علم الجينات والوراثة

مشروع ضخم يكشف عن تعقيد تنظيم الجينات

البيانات المأخوذة من أنسجة متفرقة من جميع أجزاء الجسم تعزز البحث عن الأساس الجيني للمرض

بقلم:    إليزابيث بينسي

ترجمة: مي بورسلي

منذ نحو 20 عاما سَلسَلَ العلماءُ الجينومَ البشري، وكان العديد من الباحثين واثقين من قدرتهم على التعرف بسرعة على الجينات المسؤولة عن الأمراض المعقدة مثل داء السكري Diabetes أو الفصام Schizophrenia. غير أن التقدم المحرز سرعان ما توقف، وذلك  جزئيا بسبب جهلهم بنظام المفاتيح التي تتحكم في المكان من الجسم حيث تعبر عن نفسها، والكيفية التي تعبر بها الجينات عن نفسها. وهذا التنظيم الجيني هو ما يجعل خلية القلب متميزة عن خلية الدماغ، على سبيل المثال، وهو ما يميز الأورام عن الأنسجة السليمة. والآن، بدأ جهد هائل سيستمر لمدة عشر سنوات لاستكمال الصورة بربط مستويات نشاط  Activity levels عشرين ألف جين بشري مُرمِّز للبروتين Protein-coding ، كما يتضح من مستويات حمضها النووي الريبوزي RNA، بالتنويعات Variations في ملايين القطع التنظيمية من الحمض النووي DNA.

وبالنظر إلى ما يصل إلى 54 نوعًا من الأنسجة في مئات الأشخاص المتوفين مؤخرًا، فإن مشروع تعبير النمط الجيني-الأنسجةGenotype-Tissue Expression  (اختصارا:المشروع GTEx) الذي تبلغ تكلفته 150 مليون دولار يهدف إلى إنشاء “محطة تسوق واحدة لعلم الجينات للتنظيم الجيني”، كما يقول إيمانويل ديرميتزاكيس Emmanouil Dermitzakis، أحد أعضاء فريق المشروع GTEx الاختصاصي بعلم الجينات من جامعة جنيف University of Geneva. ففي مجموعة من الأوراق البحثية المنشورة في مجلة ساينس (Science pp. 1318, 1331–34)، ومجلة ساينس أدفانسيس Science Advances، ومجلة سيل Cell، وأعداد سبتمبر من دوريات علمية أخرى؛ عرض باحثو المشروع GTEx التحليلات الكبيرة النهائية لهذه البيانات المجانية والقابلة للتنزيل Downloadable، إضافة إلى أدوات أخرى للمزيد من البحث في البيانات.

“هذا المورد لا يقدر بثمن” لأي شخص مهتم بأمراض معينة، أو يدرس الأنسجة أو أنواع الخلايا، كما يقول جان كوربل Jan Korbel، الاختصاصي بعلم الجينات البشرية من مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي European Molecular Biology

Laboratory (اختصارا: المختبر EMBL)، في هايدلبرغ. وكما يقول جون لي Jun Li، الاختصاصي بعلم الجينات من جامعة ميشيغان University of Michigan  في آن أربور: “إنه كنز عام للجميع”.

ولكن التحليل الرئيس المعقد (1318p.) يشير إلى مدى تعقيد الارتباطات بين الجينات والحمض النووي DNA التنظيمي. ويقول دان غراور Dan Graur، الاختصاصي بعلم البيولوجيا التطورية من جامعة هيوستنUniversity of Houston  والناقد المعروف للعلوم الكبيرةBig science ، إن الأوراق البحثية “مكتوبة بأسلوب مبهم”، والنتائج المعلنة يصعب فهمها. ومثل النقاد الآخرين، فقد أشار إلى أن المشروع GTEx، بـ 85% من المتبرعين من البيض، يفتقر بشدة إلى التنوع العرقي، ومن ثم لا يحتوى على التنوع الجيني من المجموعات الأخرى.

والمشروع GTEx لا يستطيع حتى الآن تحديد التسلسلات المسؤولة عن الأمراض مثل أمراض القلب والفشل الكلوي، أو تتبع الكيفية التي تعمل بها طبقات التنظيم الجيني معًا. ويقول إيوان بيرني Ewan Birney، الاختصاصي بعلم الجينوم نائب المدير العام للمختبر EMBL، الذي قاد مشروعًا آخر كبيرًا لعلم الجينوم يسمى إنكود ENCODE: “لا ينبغي أن نحزم أمتعتنا ونقول إن التعبير الجيني قد حُلّ”.

وفي عام 2010 ، بعد إطلاق المشروع GTEx، اتفقت أسر أكثر من 900 شخص متوفٍ ممن تعهدوا بالتبرع بالأعضاء أو الأنسجة لعمليات زرع الأعضاء، على أنه يمكن للباحثين أيضًا أخذ عينات من الأنسجة السليمة لأحبائهم، مثل الدماغ والعضلات والدهون والبنكرياس والقلب. ووجود أنسجة متعددة من المتبرع نفسه أعطى الباحثين الثقة بأن التباين في التعبير الجيني بين العضلات والبنكرياس، على سبيل المثال، كان حقيقيًا وذا معنى. “فلأول مرة، لدينا هذه المجموعة المتجانسة حتى نتمكن من التعرف على الاختلافات البيولوجية بين الأنسجة”، كما تقول باربرا ستانغر Barbra Stanger، أحد أعضاء المشروع GTEx الاختصاصية بعلم الجينات من جامعة نورث وسترن North-western University.

وقد وصف الباحثون كل عينة ثم صوروا وجمدوا جميع الأنسجة لتحليلها في المستقبل. وفكوا رموز الجينوم وحددوا كمية الحمض النووي الريبي RNA لقياس نشاط الجين. وإضافة إلى مقارنة الأنسجة في شخص واحد، يمكنهم أيضًا مقارنة الأنسجة نفسها في أشخاص مختلفين. وكانوا قادرين على ربط الاختلافات في الحمض النووي DNA بمستويات التعبير الجيني باستخدام التحليلات الإحصائية للعثور على أنماط مترابطة للتغيير. ولب قاعدة بيانات المشروع GTEx هو تجميع الارتباطات المعقدة بين القطع الحمض النووي DNA التنظيمية أو ما يسمى التعبير الكمي للسمة الموضعية Expression quantitative trait loci (اختصارا: التعبير eQTLs)، والجينات التي تنظمها.

وفي عام 2015 اكتملت المرحلة التجريبية التي فحصت فيها تسعة أنسجة فحصا معمقا (Science 8 May 2015, p. 618) وأظهرت أن العينات من الجثث كانت بمثابة عينات مقبولة تماثل الأنسجة الحية، كما يقول تولي لابالاينن Tuuli Lappalainen، المدير المشارك في المشروع GTEx الاختصاصي بعلم الجينات البشرية من مركز جينوم نيويورك New York Genome Center. الآن، بعد تحليل ما يقرب من 20 ألف عينة، “وصل المشروع GTEx إلى حجم يمكننا من خلاله استخلاص أفكار أكثر وضوحًا”، كما تقول كريستين أردي Kristin Ardlie، المديرة المشاركة الاختصاصية بعلم الجينات البشرية من معهد برود Broad Institute. وقد وجدت هي وزملاؤها أن كل جين بشري تقريبًا يتنظم بتعبير eQTL واحد على الأقل، يستهدف العديد منها جينات متعددة ويفترض أنه يؤثر في سمات كثيرة.

كما كشفت سترينجر عن نتيجة رئيسية أخرى: أظهرت جميع الأنسجة تقريبًا، بما في ذلك، على سبيل المثال، الجلد والقلب، اختلافات في التعبير الجيني بين الذكور والإناث (1331p.). وتقول سترينجر: “إن الغالبية العظمى من البيولوجيا يتقاسمها الذكور والإناث”، لكن الاختلافات في التعبير قد تساعد على تفسير سبب اختلاف أنماط المرض بين الرجال والنساء أو ردود أفعالهم تجاه الأدوية. ويقول كوربل: “إنني أعتبر هذا اكتشافًا مهمًا”.

وبالمثل، أكد فرانسوا أغيه Francois Aguet وزملاؤه، المدير المشارك من فريق برود، أن بعض التعبيرات eQTLs توسع نطاق وصولها إلى الجينات البعيدة، حتى تلك الموجودة على الكروموسومات (الصبغيات) Chromosomes الأخرى. وقد وثق المشروع GTEx  143 من هذه العناصر “المتحولة”، والتي يؤثر بعضها في جينات متعددة عبر الجينوم.

أما كيلي فريزر Kelly Frazer، من جامعة كاليفورنيا University of California في سان دييغو؛ فتستخدم البيانات بالفعل للمساعدة على فهم ما يسمى دراسات الارتباطات على مستوى الجينوم Genome-wide association studies (اختصارا: الدراسات GWAS)، والتي هي ألغاز رئيسية. ففي الدراسات GWAS تنظر اتحادات ضخمة في جينومات آلاف المرضى الذين يعانون مرضا أو سمة معينة وتلاحظ مئات التغييرات الجينية الدقيقة، غالبًا خارج الجينات نفسها. ولكن الباحثين غالبًا ليس لديهم أدنى فكرة عن أي من هؤلاء المشتبه بهم العديدين قد يتسبب بالمرض أو يشكل هذه السمات.

على سبيل المثال، حددت الدراسات GWAS أكثر من 500 اختلاف جيني بدا أنها تؤثر في إيقاع القلب Heart rhythm والتوصيل الكهربائيElectrical conductance . وأرادت فريزر معرفة كيف أثّـر عامل نسخ خاص بالقلب يسمى العامل NKX2-5 في تلك السمات. وقد حدد فريقها الآلاف من الاختلافات في الحمض النووي DNA التي قد تؤثر في نشاط العامل NKX2-5، ومن ثم قد تغير إيقاع القلب.

في حين أن باولا بيناغليو Paola Benaglio، من مختبر فريزر، حللت وقارنت الاختلافات في الحمض النووي DNA والبيانات من الدراسات GWAS والبيانات من المشروع GTEx لتحديد اختلافات الحمض النووي DNA التي تنظم نشاط العامل NKX2-5، فقد تمكنت أولاً من تضييق نطاق التعبيرات eQTLs المرشحة إلى 55، ثم إلى تسعة، وأخيراً، باستخدام بيانات الدراسات GWAS حول إيقاعات القلب وأدوات أخرى، توصلت إلى قاعدة متغيرة Variable base واحدة على الكروموسوم 1. بعد ذلك، منعت تعبير قاعدة الحمض النووي DNA تلك باستخدام تقنية تحرير الجينوم كريسبر CRISPR وأكدت أنه يغير ربط العامل NKX2-5، كما أفادت بيناغليو وفريزر وزملاؤهم في عام 2019 في الدورية نيتشر جينيتكس Nature Genetics.

وتقول فريزر: “أنا متأكدة من وجود مئات الأشخاص مثلي” ممن يُثمِّنون قاعدة البيانات. والإحصائيات تدعمها. فشهريًا، يزور 16 ألف شخص بوابة المشروع GTEx، ويفحص آخرون البيانات الموجودة على مواقع أخرى. وفي عام 2018 استشهدت به 900 بحثية .

  ويتفهم بيرني الحماس، لكنه يحذر من ظهور ارتباطات زائفة بين الدراسات eQLTs والجينات. إن الوصول إلى البديل المسبب للمرض عبر المشروع GTEx “ليس إصابة للهدف”.

من جانبه، لا يزال غراور متشككًا في أن النشاط الجيني في الجثث هو انعكاس كافٍ لما يجري في الأحياء، على الرغم من بيانات الفريق حول الحفاظ على التعبير الجيني. يقول: “إن الأمر أشبه بدراسة سلوك التزاوج لجسد حيوان نافق مدهوس على الطريق”.

ومع اقتراب انتهاء المشروع تخطط معاهد الصحة الوطنية الأمريكية U.S. National Institutes of Health للمشروع GTEx التنموي الذي سيستقطب الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 20 عامًا لإنشاء أطلس للتعبير الجيني من الولادة إلى مرحلة البلوغ. ويقول كوربل إنه في جهود المتابعة هذه، فإن وجود مجموعة متنوعة من المتبرعين بالأنسجة “سيكون ذا قيمة كبيرة”. وقد خطط المشروع GTEx في البداية لهذا الهدف لكنه تعثر لأن المتبرعين بالأنسجة والأعضاء كانوا من البيض بشكل غير متناسب مع نسبتهم في مجموع السكان. وتقول لورا سيمينوف Laura Siminoff، عالمة الاجتماع من جامعة تمبل Temple University التي تلقت التمويل في وقت مبكر للنظر في الجوانب الأخلاقية للمشروع GTEx، إن الباحثين بحاجة إلى “تواصل أكثر فاعلية…وإلا فإننا سنجري هذا العلم للأشخاص البيض فقط”.

النتائج حتى الآن لا يمكن أن تروي القصة الكاملة للكيفية التي يتسبب بها الجينوم في ظهور عدد لا يحصى من الأنسجة والأمراض في الإنسان. ومع ذلك، يتوقع بيرني، “استخدام المشروع GTEx وإعادة استخدامه مرارًا وتكرارًا، وستكون هناك بعض الاستخدامات التي لا يمكنني التنبؤ بها”.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى