أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
بيولوجيافلسفةفلسفة العلوم

ما الذي يدور حقا في عقول الحيوانات؟

بقلم: مايكل بروكس

تعرف الحيوانات الذكيّة من الشمبانزي إلى الغربان ما الذي يعرفونه، وما الذي يفكّر فيه الآخرون. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالمعرفة المجرّدة، فإن الصورة تكون أكثر اختلاطا.

يقول العاملون في مؤسسة ديفيد شيلدريك للحياة البرية David Sheldrick Wildlife Trust في نيروبي بكينيا، إن الفيلة تعرف أنه سيُعتَنى بها في مركز الإنقاذ الخاص بها، حتى وإن لم يسبق لها الذهاب إليه قطُّ. وغالبا ما تَظهر الفيلة التي لم يكن لها أي اتصال مع المركز – لكنها تعرف فيلة أخرى كان لها ذلك التواصل- وهي مصابة بجروح تحتاج إلى العناية. ولا يقترح هذا فقط وجود المعرفة المجرّدة، بل اتّصالات متطوّرة نسبيا لتلك المعرفة. إما أن تكون هذه هي الحال فعلا، أو أنه ما نتمناه Wishful thinking. يصعب تقييم مدى “معرفة” المخلوقات غير البشريّة بالأمور. وقد ظهرت السِّمة المعروفة بـ “نظريّة العقل” Theory of mind -وهي القدرة على معرفة ما يعرفه الآخرون- في الفيلة والشمبانزي والببغاوات والدلافين والغربان مثلا، على الرغم من أنها ليست قاطعة دائما. بل إن الدلافين تُدرك نقص المعرفة. دَرَّب دولفينا على الإجابة عن سؤال مثل “هل كانت النبرة التي سمعتها الآن ذات تردد مرتفع أم منخفض؟” وستجد أنه يعطي إجاباتٍ معقولة، حتى أنه سيعطي إجابة “ لا أعلم” عندما لا تكون الاستجابة الصحيحة واضحة. وتسعى بعض الرئيسيات Primates بصورة تلقائية إلى الحصول على مزيد من المعلومات عندما تطرح عليهم سؤالا لا يستطيعون الإجابة عنه، مما يوحي بأنهم يعرفون أنهم لا يعرفون، وأنهم يستطيعون تغيير ذلك.

لكنّ الأمور تبدو أكثر اختلاطا عندما تتعلق بالمعرفة المجرّدة، وهي القدرة على فهم خصائص مجردة مثل الوزن أو القوة، وتخزين المعرفة المُكتسبة من حالةٍ ما لتطبيقها في بعض السياقات المختلفة في المستقبل. تَعرف القردة العليا Great Apes بشكلٍ غريزيّ أنه عند وجود كأسين متطابقين على طرفي أرجوحة seesaw، فإن الكأس الأكثر انخفاضا هو الأكثر احتمالا لأن يكون فيه طعام. ويقول كريستوف فولتر Christoph Voelter الذي يدرس علم الحيوان في جامعة سانت أندروز University of St Andrews بالمملكة المتحدة: “إنّ لديهم تفضيلا تلقائيّا، من المرة الأولى، للكأس السفلي … يبدو أن لديهم معرفة جسدية معينة بشأن العالم.” ومن ناحية أخرى فإن غربان كاليدونيّا الجديدة لا تمتلك هذه المعرفة، وترتكب “أخطاء” عند تقييمها للحجر الذي سيضع أقصى قدر من القوّة على الرافعة لإطلاق الطعام. ويقول أليكس تايلور من جامعة أوكلاند بنيوزيلندا: “لا تستخدم الغربان المعرفة بالقوة عند حل المشكلة في البداية”، بل يبدو أنها يستخدم التجربة والخطأ.

الهروب الأخطبوطي الكبير 

هناك أدلّة على وجود حيوانات تُظهر علامات التحسر على ضياع المكافآت، كما تُظهر معرفة بسلوك الآخرين المُخادع. لكن لا يمكننا استنتاج حالة الحيوان الذهنية إلا من خلال ملاحظتنا له فقط، ونادرا ما يُخبرنا الاستنتاج بالقصة كاملة.

انظر إلى الهروب الجريء للأخطبوط “إنكي” Inky عندما تُرِك حوضه مفتوحا في الحديقة المائية الوطنية في نيوزيلندا National Aquarium of New Zealand العام الماضي. قد نستنتج من الطريقة التي ركض بها، بأقدامه الثمانية، أنه يعرف بأنه لا يرغب في أن يكون هناك. أو من الطريقة التي خرج بها من المبنى عبر أنبوب تصريف طوله 50 مترا أنه كان يعرف (أو على الأقل يشعر) بأنه يؤدي إلى البحر. لكننا في النهاية لا نعرف ما إذا كان الهروب مخطّطا له، أم كان انتهازا للفرصة فقط.

أما الشمبانزي سانتينو Santino فهو مخطِّطٌ بالتأكيد، فقد كان يعلم بأنه سيرغب في رمي الأشياء على الزوار حينما يأتون إلى حديقة فوروفيك للحيوان Furuvik Zoo في السويد، لذا قام بتكسير الخرسانة في حظيرته إلى قطع مناسبة للرمي، ومن ثمّ بتكويمها للاستخدام المستقبلي. وقد لوحظ أن حيوانات الشمبانزي في البرية تخطط لوجبة الإفطار، حيث تحدّد بشكل مسبق ماذا ستتناول، ومن أين ستحصل عليه، وأين ستتناوله. لكن شيئا جوهريا لا يزالُ مفقودا. عندما تعطي شيئا جديدا لطفلٍ بشريّ فإنه سيتحقّق منه بدقّة، فاحصا جميع خصائصه. ويقول فولتر: “يقوم البشر بهذه التجارب الطبيعية والمنهجية لاكتشاف كيفيّة عمل العالم، لكننا لا نمتلك حتى الآن أي دليل على أن الرئيسيّات الأخرى تقوم بالشيء نفسه ذاته.”

يسمح لنا هذا الفضول الفطري، والقدرة اللغوية غير المسبوقة على مراكمة مخزن ضخم وفريد من المعرفة المجرّدة عن النُّظُم والأشياء من حولنا. لن تستطيع تعليم الشمبانزيّ ميكانيكيا الكم. لكن يجب ألّا نستهين بقدرات الحيوانات. فقد اكتشف جون مرزلوف John Marzluff -من جامعة واشنطن University of Washington في سياتل- أن الغربان تستطيع تمييزك، كما أن بمقدورها حمل ضغينة تجاهك لسنوات. ويضيف جون قائلا: على الأقل هي لا تعرف مكان إقامتك، “ومن واقع تجربتي، يجب أن ترى الشخص خارج المنزل كي تقوم بالرّد عليه.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

زر الذهاب إلى الأعلى