أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
غير مصنف

سلفٌ ندَّعيه لأنفسنا

سلفٌ  ندَّعيه لأنفسنا(*)

أحافير جديدة مثيرة للجدل يمكن أن تقرّب

العلماء أكثر من قبل إلى تعرف أصل الإنسان.

 <K.وونگ>

پواتْييه، فرنسا ـ يرفع <M.برونيه> الجمجمة السمراء المكسّرة من صندوقها المعدني المقفل والمبطَّن بالإسفنج ويضعها بحذر على الطاولة أمامي. إنها بحجم جوزة الهند، ذات أنف قصير وجبهة سميكة تطل على محجريْن حجريين. يبدو الوجه للوهلة الأولى ـ لعيني غير الخبيرة ـ غريبا وغامضا. أما بالنسبة إلى <M.برونيه> [عالم الأحافير (المتسحاثات) في جامعة پواتييه] فهو وجه قريبنا المفقود الذي ظل يبحث عنه مدة 26 سنة. “إنه السّلف الأقدم،” تمتم صياد الأحافير المحنك قائلا “إنه السلف الأقدم لفصيلة الإنسان.”

 

وضع <برونيه>، مع فريقه، علم الإنسان القديم paleoanthropology في حالة فورة عندما أعلنوا عن اكتشافهم هذا في الشهر 7/20022. فالجمجمة التي استخرجت (وكانت كاملة بصورة تدعو إلى الدهشة) من رواسب نحتتها العواصف الرملية في شمالي صحراء جوراب في تشاد، يعود عمرها إلى ما قبل سبعة ملايين سنة. وقد أُطلق عليها اسم ساحيلانثروپَس تشادِنسزSahelanthropus tchadensis، ولُقِّبت تومائي Tomaï، ومعناها في لغة الگوران المحلية “أمل الحياة” hope of life. وهكذا يمكن أن يمثل صاحب هذه الجمجمة السلف الأبكر للإنسان في السجل الأحفوري. وهذا السلف، كما يقول <برونيه>، يمكن أن “يدل على” النقطة التي افترقت فيها سلالتنا (أي سلالة الإنسان) عن السلالة التي قادت إلى قرود الشمپانزي، أقرب أقربائنا الأحياء.

 

قبل أقل من قرن من الزمن كانت فكرة الأسلاف القردية للإنسان في إفريقيا موجودة لدى قلة من المتنورين فحسب. ففي العام 1871 تنبأ <Ch.دارون> بأن أبكر أسلاف الإنسان ربما كانوا موجودين في إفريقيا، حيث يعيش حاليا أبناء عمومتنا من الشمپانزي والغوريلا. ولكن الدليل الداعم لتلك الفكرة لم يأت إلا بعد أكثر من خمسين سنة، عندما وصف عالم التشريح <R.دارْت> [من جامعة وِتْووتَرْسرانْد] جمجمة أحفورة من تونگ في جنوب إفريقيا تنتمي إلى إنسان منقرض سماه أوسترالوپيثيكَس إفريكانَس Australopithecus africanus، أي: “القرد الجنوبي من إفريقيا”. غير أن ادعاءه قوبل بما يراوح بين الشك المتحفظ والرفض الفوري. وقال الناقدون إن هذه البقايا كانت تخص غوريلا في مقتبل عمرها. غير أن اكتشاف عينة أخرى في جنوب إفريقيا عُرفت الآن باسم أوسترالوپيثيكَس روبَسْتَس A. robustus  برّر ادعاء دارْت في آخر الأمر. ولكن كان علينا الانتظار حتى الخمسينات من القرن الماضي لتنال فكرة أسلاف الإنسان المشابهة للقردة العليا من إفريقيا القبول على نطاق واسع.

 

ففي العقود التي تلت ذلك، وبجهود رائدة في شرق إفريقيا برئاسة أعضاء من عائلة ليكي Leaky  وغيرهم، اكتشف المزيد من  الأحافير. وبذلك ازداد، في أواخر السبعينات من القرن العشرين عدد أفراد مجموعة الإنسان القرد الأوسترالوپيثيكية Australopithecine لتضم الأنواع: بوازيي A. boiseiوإثيوپيكس A. aethiopicus وعفارنْسز A. afarensis (أي لوسي Lucy  وضروبها التي عاشت بين ما قبل 2.9 و3.66  مليون سنة خلال عصر الپليوسين وأعطت جنسنا: جنس الإنسان Homo). وكان كل نوع من هذه الأنواع متكيفا مع موقع بيئي environmental niche  خاص به، ولكنها جميعا كانت مخلوقات تسير على قدمين وتتمتع بفكوك ثخينة وطواحن كبيرة وأنياب صغيرة، ومن ثم تختلف بصورة جذرية عن الصورة العامة للقردة العليا، التي كانت تعيش في عصر الميوسين والتي كانت تسير  على أرجلها الأربع والتي تحتل مكانا أبعد على شجرة النسب. ومع ذلك، فإن سبر أصل الإنسان فيما قبل أوسترالوپيثيكَس عفارنسز كان يعني الوقوع في هوة فاغرة في السجل الأحفوري بين ما قبل 3.6 و12 مليون سنة، وهذا ما جعل الباحثين يتساءلون: من هم أسلاف لوسي؟

 

وعلى الرغم من البحث الواسع للإجابة عن هذا السؤال، فإن العثور على الأحافير ذات الدلالات التشخيصية التي تنتمي إلى العصر المناسب راوغ الباحثين لعقدين تقريبا. وفي النهاية بدأ حظهم  بالتغير في نحو منتصف التسعينات من القرن الماضي، عندما أعلن فريق بقيادة <M. ليكي>  [من المتاحف القومية في كينيا] عن اكتشافه النوع أوسترالوپيثيكس أنامِنْسِز A.anamensis، الذي يعود عمره إلى ما قبل 4 ملايين سنة والذي يتسم بصفات أكثر بدائية تجعله سلفا معقولا “للوسي” [انظر: “أحافير بشرية من إفريقيا ترجع إلى نحو أربعة ملايين سنة”، مجلة العلوم، العدد 11 (1997) ، ص 54]. وفي الوقت نفسه تقريبا وصف <T.وايت> [من جامعة كاليفورنيا في بركلي] وزملاؤه مجموعة من الأحافير من إثيوپيا يعود عمرها إلى ما قبل 4.4 مليون سنة وتمثل نوعا أكثر بدائية من فصيلة الإنسان يُعرف الآن باسم أرديپيثيكَس راميدَس راميدَس Ardipithecus ramidus ramidus.  وهذه المكتشفات أعطت الدارسين نظرة خادعة عن ماضي لوسي، تعدهم وتخلف وعدها. غير أن تقديرات بعض علماء البيولوجيا الجزيئية molecular biologists  عن الزمن الذي حدث فيه تباعد سلالة الإنسان عن سلالة الشمپانزي أوحت بوجود أنواع أقدم في فصيلة  الإنسان لم تكتشف بعد.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00598.jpg

أهذا واحدٌ من القردة العليا أو سلف للإنسان؟ إنه فرد من النوع ساحيلانثروپَس تشادنسز Sahelanthropus tchadensis، (الذي يحتمل أن يكون الفرد الأقدم من فصيلة الإنسان في السجل الأحفوري) يبحث عن غذائه في غابة كانت تحيط ببحيرة تشاد قبل نحو 7 ملايين سنة. وحتى الآن لم يعرف هذا المخلوق إلا من بقايا من جمجمته وأسنانه فقط، ولذلك فإن جسمه في هذا الرسم هو بكامله ضرب من خيال الفنان الذي رسمه.

 

لقد جرى حديثا ما أكد تلك التنبؤات. ففي السنوات القليلة الماضية قام باحثون  بسلسلة من الاكتشافات المذهلة (ومن بينها اكتشاف <برونيه>)، التي يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في ملء الثغرة الباقية بين الإنسان وأسلافه من القردة العليا الإفريقية. إن هذه الأحافير، التي يراوح عمرها بين ما قبل 5 و 7 ملايين سنة، أدت إلى إعادة النظر في أفكار دامت مدة طويلة تتعلق بزمن نشوء سلالتنا ومكانه، وماذا كان يشبه السلف المشترك الأخير للإنسان والشمپانزي. وليس عجيبا أنها أثارت أيضا مناقشات حادة. ففي الواقع انقسم الخبراء إلى أبعد الحدود حول موضع هذا النوع الجديد في شجرة فصيلة الإنسان، بل حتى حول ما ينبغي أن يتصف به النوع المنتسب إلى فصيلة الإنسان في المقام الأول.

 

وقفة منتصبة(**)

 في ربيع العام 2001 أُعلن عن الدليل الأول على نوع من فصيلة الإنسان ينتمي إلى ما قبل 4.4 مليون سنة، إذ عثر عالما الأحافير <M. پيكفورد> و<.Bسينو> [من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس]، في تلال توجن بكينيا، على بقايا مخلوق يعود عمره إلى ما قبل 6 ملايين سنة وأسمياه أورّورين توجينِنْسز Orrorin tugenensis. وقد جمع الباحثان حتى الآن تسع عشرة عينة، تتضمن قطعا من فك وأسنانا منعزلة  وعظام إصبع وساعد وبعض أجزاء من عظم الفخذ. وبحسب <پيكفورد> و<سينو> يبدي “أورّورين” صفات مميزة متعددة تضعه بوضوح في فصيلة الإنسان، وبصورة خاصة تلك الصفات التي توحي ـ مثل جميع الأنواع التي أتت بعده ـ أنه كان يمشي على قدمين. فقد صرح <پيكفورد> “أن عظم الفخذ يشابه عظم فخذ الإنسان بصورة لافتة للنظر.” فهو يتميز بعنق عظم فخذ طويل، الأمر الذي وضع جسم هذا العظم بزاوية مع الرجل السفلى (وهذا يجعل الورك ثابتة)؛ ويتميز أيضا بأخدود على ظهر ذلك العنق، حيث تضغط عضلة معروفة باسم السِّدادة الخارجية obturator externus  على العظم أثناء السير بقامة منتصبة. ومن نواح أخرى كان “الأورورين” حيوانا بدائيا، فأنيابه كبيرة وحادة مقارنة بأنياب الإنسان، وعظام عضده وأصابعه لا تزال تحمل آثار التكيف للتسلق. غير أن الصفات المميزة لعظم الفخذ تعني بالنسبة إلى <پيكفورد> و<سينو> أنه عندما كان “الأورورين” يمشي على الأرض كان يمشي على قدمين كالإنسان.

 

أقدم أنواع فصيلة الإنسان/ نظرة إجمالية(***)

    تشير الرواية النموذجية التي ترددها المراجع عن تطور الإنسان إلى أن أنواعه نشأت عن سلف شبيه بالشمپانزي قبل نحو 5 إلى 6 ملايين سنة في شرق إفريقيا، صار يمشي على قدمين في سهول الساڤانا. ولكن حتى مدة قريبة لم تعرف أحافير (مستحاثات) للإنسان يعود عمرها إلى أقدم من 4.4 مليون سنة.

    إن الأحافير المكتشفة حديثا في تشاد وكينيا وإثيوپيا يمكن أن تُرجع السجل الأحفوري للإنسان إلى الوراء إلى ما قبل 7 ملايين سنة لتكشف عن الأنواع الأقدم للإنسان حتى الآن.

    تُشكك هذه المكتشفات في المعارف التقليدية لعلم الإنسان القديم (الپاليوأنثروپولوجيا). لذلك يختلف الخبراء في درجة قرابة تلك المخلوقات إلى الإنسان، إن كانت من أقربائه أصلا.

 

في الواقع يحاجج هذان العالمان أن “الأورورين” كانت له مشية تشبه مشية الإنسان أكثر من مشية لوسي الأحدث عمرا. وخلافا لوجهة نظر علم الإنسان القديم افترض الفريق أن “الأورورين” أعطى جنس الإنسان الهومو عبر الجنس المقترح پرى أنثروپس Praeanthropus  (الذي يتضمن مجموعة فرعية مؤلفة من أحافير تنسب حاليا إلى أوسترالوپيثيكس عفارنْسِز وأوسترالوپيثيكَس أنامِنْسز)، تاركين لوسي ونسلها على خط تطوري جانبي. أما الجنس أرديپيثيكَس فيعتقد الباحثان المذكوران أنه كان سلفا للشمپانزات.

 

الجذور الإفريقية(****)

يمكن أن توسّع المكتشفات الحديثة في إفريقيا السجل الأحفوري لأسلاف الإنسان المبكرين من حيث الزمان والمكان. فقبل عدة سنوات فقط، لم تعرف بصورة أساسية بقايا يعود عمرها إلى أكثر من 4.4 مليون سنة. وأقدم العينات جاءت كلها من شرق إفريقيا. في العام 2001، أعلن علماء الأحافير ـ الذين كانوا يعملون في تلال توجن بكينيا ومنطقة ميدل أواش بإثيوپيا ـ أنهم اكتشفوا نوعين من فصيلة الإنسان يعود عمرهما إلى 6 ملايين سنة تقريبا (أورورين توجيننسز Orrorin tugenensis  وأرديپيثيكَس راميدَس كاداباArdipithecus ramidus kadabba  ، على التتالي). وبعدئذ أعلن في الشهر 7/2002، عالم الأحافير<M.برونيه> [من جامعة پواتييه] أنه اكتشف، مع بعثته الفرنسية التشادية المختصة بعلم الإنسان القديم نوعا من فصيلة الإنسان يعود عمره إلى نحو 7 ملايين سنة،  سماه ساحيلانثروپَسْ تشادنسز Sahelanthropus tchadensis، في موقع يعرف باسم توروس مِنّالا في شمال تشاد، ويبعد هذا المكان 2500 كم تقريبا إلى الغرب من مواقع وجود الأحافير في شرق إفريقيا. ويعلق <برونيه> قائلا: “أظن أن الأمر الأكثر أهمية في عملنا، فيما يتعلق بمحاولتنا فهم قصة تطورنا، هو فتح هذه النافذة الجديدة. إننا نفتخر بأن نكون رواد الغرب.”

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00599.jpg

 

لم يكن الجميع مقتنعين بحجة عظم الفخذ. فقد أجاب <.o.cلڤجوي> [من جامعة ولاية كنت] أن مسوح التصوير المقطعي الطبقي المحوسب لعنق عظم فخذ “الأورورين”، الذي قال عنه <پيكفورد> و<سينو> إنه يكشف عن بنية عظم شبيه بعظم الإنسان، بينت في الواقع توزعا لعظم قشري شبيه بما في الشمپانزي، وهو دليل مهم على الإجهاد strain  الذي يتعرض له ذلك الجزء من عظم الفخذ في أثناء التحرك، ثم ذكر أن المقاطع العرضية لعنق عظم فخذ أوسترالوپيثيكَس عفارنسز تظهر، على العكس تماما، أنها لعنق عظم فخذ إنساني. ويظن <لفجوي> أن “الأورورين” كان في الغالب، وليس دائما، يمشي على قدمين ويقضي قسما كبيرا من الوقت على الأشجار، وهذا لا يُبعده عن منزلة الإنسان. فمن شبه المؤكد أن المشي على قدمين على نطاق واسع لم يبرز دفعة واحدة. وبالأحرى يحتمل ألا يكون “الأورورين” ببساطة قد طور حينها كامل السمات الضرورية لعملية المشي المعتادة على قدمين. وإذا أخذنا بهذه النظرة فإن “الأورورين” يمكن أن يظل على خط الأسلاف التطوري، حتى لو أبعده <لڤجوي> عن جنس الإنسان الهومو أكثر مما أبعده <پيكفورد> و<سينو>.

 

والدليل الأفضل على ممارسة روتينية مبكرة لعملية مشي على قدمين، بحسب وجهة نظر <لڤجوي>، ظهر بعد عدة أشهر من التقرير الخاص بالأورورين، عندما أعلن طالب الدراسات العليا في بركلي <Y. هيلا-سيلاسي> اكتشاف أحافير أحدث قليلا في منطقة “ميدل أواش”  بأثيوپيا. إن تلك البقايا ـ التي يعود عمرها إلى ما قبل 5.8 – 5.2 مليون سنة والتي صُنّفت نُوَيْعًاsubspecies  من أرديپيثيكَس راميدَس يسمى أرديپيثيكَس راميدَس كاداباArdipithecus ramidus kadabba ـ تتضمن سُلامى قدم كاملة، أي عظم إبهام القدم (الأبخس) toe bone، ولذا فإنها تحمل صفة واشِية. ويقول <لڤجوي>، الذي درس الأحفورة، لقد كان مفصل العظم موجها تماما بعين الطريقة التي نتوقعها، فيما لو كان الأرديپيثيكَس راميدَسْ كادابا يباعد بين إبهامي قدميه عندما يمشي، كما يفعل الإنسان.

 

وثمة باحثون آخرون أقل تأثرا بمورفولوجية إبهام القدم؛ إذ يعقب <D.بيگان> [من جامعة تورونتو]: “بالنسبة لي، هي تظهر لكل الناس مثل سلامى قدم الشمپانزي.” فمن ملاحظة الصور تبدو أنها أطول وأنحف وأكثر انحناء مما يجب أن يكون عليه عظم إبهام نوع يمشي على قدمين. ويمكن أن يُجرى توضيح ذلك عندما ينشر <وايت> ومساعدوه نتائج دراساتهم عن جزء لم يوصف بعد من هيكل الأرديپيثيكَس. ويقول <وايت> إنهم يأملون أن يتم ذلك خلال سنة أو سنتين.

 

ولكن على الرغم من التفسيرات التشريحية المختلفة، فإذا كان “الأورورين” أو الأرديپيثيكَس راميدَس كادابا يمشي على قدمين، فإن ذلك لن يؤدي فحسب إلى إرجاع تاريخ بدء مشيتنا المنتصبة إلى زمن أبكر بنحو 1.5 مليون سنة، وإنما أيضا سيقضي على فكرة شائعة حول الظروف التي تطورت فيها مشيتنا ذات الخطى الواسعة. فالاعتقاد العام يعتبر أن أسلافنا صاروا يمشون على قدمين في سهول الساڤانا الإفريقية، لأن المشي المنتصب ربما أبعد الشمس المحرقة عن ظهورهم وسهَّل لهم الوصول إلى أطعمة لم يكونوا ليصلوا إليها من قبل، أو أتاح لهم رؤيةً أفضل من فوق الحشائش الطويلة. غير أن التحاليل البيئية القديمة paleoecological  تشير إلى أن “الأورورين” والأرديپيثيكَس كانا يسكنان في بيئات تنتشر فيها الغابات الى جانب القردة وغيرها من المخلوقات النمطية للغابات. وفي الواقع، إن<G.وولد-گابرييل> [من مختبر لوس ألاموس الوطني في الولايات المتحدة] مع زملائه، الذين درسوا كيمياء التربة والبقايا الحيوانية في الموقع الذي كان يعيش فيه أرديپيثيكَس راميدَس كادابا، كانوا قد لاحظوا أن أنواع الإنسان الباكرة ربما لم تخاطر بأنفسها بالانتقال إلى ما وراء هذه المواقع الغابية المطيرة نسبيا قبل 4.4 مليون سنة.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00600.jpg

 

إن هذا الوجه يمثل وجه قريبنا المفقود الذي فتش عنه <برونيه>

 لمدة 26 سنة. لقد تمتم هذا الباحث المحنك عن الأحافير القديمة

 قائلا: “إنه الأقدم في فصيلة الإنسان.”

وإذا كانت الأمور هكذا، قد لا يكون تغير المناخ لعب دورا مهما في دفع أسلافنا للتحول من المشي على قوائم أربع إلى المشي على قائمتين، كما كان يُظن. ومن جانبه، يلاحظ <لڤجوى> أن عددا من الفرضيات التي تقول بنشوء المشية المنتصبة في سهول الساڤانا لم يجر التفكير فيها ـ أصلا ـ بصورة جيدة. ويذكر مازحا “إذا كانت عيناك في إبهامي قدميك فإنه يمكنك أن تقف منتصبا على يديك طوال اليوم وتنظر من فوق الحشائش الطويلة، ولكنك لن تتطور أبدا إلى مخلوق يمشي على يديه.” وبتعبير آخر، لن يؤدي اختيار الوقفة المنتصبة وحده، بحسب رأيه، إلى المشي على قدمين. والتفسير المقنع لنشوء عملية المشي على قدمين، كما يذكر <لڤجوي>، هو أنها تحرر اليدين وتسمح للذكور بجمع طعام إضافي يستميلون به القرينات. ففي هذا النموذج، الذي طوره <لڤجوي> في الثمانينات، تتمكن الإناث اللواتي يخترن معيلين جيدين من تكريس طاقة إضافية لتربية الأطفال، ومن ثمّ يزداد نجاحهن التكاثري إلى حده الأعلى.

 

هل هو السلف الأقدم؟(*****)

 كان الباحثون في مجال علم الإنسان القديم حتى ذلك الحين يقبلون الرأي في النتائج المترتبة على اكتشاف “الأورورين” و”الأرديپيثيكَس راميدَس كادابا”، عندما ظهرت أحفورة <برونيه> إلى حيز الوجود. فمع ساحيلانثروپَس ظهرت أجوبة جديدة وأسئلة جديدة. فبخلاف “الأورورين” و”الأرديپيثيكَس راميدَس كادابا”، لا تتضمن المواد المتعلقة بـ “ساحيلانثروپَس” أيَّ عظام خلف القحف(1) postcranial، الأمر الذي يستحيل معه معرفة ما إذا كان الحيوان يمشي على قدمين، وهي الصفة التقليدية المميزة للجنس البشري. ومع ذلك فإن <برونيه> يحاجج بأن مجموعة من السمات في الأسنان والجمجمة، التي يعتقد أنها تخص فردا ذكرا (اعتمادا على نتوء جبهي ثخين)، تربط بوضوح هذا المخلوق بجميع الأنواع اللاحقة من فصيلة الإنسان. إن <برونيه> ـ في تقييمه ـ يولي أهمية خاصة للصفات المميزة لأنياب ساحيلانثروپَس. ففي جميع القردة العليا الحالية والأحفورية، وبالتالي في السلف الأخير المشترك لأنواع الشمپانزي والإنسان، ينشحذ النابان العلويان الكبيران بالضاحكتين الأوليين السفليتين. ويؤدي هذا الشحذ إلى تكوين حافة حادة على طول الوجه الخلفي للنابين. وما يُدعى معقَّد الشحذ النابي الضاحكي honing canine-premolarcomplex  يكون واضحا في الذكور الذين يستعملون أنيابهم للتنافس فيما بينهم من أجل الإناث. لقد اختفت أسنان التصارع هذه لدى البشر وصارت الأنياب أصغر حجما وأكثر شبها بالقواطع، حيث تتم عملية إطباق الأسنان طرفا إلى طرف tip to tip، وهو ترتيب يُحدث نمطا متميزا من التآكل مع الزمن. ويؤكد <برونيه> أن أنياب ساحيلانثروپَس بحجمها وشكلها ونمط تآكلها، قد تحورت باتجاه أنياب الإنسان.

 

السمات التشريحية لأحد أسلاف الإنسان(******)

ثمة سمات أساسية تربط أجناسا وأنواعا مفترضة في فصيلة الإنسان: أرديپيثيكَس راميدَس كادابا وأورورين وساحيلانثروپَس بجنس الإنسان الهومو وتميزها من القردة العليا، مثل الشمپانزي. وتبدي الأحافير صفات بدائية تشبه صفات القردة العليا أيضا، كما هو متوقع من مخلوقات بهذا القدم. فمثلا يشبه عظم إبهام قدم أرديپيثيكَس راميدَسْ كادابا العظم نفسه في الإنسان، إذ يتجه نحو الأعلى في سطحه المفصلي، غير أن العظم طويل ومنحنٍ نحو الأسفل مثل عظم الشمپانزي [الذي يخفي بشكل ما ميل المفصل]. وبصورة مشابهة، إن لساحيلانثروپَس عددًا من السمات الشبيهة بالقردة العليا، من بينها قحف دماغه الصغير، ولكنه أكثر تشابها بالإنسان في شكل الأنياب وبروز الجزء السفلي من الوجه. (إنّ إعادة بناء قحف الساحيلانثروپَس (المشوه) ستمكن الباحثين من فهم أفضل لمورفولوجيته). ويتسم عظم فخذ الأورّورين بعنق طويل وأخدود تتثبت به عضلة السدادة الخارجيةobturator externus muscle، وهي سمات تترافق بصورة نموذجية مع عملية المشي على قدمين، وبالتالي مع أنواع فصيلة الإنسان، غير أن توزع العظم القشري في عنق عظم الفخذ يمكن أن يكون أكثر تشابها بمثيله في قرد يمشي على أربع.

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00601.jpg

 

وفي الوقت نفسه يبدي ساحيلانثروپَس عددا من السمات الشبيهة بالقردة العليا، مثل: جمجمته الصغيرة والمسافة الكبيرة الفاصلة بين محجري العينين. وهذه الفسيفساء من السمات البدائية وتلك المتطورة المحسّنة توحي، في رأي <برونيه>، بوجود قرابة حميمة مع السلف المشترك الأخير. وهكذا فقد اقترح أن ساحيلانثروپَس هو النوع الأبكر في سلالة الإنسان وسلف جميع أفراد فصيلة الإنسان الأكثر تطورا، بما في ذلك “الأورورين” و”الأرديپيثيكَس”. فإذا كان <برونيه> على حق، فإن ظهور الجنس البشري يمكن أن يكون قد تم بصورة أبكر بمليون سنة من الزمن الذي قدرته الدراسات الجزيئية. والأمر الأهم هو احتمال نشوئه في موقع يختلف عن المواقع التي افترض وجوده بها. وبحسب أحد النماذج التي تبحث في منشأ الإنسان، الذي أعلنه في الثمانينات من القرن الماضي <Y.I.كوپنز>، [من كوليج دو فرانس]، فإن شرق إفريقيا كان مهد الجنس البشري. وافترض كوپنز ـ استنادا إلى أن أقدم أحافير الإنسان وجدت في شرق إفريقيا ـ أن الأخدود الإفريقي العظيم Rift Valley  (وهو صدع أرضي يمتد من الشمال إلى الجنوب) قد شق أفراد نوع سليفي واحد من القردة العليا إلى جماعتين: جماعة في الشرق أعطت أفراد الإنسان، وجماعة في الغرب توالدت لتعطي القردة العليا الحالية [انظر: “قصة الجانب الشرقي: أصل الجنس البشري”،مجلة العلوم ، العدد 2(1995) ، ص 12]. وقد رأى عدد من الدارسين لبعض الوقت أن الانعزال الجغرافي الظاهر قد يكون سببه ندرة في السجل الأحفوري. ولكن اكتشاف نوع من أنواع الإنسان يعود عمره إلى ما قبل 7 ملايين سنة في تشاد الواقعة على بعد نحو 2500 كم إلى الغرب من “الأخدود الإفريقي العظيم” سيوجه إلى تلك النظرية ضربة قاضية.

 

لعل الجنس البشري ظهر بصورة أبكر بمليون سنة من الزمن

 الذي قدرته الدراسات الجزيئية. والأمر الأهم هو أنه ربما

يكون قد نشأ في مكان مختلف.

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00602.jpg

 

وقد يكون الأمر الأكثر مدعاة للدهشة ما يكشفه ساحيلانثروپَس عن السلف المشترك الأخير بين أفراد الإنسان والشمپانزي. وكالعادة، تصور علماء الإنسان القديم أن ذلك المخلوق كان يشبه الشمپانزي في امتلاكه، من بين أشياء أخرى، بروزا كبيرا في أسفل الوجه وضواحك مغطاة بميناء رقيق وأنيابا كبارا. غير أن ساحيلانثروپَس، مع كل سماته الشبيهة بالقردة العليا بصورة عامة، يمتلك بروزا متوسطا في أسفل الوجه، وميناء سنيا ثخينا نسبيا، وأنيابا صغيرة، وحَيْدًا جبهيا أكبر من الحيد الجبهي لأي نوع من القردة العليا الحالية. ويثير <وايت> ملاحظة مفادها أنه “إذا كان ساحيلانثروپَس قد أطلعنا على شيء فهو أن السلف المشترك الأخير لم يكن من الشمپانزي. ولكن لماذا كان علينا أن نتوقع غير ذلك؟” فقد أشار إلى أنه أتيح لأفراد الشمپانزي من الوقت لكي تتطور، مثل ما أتيح لأفراد الإنسان، وأنها أصبحت قردة عليا عالية التخصص تغتذي بالفاكهة.

 

 ومع ذلك لم يمر توصيف <برونيه> للبقايا التشادية على أنها بقايا لسلف الإنسان من دون تحد. فها هي<V.C. وورد> [من جامعة ميزوري] تنتقد قائلة “إن السبب في اعتبار ساحيلانثروپَس بالضرورة نوعا من فصيلة الإنسان ليس واضحا بصورة جلية.” فهي، إضافة إلى آخرين، تشكك في أن تكون أنيابه بنفس الدرجة من التشابه بأنياب الإنسان كما يدعي <برونيه>. وعلى نحو مشابه رد المتخصص في علم الإنسان القديم في جامعة متشيگان <H.M.وولپوف> ـ مع مكتشفي “أورورين” <پيكفورد> و<سينو>، في رسالة نشرت في الشهر 10/2002 في مجلة “نيتشر”، التي أعلن فيها فريق <برونيه> عن اكتشافه ـ بأن ساحيلانثروپَس كان من القردة العليا وليس إنسانا. فقد لاحظوا أن الجبهة الضخمة، إلى جانب سمات معينة على قاعدة جمجمة ساحيلانثروپَس ومؤخرها، تذكِّرُ بصفات تشريحية لواحد من القردة العليا يمشي على أربع ويتغذى بغذاء يصعب مضغه (غذاء قاس)، في حين توحي الأنياب الصغيرة بأنها كانت لأنثى هذا النوع وليس لسلف ذكر لإنسان. ويستطرد ثلاثتهم إلى أن غياب البرهنة على أن ساحيلانثروپَس كان يمشي على قدمين يبطل حجة <برونيه> (بل إن پيكفورد و سينو ذهبا إلى ما هو أبعد من هذا، فأكدا أن ذلك الحيوان كان بالتحديد سلفا للغوريلا). وفي جواب لاذع قارن <برونيه> منتقديه بمجابهي <دارت> في العام 1925، وردّ بأن سمات ساحيلانثروپَس الشبيهة بالقردة العليا هي ببساطة سمات بدائية احتفظ بها من سلفه القردي. وإذًا، هي لا تقدم معلومة مفيدة فيما يتعلق بقرابته بأفراد الإنسان.

 

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00603.jpg

البحث عن أنواع من فصيلة الإنسان: قام<M.برونيه> (في اليمين)، الذي اكتشف فريقُهُ ساحيلانثروپَس، بتمشيط رمال صحراء الجوراب  بتشاد لمدة 10 سنوات تقريبا. واكتشف<M.پيكفورد> و<B.سينو> (في الوسط) الأورورين في تلال توجن بكينيا. أما <T.ويت>، (في أعلى اليسار)، و<Y.هيلاسيلاسي> (في أسفل اليسار) فقد عثرا على الأرديپيثيكوس في منطقة “ميدل أواش” بأثيوپيا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00604.jpg

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00605.jpghttp://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00606.jpg

 

إن وجهات النظر المتضاربة تعكس جزئيا حقيقة أن الباحثين غير متفقين حول ما يجعل سلالة الإنسان متميزة. وكذلك يعترف <R.ماكياريلّي> [من جامعة پواتييه] بصعوبة تعريف أنواع الإنسان. ووفقا للاعتقاد السائد، عدَّ علماء الإنسان القديم عملية المشي على قدمين على أنها الخاصة التي ميزت أول مرة أسلاف الإنسان من أفراد القردة العليا الأخرى. غير أن تغيرات أخرى دقيقة – كالتحول الشكلي للناب مثلا – يمكن أن تكون قد سبقت ذلك الانتقال إلى المشي على قدمين.

 

ولفهم كيف تكون القرابة بين حيوان وآخر، استخدم علماء البيولوجيا التطورية طريقة تُدعى علم التصنيف التشعيبي cladistics، حيث تصنف الكائنات بحسب السمات traits المشتركة المتطورة حديثا. واختصارا، فإن المخلوقات التي تشترك في هذه الصفات المميزة والمشتقة من أصل واحد تكون قرابتها فيما بينها ألصق من تلك القرابة التي تعرضها فقط سمات بدائية موروثة من سلف مشترك أكثر بعدا. فالظهور الأول في السجل الأحفوري لسمة مشتركة اكتُسِبت حديثا، يستخدم مؤشرا إلى بدء الانقسام البيولوجي لنوع سليفي إلى نوعين وليدين؛ هو في هذه الحالة، النقطة التي افترقت عندها أنواع الشمپانزي والإنسان عن سلفهما المشترك. وتلك السمة تعد الصفة المميزة المحدِّدة للمجموعة.

 

وهكذا فمن الناحية التطورية التشعيبية cladistically، شرح <H.W.كيمبل>، [من جامعة ولاية أريزونا] أن ما هو إنسان، من وجهة نظر الشكل الظاهري للهيكل العظمي، هو ملخص لتلك الصفات المحفوظة في الهيكل والموجودة في الجماعات التي أعقبت مباشرة حَدَث التشعب الوراثي بين الشمپانزي والإنسان. وفي وجود سجل أحفوري فقير ومحدود بين أيديهم، لا يمكن لعلماء الأحافير أن يعرفوا على وجه التأكيد ماذا كانت تلك السمات. ولكن الصفتيْن الفارقتين الرئيسيتين لتوصيف سمات الإنسان، كما يذكر <كيمبل>، هما عملية المشي على قدمين وتحول شكل الناب. إن المشكلة التي يواجهها الباحثون الآن ـ في محاولاتهم لفهم ما كانت عليه التغيرات البدئية، وأي الأنواع المفترضة (إن كان أصلا من بينها) هو الذي يحتل مكانا على قاعدة الفرع التطوري clade لسلالة الإنسان ـ هي أن الأورورين والأرديپيثيكَس راميدَس كادابا وساحيلانثروپَس ممثلة على الأغلب بعناصر عظمية مختلفة، مما يجعل المقارنات بينها أمرا صعبا.

 

كم عدد أنواع فصيلة الإنسان؟(*******)

 في غضون ذلك، أدت إضافة ثلاث وحدات تصنيفية جديدة إلى القائمة، إلى جدل أشد حول مدى التنوع لدى أفراد الإنسان المبكرين. والخبراء متفقون على أنه بين ما قبل 3 ملايين ومليون ونصف المليون سنة كانت توجد أنواع متعددة  بعضها إلى جانب بعض، على الأقل من وقت لآخر. ويحاجج بعض الدارسين الآن بأن هذه السلسة المتلاحقة من المكتشفات تبين أن تطور الإنسان كان عملا معقدا من البداية. ويلاحظ <بيگان> ـ وهو الذي يعتقد أن القردة الميوسينية، أسلاف القردة العليا الإفريقية الحالية والإنسان، أمضت سنواتها التشكلية التطورية في أوروبا وغرب آسيا قبل أن ترجع إلى إفريقيا ـ أن ساحيلانثروپَس يحمل تماما نوع السمات غير المتجانسة التي يمكن أن نتوقع رؤيتها في حيوان كان جزءا من الانتشار (التشعع) التكيفي adaptive radiation  لقرود تنتقل إلى بيئة جديدة. ويتابع قائلا: “لن يدهشني وجود 10 أو 155 جنسا من الحيوانات ذات قرابة أوثق بجنس الإنسان الهومو منها بأفراد الشمپانزي.” ويتساءل <B.وود> [من جامعة جورج واشنطن]، أيضا في تعليق له رافق تقرير <برونيه> وفريقه في مجلة نيتشر، عما إذا كان ساحيلانثروپَس ربما انحدر من قرد إفريقي أعلى، معادل لطَفْل البرگيس Burgess Shale  المشهور في كندا، الذي أعطى أحافير لافقارية كَمْبَرية(2)  لا  تحصى عندما تفجر ظهور مجموعات الحيوانات الحديثة الرئيسية. إن النظر إلى شجرة نسب الإنسان التطورية بهذه الطريقة يجعلها أكثر تشابها مع جنبة لم يجر تشذيبها، تحتل فيها بعض المكتشفات الجديدة ـ إن لم تكن كلها ـ الفروع الانتهائية (الطرفية)، عوضا عن احتلالها بقعا مختارة على طول الخط التطوري المتعرج الذي قاد إلى الأنواع الإنسانية.

 

أفراد فصيلة الإنسان على مر الزمان (********)

يبين السجل الأحفوري لأفراد فصيلة الإنسان أن أنواعا متعددة كانت موجودة بعضها إلى جانب بعض خلال المراحل الأخيرة من تطور الإنسان. ولكنّ إطلاق القول نفسه فيما يتعلق بالنصف الأول من وجود فصيلتنا يثير نقاشا حادا بين علماء الإنسان القديم؛ إذ يعتقد البعض أن جميع الأحافير قبل 7  إلى 3 ملايين سنة تتلاءم بصورة مريحة مع السلالة التطورية نفسها. ويرى آخرون أن هذه العينات ليست فقط أعضاء في سلالات مختلفة على الأغلب، ولكنها أيضا تمثل تنوعا هائلا مبكرا في فصيلة الإنسان ينتظر الكشف عنه (ويميل مؤيدو السيناريو الأخير إلى تنسيب بقايا أفراد فصيلة الإنسان المعروفة إلى عدد من الوحدات التصنيفية أكبر مما ورد هنا).

تُصوّر مخططات التفرع (المؤطرة) فرضيتين متنافستين حول الكيفية التي تنسب فيها الأنواع المكتشفة حديثا: ساحيلانثروپَس والأورورين والأرديپيثيكَسْ راميدَس كادابا، إلى جنس الإنسان.  ففي شجرة النسب التي في اليسار تظل جميع المكتشفات الجديدة على الخط المؤدي الى جنس الإنسان مع كون ساحيلانثروپَس الجنس الأقدم من فصيلة الإنسان. وبالمقابل، في شجرة النسب التي في اليمين  يعد الأورورين فقط سلفا للإنسان. وفي وجهة النظر هذه، يمثل الأرديپيثيكَس سلفا للشمپانزي ويمثل الساحيلانثروپَس سلفا للغوريلا.

http://oloommagazine.com/images/Articles/19/SCI2003b19N8-9_H01_00607.jpg

 

ويحذر دارسون آخرون من استنتاج وجود أنواع متعددة من فصيلة الإنسان كانوا يتعايشون معا(3)  على أساس ما وجد حتى الآن. ويستطرد <وايت> مازحا “إنها ملفات المجهولين في علم الأحافير.” ويلاحظ هو و<برونيه> على السواء أنه كان يوجد، قبل ما بين 7 و4 ملايين سنة مضت، نوع واحد فقط للإنسان في أي وقت بعينه. ويتساءل <برونيه>: “أين هي شجرة النسب؟” ويستطرد <وايت> قائلا: حتى عند أوج تنوع الجنس البشري، قبل مليوني سنة، كان يوجد فقط ثلاث وحدات تصنيفية تتقاسم الأرض. ثم يشير بطريقة ساخرة: “إن ذلك لم يكن مثل الانفجار الكمبري،” بل إن <وايت> يفترض عدم وجود أي دليل على أن أصل شجرة الفصيلة هو شيء آخر غير الجذع. فهو يعتقد أن جميع المكتشفات الجديدة قد لا تمثل سوى لقطات snapshots  من سلالة الأرديپيثيكَس عبر الزمن، مع كون ساحيلانثروپَس النوع الأبكر من فصيلة الإنسان. ويمثل كل من الأورورين والأرديپيثيكَس راميدَس كادابا نسله المباشر. (في هذا التصور يمكن أن يصبح ساحيلانثروپَس والأورورين نوعين من جنس الأرديپيثيكَس).

 

ويتفق الباحثون على أنهم بحاجة إلى أحافير أكثر لإيضاح النسب فيما بين الأورورين والأرديپيثيكَس راميدَس كادابا وساحيلانثروپَس، وفيما بينهم وبيننا (أي وبين الإنسان الهومو). غير أن الحصول على صورة أوضح لجذور الجنس البشري ليس بالأمر السهل. وتتنبأ <C. وورد> قائلة: سيكون لدينا الكثير من المشكلات في تشخيص الأنواع الأبكر من فرعنا التطوري كلما اقتربنا من آخر سلف مشترك. وتضيف: “إنه من المهم في الواقع أن نحدد كيف كانت نقطة البداية. لماذا بدأت سلالة الإنسان، هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه، وهذه المكتشفات الجديدة يمكن أن تحمل بطرائق ما، مفتاح الإجابة عن هذا السؤال – أو تقربنا منه أكثر من كل ما استطعنا التوصل إليه من قبل.”

وقد ينتهي الأمر إلى أن المختصين بعلم الإنسان القديم سوف يصلون في المستقبل إلى نقطة يصبح معها تعرف إنسان أبكر مستحيلا تقريبا. ولكن من غير المحتمل أن ذلك سيبعدهم عن المحاولة. ويبدو في الواقع أن البحث عن الإنسان الأول قد بدأ يتأجج حديثا. ويعتقد <وايت> أن “جمجمة ساحيلانثروپَس هي مرسال يشير إلى أن هناك صحراء في إفريقيا الوسطى تزخر بأحافير من العمر المناسب للإجابة عن أسئلة مفتاحية حول منشأ فرعنا التطوري.” ومن جانبه، يقول <برونيه>، الذي تابع رؤيته بعناد لأكثر من ربع قرن من الزمن، عبر اضطرابات سياسية ودرجات حرارة شديدة ولسعات من الرياح الصحراوية العاتية التي تذهب بالأبصار: إن العمل الحالي في تشاد سيُشغل فريقه لسنوات قادمة. ويعد “أن هذا العمل هو بداية القصة، بل مجرد البداية.” وبينما كنت أجلس في مكتب <برونيه> متأملة جمجمة ساحيلانثروپَس التي يعود عمرها إلى سبعة ملايين سنة، لم يَبْدُ أن ما ينقب عنه صائد الأحافير شيئا يستحيل تماما تخيله. فالكثير منا يمضي أفضل سنيّ حياته باحثا عن نفسه.                                          

 

 المؤلفة

Kate Wong

كاتبة ومحررة في مجلة ساينتفيك أمريكان.

 

مراجع للاستزادة 

Late Miocene Hominids from the Middle Awash, Ethiopia. Yohannes Haile-Selassie in Nature, Vol. 412, pages 178-181; July 12, 2001.

Extinct Humans. Ian Tattersail and Jeffrey H. Schwartz. Westview Press, 2001.

Bipedalism in Orrorin tugenensis Revealed by Its Femora. Martin Pickford, Brigitte Senut, Dominique Gommercy and Jacques Trail in Comptes Rendus: Palevol, Vol. l, No. 1, pages 1-13; 2002.

A New Hominid from the Upper Miocene of Chad, Central Africa. Michel Brunet, Franck Guy, David Pilbeam, Hassane Taisso Mackaye et al. in Nature, Vol. 418, pages 145-151; July 11, 2002.

The Primate Fossil Record. Edited by Walter C. Hartwig. Cambridge University Press, 2002.

Scientific American, January 2003

 (*)AN ANCESTOR TO CALL OUR OWN

  (**)Standing Tall

 (***)Overview / The Oldest Hominids

(****)African Roots

(*****)The Oldest Ancestor?

 (******)Anatomy of an Ancestor

(*******)How Many Hominids?

 (********)Hominids in Time

(1) الهيكل العظمي خلف (تحت) القحف. (التحرير)

(2) الكمبري أول دور في حقب الپاليوزوي. 

(3) coeval. (التحرير)

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى