فنكتبهندسة معمارية

كتابان يستكشفان انعزالنا عن العالم المادي وحاجتنا إلى إعادة الاتصال بالأشياء

صناعة أشياء ذات أهمية: فن وعلم الابتكارات التي تدوم

تأليف: ديفيد إدواردز

الصفحات: 270

منشورات: Henry Holt & Company.

أشياء أقل وأفضل: الحكمة الكامنة للأشياء

تأليف: غلين آدامسون

الصفحات: 272

منشورات: Bloomsbury.

ترجمة: مي منصور بورسلي

في عام 1912، بدأ أوتو روهودير Otto Rohwedder من ولاية أيوا بالعمل على الجهاز الأول لتقطيع الخبز إلى شرائح؛ مما مهد الطريق في ثلاثينات القرن العشرين لمخابر Wonder Bread لبدء تغليف وشحن أرغفة مقطعة مسبقًا إلى جميع أنحاء البلاد. ولا عجب أن صارت عبارة “أعظم شيء منذ الخبز المُقطَّع” مرجعًا لأي ابتكار أمريكي رائع. وأدت مضادات الأكسدة الكيميائية المكتشفة حديثًا إلى إبطاء عملية تعفن الخبز، كما أتاح تطوير البوليمرات البلاستيكية بقاء أرغفة الخبز طازجة لفترة أطول أثناء نقلها. وقبل ذلك، كان الخبز محليًا. وإذا بار محصول القمح، فسيعاني الناس في تلك المنطقة الجوع أو حتى الموت.

وفي كتابه «صناعة أشياء ذات أهمية»، يشير ديفيد إدواردز David Edwards، وهو مهندس ومخترع وأستاذ لمقرر في ترجمة الأفكار بجامعة هارفارد Harvard، إلى أنها كانت ابتكارات تجارية، تمامًا مثل هذه، مُبنيَّة على خلفية التقدم في العلوم والتكنولوجيا، لصنع عالم أفضل من أي وقت آخر في التاريخ. ويمكن لطوابير طويلة من السكان الحصول على غذاء وفير وصحي نسبيًا؛ مما يزيد متوسط العمر المتوقع والحد من وفيات الرضع. وقد وسعت هذه الابتكارات التجارية نطاقَ الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والمياه النظيفة والمعلومات والترفيه.

ومع ذلك، فإنّ هذه التحولات العالمية التاريخية لم تعد تبدو جيدة على هذا النحو: تزايد تكوم النفايات البلاستيكية التي تطفو على محيطات الأرض خانقةً الحياة البحرية، وتعرض الأراضي للتلوث، واجتثاث الغابات وتغير المناخ؛ مما خلف مساحة قليلة بالكاد تصلح للزراعة لإطعام السكان بمعدل النمو الحالي. ويقول إدواردز إن نظامنا الحالي للابتكار “لا يسمو إلى مستوى التصدي لتحديات اليوم،” ويقدم إدواردز نموذجًا جديدًا لصنع أشياء قد تكون واعدة ومفيدة وقابلة للتطبيق تجاريًا.

وفي كتاب «أشياء أقل وأفضل» نجد أن غلين آدامسون Glenn Adamson، المدير السابق لمتحف الفنون والتصميم Museum of Arts and Design في نيويورك ومؤلف العديد من الكتب حول الحِرف، ينظر إلى معاناة العالَم الطبيعي من خلال منظور علاقتنا المعذبة المتزايدة بها. وعندما ننظر بعيدًا عن شاشاتنا، نجد أننا فقدنا علاقتنا بالعالم المادي الذي – وفقا لآدامسون – هو تجسيد لإنسانيتنا المشتركة. وتحتوي الأشياء، خاصة تلك المصنّعة بشكل جيد، على معلومات ذكية على شكل “آلاف السنين من التجارب والخبرات المتراكمة.” ومن خلال فقدان الفهم والتقدير للأشياء، موادها وكيفية صنعها سبب كونها كما هي، فإننا نفقد القدرة التي تمتلكها لتعزيز حياتنا وربطنا ببعضنا بعضا. وإذا أحببنا الأشياء أكثر وأردناها أن تكون أفضل، فإنّ آدامسون يرى أننا سنحتاج إليها وسيقل تبديدنا لها.

ومن الناحية التاريخية، فقد اتبع الابتكار، وفقًا لإدواردز، نموذجين متميزين: تجاري أو ثقافي. فالأول، مدفوعاً بهامش الربح والعائد على الاستثمار، غيّر العالم وسهّل حياتنا، لكنه بطبيعته قصير النظر وغير قادر على العمل على أهداف إنسانية طويلة الأجل. ولا يمكن للرأسمالية أن تستثمر ما لا وجود له بعد، أي المستقبل. ومن ناحية أخرى، فإنّ الإبداع الثقافي، مثل الفن أو المسرح، قد يحاول بشكل أكثر طموحًا تغيير طريقة تفكيرنا أو تصرفاتنا، لكن آثاره، عندما يمكن تمييزها، لا تُرى إلا بعد مرور عدة سنوات. ونحن نقدّر نوع الابتكار الذي يكون ملموسا وله تأثير فوري – الخبز المقطّع – مع تخفيض قيمته، ومن ثمَّ الفشل في الاستثمار به، هو ابتكار ربما لا تكون مساهمته واضحة في البداية.

ويرى إدواردز هذا كمشكلة، وحلّه هو إعادة العلم والفن – التخصصات المنفصلة عن بعضها بعضًا بعد نيوتن، إلى مكانها الصحيح كمسعى وحيد يطلق عليه “الإبداع الجمالي” Aesthetic Creating. وقد توصل إلى هذا الإدراك بعد أن اخترع الأنسولين القابل للاستنشاق، الذي على الرغم من كونه تحسناً على الأنسولين المحقون، إلا أنه لم يتم تبنيه، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه لم يُقدّم بطريقة جذابة من الناحية الجمالية. وبما أنّ احتياجاتنا الأساسية استوفيت بالفعل، كما يقول، فإننا سنتبنى أشياء جديدة، حتى تلك التي قد تحل مشكلات الصحة العالمية، بمجرد أن نجدها جميلة أو جذابة.

ويقترح إدواردز مختبرات للثقافة، وهي مساحات تشجع على الإبداع، وتدعمها مجموعة وتحظى بتوجيه من المرشدين. ويجب أن يكون العلم أكثر انفتاحًا ومعبّرًا بذاته، وأن تُعرض اكتشافاته على الجمهور الذي يمكن أن تساعد ملاحظاته على توجيه التصنيع والتطوير. ومساحة إدواردز الخاصة هي فن/علم: مختبر ثقافي ومقهى Artscience: Culture Lab and Café في كيمبردج، حيث يمكن للأشخاص التفاعل مع، واستهلاك، الأعمال التي هي قيد التطوير التابعة له وللطلبة المتعاونين معه. وقد أدى عمل إدواردز على تقنية الاستنشاق إلى ابتكار نكهات معبأة غازيًا قادرة على تعزيز تجربة الشراب أو الطعام لأي شخص، ثم صَنع آلية تحول هذه الأبخرة غير المرئية إلى سحابة من الدخان؛ مما يزيد على نحو محتمل من متعة تناول الكوكتيلات المعروضة في مشرب المختبر.

وبينما يبحث إدواردز عن حلول للمستقبل، يجعلنا آدامسون ننظر إلى الحاضر. حرفيا. وفي إحدى المرات قدّم جولةً جذابة في زاوية شارع مانهاتن بدءاً من الأسفلت (“صُب حارًا ولُفّ”) وأغطية فتحات المجاري (“مستديرة لأن الغطاء المربّع أو المستطيلي الذي إذا تحرك بزاوية غير صحيحة سيسقط عبر الفتحة”) إلى جانب بناء المظلات (“شُكِّلت من الصفائح المعدنية باستخدام آلات اللف والتمويج العملاقة” ولا تزال تُغذى باليد في مصنع قديم ببروكلين). ويريد آدامسون، الباحث في مركز ييل للفنون البريطانية Yale Center for British Art، أن نقدر كيف أنّ العالم المادي – كل الأشياء المتصلبة والجامدة التي تحيط بنا – يَحمل ذكريات وفرصة للمشاركة الوجدانية.

تعني كلمة “ذكية”، المطبقة على الهواتف والسيارات، أنّ الأشياء التي لا تتفاعل معنا هي “غبية” – سواء كانت صامتة أو غير ذكية. ولكن آدامسون يجد تفاهة في المرونة المفرطة للأشياء “الذكية”. ويخبرنا عن ليلة باتت فيها ابنة أخته في منزله ووضعت بجنبها صورة صغيرة لكلبها بيبر Pepper. وسألها لماذا، في حين يحتوي هاتفك على العشرات من هذه الصور؟ فأجابت: “إنّ الهدف من الهاتف ليس لأن يكون صورة لبيبر، في حين أنّ هدف صورة بيبر هي أن تكون صورة لبيبر.” وتمتلك الكائنات المادية صفات جوهرية محددة وغنية، وقد تكون مستودعات للمعنى بطرق لا يمكن أن تتدبرها بوابات قوية تخدم العالم ككل.

إنّ آدامسون ليس معادياً للرقمية بقدر ما هو مؤيد للأشياء، إلى حد كونه متحيزا للمادة. ويريدنا أن نكون فضوليين وألا نطلق أحكامًا ضد كل الأشياء المادية. ويربك آدامسون نفسه في محاولة للدفاع عن أشياء أقل وأفضل كما في عنوان كتابه، لأنّ “الأشياء الأفضل” غالباً ما تكون مصنوعة يدوياً ومكلفة، ومن ثمَّ نخبوية. (كما كافح وليام موريس William Morris وآخرون مع فشل الحِرَف – بعد التصنيع – في أن تكون جماهيرية). ولما كان آدامسون قد سمح بأن يكون “الجمال” نسبياً ثقافيًا، فإنّ ذلك يعني أن “الأفضل” و”الرفاهية” يتحولان بطريقة مماثلة إلى أهداف. وكما أخبرني شخص ما ذات مرة: “الرفاهية هي ما لا يمتلكه المرء بما يكفي.” وفي الحقيقة، يتحدث آدامسون عن جده الذي نشأ في مزرعة خلال فترة الكساد دون رفاهية مضطرًا إلى الاكتفاء، كما يقول، بالسياج المصنوع بالنجارة اليدوية والآيس كريم المحضر في المنزل. وهي فكرتي تمامًا عن الرفاهية! صنع قيمة لما حولك، بعلامة ثمن أعلى، فالسلع المصنوعة يدويا بجهد مكثّف تُولِّد فرص عمل في العالم النامي، وذلك يساعد على المحافظة على التقاليد القديمة والثقافات والمجتمعات ذات الصلة. وعادة ما تكون عملياتها أكثر حفاظا على النظام الإيكولوجي من نظيراتها الصناعية أو التقنية. (إضافة إلى أنّ الأشياء جميلة حقًا إذا سألتني عن رأيي.)

ويقول آدامسون: “إن الاختبار الحقيقي لقيمة الشيء لا يكمن في كفاءته أو حداثته أو حتى جماله، ولكن فيما إذا كان يعطينا شعورًا بإنسانيتنا المشتركة.” وتتيح أحدث ابتكارات إدواردز لنا نقل العبير رقميًا عبر الجهاز الذي يتصل بهاتفنا. حتى الآن، لم تشترك هواتفنا إلا في حواس البصر والصوت، تاركة أجهزتنا الشمية غير مستغلة. ويأمل إدواردز تقديم  الفوائد الصحية الأيضية والمهدئة والمثبتة علمياً للرائحة -عند الطلب-حتى أثناء جلوسنا متوترين في العمل. وربما في يوم من الأيام، إذا ما تبنينا هذه التقنية على نطاق واسع، فإنه بعد هدوء موجة الرسائل المزعجة المحتومة ومزاح الروائح المزعجة، ستحدث ثورة في أنظمة توصيل الغذاء والدواء العالمية. وفي هذه الأثناء، كما قد يقترح آدامسون، يجب أن نخرج ونشم الورود.

©2018 The New York Times

Distributed by The New York Times Syndicate

http://<link rel=”canonical” href=” https://www.nytimes.com/2018/12/10/books/review/the-not-so-dumb-objects-that-smartphones-have-led-us-to-ignore.html”>

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق