الأطوال الموجيّة بفعل تحركها بعيدا عنا بسرعات تفوق كل تصور.

 

بحلول منتصف الشهر 12 /1998أمكن إدراك ما يميز مقراب جيميني الشمالي في المرصد، من خلال التفتيش بين هذه المجموعة من الدُّمى التي تمثل الجبابرة titans، والتي مازال بعضها مبعثرا على الأرضية الفولاذية. ومع رجع صدى ارتطام المعدن بالمعدن داخل القبَّة التي يبلغ قطرها 36 مترا راح<M. ماونتين>، الإنكليزي الكثير الكلام الذي يدير البرنامج، يحدق باعتداد واضح صوب أعلى المقراب على ارتفاع 20 مترا أو نحو ذلك. هناك تقوم المرآة الثانوية (وقطرها متر واحد) بتركيز الضوء الذي جمعته المرآة الرئيسية (وقطرها 8.1 متر)، في حزمة محكمة ثابتة. وفي الأعلى، حيث تجهَّز أغلب المقاريب بهيكل داعم غليظ يضم أجهزة خاصة، لا ترى هنا سوى ريشتين صغيرتين متصالبتين من الفولاذ بين المرآة الرئيسية والسماء، تشبه إلى حد ما عنكبوتا متقوِّس القوائم. يقول ماونتين: «يُصدِر ذلك العنكبوت إشعاعا مباشرا إلى حزمة المقراب». وقد أشار ماونتين إلى أنه «كلما قل سمك العنكبوت، ضَعُف الإصدار الناتج منه».

 

سرد ماونتين (الذي أقسم أن اسمه ـ الذي يعني «جبل» ـ لم يكن من أسباب تسنمه إدارة المشروع) قائمة لمقوّمات التصميم التي من شأنها تخفيض الأشعة تحت الحمراء، كالطلاء الفضي للمرآة؛ إذ إن استعمال الفضة إضافة إلى إجراءات أخرى سيخفض إشعاع الخلفية تحت الأحمرbackground infrared radiation الذي يطلقه المقراب إلى 3 أو 4 في المئة، أي أقل من خُمْس الرقم المألوف في المراصد الأرضية. وتابع ماونتين سرده لمبادئ بشأن تصميم مقاريب مطورة، واستعرض دور المنافذ التي تنفتح وتنغلق مثل شفاهٍ ضخمة من الألمنيوم في الإسهام في إزالة تيارات الهواء المضطرب الذي يشوِّه وضوح الصورة داخل القبة، والدوّامات الناشئة عن الفروق الحرارية بين المقراب والقبّة والهواء المحيط، كما يقول ماونتين: «إن بإمكاننا التحكم في درجة حرارة كتلة من الفولاذ تقارب 300 طن، بحيث لا تختلف هذه الدرجة عن درجة حرارة الوسط إلا بمقدار درجة مئوية واحدة».

 

هذا الاهتمام بالتفاصيل لا بد أن يتيح لجيميني رصد معالم متناهية في الصغر لا تتجاوز 1/700 ثانية قوسية(4) في المجال تحت الأحمر القريب. ومن ثم فإن تلك المعالم ستكون أكثر جلاء مما يمكن لمقراب هبل الفضائي بلوغه بمرآته الصغيرة نسبيا، والتي يبلغ قطرها 2.55 متر. وبفضل الميز العالي لمرصد جيميني، فإن بإمكان الفلكي ـ نظريا ـ قراءة شعار وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) الموجود على محطة الفضاء الدولية على بعد 350 كيلومترا ـ إذا توهج في المجال تحت الأحمر.

 

وإذا كان ماونتين فلكيا متمرسا، فقد كرس قسطا كبيرا من حياته العملية في تشييد وتطوير أجهزة تحت حمراء؛ فقد قام ـ قبل مشروع جيميني ـ بتركيب المطياف تحت الأحمر على المقراب البريطاني تحت الأحمر في ماونا كيا، ثم اضطلع فيما بعد بإدارة أولى مراحل تحسين الأجهزة البصرية لذلك المقراب.

 

إن المرآة ذاتها تحفة رائعة: لم يسبق أن قُطع حجر كريم بهذا القدر من التماثل.

قضى ماونتين الليلة السابقة لرحلته إلى قمة الجبل ساهرا إلى ما بعد منتصف الليل يرعى طفله المريض بالخناق والذي لم يتجاوز عمره السنة. لقد أكسبته نشاطاته الليلية كفلكي دَرَبَهَ النهوض بأعباء الأبوة، كما أن استعداده لتحمل الأرق سوف يكون مطلوبا خلال بضعة الأسابيع التالية عندما يسفر الضوء الأول عن ميلاد أحداث تكدر الخاطر. هذا الرجل الفارع الطول، الممتلئ الجسم، والبالغ من العمر اثنين وأربعين عاما، بشعره الجعد الكستنائي، ربما لم يكن قد اختير من أجل اسمه فقط، بل إن أسلوب إدارته التوجيهي الهادئ أهله للتعامل مع مختلف المجموعات المشاركة في المشروع، من علماء وموظفين حكوميين كبار من سبع دول مختلفة.

 

لم يبق على حلول عيد الميلاد سوى أسبوع أو أكثر قليلا عندما غدا واضحا لماونتين أن مقراب جيميني لن يقوم بالتقاط أولى صوره تحت الحمراء للقبة السماوية حتى منتصف الشهر 1 على أقرب تقدير. ولم يكن الأمر يمثل سوى إعاقة بسيطة لبرنامج عمل وضع قبل ذلك بأربع سنوات ونيف. لكن ـ في حقيقة الأمر ـ لم يكن ماونتين ولا مدير المشروع <J.أوشمان> على علم بطبيعة العمل المتبقي إلى أن طلبا فتح كوة القبة على السماء ليلا، ووجَّها هذه الآلة الهائلة التي تزن 342 طنا متريا، إلى نجم بعينه.

 

ساد جو من الترقب أرجاء القبة الكهفية، فقد كان المهندسون والخبراء الفنيون ـ بأرديتهم البنية الكاملة ـ يتدلون كالقردة من هيكل المقراب وهم يرممون الطيات المرنة لغطاء المرآة المعدني. وفي جو قارس البرودة داخل القبة غير المدفأة، قام هؤلاء الخبراء بتركيب ألياف ضوئية وكبلات كهربائية. ها هو كبير الكهربائيين <A.گوشيكن> يصيح: «إنني بحاجة إلى رئتين إضافيتين»، وذلك كرد فعل لانخفاض نسبة الأكسجين داخل القبة، وهي نسبة تقل 40 في المئة عما يتعرض له الغواصون والرياضيون الراكبون متن الأمواج، على بعد بضعة كيلومترات نحو الأسفل. وقد أجرى العاملون التعديلات النهائية داخل حجرة المرآة وخارجها، وهي البنية الأسطوانية الزرقاء العملاقة التي تحمل المرآة والتي تميلها كي تأخذ الوضع المناسب وفقا لتحكم حاسوبي. وعلى مقربة، ظهرت لوحة بيضاء تحمل تحذيرا كُتب على عَجَل لكل من يفكر بالتجاوز: «مازال الوضع غير ملائم لرصد صحيح».

 

قال ماونتين: «إنّ تأخرنا شهرا في الوصول إلى الضوء الأول أمر يمكن قبوله، على ألا نفوِّت زمنا أطول من ذلك بأي حال، إذ إن مصداقية هذا البرنامج والبرامج المستقبلية منوطة بذلك». وكل تأخير في تنفيذ برنامج العمل قد يفسد خطط نقل فريق العمل من المهندسين إلى شمال تشيلي، حيث (وكما يوحي اسم جيميني) سيفتح توأمٌ مماثل عينَه على الكون قبل أن يبلغ نظيره الشمالي عامه الثاني. وما إن يعمل (جيميني الشمالي) و(جيميني الجنوبي) حتى يكون بإمكان الفلكي صوغ برنامج رصد يستغرق كامل السماء، اعتبارا من مناطق تكون النجوم في سحابتي ماجلانMagellanic Clouds إلى مجرات حقل هبل العميق Hubble Deep Field، وبذلك يكون هذا هو مقراب الجيل الجديد الوحيد الذي يتمتع بهذه المقدرة الكبيرة.

 

كان ثمة عامل الزمن بدوره يستحث ماونتين وفريقه على الإنجاز، بالنظر إلى أن مشروع جيميني مشروع عام لا يقتصر على توفير مشهد سماوي بانورامي أكثر شمولا، بل يتيح كذلك وقتا لتأمل السماء لعدد من الفلكيين أكبر مما يتيحه أي مقراب أمريكي ضخم آخر. وسيغدو مقرابا جيميني بحق مقرابي الشعب، وهما المرصدان الوطنيان (بقطر مرآة يبلغ ثمانية أمتار) اللذان تستثمرها شعوب الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا والأرجنتين والبرازيل وتشيلي. وسيكونان ـ خلافا للمقاريب المنشأة بأموال خاصة ـ في متناول يدي أي فلكي من هذه الدول بإمكانه إقناع هيئة تحكيم علمية بمزايا أي اقتراح يتقدم به.

 

التزمت الحكومة الأمريكية بنصف تكاليف برنامج جيميني، على أنها في الوقت نفسه فرضت سقفا لا تتجاوزه بمبلغ 88 مليون دولار، بحيث تتجنب الوقوع في شرك تحمل نفقات إضافية فوق حصتها: فالتأخير الحاصل في الشمال ربما يستجر نفقات إضافية، وقد يعرض للخطر مطالبة مشروع جيميني باعتماد أموال إضافية لتزويد المقراب بملحقات كاملة من التجهيزات خلال السنوات القادمة.

 

يسعى المشروع جاهدا، منذ بداياته وحتى الآن، إلى التغلب على الضائقة المالية المستحكمة. فتخفيض خصائص التصميم ـ كما رسمها ماونتين ـ إلى أدنى حد ممكن، هو دليل واضح على عسر الظروف المالية، بقدر ما هو شاهد على براعة هندسية رفيعة في ظل هذه الظروف. صحيح إن ذروة المقراب (التي تتسم بالبساطة والاقتصاد) تحدّ من الضجيج تحت الأحمر، لكن على حساب آلة تصوير واسعة حقل الرؤية يتمنى الكثير من الفلكيين وجودها كي تمكنهم من استطلاع رقعة واسعة من السماء. وقد تمكَّن فريق العمل في مشروع جيميني، باستغنائه عن آلة التصوير وغيرها من الكماليات، من إبقاء تكاليف المقراب ضمن حدود الميزانية المرصودة له، والبالغة الآن 184 مليون دولار، علما بأن الزيادة الوحيدة بقيمة 8 ملايين دولار قد خصصت لاختيار مجساتsensors أفضل ومستلزمات طلاء المرآة بالفضّة في تشيلي.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008385.jpg

إن مهمة الحصول على انعكاسات عن قطعة زجاجية، تولاها أربعة من مهندسي وفنيي مشروع جيميني، الذين قاموا بنقل المرآة يدويا من محطة الغسل إلى الحجرة المفرغة الموجودة في قبة مقراب كندا ـ فرنسا ـ هاواي (CFHT) (في اليمين). وفي داخل الحجرة تم تبخير طبقة رقيقة من الألمنيوم على القرص الزجاجي (في الوسط). وفيما بعد، قام كل من <J.فيلهابر> [من جيميني] و<B.ماگراث> [اختصاصي طلاء من CFHT] باختبار السطح العالي الانعكاسية، باستعمال منبع ضوئي محمول (في اليسار).

 

مقابل ذلك، أنفقت اليابان 350 مليون دولار على بناء مقرابها الوحيد، ولم تدَّخر في سبيل ذلك مالا لاحتلال دور بارز وفقا لأحدث ما توصل إليه علم الفلك. وقد عقَّبَ أوشمان على ذلك قائلا: «كان في مقدرتنا إنتاج ثلاثة أو أربعة من مقاريب جيميني بهذا المبلغ».

 

إن شدة حرص ماونتين على الالتزام ببرنامج العمل وبمقدار النفقات المحددة ترتبط أيضا بالجدل الذي أثير حول مشروع جيميني، وظل ملازما له طوال سنوات انطلاقته الأولى. فقد حدث، بعد بضعة أشهر من تعيين ماونتين مسؤولا عن المشروع عام 1992 [جرت ترقيته إلى منصب مدير عام 1994]، أن أوشك العمل أن يتوقف فجأة وبصورة تخلو من اللياقة، عندما عارضت جامعة أريزونا منح عقد صب casting المرآة لشركة كورنينگ التي قدمت السعر الأدنى. وفي مختبر المراياMirror Laboratory التابع للجامعة، والذي يرأسه العالم البارز <J.روجر إنجل> عقَّب ماونتين بقوله: «لقد اعتقدوا أن العقد من حقهم حكما».

 

تمحور اعتراض مجموعة إنجل حول أن هذه العدسة اللاصقة الهائلة ـ وهي بقطر ثمانية أمتار وسمك عشرين سنتيمترا فقط ـ ستشوّه الضوء النجمي القادم، وذلك عن طريق ثنيها التيارات الهوائية الضعيفة داخل القبة. وأكدت الجامعة أن التصميم لن يقوى على حمل مرآته المكونة من وجه رقيق يدعمه سطح مُنَخْرب من زجاج البوروسيليكات borosilicate. تلا ذلك نقاش حاد قامت خلاله المؤسسة القومية للعلوم باختيار لجنة مستقلة أوصت بإعادة توجيه العقد من جديد بحيث تتولى جامعة أريزونا تنفيذه.

 

خلال الأحد عشر شهرا التالية، كان على فريق جيميني تقديم تبريرات لأكثر نقاط التصميم دقة. «ولإظهار مستوى النقاش الفكري» يقول ماونتين مستذكرا ومردفا: «حضر المتنافسون من الجامعة اجتماعا ومعهم قطعة من زجاج النوافذ طولها ياردة واحدة قُدَّت على شكل دائرة، لوحوا بها قائلين: بهذه الدرجة من التهدل ستكون مرآة مقراب جيميني».

 

وأضاف ماونتين: «كانت هذه أول تجربة لي في التعامل مع المجتمع الفلكي الأمريكي، وكثيرا ما كنت أقول لائما نفسي: ما كان أغناني عن هذا العمل كله!» كان المشروع على شفا الانهيار الكامل نتيجة الورطة الحاصلة، لولا أن لجنة مستقلة لمراجعة التصميم ـ عيَّنتها المؤسسة القومية للعلوم ورابطة الجامعات للبحوث الفلكية بادرت إلى دعم القرار المبدئي لفريق جيميني وسمحت بمواصلة العمل في البرنامج على مساره الأصلي.

 

كان ماونتين قد ارتقى قمة ماونا كيا من موقع مكاتب مشروع جيميني الواقع في مرفأ هيلو، لرصد أحد المعالم الكثيرة على طريق الوصول إلى الضوء الأول. كذلك كانت المجموعة الهندسية المختارة لبلوغ القمة قد حذفت خلال الأسابيع الأخيرة عددا من البنود المدرجة في جدول المهام. وكان أعضاء اللجنة قد قاموا بطلي المرآة الرئيسية ونقلها إلى داخل حجرة المرآة الأسطوانية. لقد حان الوقت لوضع المرآة في مكانها المخصَّص وربطها بهيكل المقراب الضخم.

 

مع تقدُّم العمل، نظرَ ماونتين وأوشمان من منصّة الخدمة service platform الموجودة على هيكل المقراب، واستشرفا ما يشبه مسبحا مصنوعا من قطعة معدنية مقعَّرة يلتمع ضوؤها ويخبو، وهي مستقرة على قاعدة عند أحد جوانب القبة. أما على السقالة scaffolding جانب المرآة، فقد قام كل من <L.ستِپ> [مدير البصريات في المشروع] و<E.هانسن> [مهندس الميكانيكا البصرية فيه] بإحكام شد المسامير المسنَّنة لتثبيت المرآة في مكانها، بحيث لا تتزحزح من حجرتها حتى في حال وقوع هزّة أرضية. إنهما يُعمِلان أدواتهما بروح من الدقة وطول الأناة تحاكي دقة جرّاح بارع يُعمِل مبضعه في قرنية عين مريض. فلو أن مفتاح ربط سقط على المرآة مثلا لأحدث فيها خدشا لا يمكن علاجه.

 

عبَّر ستِپ عن رأيه الشخصي لكل من ماونتين وأوشمان قائلا: «إن أشد ما كان يقلقني هو سلامة هذه الأجزاء»، مبديا أسفه للاضطرار إلى إجراء تعديلات يدوية فوق سطح المرآة. وفي إطار فريق مشروع جيميني، أدّى ستپ دور حامي المرآة، وهو الذي ما انفك يحث على اتخاذ أعلى درجات الحيطة لضمان السلامة التامة لهذه الدرّة الزجاجية التي تربو قيمتها على عشرة ملايين دولار، ومن ثم كان على كل من عمل فوق المرآة المكشوفة أن يستأذنه أولا، وكان لا بد لماونتين وأوشمان أن يعملا ـ في بعض المناسبات ـ خلافا لمتطلبات حرصه المفرط، بغية استمرار الأمور وفق المسار المرسوم.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008386.jpg http://oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N12_H03_008387.jpg
مغيب الشمس على قمة ماونا كيا ينعكس عن قبة جيميني (في اليسار)، التي التُقِطت إحدى صورها النجمية الأولى في مطلع الشهر 2 (في الأسفل)، وقام باختبارها مدير المشروع <J.أوشمان> (في مقدمة الصورة) والمشرف على المشروع <M.ماونتين>. استقبلت قبةُ سوبارو (في أقصى اليسار) صورَ الضوء الأول خلال الشهر 1.

 

على أن حرص ستِپْ هذا كان له ما يبرره؛ فالمرآة بحد ذاتها تحفة من الطراز الأول، إذ ليس ثمة حجر كريم صيغ بدرجة أعلى من التناسق والإتقان، فمن أي نواحيها لا يتفاوت استواء سطحها بأكثر من 16 نانومترا، أي قرابة نصف المقدار الذي حدَّده مشروع جيميني أصلا لدى إبرامه العقد مع شركة REOSC. ولا توجد على سطحها نقطة واحدة تحيد عن الملاسة المطلقة بأكثر من 140 نانومترا. وقد عبر ماونتين عن هذه الدقة المتناهية قائلا: «لو كان بالإمكان بسط هذه المرآة على صفحة المحيط الأطلسي لبلغ ارتفاع أعلى موجة فيه قدما واحدة لا غير».

 

من هنا كان سطح المرآة بحق مدعاة فخر، وميدانا للتنافس والاعتداد بين المقاريب الحديثة كلها. وبعد الانتهاء من صقل مرآة جيميني، قام عالم يمثل مرصد سوبارو بالاتصال بمكتب جيميني، واستفسر عن نتائج العمل. وعند الانتهاء من صقل مرآة سوبارو وجد أنها تفوق سطح مرآة جيميني من حيث النوعية بمقدار 4 نانومترات. قامت جيميني من جهتها بإعطاء نتائج سوبارو إلى شركة REOSC أثناء قيام هذه بصقل المرآة الخاصة بمقراب جيميني الجنوبي في منطقة سيرو  پاشون بتشيلي.

 

كان من المفترض ألا تستغرق عملية نقل حجرة المرآة بضعة أمتار عبر أرضية القبة سوى بضع دقائق، إلا أنها استغرقت في واقع الأمر ساعة ونصف الساعة. كانت الحجرة ـ التي تزن 80 طنا متريا ـ ترتكز على وسادة هوائية تتحرك رويدًا رويدًا نحو الأمام حركة متقطعة. وقد تعثرت عملية النقل عدة مرات بسبب وجود فرجة بين أرضية القبة والقاعدة المركزية الدوارة التي يستقر عليها المقراب. وتناوب عاملان على ربط كبل لشد الحجرة، في حين راح عامل آخر يقفز على الكبل، مضيفا وزنه الشخصي إلى الجهد المبذول.

 

وللحفاظ على دفع الأمور نحو الأمام كان لا بد من اللجوء إلى عشرات الحلول المؤقتة من هذا القبيل. قبل ذلك بيومين قام <J.فيلهابر> [المسؤول عن تجميع عدد كبير من منظومات جيميني ومكاملتها] بمساعدة ثلاثة من زملائه بنقل المرآة الثانوية عبر الأرضية الأسمنتية لمرصد مجاور. والمرآة الثانوية قرص زجاجي يزن نحو 60 كيلوغراما، وتزيد قيمته على مليون دولار. تمكن الرجال الأربعة، بأقنعتهم البيضاء وقلانسهم ومعاطفهم وأحذيتهم المعقمة، من نقل المرآة ووضعها في مهدها وكأنهم ينقلون قطعة من الأثاث. إن أي رجة غير مواتية لهذه القطعة الثمينة كان من الممكن أن تفضي إلى تحطيمها أثناء نقلها من محطة الغسل إلى حجرة الطلاء المفرَّغة.

 

كان فيلهابر يُؤْثِر ألا يشهد هذه النقلة الخطرة، غير أن حجرة طلاء جيميني ـ وهي الحجرة الأكثر تطورا على الإطلاق، حسبما ورد في منشورات الدعاية للمشروع ـ كانت قد انهارت خلال تجربة قاسية استمرت ليلة كاملة قبل ذلك بعشرة أيام. تحتوي الحجرة على صمام مگنطرون(5)magnetron يستعمل پلازما من أيونات (شوارد) الآرگون لاقتلاع ذرات الألمنيوم من صفيحة معدنية، وترسيبها في غشاء عاكس فائق النقاء على زجاج المرآة. (يذكر هنا أن كامل المرآة، التي قطرها ثمانية أمتار، مغطى بكمية صغيرة من الألمنيوم تكاد تكفي لتصنيع علبة جعة).

 

كان قد تم بناء الحجرة في مرصد گرينتش الملكي، وهو أقدم مؤسسة علمية في إنكلترا. لكن مشكلات مالية تتعلق بالميزانية حاقت بهذه المؤسسة المحترمة عام 1998، الأمر الذي جعلها فيما يبدو منصرفة إلى تدبُّر أمر توقف نشاطها الوشيك أكثر من اهتمامها بالعَقد المبرم مع جيميني. وقد عبَّر فيلهابر عن ذلك شاكيا: «لقد كانوا يبنون هذه الحجرة قبل توقُّف نشاطهم، وها قد بات ذلك أمرا جليا».

 

مع مطلع الشهر 12 /1998كان هَمُّ فيلهابر منصبًا، ولعدة أشهر، على حمل آلة الطلاء على العمل على الوجه الصحيح، بدلا من أن ينصرف إلى أداء واجباته الأخرى المتمثلة في جعل منظومات جيميني الثانوية المختلفة تعمل باتّساق. ولمّا تكن الحجرة على درجة كاملة من التجهيز بعد، إلا أن فريق العمل لم يعد في وسعه تأجيل طلاء المرآة الرئيسية أكثر من ذلك. ففي أحد الأيام قضى فيلهابر وثلاثة من الفنيين سبع ساعات متواصلة وأعينهم تراقب عن كثب الأجهزة التي تقيس التيار المارّ خلال المگنطرون. وقال فيلهابر معقبا: «لم يسبق أن عملت الآلة مدة طويلة كهذه من دون أن ينتابها عُطْل، لذا فقد كان الخوف يملأ قلوبنا».

 

ما إن بقي عشرون دقيقة فقط على إتمام طلاءِ آخِرِ قسم من الزجاج، حتى انعدم الجهد الكهربائي وازداد التيار زيادة مفاجئة نتيجة حدوث تماس كهربائي أوقف عمل الآلة. بدا الأمر في البداية كأنه كارثة، فقد يكون المگنطرون حزَّ سطح المرآة، وتشغيلُ الآلة من جديد ربما يُحدِث تموُّجا في الطلاء، وقد يترتَّب على ذلك أن يقوموا بقشر طبقة الألمنيوم والبدء من جديد. يصرّح فيلهابر: «استعملنا التعبير المجازي لروّاد مركبة الفضاء أپولو Apollo 133 لدى إيابهم من رحلتهم إلى القمر؛ لم تكن حياتنا في خطر، لكن مرآتنا كانت في خطر حقيقي، ومرآتنا كانت بمنزلة حياتنا فعلا».

 

فيلهابر ـ البالغ من العمر خمسا وثلاثين سنة ـ رجل مشهود له بالجسارة، إذ كان يقوم خلسة بتسلق جسري جورج واشنطن وبروكلين ليلا أيام كان طالبا في جامعة كولومبيا. وبرعونته المألوفة عنه كان يصرّح كذلك: «إن مقدرتي خارقةٌ لجعل أي شيء يعمل». وقد رأى في هذه العقبة الطارئة تحديا، فشَرَعَ يعيد ضبط أجزاء المگنطرون بالعين المجرَّدة لإتمام عملية الطلاء. وتمكن فيلهابر وفريقه بعد فترة عصيبة انحبست خلالها الأنفاس من إعادة تشغيل الآلة واستكمال العمل، بحيث صارت طبقةُ الطلاء على المرآة في حالة مقبولة تسمح بظهور الضوء الأول.

 

في الوقت الذي كانت فيه آلة جيميني لاتزال معطَّلة، اضطر فيلهابر وطاقمه إلى استعارة حجرة الطلاء في مرصد مقراب كندا ـ فرنسا ـ هاواي، وثبَّتوا بداخلها المرآة الثانوية من دون عوائق. وفي أواخر الشهر 1 ترك فيلهابر المشروع، إذ لم تستطع أسرتُه التكيُّف مع الحياة في منطقة هيلو الريفية البسيطة، الأمر الذي يمثل خطرا مهنيا على كل من يقطن في بيئات معزولة كهذه، حيث تتمركز المقاريب.

 

إن المعْلَم الذي يحدد الضوء الأول هو ضرب من الشكليات؛ فهو ـ فيما يتصل بجيميني ـ لم يكن ليعني أن المقراب صار جاهزا تحت تصرُّف الفلكيين لاستطلاع السماء في كل ليلة صافية، وإنما كان يعني أن مدير مشروع جيميني واثنين من علماء فريقه ومدير العلاقات العامة، يرون أن العديد من الصُّور الكثيرة التي استقبلتها آلة تصوير مستعارة تعمل بالأشعة تحت الحمراء، يصلح لإظهاره على العالم من غير أن يكون عرضة لانتقاد شديد من المجتمع الفلكي.

 

ظهرَ الضوءُ الأول الحقيقي في أواخر الشهر 12، وكان أشبه بمشروع بحث علمي لطلبة مدرسة ثانوية. وقد التمع الضوء النجمي المنعكس عن القطع المكافئ الدوراني paraboloid الزجاجي الكبير في الأسفل، على شكل نقطة مضيئة لا يتجاوز قطرها بضعة مليمترات على قطعة من الورق المقوّى أدّت دور المرآة الثانوية البالغة قيمتها مليون دولار، والتي يتعيَّن بعدُ تركيبها على هيكل المقراب. وأتاحت النقطة ـ وهي انعكاس لكوكب  المشتري ـ إجراء عمليات معايرة على المرآة الكبيرة.

 

في أواخر الشهر 12 وخلال الشهر 1، انتقل المشروع تدريجيا إلى مواقع اختبار أخرى ربما كانت جديرة بأن تسمى لحظة رؤية الضوء الأول، ومع ذلك فقد تجاوز برنامج العمل موعدَه النهائي المحدَّد بمنتصف الشهر 1، بسبب ظهور مشكلات ميكانيكية وبرمجية software. على أن جيميني كان جاهزا بتاريخ 29/1 لمراسم استقبال ضوء أول آخر من السماء، أي التقاط سلسلة من الصور بوجود المرآتين الرئيسية والثانوية معا.

 

وفيما عدا الإصدارات الخضراء لشاشة الحاسوب، فقد عم السواد قبة منظومة جيميني عند الساعة التاسعة والنصف ليلا. ومع دوي ميكانيكي خفيض، انفتح شق القبة غامرا باطنها بفيض من ضوء القمر البدر. تهيأ المقراب للعمل، مستقبلا السَّمْت. وكان من المذهل حقا أن يتجه مباشرة نحو نجمي رأس التوأم Castor وثاني الذراع(6) Pollux، أسطع نجمين في كوكبة الجوزاء.

 

وبعد ساعات من الجهد في معالجة سلسلة من الأعطال الفنية الطارئة على البرمجيات، ظهر نجم جديد على شاشات العرض الحاسوبية لجيميني لا يحمل اسمًا بعينه، إلا أن الفلكيين ميزوه بالرقم 1253 في أحد تصانيفهم النجمية (وهم مولعون بوضع الكثير منها)، وقد بزغ على هيئة لطخة منحرفة ذات لون زائف أو برتقالي في حجرة المراقبة عند الذروة، وكذلك على أجهزة الحاسوب الموجودة في مكاتب القاعدة بهيلو، حيث يقضي معظم الفلكيين لياليهم ينظرون إلى السماء. وهناك فوق قمة الجبل أجرى أوشمان ـ يدويا ـ بعض التعديلات على محافيز actuatorsالمرآة، لتصحيح مميِّز الاستطالة الرأسية للابؤرية vertical elongation characteristic of astigmatism، وما هي إلا بضع دقائق حتى ظهرت كرة تامة الاستدارة.

 

أثمرت تعديلات أوشمان عن رفع كفاءة الميز من عشر ثوان قوسية إلى ثانية قوسية واحدة خلال دقائق معدودة، وهي عملية كانت تستغرق في بعض الأحيان سنوات باستعمال المقاريب الأقدم التي لا تتجاوز أقطار مراياها أربعة أمتار. وفي هيلو كان ماونتين يراقب الصور على مطراف حاسوبي computer terminal، كما يراقب أعمال أوشمان على مرقاب اتصال عن بُعد teleconferencingmonitor. وساد جو من البهجة الغامرة، غير أن نظرة ماونتين كانت تعكس تجهما وعبوسا. لم يكن مردُّ ذلك أن صحيفة Honolulu Advertiser كانت قد صدَّرت صفحتها الأولى ذلك الصباح بصورة لسديم الجبّار Orion nebula  التقطها مقراب سوبارو، وهي صورة طالما تمنى ماونتين أن تكون صادرة عن مرصد جيميني، بل بسبب انصراف مشاعره إلى مدى ضخامة إطلاق مشروع علمي كبير كهذا، كما صرّح بذلك فيما بعد، فقد أردف قائلا: «كم عانينا لتحقيق ما وصلنا إليه. ولا شك أن العمل الشاق مازال في بدايته».

 

لدى اطّلاع أوشمان على الصحيفة ذاتها، أراد أن يعلق الصورة المنشورة فيها في مكان بارز من المرصد، ويكتب تحتها: «كم يوما نحتاج كي نحصل على مثلها أيها الصَّحب؟» إلا أن ماونتين ـ بخبرته ونفاذ بصيرته ـ كان أدرى بحجم المصاعب الماثلة على طريق الإنجاز.

 

وكان لا بد من إرجاء الإعلان الرسمي عن ظهور الضوء الأول إلى ما بعد منتصف الشهر 2. ولم يُجْدِ الرهان على إمكان تجميع كافة المنظومات بسرعة ودفعها إلى العمل مباشرة. وقد تأكَّد الآن أن نهاية المقراب العليا الخفيفة الوزن ـ وهو الجزء الذي أدى إلى تخفيض التكلفة، والذي صمم لإتاحة الرؤية في مجال الأشعة تحت الحمراء ـ هو بمثابة نقطة ضعف، إذ لن تتمكن إحدى منظومات المقراب البرمجية والآلية من تحريك المرآة الثانوية بسرعة كافية لتحييد تشويش الصورة الناشئ عن اهتزاز الهيكل بفعل الرياح، ويتطلب الأمر تجهيزات وبرمجيات معقدة. ومازال بالإمكان الحصول على صور جيدة للضوء الأول خلال بضعة الأسابيع المقبلة للإعلان للجمهور، فيما لو قيض الله للمقراب سلسلة من ليال هادئة وصافية. إلا أنه كان على أفراد طاقم العمل أن ينتظروا حتى تتطامن الثلوج ويذوب الجليد، وعلى الخصوص إلى أن تهدأ الرياح العاتية التي تلحق الأذى بأي موقع يرتفع 4000 متر في الشتاء ـ حتى في هاواي. وقد أحدث التأخير الإضافي، وكلفة تشغيل المقراب البالغة 000 30 دولار كل ليلة ضغوطا جديدة على الميزانية المرصودة.

 

يمثل الضوء الأول في الواقع بداية فترة تمتد خمسة عشر شهرا من العمل الجماعي المكثَّف للمهندسين والفلكيين، بغية صقل الجهاز وتطويعه، تحقيقا لمواصفات تتطلب دقة تصل إلى أجزاء من الثواني القوسية. وللحصول على كامل إمكانية المقراب يتعيَّن عليهم نشر منظومة ضوئية موائمة adaptive optics system للتعويض عن الاضطراب الجوّي الذي قد يُفسد جلاء صور المقراب.

 

وإذا سارت أمور مشروع جيميني على ما يرام، فسيتمكن الفلكيون من السيطرة الكاملة على المقراب نحو منتصف عام 2000. وقبل فترة طويلة من تسليم المشروع عام 2000 سيحمل كثير من المهندسين أرديتهم البنية اللون وينتقلون إلى شمال تشيلي، حيث ستتاح لهم هناك فرصة استخلاص العِبَر من الأخطاء السابقة بينما يقومون بتجميع نسخة جنوبية من آلة ماونا كيا. ويسعى ماونتين لحمل فريق عمله على التطلع إلى أبعد من مجرد إتمام مشروع جيميني الجنوبي، وكثيرا ما يطلب إليهم أن يفكروا ـ خلال أوقات فراغهم النادرة ـ في ما سوف يتطلبه بناء مقراب هائل بمرآة قطرها 50 مترا، ربما تكون مركَّبة من سلسلة من الأجزاء متصل بعضها ببعض، وهو تصميم استعمل في مقاريب كيك الذائعة الصيت على قمة ماونا كيا، وكل قطعة منها قد تداني قياس مرآة جيميني الرئيسية. إن هذا المطلب بتضخيم الحجم ـ وهو ما يسميه بعض الفلكيين «حسد الفتحة» aperture envy ـ مطلب واسع لا تحده حدود؛ فليس ثمة مقراب يمكن أن يوصف بالضخامة مهما عَظُم، قياسا إلى الأبعاد المترامية لهذا الكون الفسيح.

 

ٍScientific American, April 1999

(*) A New Eye Opens on the Cosmos

 

(1) 1 طن متري = 1000 كيلوغرام أو 2204.6 رطل إنكليزي.

(2) بركان خامد في جزيرة هاواي، يبلغ ارتفاعه 4205 أمتار. وهو حاليا موقع دولي للرصد الفلكي.

(3) Secular religion(التحرير)

(4) 1 ثانية قوسية = 3600/1من الدرجة.

(5) صمام إلكتروني مفرغ يستعمل منبعا قويا للموجات الصغرية (المكروية) بوجود حقل مغنطيسي خارجي. (التحرير)

(6) يسمى أيضا: رأس التوأم المؤخَّر أو رأس الجوزاء.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى